النقد باختلال الضبط عند الخطيب
الضبط شرط في قبول خبر الراوي، فإذا لم يتحقَّق هذا الشرط في الراوي كان خبره مردودًا.
نقل الخطيب في «الكفاية» عن القاضي أبي بكر محمد بن الطيب هو الباقلاني، أنه قال: «من عُرف بكثرة السهو والغفلة وقلَّة الضبط رُدَّ حديثه، ويُردُّ خبر مَن عُرِف بالتساهل في حديث رسول الله - ﷺ -» (^١).
وقد عقد الخطيب عدة أبواب في «الكفاية» قرَّر فيها أهمية التحقق من شرط الضبط في الراوي، ووجوب رَدِّ رواية من اختلَّ عنده هذا الشرط، ومن هذه الأبواب:
- باب ترك الاحتجاج بمن كَثُر غلطُه، وكان الوهم غالبًا على روايته.
- باب رَدِّ حديث أهل الغفلة.
- باب رَدِّ حديث مَن عُرِف بقبول التلقين.
- باب ترك الاحتجاج بمن عُرِف بالتساهل في سماع الحديث.
- باب ترك الاحتجاج بمن عُرِف بالتساهل في رواية الحديث.
_________________
(١) «الكفاية» (ص: ١٥٢).
[ ١٨٩ ]
- باب ترك الاحتجاج بمن لم يكن من أهل الضبط والدراية، وإن عُرِف بالصلاح والعبادة (^١).
وهذه بعض الأمثلة التي تُبيِّن نقد الخطيب للأحاديث بالطعن في ضبط بعض رواتها:
- المثال الأول:
أورد الخطيب في ترجمة أبي سعد عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن سَوْرة أن القاضي أبا القاسم التَّنُوخي ذكر له أن أبا سعد بن سَوْرة حدَّثه من حفظه قال: حدثنا أبو عمرو إسماعيل بن نجيد قال: حدثنا أبو عبد الله البوشنجي محمد بن إبراهيم قال: حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، عن سليمان التيمي، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: «مَن كَذَبَ عليَّ متعمِّدًا، فليتبوَّأْ مقعدَه من النارِ» (^٢).
ثم قال الخطيب: «وقد وهم أبو سعد في رواية هذا الحديث هكذا؛ وذلك أن البوشنجي ليس عنده عن الأنصاري شيء ولا أدركه، وهذا الحديث عند ابن نجيد، عن أبي مسلم الكجي، عن الأنصاري، وإنما دخل الغلط فيه على أبي سعد لأنه رواه من حفظه، والله أعلم» (^٣).
_________________
(١) «الكفاية» (ص: ١٤٣ - ١٥٨)، وينظر: «الجامع لأخلاق الراوي» (١/ ١٣٨).
(٢) أصل الحديث في «صحيح البخاري» كتاب العلم، باب إثم من كذب على النبي - ﷺ - (١٠٨)، و«صحيح مسلم» المقدمة، باب في التحذير من الكذب على رسول الله - ﷺ - (٢) من طريق عبد العزيز بن صهيب عن أنس به.
(٣) «تاريخ بغداد» (١١/ ٦٠٦). ولم أجده من حديث ابن نجيد عند غير الخطيب، والله أعلم.
[ ١٩٠ ]
وأبو سعد بن سَوْرة لم يذكر الخطيب في ترجمته جرحًا ولا تعديلًا، ولكن ترجم له السُّبكي في «طبقات الشافعية»، وذكر عن عبد الغافر أنه قال فيه: «أحد العلماء الثقات الأثبات» (^١).
وهذا الحديث قد ذهب الخطيب إلى أن أبا سعد -مع ثقته- قد وهم فيه؛ لأنه حدَّث به من حفظه كما قال التَّنُوخي، فرواه عن ابن نجيد عن أبي عبد الله البوشنجي عن الأنصاري، والبوشنجي لم يروِ عن الأنصاري شيئًا ولا أدركه، فقد توفي الأنصاري سنة (٢١٥ هـ) (^٢)، ووُلد البوشنجي سنة (٢٠٤ هـ) (^٣).
والصواب فيه أنه عن ابن نجيد، عن أبي مسلم الكجي، عن الأنصاري، فأخطأ أبو سعد فقال: «عن أبي عبد الله البوشنجي» بدل: «عن أبي مسلم الكجي».
والحديث مشهور عن أبي مسلم الكجي عن الأنصاري؛ رواه الطبراني (^٤)، وأبو نعيم (^٥)، وابن عساكر (^٦)، وهو في «حديث محمد بن عبد الله الأنصاري» (^٧) من رواية أبي مسلم الكجي عن الأنصاري، والله أعلم.
_________________
(١) «طبقات الشافعية الكبرى» (٥/ ١١٧).
(٢) ينظر: «تقريب التهذيب» (ص: ٤٩٠ رقم ٦٠٤٦).
(٣) ينظر: «تاريخ الإسلام» (٦/ ١٠٠٦)، و«تقريب التهذيب» (ص: ٤٦٥ رقم ٥٦٩٣).
(٤) «طرق حديث من كذب علي متعمدًا» (ص: ١٠٥ رقم ١٠٣).
(٥) «حلية الأولياء» (٣/ ٣٣).
(٦) «معجم ابن عساكر» (٢/ ٦٠٥ رقم ٧٤٥).
(٧) «حديث محمد بن عبد الله الأنصاري» (ص: ٢٨ رقم ٢).
[ ١٩١ ]
- المثال الثاني:
قال الخطيب في ترجمة هارون بن أحمد القطان: حدثني الحسن بن علي بن محمد بن المُذْهِب الواعظ من أصل كتابه العتيق قال: حدثني أبو القاسم هارون بن أحمد العلاف المعروف بالقطان إملاء من حفظه في سنة أربع وسبعين وثلاثمائة قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن إسماعيل الأَدَمي المقرئ سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة قال: حدثنا أحمد بن منصور الرمادي قال: حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن أنس بن مالك، عن عائشة قالت: كانت ليلتي من رسول الله - ﷺ -، فلمَّا ضمَّني وإيَّاه الفِراشُ قلتُ: يا رسول الله، ألستُ أكرمَ أزواجِكَ عليك؟ قال: «بلى يا عائشة». قلتُ: فحدِّثني عن أبي بفضيلة، قال: «حدَّثني جبريلُ أنَّ اللهَ تعالى لمَّا خلقَ الأرواحَ، اختار رُوحَ أبي بكر الصِّدِّيق من بين الأرواح، وجعلَ تُرابها من الجنة، وماءَها من الحَيَوان، وجعل له قصرًا في الجنة من دُرَّةٍ بيضاءَ، مَقاصيرها (^١) فيها من الذهب والفضة البيضاء، وأنَّ اللهَ تعالى آلى على نفسه ألَّا يَسْلُبَه حسنةً، ولا يسألَه عن سيئة، وإنِّي ضَمِنتُ على الله كما ضمن اللهُ على نفسه ألَّا يكون لي ضجيعًا في حُفرتي، ولا أنيسًا في وحدتي، ولا خليفةً على أُمَّتي من بعدي إلا أبوكِ يا عائشة، بايعَ على ذلك جبريلُ، وميكائيلُ، وعُقِدَت خلافتُه برايةٍ بيضاءَ، وعُقِدَ لواؤه تحت العرش، قال الله للملائكة: رَضِيتُم ما رضيتُ لعبدي؟ فكفى بأبيكِ فخرًا أنْ بايعَ له جبريلُ وميكائيلُ وملائكةُ السماء، وطائفةٌ من الشياطين يسكنون البحرَ، فمن لم يقبل هذا فليس مني
ولستُ
_________________
(١) مقاصير: جمع مقصورة، وهي الحجرة. «المصباح المنير» (ق ص ر).
[ ١٩٢ ]
منه». قالت عائشة: فقبَّلتُ أنفَه وما بين عينيه، فقال: «حَسْبُكِ يا عائشةُ، فمَن لستِ بأُمِّه فواللهِ ما أنا بنبيِّه، فمن أراد أنْ يتبرَّأ من الله ومني فليتبرَّأ منكِ يا عائشةُ».
ثم قال الخطيب: «لا يثبت هذا الحديث، ورجال إسناده كلهم ثقات، ولعله شُبِّه لهذا الشيخ القطان، أو أُدخِل عليه، مع أني قد رأيتُه من حديث محمد بن بابشاذ البصري، عن سلمة بن شبيب، عن عبد الرزاق، وابن بابشاذ راوي مناكير عن الثقات، وقد كان في أصل ابن المُذْهِب أحاديث صالحة عن هارون القطان عن البغوي، وكلها مستقيمة» (^١).
فهذا الحديث في متنه نكارة شديدة، غيرُ بعيد عن الوضع، ورواته كلهم ثقات، ولذلك فقد التمس له الخطيب علةً يطعن بها فيه، فوجد أنه من رواية هارون القطان وهو ثقة؛ حيث روى عنه ابن المُذْهِب عن البغوي أحاديث مستقيمة كما يقول الخطيب، إلا أنه لم يكن ضابطًا للحديث كما ينبغي.
فقد سأل الخطيبُ ابن المُذْهِب عنه، فقال: «لم يكن ممن يُظَنُّ به الكذب، ولا تلحقه التُّهمة؛ لأنه لم يكن ممن يتصدَّى للحديث ولا يُحسنه، وكان من أهل القرآن والخير» (^٢).
ولذلك ذهب الخطيب إلى أنه ربما يكون بعض الكذَّابين قد أدخل هذا الحديث عليه، فاشتبه عليه، وظن أنه من حديثه فحدَّث به.
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (١٦/ ٥٤). وهذا الحديث رواه ابن الجوزي في «الموضوعات» (٢/ ٤٩ رقم ٥٧٦)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٣٠/ ١٦٤) كلاهما من طريق الخطيب به.
(٢) «تاريخ بغداد» (١٦/ ٥٥).
[ ١٩٣ ]
وقريب منه قول ابن الجوزي: «هذا قد أُدخِل عليه لغفلته، وكثيرٌ من أهل الدين تغلب عليهم الغفلة» (^١).
وقول الذهبي في ترجمته من «ميزان الاعتدال»: «روى حديثًا باطلًا كأنه المسكين أُدخِل عليه ولا يشعر» (^٢).
وهذا مثال جيِّد للقاعدة التي ذكرها المُعَلِّمي في مقدمة تحقيقه لكتاب «الفوائد المجموعة» قال - ﵀ -: «إذا استنكر الأئمة المحقِّقون المتن، وكان ظاهر السند الصحة، فإنهم يتطلَّبون له علة، فإذا لم يجدوا علة قادحة مطلقًا حيث وقعت أعلُّوه بعلة ليست بقادحة مطلقًا، ولكنهم يرونها كافية للقدح في ذاك المنكر».
ثم ذكر أمثلة على ذلك منها قال: «فمن ذلك إعلالهم بظن أن الحديث أُدخِل على الشيخ … وحجتهم في هذا أن عدم القدح بتلك العلة مطلقًا إنما بُني على أن دخول الخلل من جهتها نادر، فإذا اتفق أن يكون المتن منكرًا يغلب على ظن الناقد بطلانه فقد تحقَّق وجود الخلل، وإذا لم يوجد سبب له إلا تلك العلة، فالظاهر أنها هي السبب، وأن هذا من ذاك النادر الذي يجيء الخلل فيه من جهتها.
وبهذا يتبين أن ما يقع ممن دونهم من التعقُّب بأن تلك العلة غير قادحة، وأنهم قد صحَّحوا ما لا يُحصى من الأحاديث مع وجودها فيها، إنما هو غفلة عما تقدم من الفرق، اللهم إلا أن يُثبت المتعقِّب أن الخبر غير منكر» (^٣).
_________________
(١) «الموضوعات» (٢/ ٥٠ رقم ٥٧٦).
(٢) «ميزان الاعتدال» (٤/ ٢٨٢ رقم ٩١٤٩).
(٣) مقدمة تحقيق «الفوائد المجموعة» للشوكاني (ص: ٨).
[ ١٩٤ ]
وكأن الخطيب قد أدرك أنه ربما اعترض عليه بعض الناس بأن هارون لم ينفرد بهذا الحديث، وأنه قد رواه محمد بن بابشاذ البصري، عن سلمة بن شبيب، عن عبد الرزاق، فنبَّه على أنه قد اطلع على هذه الرواية، ولكنها مما لا يُفرح بها؛ لأن ابن بابشاذ يروي المناكير عن الثقات.
وقد ترجم له الخطيب في «تاريخ بغداد» وقال: «في حديثه غرائب ومناكير» (^١).
وترجم له الذهبي في «ميزان الاعتدال» وقال: «وثَّقه الدارقطني، ولكنه أتى بطامة لا تطيب».
ثم ساق له هذا الحديث من رواية الحافظ أبي الحسن محمد بن علي الجرجاني في «تاريخ جرجان» بإسناده إلى محمد بن بابشاذ قال: أخبرنا سلمة بن شبيب، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن أنس، عن عائشة بمعناه.
ثم قال الذهبي: «فهذا لا يحتمله سلمة، والظاهر أنه دُسَّ على ابن بابشاذ هذا، فروى حديثًا موضوعًا راج عليه ولم يهتد» (^٢).
- المثال الثالث:
روى الخطيب في ترجمة عبد الجبار بن أحمد بن عبيد الله السمسار ومن طريقه عن علي بن المثنى الطُّهَوي قال: حدثنا زيد بن الحُباب قال: حدثنا عبد الله بن لهيعة قال: حدثنا جعفر بن ربيعة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما في القيامة راكبٌ غيرنا نحن أربعة». فقام
إليه
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (٢/ ٤٦٤).
(٢) «ميزان الاعتدال» (٣/ ٤٨٨ رقم ٧٢٦٣).
[ ١٩٥ ]
عمُّه العباس بن عبد المطلب، فقال: ومن هم يا رسول الله؟ فقال: «أمَّا أنا فعلى البُراق، وجهُها كوجه الإنسان، وخدُّها كخدِّ الفرس، وعُرْفها (^١) من لؤلؤ ممشوط، وأذناها زبرجدتان خَضراوان، وعيناها مثل كوكب الزهرة، توقدان مثل النجمين المضيئين، لها شعاعٌ مثل شُعاع الشمس، بَلقاءُ مُحَجَّلة، تضيء مرة، وتنمي أخرى، يتحدَّر من نحرها مثل الجُمَان (^٢)، مضطربة في الخلق أذنها، ذَنَبها مثل ذنب البقرة، طويلة اليدين والرجلين، أظلافها كأظلاف البقر من زبرجد أخضر، تجدُّ في مسيرها، ممرُّها كالريح، وهي مثل السحابة، لها نَفَس كنَفَس الآدميين، تسمع الكلام وتفهمه، وهي فوق الحمار ودون البغل». قال العباس: ومن يا رسول الله؟ قال: «وأخي صالح على ناقة الله وسُقياها التي عقرها قومُه». قال العباس: ومن يا رسول الله؟ قال: «وعمِّي حمزةُ بن عبد المطَّلب أسدُ الله وأسد رسوله سيِّد الشهداء على ناقتي». قال العباس: ومن يا رسول الله؟ قال: «وأخي علي على ناقة من نُوق الجنة، زمامُها من لؤلؤ رطب، عليها محمل من ياقوت أحمر، قُضبانها من الدُّر الأبيض، على رأسه تاجٌ من نور، لذلك التاج سبعون ركنًا، ما من ركن إلا وفيه ياقوتة حمراء تُضيء للراكب المُحِثِّ، عليه حُلَّتان خضراوان، وبيده لواء الحمد، وهو ينادي: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فيقول الخلائق: ما هذا إلا نبيٌّ مرسل، أو مَلَك مقرَّب، فينادي منادٍ من بطنان العرش: ليس هذا مَلَكًا مقرَّبًا، ولا نبيًّا مرسَلًا، ولا حامل عرش، هذا علي بن أبي طالب وَصِيُّ رسول رب العالمين، وإمام المتقين، وقائد الغُرِّ المُحَجَّلين».
_________________
(١) العُرْف: شعر عنق الفرس. «تاج العروس» (ع ر ف).
(٢) الجُمان، كغراب: اللؤلؤ. «تاج العروس» (ج م ن).
[ ١٩٦ ]
ثم قال الخطيب: «لم أكتبه إلا بهذا الإسناد، وابن لهيعة ذاهب الحديث» (^١).
فقد أعلَّه الخطيب بابن لهيعة، وتابعه ابن الجوزي على ذلك فقال: «هذا حديث لا يصح عن رسول الله - ﷺ -؛ فابن لهيعة ذاهب الحديث، كان يحيى بن سعيد لا يراه شيئًا، وضعَّفه يحيى بن معين، وكان يدلِّس عن ضعفاء» (^٢).
ولم يوافق الذهبي ولا ابن حجر على إعلاله بابن لهيعة.
أما الذهبي فإنه قال في «تلخيص الموضوعات»: «خبر ركيك مكذوب، وما تعلَّق فيه ابن الجوزي بغير ابن لهيعة، وأنا أحسبه وُضِع بعد ابن الحُباب» (^٣).
وكأنه يرى أن عبد الجبار السمسار هو المتهم به، فقد ترجم له في «ميزان الاعتدال»، وقال: «روى عن علي بن المثنى الطُّهَوي، فأتى بخبر موضوع في فضائل علي، رواه عنه ابن المظفر الحافظ» (^٤).
وأما ابن حجر فقد اعترض على إعلال الخطيب للحديث بابن لهيعة، فقال في ترجمة عبد الجبار السمسار من «لسان الميزان»: «قلت: إن ابن لهيعة -مع ضعفه- لبريء من عهدة هذا الخبر، ولو حلفتُ لحلفتُ بين الركن والمقام أنه
لم يروه قط» (^٥).
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (١٢/ ٤١٢). وهذا الحديث أخرجه ابن الجوزي في «الموضوعات» (٢/ ١٧٨ رقم ٧٣٧)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٤٢/ ٣٢٦) كلاهما من طريق الخطيب به.
(٢) «الموضوعات» (٢/ ١٨١ رقم ٧٣٧).
(٣) «تلخيص الموضوعات» (ص: ١٣٢).
(٤) «ميزان الاعتدال» (٢/ ٥٣٣ رقم ٤٧٣٨).
(٥) «لسان الميزان» (٥/ ٥٦ رقم ٤٥٤٢).
[ ١٩٧ ]
أقول: وعبد الجبار السمسار لم يذكر الخطيب في ترجمته له جرحًا ولا تعديلًا، ولم يورد له إلا هذا الحديث الموضوع، وكذلك فعل الذهبي في «الميزان»، وابن حجر في «اللسان».
ووجه اعتراض الذهبي وابن حجر على إعلاله بابن لهيعة، أن ابن لهيعة مع ضعفه وتخليطه لا يحتمل أن يروي مثل هذا الخبر الركيك البيِّن الوضع، ويظهر من كلام ابن حجر أنه فهم أن الخطيب يتهم ابن لهيعة بالوضع.
إلا أن إعلال الخطيب به له وجه صحيح، وهو أن ابن لهيعة ليس بوضَّاع ولا كذَّاب، ولكن بعض الكذَّابين قد أدخله عليه، أو لقَّنه إياه، فظن أنه من حديثه فحدَّث به.
يدل على ذلك ما ذكره ابن حجر نفسُه في ترجمة ابن لهيعة من «تهذيب التهذيب» عن يحيى بن حسان أنه قال: «رأيتُ مع قوم جزءًا سمعوه من ابن لهيعة، فنظرتُ فإذا ليس هو من حديثه، فجئتُ إليه، فقال: ما أصنع يجيئوني بكتاب فيقولون: هذا من حديثك. فأُحدِّثهم».
ونقل عن ابن قتيبة أنه قال: «كان يُقرأ عليه ما ليس من حديثه».
وحكى عن أحمد بن صالح أنه قال: «كان ابن لهيعة من الثقات، إلا أنه إذا لُقِّن شيئًا حدَّث به».
وعن ابن خِراش قال: «كان يَكتب حديثه، فأُحرقت كتبه، فكان مَن جاء بشيء قرأه عليه، حتى لو وضع أحدٌ حديثًا وجاء به إليه قرأه عليه» (^١).
وقال ابن حبان في ترجمة ابن لهيعة من «المجروحين»: «قد سبرتُ أخبار ابن لهيعة من رواية المتقدِّمين والمتأخِّرين عنه، فرأيتُ التخليط في رواية
_________________
(١) «تهذيب التهذيب» (٥/ ٣٧٨).
[ ١٩٨ ]
المتأخرين عنه موجودًا، وما لا أصل له من رواية المتقدِّمين كثيرًا، فرجعتُ إلى الاعتبار، فرأيتُه كان يدلِّس عن أقوام ضعفى عن أقوام رآهم ابن لهيعة ثقات، فالتزقت تلك الموضوعات به» (^١).
وقد روى الخطيب في «الكفاية» قولَ يحيى بن حسان السابق الذكر ثم عقَّبه بقوله: «قلتُ: وكان عبد الله بن لهيعة سيئ الحفظ واحترقت كتبُه، وكان يتساهل في الأخذ، وأي كتاب جاءوه به حدَّث منه، فمن هناك كثرت المناكير في حديثه» (^٢).
فليس ببعيد أن يكون هذا الحديث الموضوع قد أدخله بعضُ الهلكى عليه، لا سيما وقد قال ابن حجر في ترجمة ابن لهيعة من «تهذيب التهذيب»: «ومن أشنع ما رواه ابن لهيعة ما أخرجه الحاكم في المستدرك (^٣) من طريقه عن أبي الأسود عن عروة عن عائشة قالت: مات رسول الله - ﷺ - من ذات الجَنْب.
وهذا مما يُقطع ببطلانه؛ لما ثبت في الصحيح (^٤) أنه قال لمَّا لدُّوه: «لِمَ فعلتُم
هذا؟» قالوا: خشينا أن يكون بك ذات الجَنْب؟ فقال: «ما كان اللهُ ليُسلِّطها عليَّ» (^٥).
_________________
(١) «المجروحين» (٢/ ١٢).
(٢) «الكفاية» (ص: ١٥٢).
(٣) «المستدرك» كتاب الطب (٤/ ٤٤٩ رقم ٨٢٣٦)، وقال الذهبي في «التلخيص»: «لم يصح».
(٤) لم أجده في أيٍّ من «الصحيحين»، ولعله يريد في الحديث الصحيح، أو أن الحديث أصله في «صحيح البخاري»، كما سيأتي بيانه تعليقًا.
(٥) أخرجه أحمد في «المسند» (٤١/ ٣٦٤ رقم ٢٤٨٧٠)، وأبو يعلى في «المسند» (٨/ ٣٥٣ رقم ٤٩٣٦)، والطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (٥/ ١٩٣ رقم ١٩٣٤)، والحاكم في «المستدرك»، كتاب الطب (٤/ ٢٢٥ رقم ٧٤٤٧) وغيرهم من طرق عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. ورجاله ثقات مشهورون، غير عبد الرحمن بن أبي الزناد، فهو صدوق تغيَّر حفظه لما قدم بغداد وكان فقيهًا. «تقريب التهذيب» (ص: ٣٤٠ رقم ٣٨٦١). لكن قال يحيى بن معين: أثبت الناس في هشام بن عروة عبد الرحمن بن أبي الزناد. كما في «تهذيب الكمال» (١٧/ ٩٨). وأصل الحديث في «صحيح البخاري» كتاب المغازي، باب مرض النبي - ﷺ - ووفاته (٦/ ١٤ رقم ٤٤٥٨) باختصار دون موضع الشاهد، وعلَّقه البخاري بعده بصيغة الجزم فقال: «رواه ابن أبي الزناد، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، عن النبي - ﷺ -» ولم يذكر متنه. وللحديث إسناد آخر عند أحمد أيضًا (٤٣/ ٣٦٦ رقم ٢٦٣٤٦) من طريق محمد بن إسحاق قال: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير، أن عائشة حدثته أنه قال حين قالوا: خشينا أن تكون به ذات الجنب: «إنها من الشيطان ولم يكن الله ليسلطه علي». وإسناده حسن؛ محمد بن جعفر بن الزبير بن العوام: ثقة، روى له الجماعة. «تقريب التهذيب» (ص: ٤٧١ رقم ٥٧٨٢). ومحمد بن إسحاق: إمام المغازي صدوق يدلس ورُمي بالتشيع والقدر. «تقريب التهذيب» (ص: ٤٦٧ رقم ٥٧٢٥). ولكنه قد صرح بالتحديث في هذا الإسناد فانتفت شبهة تدليسه. فالحديث صحيح بمجموع هذين الطريقين، ولذلك قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه».
[ ١٩٩ ]
وإسناد الحاكم إلى ابن لهيعة صحيح، والآفة فيه من ابن لهيعة، فكأنه دخل
عليه حديث في حديث» اهـ (^١).
فإعلال الخطيب لحديثنا هذا هو مثل إعلال ابن حجر لحديث ابن لهيعة في ذات الجَنْب، والله أعلم (^٢).
_________________
(١) «تهذيب التهذيب» (٥/ ٣٧٩).
(٢) وينظر: مثال آخر للنقد باختلال الضبط في: «تاريخ بغداد» (٤/ ٥٧١).
[ ٢٠٠ ]