النقد بانقطاع السند عند الخطيب
بيَّن الخطيب أنَّ الحديث المنقطع بجميع أنواعه غير مقبول، فقد عقد فصلًا في «الكفاية» بعنوان: «معرفة الخبر المتصل الموجب للقبول والعمل» ذكر فيه عدة آثار كان أولها ما رواه بسنده عن محمد بن يحيى الذهلي أنه قال: «لا يجوز الاحتجاج إلا بالحديث الموصل غير المنقطع، الذي ليس فيه رجل مجهول ولا رجل مجروح» (^١).
إلا أنه أوضح أن في المسألة خلافًا ذكره، ثم رجَّح القول الذي عليه جمهور حُفَّاظ الحديث ونُقَّاده فقال: «وقد اختلف العلماء في وجوب العمل به، فقال بعضهم: إنه مقبول ويجب العمل به، إذا كان المرسِل ثقة عدلًا، وهذا قول مالك وأهل المدينة وأبي حنيفة وأهل العراق وغيرهم (^٢).
وقال محمد بن إدريس الشافعي - ﵁ - وغيرُه من أهل العلم: لا يجب العمل به. وعلى ذلك أكثر الأئمة من حفاظ الحديث ونُقَّاد الأثر (^٣)» (^٤).
_________________
(١) «الكفاية» (ص: ٢٠).
(٢) ينظر: «رسالة أبي داود إلى أهل مكة» (ص: ٢٤)، و«الفصول في الأصول» لأبي بكر الجصاص الحنفي (٣/ ١٤٥)، و«فتح المغيث» (١/ ١٧٥).
(٣) ينظر: «الرسالة» للشافعي (١/ ٤٦١) -وقد وضع شروطًا لقبول المرسل-، و«النكت على ابن الصلاح» لابن حجر (٢/ ٥٤٦ وما بعدها).
(٤) «الكفاية» (ص: ٣٨٤) بتصرف يسير.
[ ٢٠٩ ]
وقال أيضًا: «والذي نختاره من هذه الجملة سقوط فرض العمل بالمراسيل (^١)، وأن المرسل غير مقبول» (^٢).
ثم بيَّن أدلة اختياره هذا بقوله: «والذي يدل على ذلك: أن إرسال الحديث يؤدي إلى الجهل بعين راويه، ويستحيل العلم بعدالته مع الجهل بعينه، وقد بينَّا من قبل أنه لا يجوز قبول الخبر إلا ممن عُرِفت عدالتُه (^٣)، فوجب لذلك كونه غير مقبول.
وأيضًا فإن العدل لو سُئل عمَّن أرسل عنه، فلم يعدِّله، لم يجب العمل بخبره، إذا لم يكن معروف العدالة من جهة غيره، فكذلك حاله إذا ابتدأ الإمساك عن ذِكره وتعديله؛ لأنه مع الإمساك عن ذكره غير معدِّل له، فوجب ألا يُقبل الخبر عنه» (^٤).
وقد روى بإسناده عن عبد الله بن الزبير الحُميدي أنه قال: «فإن قال قائل: فما الحجة في ترك الحديث المقطوع، والذي يكون في إسناده رجل ساقط وأكثر من ذلك، ولم يزل الناس يحدِّثون بالمقطوع، وما كان في إسناده رجل ساقط وأكثر؟
قال عبد الله: قلتُ: لأن الموصول وإن لم يقل فيه: سمعت، حتى ينتهي الحديث إلى النبي - ﷺ -، فإن ظاهره كظاهر السامع المدرك، حتى يتبيَّن فيه غير ذلك، كظاهر الشاهد الذي يشهد على الأمر المدرَك له، فيكون ذلك عندي كما يشهد؛ لإدراكه من شهد عليه وما شهد فيه حتى أعلم منه غير
ذلك.
_________________
(١) والمرسل عند الخطيب وعامة أصحاب الحديث مثل المنقطع كما سبق بيانه.
(٢) «الكفاية» (ص: ٣٨٧).
(٣) ينظر: «الكفاية» (ص: ٢٣، ٣١، ٣٣).
(٤) «الكفاية» (ص: ٣٨٧).
[ ٢١٠ ]
والمقطوع العلم يحيط بأنه لم يدرِك من حدَّث عنه، فلا يثبت عندي حديثه، لما أحطتُ به علمًا، وذلك كشاهد شهد عندي على رجل لم يدركه أنه تصدَّق بداره أو أعتق عبده، فلا أُجيز شهادته على من لم يدركه» (^١).
ثم ذكر شبهات لمن يذهب إلى قبول المنقطع وبيَّن بطلانها واستفاض في ذلك (^٢).
أما حكم الحديث المعنعن عند الخطيب، فقد قال: «وأهل العلم بالحديث مجمِعون على أن قول المحدِّث: «حدثنا فلان عن فلان» صحيح معمول به، إذا كان شيخه الذي ذكره يُعرف أنه قد أدرك الذي حدَّث عنه ولقيه وسمع منه، ولم يكن هذا المحدِّث ممن يدلِّس، ولا يُعلَم أنه يستجيز إذا حدَّثه أحد شيوخه عن بعض من أدركه حديثًا نازلًا، فسمَّى بينهما في الإسناد مَن حدَّثه به، أن يُسقط ذلك المسمَّى ويروي الحديث عاليًا فيقول: «حدثنا فلان عن فلان»، أعني الذي لم يسمعه منه؛ لأن الظاهر من الحديث السالم راويه مما وصفنا الاتصال، وإن كانت العنعنة هي الغالبة على إسناده» (^٣).
فقد نقل الخطيب الإجماع على قبول الإسناد المعنعن، وهو الذي يقال فيه: «فلان عن فلان»، إذا جمع شروطًا ثلاثة:
١ - إدراك الراوي لشيخه ولُقِيُّه وسماعه منه في الجملة.
٢ - أن يكون بريئًا من التدليس.
٣ - أن يكون بريئًا من التسوية، وهو أن يُسقط شيخ شيخه من
_________________
(١) «الكفاية» (ص: ٣٩٠).
(٢) ينظر: «الكفاية» (ص: ٣٨٨ - ٣٩٦، ٣٩٩ - ٤٠٣).
(٣) «الكفاية» (ص: ٢٩١).
[ ٢١١ ]
الإسناد، قال ابن حجر: «ومراد الخطيب بهذا الاحتراز ألَّا يكون المعنعِن مدلِّسًا ولا مُسَوِّيًا» (^١).
وهذه أمثلة تبيِّن نقد الخطيب للأحاديث بانقطاع السند:
- المثال الأول:
روى الخطيب في ترجمة محمد بن مسلم بن واره من «تاريخ بغداد» عن أبي عمر عبد الواحد بن محمد بن عبد الله بن مهدي قال: حدثنا القاضي أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل المَحَاملي إملاء (^٢) قال: حدثنا ابن واره قال: حدثنا محمد بن سعيد بن سابق قال: حدثنا عمرو بن أبي قيس قال: عن مطرف، عن أبي إسحاق، عن معاوية بن قُرَّة، عن بلال قال: حَثَثْتُ رسول الله - ﷺ - للخروج إلى صلاة الغداة، فوجدتُه يشرب، قال: ثم ناولني فشربتُ، ثم خرجنا فأُقيمت الصلاةُ.
ثم قال: «هذا حديث غريب يُستَحسن من رواية أبي إسحاق السَّبِيعي عن معاوية بن قرة، وفيه إرسال؛ لأن معاوية بن قُرَّة لم يلق بلالًا» (^٣).
فأعلَّه الخطيب بالانقطاع بين معاوية بن قُرَّة وبلال، فقد توفِّي بلال - ﵁ - سنة (١٧ هـ)، أو سنة (١٨ هـ)، وقيل: سنة (٢٠ هـ) (^٤)، ووُلد معاوية بن قُرَّة
_________________
(١) «النكت على كتاب ابن الصلاح» (٢/ ٥٨٤).
(٢) هو في «أمالي المحاملي» رواية ابن مهدي الفارسي (ص: ١١٦ رقم ٢١٦).
(٣) «تاريخ بغداد» (٤/ ٤١٩). وهذا الحديث رواه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٥٥/ ٣٨٩) من طريق الخطيب به.
(٤) «تاريخ دمشق» (١٠/ ٤٧٩)، و«تهذيب الكمال» (٤/ ٢٩٠)، و«تقريب التهذيب» (ص: ١٢٩ رقم ٧٧٩).
[ ٢١٢ ]
يوم الجمل وكان سنة (٣٣ هـ)، وقيل: وُلد سنة (٣٧ هـ) حيث كانت وفاته سنة (١١٣ هـ) وهو ابن ست وسبعين سنة (^١)، فيكون مولد معاوية بعد وفاة بلال بزمن بعيد.
- المثال الثاني:
روى الخطيب في ترجمة عبد الله بن أحمد بن جعفر النيسابوري من «تاريخ بغداد» من طريق أبي أُمية، عن الحسن، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «مَن قَهْقَهَ في صلاتِه فليُعِد وضوءَه وصلاتَه».
ثم قال: «أبو أمية هو عبد الكريم بن أبي المُخارق المعلم، والحسن عن أبي هريرة مرسل» (^٢).
فقد أعلَّ الخطيب هذا الحديث بالانقطاع بين الحسن وأبي هريرة؛ فإنه لم
يسمع منه، وكذلك أعلَّه بهذه العلة في «المتفق والمفترق» (^٣)، وأعلَّه بها أيضًا
_________________
(١) «تاريخ دمشق» (٥٩/ ٢٦٨)، و«تهذيب الكمال» (٢٨/ ٢١٧)، و«تاريخ الإسلام» (٣/ ٣١٥)، و«تقريب التهذيب» (ص: ٥٣٨ رقم ٦٧٦٩).
(٢) «تاريخ بغداد» (١١/ ٣٤). وهذا الحديث رواه ابن عدي في «الكامل» (٤/ ١٠٢)، والدارقطني في «السنن»، كتاب الطهارة، باب أحاديث القهقهة في الصلاة وعللها (١/ ٣٠١ رقم ٦١١)، والخطيب في «تاريخ بغداد» (١١/ ١٨) -ومن طريقه ابن الجوزي في «العلل المتناهية» (١/ ٣٦٩ رقم ٦١٢) وفي «التحقيق في مسائل الخلاف» (١/ ١٩٤ رقم ٢١١) - كلهم من طريق عبد العزيز بن حصين، عن عبد الكريم أبي أمية عن الحسن عن أبي هريرة بمعناه. ورواه الخطيب في «المتفق والمفترق» (٣/ ١٦٧٩ رقم ١١٨٠) من طريق خارجة عن عبد الكريم أبي أمية عن الحسن عن أبي هريرة بمعناه.
(٣) «المتفق والمفترق» (٣/ ١٦٧٩).
[ ٢١٣ ]
الدارقطني (^١)، وابن الجوزي في «التحقيق في مسائل الخلاف» (^٢) وفي «العلل المتناهية» (^٣)، والذهبي في «تنقيح التحقيق» (^٤).
وجمهور المحدِّثين على أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة، مثل: أيوب السختياني، ويونس بن عبيد، وبهز بن أسد، وابن المديني، وابن معين، وأبي حاتم، وأبي زرعة الرازيَّيْن (^٥).
وفي الحديث علة أخرى، وهي ضعف عبد الكريم بن أبي المُخارق (^٦).
- المثال الثالث:
روى الخطيب في ترجمة صدقة بن هُبيرة من «تاريخ بغداد» ومن طريقه عن يوسف بن يعقوب المعدل قال: حدثنا حفص بن إبراهيم قال: حدثنا إبراهيم بن العلاء الإسكندراني، عن بقية بن الوليد، عن ثور بن يزيد، عن
أم الدرداء، عن أبي الدرداء، عن أبي أمامة، عن النبي - ﷺ - قال: «مَن مات وهو يقول: القرآنُ مخلوقٌ. لَقِيَ اللهَ يومَ القيامةِ ووجهُه إلى قفاهُ».
_________________
(١) كما في «نصب الراية» (١/ ٤٨).
(٢) «التحقيق في مسائل الخلاف» (١/ ١٩٦).
(٣) «العلل المتناهية» (١/ ٣٦٩ رقم ٦١٢).
(٤) «تنقيح التحقيق» (١/ ٦٧).
(٥) ينظر: «المراسيل» لابن أبي حاتم (ص: ٣٤ وما بعدها)، و«جامع التحصيل» للعلائي (ص: ١٦٤)، و«تحفة التحصيل» لأبي زرعة بن العراقي (ص: ٦٩ وما بعدها).
(٦) ينظر: «تقريب التهذيب» (ص: ٣٦١ رقم ٤١٥٦).
[ ٢١٤ ]
ثم قال: «من بين ابن هُبَيرة وبقيَّة لا يُعرف، وثور بن يزيد لم يدرك أم الدرداء» (^١).
فقد أعلَّه الخطيب بجهالة يوسف بن يعقوب وحفص بن إبراهيم وإبراهيم بن العلاء (^٢)، وبأن ثور بن يزيد لم يدرك أم الدرداء؛ فقد مات ثور سنة (١٥٠ هـ) أو (١٥٢ هـ) أو (١٥٣ هـ) أو (١٥٥ هـ)، وهو ابن بضع وستين سنة، فيكون مولده على أقصى تقدير سنة (٨١ هـ) أو بعدها (^٣)، وتوفيت أم الدرداء سنة (٨١ هـ)، أي: في السنة التي وُلد فيها ثور أو قبلها (^٤).
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (١٠/ ٤٥٥)، وهذا الحديث رواه ابن الجوزي في «الموضوعات» (١/ ١٥٤ رقم ٢٣٦) من طريق الخطيب به، ولكن جعله من حديث أبي الدرداء، ليس فيه: «عن أبي أمامة»، وكذا هو في «اللآلئ المصنوعة» (١/ ١٦)، فالله أعلم، ثم قال ابن الجوزي بعد روايته الحديث: «وقد ذكرنا أن بقية كان يروي عن المجهولين والضعفاء، وربما أسقط ذكرهم وذكر من رَوَوْا له عنه».
(٢) ينظر: «لسان الميزان» (١/ ٣٢٤)، (٨/ ٥٦٩).
(٣) ينظر: «الطبقات الكبرى» (٧/ ٤٦٧)، و«تهذيب الكمال» (٤/ ٤٢٨)، و«تقريب التهذيب» (ص: ١٣٥ رقم ٨٦١).
(٤) ينظر: «تقريب التهذيب» (ص: ٧٥٦ رقم ٨٧٢٨).
[ ٢١٥ ]