النقد بالتدليس عند الخطيب
ذكر الخطيب خلاف العلماء في قبول خبر المدلِّس، ثم ذكر الصحيح عنده، فقال في «الكفاية»: «قال فريق من الفقهاء وأصحاب الحديث: إن خبر المدلِّس غير مقبول؛ لأجل ما قدَّمنا ذكره من أن التدليس يتضمن الإيهام لِمَا لا أصل له، وترك تسمية من لعله غير مرضي ولا ثقة، وطلب توهُّم علو الإسناد، وإن لم يكن الأمر كذلك.
وقال خلق كثير من أهل العلم: خبر المدلِّس مقبول؛ لأنهم لم يجعلوه بمثابة الكذَّاب، ولم يَرَوُا التدليس ناقضًا لعدالته، وذهب إلى ذلك جمهور مَن قَبِل المراسيل من الأحاديث، وزعموا أن نهاية أمره أن يكون التدليس بمعنى الإرسال.
وقال بعض أهل العلم: إذا دلَّس المحدِّث عمن لم يسمع منه ولم يلقه، وكان ذلك الغالب على حديثه، لم تُقبَل رواياته، وأما إذا كان تدليسه عمن قد لقيه وسمع منه فيدلِّس عنه رواية ما لم يسمعه منه، فذلك مقبول بشرط أن يكون الذي يدلِّس عنه ثقة.
وقال آخرون: خبر المدلِّس لا يُقبل إلا أن يورده على وجه مبيَّن غير محتمل للإيهام، فإن أورده على ذلك قُبِل.
[ ٢٢٧ ]
وهذا هو الصحيح عندنا، وسنذكر كيفية اللفظ الذي يزيل عنه الإيهام فيما بعد إن شاء الله».
ثم ذكر الخطيبُ اللفظَ الذي يزيل عنه الإيهام فقال: «واللفظ الذي يرتفع به الإيهام، ويزول به الإشكال في رواية المدلِّس: أن يقول: سمعت فلانًا يقول ويحدِّث ويُخبِر، أو قال لي فلان، أو ذكر لي، أو حدثني وأخبرني من لفظه، أو حدَّث وأنا أسمع، أو قُرئ عليه وأنا حاضر، وما يجري مجرى هذه الألفاظ مما لا يحتمل غير السماع، وما كان بسبيله» (^١).
فالذي اختاره الخطيب وصحَّحه أن خبر المدلِّس لا يُقبل إلا إذا صرَّح بالسماع من شيخه بإحدى الصيغ التي ذكرها، وقد وافقه على هذا الاختيار جمهور أهل الحديث (^٢).
هذا في تدليس الإسناد، أما حكم تدليس الشيوخ فقد قال الخطيب: «وفي الجملة، فإن كل من روى عن شيخ شيئًا سمعه منه، وعدل عن تعريفه بما اشتهر من أمره، فخفي ذلك على سامعه؛ لم يصح الاحتجاج بذلك الحديث للسامع؛ لكون الذي حدَّث عنه في حاله ثابت الجهالة، معدوم العدالة، ومن كان هذا صفته فحديثه ساقط، والعمل به غير لازم على الأصل الذي ذكرناه فيما تقدم» (^٣).
_________________
(١) «الكفاية» (ص: ٣٦١ - ٣٦٢).
(٢) ينظر: «مقدمة ابن الصلاح» (ص: ٢٣٥)، و«شرح التبصرة والتذكرة» (١/ ٢٣٨)، و«نزهة النظر» (ص: ٨٥)، و«فتح المغيث» (١/ ٢٣١).
(٣) «الكفاية» (ص: ٣٧٠).
[ ٢٢٨ ]
وهذه أمثلة تبيِّن نقد الخطيب للأحاديث بتدليس بعض رواتها:
المثال الأول وهو في تدليس الإسناد:
روى الخطيب في ترجمة محمد بن إسحاق بن المرزبان الفارسي ومن طريقه، عن أحمد بن الحباب بن حمزة بن غيلان الحميري قال: حدثنا مكي بن إبراهيم قال: حدثنا ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير، عن جابر، أن النبي - ﷺ - قال: «لا يُقْطَعُ الخائنُ، ولا المُخْتَلِسُ، ولا المُنْتَهِبُ».
ثم قال: «لا أعلم روى هذا الحديث عن ابن جريج مجوَّدًا هكذا غير مكي بن إبراهيم (^١) إن كان أحمد بن الحُباب حفظه عنه؛ فإن الثوري، وعيسى بن يونس وغيرهما رَوَوْه عن ابن جريج، عن أبي الزبير، ولم يذكروا فيه الخبر، وكان أهل العلم يقولون: لم يسمع ابن جريج هذا الحديث من أبي الزبير، وإنما سمعه من ياسين الزيات عنه فدلَّسه في روايته عن أبي الزبير، والله أعلم» (^٢).
فهذا الحديث رواه مكي بن إبراهيم عن ابن جريج مصرِّحًا فيه بإخبار أبي الزبير له، إلا أن الخطيب يرى أن هذا وهم؛ لأن الثقات من أصحاب ابن جريج رَوَوْه عنه ولم يصرِّحوا بالإخبار، ونقل عن أهل العلم أنهم ذهبوا إلى أن ابن جريج لم يسمع هذا الحديث من أبي الزبير إنما سمعه من ياسين الزيات، فأسقطه من الإسناد، ورواه مباشرة عن أبي الزبير، وابن جريج
_________________
(١) رواية مكي بن إبراهيم أخرجها الطحاوي في «شرح معاني الآثار» كتاب الحدود، باب الرجل يستعير الحلي فلا يرده هل عليه في ذلك قطع أم لا؟ (٣/ ١٧١ رقم ٤٩٨٥). وأخرجها ابن الجوزي في «العلل المتناهية» (٢/ ٣٠٨ رقم ١٣٢٦) من طريق الخطيب.
(٢) «تاريخ بغداد» (٢/ ٦٧).
[ ٢٢٩ ]
مدلِّس قبيح التدليس، قال الدارقطني: «شر التدليس تدليس ابن جريج؛ فإنه قبيح التدليس، لا يدلِّس إلا فيما سمعه من مجروح» (^١).
وياسين الزيات مجروح؛ قال ابن معين: «ليس حديثه بشيء» (^٢).
وقال البخاري: «يتكلمون فيه، منكر الحديث» (^٣).
وقال النسائي: «متروك الحديث» (^٤).
وقال ابن حبان: «كان ممن يروي الموضوعات عن الثقات، ويتفرد بالمعضَلات عن الأثبات، لا يجوز الاحتجاج به بحال، وكل ما وقع في نسخة ابن جريج عن أبي الزبير من المناكير كان ذلك مما سمعه ابن جريج عن ياسين الزيات عن أبي الزبير فدلَّس عنه» (^٥).
وسيأتي تصريح ياسين الزيات بأنه هو الذي حدَّث ابن جريج بهذا الحديث عن أبي الزبير.
وفي كلام الخطيب أمور مهمة نتعرض لها بشيء من التفصيل:
الأمر الأول: قوله: «لا أعلم روى هذا الحديث عن ابن جريج مجوَّدًا هكذا غير مكي بن إبراهيم، إن كان أحمد بن الحباب حفظه عنه».
_________________
(١) «طبقات المدلسين» (ص: ٤١ رقم ٨٣).
(٢) «تاريخ ابن معين» رواية الدوري (٣/ ٤١٧ رقم ٢٠٤١).
(٣) «التاريخ الكبير» (٨/ ٤٢٩ رقم ٣٥٩٥).
(٤) «الضعفاء والمتروكون» (ص: ١١١ رقم ٦٥٢).
(٥) «المجروحين» (٣/ ١٤٢ رقم ١٢٤٨).
[ ٢٣٠ ]
أقول: قد رواه عبد الله بن المبارك (^١) -ومن طريقه النسائي (^٢) - عن ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير به.
قال النسائي بعد روايته: «ما عمل شيئًا، ابن جريج لم يسمعه من أبي الزبير عندنا، والله أعلم».
ومعنى قول الخطيب: «مجوَّدًا» أي: أن مكيًّا لمَّا صرَّح فيه بالإخبار جعله متصلًا ليس فيه تدليس، فهذا تجويد للإسناد وتحسين له في الظاهر، وإن كان في واقع الأمر غير ذلك.
وكأن الخطيب يشير بقوله: «إن كان أحمد بن الحُباب حفظه عنه» إلى أن التصريح بالإخبار لم يصح عن مكي بن إبراهيم الثقة الثبت (^٣)، وأن الوهم من أحمد بن الحُباب، وأحمد هذا لم أجد أحدًا ترجم له إلا الذهبي في «تاريخ الإسلام» ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا (^٤).
الأمر الثاني: قوله: «فإن الثوري وعيسى بن يونس وغيرهما رَوَوْه عن ابن جريج عن أبي الزبير، ولم يذكروا فيه الخبر».
رواية سفيان الثوري؛ أخرجها النسائي (^٥)، وأبو الفضل الزهري (^٦)، وأبو نعيم الأصبهاني (^٧).
_________________
(١) «مسند عبد الله بن المبارك» (ص: ٨٧ رقم ١٤٨).
(٢) «السنن الكبرى» كتاب قطع السارق، باب ما لا قطع فيه (٧/ ٣٩ رقم ٧٤٢١).
(٣) «تقريب التهذيب» (ص: ٥٤٥ رقم ٦٨٧٧).
(٤) «تاريخ الإسلام» (٦/ ٤٧٩).
(٥) «السنن الكبرى» كتاب قطع السارق، باب ما لا قطع فيه (٧/ ٣٨ رقم ٧٤٢٠)، و«السنن الصغرى» كتاب قطع السارق، باب ما لا قطع فيه (٨/ ٨٨ رقم ٤٩٧٢).
(٦) «حديث أبي الفضل الزهري» (ص: ٣٥١ رقم ٣٣٣).
(٧) «تسمية ما رُوي عن الفضل بن دكين» (ص: ٩٠ رقم ٦٠).
[ ٢٣١ ]
ورواية عيسى بن يونس (^١)؛ أخرجها ابن أبي شيبة (^٢)، وابن عرفة (^٣) - ومن طريقه البيهقي (^٤) - وأبو داود (^٥)، والترمذي (^٦).
وممن رواه أيضًا عن ابن جريج بالعنعنة ولم يصرِّح بالإخبار:
- محمد بن بكر (^٧)، وروايته أخرجها أحمد (^٨)، وأبو داود (^٩).
- وأبو عاصم (^١٠)، وروايته أخرجها ابن أبي شيبة (^١١)، والدارمي (^١٢)،
_________________
(١) هو عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، ثقة مأمون، من الثامنة، مات سنة سبع وثمانين ومائة، وقيل: سنة إحدى وتسعين ومائة. «تقريب التهذيب» (ص: ٤٤١ رقم ٥٣٤١).
(٢) «المصنف» كتاب الحدود، باب في الخلسة فيها قطع أم لا؟ (٥/ ٥٢٧ رقم ٢٨٦٦٠).
(٣) «جزء ابن عرفة» (ص: ٦٣ رقم ٤٠).
(٤) «السنن الكبرى» كتاب السرقة، باب لا قطع على المختلس ولا على المنتهب ولا على الخائن (٨/ ٤٨٤ رقم ١٧٢٩٠)، و«معرفة السنن والآثار» كتاب السرقة، باب ما لا قطع فيه (١٢/ ٤٢٨ رقم ١٧٢٥٠).
(٥) «السنن» كتاب الحدود، باب القطع في الخلسة والخيانة (٤/ ١٣٨ رقم ٤٣٩٣).
(٦) «السنن» أبواب الحدود، باب ما جاء في الخائن والمختلس والمنتهب (١٤٤٨).
(٧) هو محمد بن بكر بن عثمان البُرْساني أبو عثمان البصري، صدوق قد يخطئ، مات سنة أربع ومائتين. «تقريب التهذيب» (ص: ٤٧٠ رقم ٥٧٦٠).
(٨) «المسند» (٢٣/ ٣٠٣ رقم ١٥٠٧٠).
(٩) «السنن» كتاب الحدود، باب القطع في الخلسة والخيانة (٤/ ١٣٨ رقم ٤٣٩١).
(١٠) هو الضحاك بن مخلد بن الضحاك الشيباني أبو عاصم النبيل البصري، ثقة ثبت، مات سنة اثنتي عشرة ومائتين أو بعدها. «تقريب التهذيب» (ص: ٢٨٠ رقم ٢٩٧٧).
(١١) «المصنف» كتاب الحدود، باب في الخلسة فيها قطع أم لا؟ (٥/ ٥٢٨ رقم ٢٨٦٦١).
(١٢) «السنن»، كتاب الحدود، باب ما لا يقطع من السراق (٢٣٥٦)، ووقع في المطبوعة خطأ: «أنبأنا أبو الزبير»، والنسخ المخطوطة المتقنة ليس فيها التصريح بالإنباء، وسيأتي تفصيل ذلك.
[ ٢٣٢ ]
وابن ماجه (^١).
- وحجاج (^٢)، وروايته أخرجها النسائي (^٣).
- وابن وهب، وروايته أخرجها الطحاوي (^٤)، والدارقطني (^٥).
- ومحمد بن ربيعة (^٦)، وروايته أخرجها قاضي المارستان (^٧).
الأمر الثالث: قوله: «وكان أهل العلم يقولون: لم يسمع ابن جريج هذا الحديث من أبي الزبير، وإنما سمعه من ياسين الزيات عنه، فدلَّسه في روايته عن أبي الزبير، والله أعلم».
_________________
(١) «السنن» كتاب الحدود، باب الخائن والمنتهب والمختلس (٢٥٩١).
(٢) هو حجاج بن محمد المصيصي الأعور أبو محمد، ثقة ثبت لكنه اختلط في آخر عمره لما قدم بغداد قبل موته، مات سنة ست ومائتين. «تقريب التهذيب» (ص: ١٥٣ رقم ١١٣٥).
(٣) «السنن الكبرى» كتاب قطع السارق، باب ما لا قطع فيه (٧/ ٣٩ رقم ٧٤٢٢، ٧٤٢٣، ٧٤٢٤)، و«السنن الصغرى» كتاب قطع السارق، باب ما لا قطع فيه (٨/ ٨٩ رقم ٤٩٧٣، ٤٩٧٤).
(٤) «شرح معاني الآثار» كتاب الحدود، باب الرجل يستعير الحلي فلا يرده هل عليه في ذلك قطع أم لا (٣/ ١٧١ رقم ٤٩٨٤).
(٥) «السنن» كتاب الحدود والديات وغيره (٤/ ٢٥٠ رقم ٣٤١١).
(٦) هو محمد بن ربيعة الكلابي الكوفي، ابن عم وكيع، صدوق، مات بعد التسعين ومائة. «تقريب التهذيب» (ص: ٤٧٨ رقم ٥٨٧٧).
(٧) «أحاديث الشيوخ الثقات» (٢/ ٩٠١ رقم ٣٣٩).
[ ٢٣٣ ]
فمن أهل العلم الذين أشار إليهم الخطيب:
- علماء مكة؛ فقد قال عبد الرزاق: «أهل مكة يقولون: إن ابن جريج لم يسمع من أبي الزبير، إنما سمع من ياسين» (^١).
- وأحمد بن حنبل؛ حيث قال: «إنما سمعه ابن جريج من ياسين الزيات» (^٢).
- وأبو داود فقد رواه في سننه وفرَّقه على حديثين، ثم قال: «هذان الحديثان لم يسمعهما ابن جريج من أبي الزبير، وبلغني عن أحمد بن حنبل أنه قال: إنما سمعهما ابن جريج من ياسين الزيات» (^٣).
- وأبو زرعة وأبو حاتم الرازيَّان؛ فقد سألهما ابن أبي حاتم عن هذا الحديث فقالا: «لم يسمع ابن جريج هذا الحديث من أبي الزبير، يقال: إنه سمعه من ياسين الزيات، عن أبي الزبير».
قالا: «قال زيد بن حباب، عن ياسين: أنا حدَّثتُ به ابن جريج، عن أبي الزبير».
فقال لهما: ما حال ياسين؟ فقالا: «ليس بقوي» (^٤).
- والنسائي؛ فقد قال: «وقد روى هذا الحديث عن ابن جريج: عيسى بن يونس، والفضل بن موسى، وابن وهب، ومحمد بن ربيعة، ومخلد بن يزيد،
_________________
(١) «الكامل» لابن عدي (٨/ ٥٣٥).
(٢) «سنن أبي داود» كتاب الحدود، باب القطع في الخلسة والخيانة (٤/ ١٣٨ رقم ٤٣٩٣).
(٣) المصدر السابق.
(٤) «علل الحديث» (٤/ ١٨٧ رقم ١٣٥٣).
[ ٢٣٤ ]
وسلمة بن سعيد، فلم يقل أحد منهم فيه: حدثني أبو الزبير، ولا أحسبه سمعه من أبي الزبير، والله أعلم» (^١).
- والخليلي؛ حيث قال: «يقال: إن هذا لم يسمعه من أبي الزبير، لكنه أخذه عن ياسين الزيات، وهو ضعيف جدًّا، عن أبي الزبير، وابن جريج يدلِّس في أحاديث، ولا يخفى ذلك على الحفاظ» (^٢).
- هذا، وقد اعترض بعض أهل العلم المتأخِّرين، مثل الزيلعي وابن الملقِّن والألباني على إعلال الأئمة المتقدِّمين لهذا الحديث بتدليس ابن جريج، وسأورد أوجه اعتراضهم مع الرد عليها.
فقد قال الزيلعي بعد نقله لكلام الإمامين أحمد وأبي داود: «قلت: رواه ابن حبان في «صحيحه» في النوع الثالث والثلاثين من القسم الثالث عن ابن جريج عن أبي الزبير وعمرو بن دينار عن جابر مرفوعًا باللفظ الأول سواء (^٣)، وأخرجه أيضًا عن سفيان عن أبي الزبير عن جابر مرفوعًا أيضًا، لم يذكر فيه المنتهب (^٤)، فزالت العلة التي ذكرها أبو داود، وابن أبي حاتم أيضًا» (^٥).
_________________
(١) «السنن الكبرى» كتاب قطع السارق، باب ما لا قطع فيه (٧/ ٣٩)، و«السنن الصغرى» كتاب قطع السارق، باب ما لا قطع فيه (٨/ ٨٩).
(٢) «الإرشاد» (١/ ٣٥٢).
(٣) «صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان» كتاب الحدود، ذكر نفي القطع عن المنتهب ما ليس له (١٠/ ٣١٠ رقم ٤٤٥٧).
(٤) «صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان» كتاب الحدود، ذكر نفي القطع عن المنتهب ما ليس له (١٠/ ٣١١ رقم ٤٤٥٨).
(٥) «نصب الراية» (٣/ ٣٦٤).
[ ٢٣٥ ]
أقول: هذان الطريقان إنما يفيدان -إن أفادا- أصل الحديث لا الطريق الذي نتكلم عنه، فليس في الطريقين ما يبين سماع ابن جريج من أبي الزبير، فلم تَزُل العلة التي ذكرها النُّقَّاد المتقدِّمون.
ثم أورد كلام النسائي في نقده لهذا الحديث، ثم قال: «قلنا: في سند ابن حبان ما ينفي ذلك، وأيضًا فتصحيح الترمذي له يدل على أنه تحقِّق اتصاله، وقد تابعه عليه المغيرة بن مسلم، كما أشار إليه أبو داود، والترمذي، وحديثه أخرجه النسائي عن المغيرة عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ليس على مختلس، ولا منتهب، ولا خائن قطع» انتهى. والمغيرة بن مسلم صدوق، قاله ابن معين وغيره (^١)» (^٢).
أقول: قوله: «في سند ابن حبان ما ينفي ذلك» قد تقدم بيان ما فيه.
وقوله: «وأيضًا فتصحيح الترمذي له يدل على أنه تحقَّق اتصاله» هذا احتمال وارد، ويوجد احتمالان آخران، الأول: أنه صححه لعدم اطِّلاعه على العلة التي اطلع عليها النُّقَّاد.
والثاني: أنه صححه لِما له من الطرق الأخرى التي تعضِّده، والله أعلم.
أما متابعة المغيرة بن مسلم فهي -إن أفادت أصل الحديث- فإنها لا تفيد سماع ابن جريج لهذا الحديث من أبي الزبير كما هو ظاهر.
والمغيرة بن مسلم مع توثيق ابن معين له في الجملة، فقد تكلَّم في روايته عن أبي الزبير حيث قال: «ما أَنكر حديثه عن أبي الزبير» (^٣).
_________________
(١) ينظر: «تهذيب الكمال» (٢٨/ ٣٩٦).
(٢) «نصب الراية» (٣/ ٣٦٤).
(٣) «سؤالات ابن الجنيد» (ص: ٤٥٩ رقم ٧٥٣).
[ ٢٣٦ ]
أما ابن الملقِّن فقد اعترض على النُّقَّاد بنحو اعتراض الزيلعي، إلا أنه زاد عليه قوله بعد إيراده لكلام الخطيب: «رواه النسائي عن محمد بن حاتم، حدثنا سويد هو ابن نصر، حدثنا عبد الله هو ابن المبارك، عن ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير … فذكره، وهذا سند صحيح … فيُحمل على أنه مرة بواسطة ياسين ومرة بغيرها» (^١).
أقول: قد أنكر النسائي التصريحَ بالسماع في هذه الرواية، فقال بعد روايتها: «ما عمل شيئًا، ابن جريج لم يسمعه من أبي الزبير عندنا، والله أعلم».
وتصريح النسائي وغيره من النُّقَّاد بعدم سماع ابن جريج له من أبي الزبير يدفع الاحتمال الذي أورده ابن الملقن من أنه سمعه مرة بواسطة ياسين ومرة بغيرها، والله أعلم.
وأما الألباني فقال بعد أن أورد نقد الأئمة لهذا الحديث وتصريح ياسين الزيات بتحديث ابن جريج به عن أبي الزبير: «قلتُ: ياسين الزيات متَّهم، فلا يُصدَّق في قوله: إنه هو الذي حدَّث به ابن جريج» (^٢).
قلت: لم يتهمه أحد بالكذب على حد علمي، وليس وهاؤه في الحديث بموجب أن يكون كذَّابًا، والله أعلم.
ثم قال الألباني: «على أنه لو صدق في ذلك، فهو لا ينافي أن يكون ابن جريج سمعه بعد ذلك من أبي الزبير، ولولا أن ابن جريج معروف بالتدليس لم نقبل هذا الجزم بعدم سماعه هذا الحديث من أبي الزبير، ولكن
_________________
(١) «البدر المنير» (٨/ ٦٦٢).
(٢) «إرواء الغليل» (٨/ ٦٣).
[ ٢٣٧ ]
القطع بردِّ هذا، يحتاج إلى رواية فيها التصريح بسماعه من أبي الزبير، وقد
وجدتُها -والحمد لله- وذلك من طريقين:
الأولى: قال الدارمي: أخبرنا أبو عاصم عن ابن جريج قال: أنبأنا أبو الزبير، قال جابر (^١).
والأخرى: قال الحافظ في «التلخيص»: ورواه النسائي عن سويد بن نصر عن ابن المبارك عن ابن جريج: أخبرني أبو الزبير (^٢).
قلت: فهذان إسنادان صحيحان إلى ابن جريج بتصريحه بالتحديث، فزالت شبهة تدليسه، وطاح بذلك الجزم بأنه لم يسمعه من أبي الزبير» (^٣).
أقول: أما الطريق الأولى التي رواها الدارمي، فالتصريح بالإنباء فيها خطأ من المطبوعة، والنسخ الخطية من «سنن الدارمي» مثل: نسخة كوبريلي (ق ٢٣٧ أ)، والسليمانية (ق ١٤٨ أ) مصححًا عليه، وليدن (ق ١٩١ أ) وهي نسخ متقنة (^٤) ليس فيها هذا التصريح إنما فيها: «عن ابن جريج قال: قال أبو الزبير».
ومما يؤيد هذا أن ابن أبي شيبة وابن ماجه (^٥) أخرجا رواية أبي عاصم هذه، وليس فيها التصريح بالإنباء ولا الإخبار.
_________________
(١) سبق (ص: ٢٣٢).
(٢) «التلخيص الحبير» (٤/ ١٢٣).
(٣) «إرواء الغليل» (٨/ ٦٣).
(٤) ينظر وصف هذه النسخ في مقدمة طبعة دار التاصيل لـ «سنن الدارمي» (١/ ١١٥ وما بعدها).
(٥) سبق (ص: ٢٣٢، ٢٣٣).
[ ٢٣٨ ]
كذلك فإن أحدًا ممن اعترض على النُّقَّاد بتصريح ابن جريج بالسماع من
أبي الزبير -كالزيلعي وابن الملقن- لم يذكر رواية الدارمي هذه، ولو كانت محفوظة لتلقَّفوها ولأذاعوها، والله أعلم.
أما الطريق الثانية التي رواها النسائي، فقد أنكرها النسائي نفسه بعد روايتها، فقال: «ما عمل شيئًا، ابن جريج لم يسمعه من أبي الزبير عندنا، والله أعلم».
وخلاصة الأمر: أنه لم يثبت باليقين سماع ابن جريج لهذا الحديث من أبي الزبير، والراجح أنه سمعه من ياسين الزيات فدلَّسه، وبهذا يسلم نقد الخطيب ومن سبقه من النُّقَّاد، والله أعلم.
المثال الثاني وهو في تدليس الشيوخ:
روى الخطيب في ترجمة أبي بكر محمد بن الحسن النقَّاش ومن طريقه أنه قال: حدثنا يحيى بن محمد بن عبد الملك الخياط قال: حدثنا إدريس بن عيسى المخزومي القطان قال: حدثنا زيد بن الحباب قال: حدثنا سفيان الثوري، عن قابوس بن أبي ظَبْيان، عن أبيه، عن ابن العباس قال: كنت عند النبي - ﷺ - وعلى فخذه الأيسر ابنه إبراهيم، وعلى فخذه الأيمن الحسين بن علي، تارة يُقبِّل هذا، وتارة يُقبِّل هذا، إذ هبط عليه جبريل - ﵇ - بوحي من رب العالمين فلما سُرِّي عنه، قال: «أتاني جبريلُ من ربِّي، فقال لي: يا محمد إنَّ ربَّك يقرأ عليك السلام، ويقول لك: لستُ أجمعُهما لك فافدِ أحدهما بصاحبه».
فنظر النبي - ﷺ - إلى إبراهيم فبكى، ونظر إلى الحسين فبكى، ثم قال: «إن إبراهيم أُمُّه أَمَةٌ، ومتى مات لم يحزن عليه غيري، وأمُّ الحسين فاطمة، وأبوه
[ ٢٣٩ ]
علي ابن عمي لحمي ودمي، ومتى مات حزنت ابنتي وحزن ابن عمي وحزنتُ أنا عليه، وأنا أوثر حزني على حزنهما، يا جبريل تقبض إبراهيم فديتُه بإبراهيم».
قال: فقُبِض بعد ثلاث، فكان النبي - ﷺ - إذا رأى الحسين مقبلًا قَبَّله وضمَّه إلى صدره ورشف ثناياه، وقال: «فديتُ مَن فديتُه بابني إبراهيم».
ثم قال: «دلَّس النقَّاشُ ابن صاعد، قال: حدثنا يحيى بن محمد بن عبد الملك الخياط، وأقل مما شُرِح في هذين الحديثين (^١) تسقط به عدالة المحدِّث، ويُترك الاحتجاج به» (^٢).
فهذا الحديث المنكر يرويه النقاش عن يحيى بن محمد بن صاعد، وابن صاعد إمام حافظ لا يحدِّث بمثل هذا الحديث المنكر، فخاف النقَّاش من انكشاف أمره، فعمد إلى ابن صاعد، وسماه باسم غير مشهور به تعمية لأمره، وهذا من تدليس الشيوخ.
قال ابن الجوزي: «هذا حديث موضوع، قَبَّح الله مَن وضعه، فما أفظعه! ولا أرى الآفة فيه إلا من أبي بكر النقَّاش؛ فإنه دلَّس ابن صاعد فيه، فقال: يحيى بن محمد بن عبد الملك الخياط، فتدليسه إياه دليل شر» (^٣).
_________________
(١) وكان قد أورد له حديثًا باطلًا قبل ذلك.
(٢) «تاريخ بغداد» (٢/ ٦٠٥ - ٦٠٦)، وهذا الحديث رواه ابن الجوزي في «الموضوعات» (٢/ ٢٠٤ رقم ٧٥٩)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٥٢/ ٣٢٤) كلاهما من طريق الخطيب به.
(٣) «الموضوعات» (٢/ ٢٠٥ رقم ٧٥٩).
[ ٢٤٠ ]
والنقَّاش هذا قال فيه أبو بكر البَرْقاني: «كل حديثه منكر» (^١).
وقال الخطيب: «في أحاديثه مناكير بأسانيد مشهورة» (^٢).
وقد اعتذر الدارقطني عن النقَّاش بأنه لم يتعمَّد وضعه، وأنه وقع له عن طريق الوهم فقال: «هذا حديث باطل كذب على كل من رواه، ابن صاعد فمن فوقه، وأحسب أنه وقع إليه كتاب لرجل غير موثوق به قد وضعه في كتابه، أو وُضع له على أبي محمد بن صاعد، فظن أنه من صحيح حديثه؛ فرواه فدخل عليه الوهم، وظن أنه من سماعه من ابن صاعد» (^٣).
المثال الثالث وهو في تدليس الشيوخ أيضًا:
روى الخطيب في ترجمة محمد بن عبد الله الكَلْوَذاني: عن أبي الحسن العباس بن عمر بن العباس الكَلْوَذاني قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن محمد الكَلْوَذاني بمدينة السلام قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن سعيد بن يزيد الثقفي الخطيب قال: حدثنا محمد بن سلمة الأموي قال: حدثني محمد بن القاسم الأموي، عن أبيه، عن جعفر بن محمد، عن آبائه، عن علي بن أبي طالب قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «أوحى الله تعالى إلى داودَ: يا داودُ، إنَّ العبدَ ليأتي بالحسنة يوم القيامة فأُحَكِّمُه بها في الجنَّةِ. قال داودُ: يا رب، ومَن هذا العبد الذي يأتيك بالحسنة يوم القيامة فتُحَكِّمُه بها في الجنة؟ قال: عبدٌ مؤمنٌ سعى في حاجة أخيه المسلمِ أحبَّ قضاءَها، فقُضِيَت على يديه أو لم تُقْضَ».
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (٢/ ٦٠٦).
(٢) «تاريخ بغداد» (٢/ ٦٠٣).
(٣) «تاريخ بغداد» (٢/ ٦٠٥).
[ ٢٤١ ]
ثم قال: «عباس الكَلْوَذاني غير ثقة، وشيخه الذي حدَّثنا عنه مجهول، ويغلب على ظنِّي أنه أبو المفضَّل الشيباني، نسبه عباس إلى أنه كَلْوَذاني لينستر أمره، وأبو المفضَّل يروي عن أحمد بن سعيد الثقفي» (^١).
فهذا الحديث يرويه عباس الكَلْوَذاني عن محمد بن عبد الله بن محمد الكلوذاني، وشيخ عباس هذا مجهول لا يُعرف، فرجَّح الخطيب أنه أبو المفضَّل الشيباني محمد بن عبد الله بن محمد بن عبيد الله، نسبه عباس إلى أنه كَلْوَذاني تعميةً لأمره، وهذا من تدليس الشيوخ.
وقد فعل عباس ذلك؛ لأن أبا المفضَّل الشيباني كذَّاب، فقد قال الخطيب في ترجمته: «كان يروي غرائب الحديث، وسؤالات الشيوخ، فكتب الناس عنه بانتخاب الدارقطني (^٢)، ثم بان كذبه فمزَّقوا حديثه، وأبطلوا روايته، وكان بعدُ يضع الأحاديث للرافضة» (^٣).
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (٣/ ٤٩٠).
(٢) الانتخاب: هو انتقاء بعض أحاديث الشيخ، لا سيما عوالي مروياته، وما لا يوجد عند غيره؛ لسماعها منه، وكتابتها عنه، ويُحتاج إلى الانتخاب لكون الشيخ مكثرًا، وفي الرواية عَسِرًا، أو كون الطالب غريبًا لا يمكنه طول الإقامة، وقد يتولى الانتخاب بنفسه، فإن قصر عنه لقلة معرفته استعان عليه بحافظ، وقد كان جماعة من الحفاظ متصدين للانتقاء على الشيوخ، والطَلَبةُ تسمع وتكتب بانتخابهم، منهم الحافظ الدارقطني - ﵀ -. ينظر: «مقدمة ابن الصلاح» (ص: ٤٣١)، و«تدريب الراوي» (٢/ ٥٩٤).
(٣) «تاريخ بغداد» (٣/ ٤٩٩).
[ ٢٤٢ ]