الحديث المنكر عند الخطيب البغدادي
- المنكر لغة:
قال ابن فارس: «النون والكاف والراء أصل صحيح يدل على خلاف المعرفة التي يسكن إليها القلب. ونكر الشيء وأنكره: لم يقبله قلبه، ولم يعترف به لسانه» (^١).
- المنكر اصطلاحًا:
قسَّم ابن الصلاح المنكر إلى قسمين، وعرَّف القسم الأول بأنه: المنفرد المخالف لما رواه الثقات.
والثاني بأنه: الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والإتقان ما يحتمل معه تفرُّده.
وذهب إلى أن المنكر بمعنى الشاذ (^٢).
- أما الخطيب فلم أجد تعريفًا للحديث المنكر عنده، ولكن يمكننا أن نستنتج تعريفًا له، وأن نستخلص جملة من صفاته وخصائصه، من خلال
_________________
(١) «معجم مقاييس اللغة» (ن ك ر).
(٢) «مقدمة ابن الصلاح» النوع الرابع عشر (ص: ٢٤٤). وذهب الحافظ ابن حجر إلى التفرقة بين المنكر والشاذ، فقال في «نزهة النظر» (ص: ٧٣): «بين الشاذ والمنكر عموم وخصوص من وجه؛ فبينهما اجتماع في اشتراط المخالفة، وافتراق في أن الشاذ راويه ثقة أو صدوق، والمنكر راويه ضعيف».
[ ٢٥٥ ]
تتبُّع
أقواله التي ذكر فيها الحديث المنكر، ومن خلال وصفه لبعض الأحاديث بالنكارة، فنجد أنه يطلق المنكر ويريد به عدة معانٍ منها:
١ - الحديث المنكر هو حديث غير مشهور ولا معروف، يخالف أحاديث الثقات، وعمل الفقهاء على ضده:
روى الخطيب عن سفيان الثوري أنه قال: «لو كان هذا من الخير لنقص كما ينقص الخير، يعني: الحديث».
ثم قال: «إن الثوري عنى بقوله الذي تقدم ذكرنا له: غرائب الأحاديث ومناكيرها، دون معروفها ومشهورها؛ لأن الأخبار الشاذة والأحاديث المنكرة أكثر من أن تُحصى، فرأى الثوري أن لا خير فيها؛ إذ رواية الثقات بخلافها، وعمل الفقهاء على ضدها، وقد ورد عن جماعة من العلماء، سوى الثوري، كراهة الاشتغال بها، وذهاب الأوقات في طلبها» (^١).
وقال أيضًا: «وأكثر طالبي الحديث في هذا الزمان يغلب على إرادتهم كَتْبُ الغريب دون المشهور، وسماع المنكر دون المعروف» (^٢).
٢ - الحديث المنكر هو حديث قد وقع فيه خطأ:
قال الخطيب في ترجمة محمد بن سليمان بن الحارث الباغندي: «الباغندي مذكور بالضعف (^٣)، ولا أعلم لأيَّة علة ضُعِّف؛ فإن رواياته كلها مستقيمة، ولا أعلم في حديثه منكرًا» (^٤).
_________________
(١) «شرف أصحاب الحديث» (ص: ١٢٣، ١٢٥).
(٢) «الكفاية» (ص: ١٤١).
(٣) ينظر: «ميزان الاعتدال» (٣/ ٥٧١ رقم ٧٦٢٧)، و«لسان الميزان» (٧/ ١٧٣ رقم ٦٨٦٣).
(٤) «تاريخ بغداد» (٣/ ٢٢٧).
[ ٢٥٦ ]
يبين الخطيب أن روايات الباغندي صحيحة مستقيمة لا خطأ فيها ولا اعوجاج، وليس فيها شيء منكر، فقابل بين المستقيم والمنكر، مما يدل على أن الحديث المنكر هو حديث غير مستقيم، بل حديث وقع فيه خطأ، والله أعلم.
- ونحوه ما ذكره الخطيب أيضًا أن أبا بكر البَرْقاني سُئل عن محمد بن الفرج الأزرق، فقال: قال لي الدارقطني: هو ضعيف (^١).
فتعقَّبه الخطيب بقوله: «أما أحاديثه فصحاح ورواياته مستقيمة، لا أعلم فيها شيئًا يُستنكر، ولم أسمع أحدًا من شيوخنا يذكره إلا بجميل، سوى ما ذكرته عن البَرْقاني آنفًا، فالله أعلم» (^٢).
- وأصرح من ذلك ما ذكره الخطيب في ترجمة عبد الله بن الحارث الصنعاني من «المتفق والمفترق» حيث قال: «عبد الله بن الحارث الصنعاني (^٣)، روى بخراسان أحاديث منكرة عن عبد الرزاق بن همام، منها ما قرأت على محمد بن أحمد بن يعقوب، عن محمد بن عبد الله بن نعيم النيسابوري، وحدثنا أبو بكر محمد بن يحيى بن سعدان المؤدب البُشْتي (^٤)، حدثنا
_________________
(١) لم أجده في «سؤالات البرقاني للدارقطني»، ولكن في «سؤالات الحاكم للدارقطني» (ص: ١٤٣ رقم ١٨٨): «محمد بن الفرج أبو بكر الأزرق، لا بأس به، من أصحاب الكرابيسي، يُطعن عليه في اعتقاده».
(٢) «تاريخ بغداد» (٤/ ٢٦٩). وينظر نحو ذلك أيضًا في «تاريخ بغداد» (٢/ ٧٢ - ٧٣)، (٣/ ٥٦٩).
(٣) ينظر: «لسان الميزان» (٤/ ٤٥١ رقم ٤١٩٠).
(٤) هذه النسبة الى بُشْت، بضم الباء الموحدة والشين المعجمة، وهي ناحية بنيسابور كثيرة الخير. «الأنساب» للسمعاني (٢/ ٢٤٣).
[ ٢٥٧ ]
عبد الله بن الحارث الصنعاني ببُشْت، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه قال: قال النبي - ﷺ -: «المرض ينزل جملة، والبُرْء ينزل قليلًا قليلًا» (^١).
قد أخطأ عبد الله بن الحارث في رواية هذا الحديث عن عبد الرزاق هكذا خطأ فظيعًا، وأتى بذلك أمرًا شنيعًا، وهذا الحديث لا يثبت عن رسول الله - ﷺ - بوجه من الوجوه ولا عن أحد من أصحابه، وإنما هو قول عروة بن الزبير بن العوام.
أخبرنا بصوابه عبد الله بن محمد بن يحيى السكري، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، حدثنا أحمد بن منصور الرمادي (^٢)، حدثنا عبد الرزاق (^٣) قال: ذكر معمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: المرض يدخل جملة والبُرْء يبعَّض» (^٤).
ففي أول الترجمة ذكر الخطيب أن عبد الله بن الحارث الصنعاني قد روى أحاديث منكرة عن عبد الرزاق، ثم ذكر من هذه الأحاديث المنكرة، هذا الحديث الذي أخطأ فيه خطأ فظيعًا، فرواه عن عبد الرزاق فرفعه إلى النبي - ﷺ -، والصواب أن عبد الرزاق ذكره موقوفًا على عروة، كما رواه
الرمادي
_________________
(١) أخرجه ابن الجوزي في «الموضوعات» (١٧٢٢) من طريق الخطيب.
(٢) ثقة حافظ، طعن فيه أبو داود لمذهبه في الوقف في القرآن، مات سنة خمس وستين ومائتين، وله ثلاث وثمانون سنة. «تقريب التهذيب» (ص: ٨٥ رقم ١١٣).
(٣) «الأمالي في آثار الصحابة» لعبد الرزاق (١٩٦).
(٤) «المتفق والمفترق» (٣/ ١٤٧٥).
[ ٢٥٨ ]
الثقة الحافظ، مما يدل على أن المنكر عند الخطيب هو حديث قد وقع فيه خطأ (^١).
٣ - قد تتوجَّه النكارة عند الخطيب إلى السند دون المتن:
فقد روى الخطيب من طريق العباس بن أحمد المذكِّر قال: حدثنا داود بن علي بن خلف قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي قال: حدثنا عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا نكاح إلا بولي».
ثم ساق له حديثًا آخر، ثم قال: «هذان الحديثان منكران بهذا الإسناد، والحمل فيهما عندي على المذكِّر؛ فإنه غير ثقة، والله أعلم» (^٢).
فوصفُ النكارة هنا وقع على الإسناد دون المتن؛ لأن المتن وهو: «لا نكاح إلا بولي» معروف مشهور بأسانيد أخرى (^٣).
_________________
(١) وينظر أيضًا: «الفصل للوصل» (٢/ ٧٠٨ - ٧٠٩، ٧٢٤).
(٢) «تاريخ بغداد» (٩/ ٣٤٣).
(٣) أخرجه أبو داود، كتاب النكاح، باب في الولي (٢/ ٢٢٩ رقم ٢٠٨٥)، والترمذي، كتاب النكاح، باب ما جاء لا نكاح إلا بولي (٣/ ٣٩٩ رقم ١١٠١)، وابن ماجه، كتاب النكاح، باب لا نكاح إلا بولي (١٨٨١)، وابن حبان في «الصحيح» كتاب النكاح، باب الولي (٩/ ٣٨٨ رقم ٤٠٧٧)، والحاكم في «المستدرك» كتاب النكاح (٢/ ١٨٤ رقم ٢٧١٠) من حديث أبي موسى الأشعري - ﵁ -. وقد اختلف في وصله وإرساله، ورجح البخاري والترمذي والحاكم الرواية الموصولة. وأخرجه ابن ماجه، كتاب النكاح، باب لا نكاح إلا بولي (١/ ٦٠٥ رقم ١٨٨٠)، وأحمد (٤/ ١٢١ رقم ٢٢٦٠) من حديث ابن عباس - ﵁ - ب. وأخرجه أحمد (٤٣/ ٢٨٧ رقم ٢٦٢٣٥) من حديث عائشة - ﵁ - ا. وفي الباب أحاديث أخرى، وقال الحاكم: «قد صحت الروايات فيه عن أزواج النبي - ﷺ -: عائشة، وأم سلمة، وزينب بنت جحش - ﵁ - ت أجمعين». وينظر: «التلخيص الحبير» (٣/ ٣٢٣).
[ ٢٥٩ ]
٤ - قد يكون الإسناد صحيحًا في الظاهر، ويكون مع ذلك المتن منكرًا:
روى الخطيب من طريق أحمد بن روح أبي يزيد (^١) قال: حدثنا عمرو بن مرزوق الباهلي (^٢) قال: حدثنا عمران القطان (^٣)، عن قتادة، عن أنس قال: قال النبي - ﷺ -: «إذا مات مبتدع فإنه قد فُتح على الإسلام فتح» (^٤).
ثم قال: «الإسناد صحيح والمتن منكر …» (^٥).
- وروى أيضًا عن أبي نصر أحمد بن إبراهيم المقدسي قال: حدثنا أبو بكر محمد بن جعفر الفقاعي (^٦) قال: حدثنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي (^٧) قال: قصدتُ باب أبي الربيع الزهراني (^٨) واستأذنت، فخرجت جارية، وقالت: الشيخ مشغول. فجلست ساعة ثم قرعتُ فخرجتْ أيضًا،
_________________
(١) بغدادي يجهل. «ميزان الاعتدال» (١/ ٩٨ رقم ٣٧٧).
(٢) ثقة فاضل له أوهام، مات سنة أربع وعشرين ومائتين. «تقريب التهذيب» (ص: ٤٢٦ رقم ٥١١٠).
(٣) هو عمران بن داوَر أبو العوام القطان البصري، صدوق يهم ورُمي برأي الخوارج، مات بعد الستين ومائة. «تقريب التهذيب» (ص: ٤٢٩ رقم ٥١٥٤).
(٤) أخرجه ابن الجوزي في «العلل المتناهية» (١/ ١٣٩ رقم ٢١٣) من طريق الخطيب.
(٥) «تاريخ بغداد» (٥/ ٢٥٦).
(٦) لم أجد له ترجمة، وانظر كلام الخطيب الآتي قريبًا.
(٧) وثَّقه الدارقطني والخطيب، مات سنة ست وثلاثمائة. «تاريخ بغداد» (٥/ ١٣٢).
(٨) هو سليمان بن داود العتكي، ثقة لم يتكلم فيه أحد بحجة، مات سنة أربع وثلاثين ومائتين. «تقريب التهذيب» (ص: ٢٥١ رقم ٢٥٥٦).
[ ٢٦٠ ]
وقالت: مشغول. فجلست أيضًا ساعة، ثم استأذنتُ فخرجتْ، وقالت: مشغول. فقلت: قولي للشيخ بغدادي وصوفي وصاحب حديث. فقال: زبد بنِرْسيان (^١)، قولي: ادخل. فدخلت، وبين يديه جام فالوذ (^٢) فلقمني لقمة، وقال: حدثني فليح قال: حدثنا الزهري قال: حدثنا أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من لقم أخاه لقمة حلواء، ولم يكن ذلك مخافة من شره، ولا رجاء لخيره، صرف الله عنه سبعين بلوى في القيامة».
ثم قال الخطيب: «هذا حديث منكر جدًّا وإسناده صحيح، وقد كنتُ أظن الحمل فيه على الفقاعي حتى ذكر لي عبد الغفار بن عبد الواحد الأُرموي (^٣)، أن محمد بن جعفر الفقاعي مشهور عندهم ثقة، قال: ومات بعد سنة سبعين وثلاثمائة ولم يدرك الصوفي، وإنما يروي عن عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، وأبي بكر بن الأنباري وطبقتهما.
ثم أخبرنا أبو علي الحسن بن محمد بن إسماعيل البزاز قال: حدثنا أبو القاسم بن السَّوْطي الحسين بن محمد بن إسحاق البزار (^٤) قال: سمعت أبا الطيب محمد بن الفَرُّخان الدوري (^٥) يقول: سمعت أحمد بن عبد الجبار
_________________
(١) النِّرسيان، بالكسر: من أجود التمر بالكوفة. «تاج العروس» (ن ر س).
(٢) الجام: إناء من فضة. والفالوذ: حلواء، يُسوَّى من لب الحنطة، فارسي معرب. «تاج العروس» (ج وم) (ف ل ذ).
(٣) هو الحافظ الإمام الجوال أبو النجيب الأُرموي، سمع: أحمد بن عبد الله المحاملي، وأبا نعيم الأصبهاني، وأبا ذر الهروي وغيرهم، روى عنه: الخطيب، والكتاني وغيرهما، مات شابًّا سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة. «سير أعلام النبلاء» (١٧/ ٤٤٧).
(٤) ترجم له الخطيب في «تاريخ بغداد» (٨/ ٦٧٣)، وقال: «كان كثير الوهم، شنيع الغلط».
(٥) ترجم له الخطيب في «تاريخ بغداد» (٤/ ٢٨١)، وقال: «كان غير ثقة».
[ ٢٦١ ]
الصوفي يقول: لما مضيت إلى أبي الربيع الزهراني إلى البصرة لأسمع منه الحديث، وكان رأيه رأي الصوفية، ضربت الباب، فقالت الجارية: هو على حاجة، فقلت لها: قولي له: صوفي بغدادي صاحب حديث! فقال: افتحي له. فدخلت إليه، فقال: إذا كان الصوفي بغداديًّا صاحب حديث فهو الزبد بالنِّرْسيان، ادن يا غلام، ثم ناولني لقمة فالوذ، ثم قال لي: كل. ثم قال: اكتب: حدثني فليح بن سليمان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من لقم أخاه المسلم لقمة حلوى، لا يرجو بها خيره ولا يتقي بها شره، لا يريد بها إلا الله، وقاه الله مرارة الموقف يوم القيامة» (^١).
فبانت لنا علة الحديث الأول؛ إذ الحمل فيه على محمد بن الفَرُّخان، ونرى أن الفقاعي عنه رواه، وسقط اسم محمد بن الفَرُّخان من كتاب شيخنا المقدسي (^٢)، والله أعلم.
وقد بينَّا حال ابن الفَرُّخان فيما تقدم من كتابنا (^٣) وأنه ذاهب الحديث، وأما الخلاف في الإسناد بين رواية الفقاعي وابن السَّوْطي فغير ممتنع أن يكون من جهة ابن الفَرُّخان، وأنه كان يرويه على ما يتفق له، أو من جهة ابن السَّوْطي فإنه أيضًا ظاهر التخليط، والله أعلم» (^٤).
يتبين من نقد الخطيب لهذا الحديث أن قوله: «إسناده صحيح» معناه: صحيح في ظاهر الأمر، وعند البحث والتفتيش تبين أنه إسناد ضعيف جدًّا؛ إذ سقط من إسناده ابن الفَرُّخان وهو ذاهب الحديث.
_________________
(١) أخرجه ابن الجوزي في «الموضوعات» (١٣٩٩) من طريق الخطيب.
(٢) هو أبو نصر أحمد بن إبراهيم المقدسي المتقدم في الإسناد قبل السابق، ولم أجد له ترجمة.
(٣) ينظر: «تاريخ بغداد» (٤/ ٢٨١).
(٤) «تاريخ بغداد» (٥/ ١٣٥).
[ ٢٦٢ ]
٥ - الحديث المنكر يقارب الحديث الموضوع:
روى الخطيب عن يعقوب بن شيبة أنه قال: ذُكر ليحيى بن معين (^١) ابن الصباح الجَرْجَرائي (^٢)، فقال يحيى: حدَّث بحديث منكر، عن علي بن ثابت، عن إسرائيل، عن ابن أبي ليلى، عن نافع، عن ابن عمر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «صنفان ليس في الإسلام لهما نصيب: المرجئة والقدرية» (^٣).
ثم قال الخطيب: «وهذا حديث منكر من هذا الوجه جدًّا كالموضوع، وإنما يرويه علي بن نزار شيخ ضعيف واهي الحديث (^٤) عن ابن عباس (^٥)، ولم
_________________
(١) «تاريخ ابن معين» رواية الدوري (٤/ ٣٨٥ رقم ٤٩٠٦).
(٢) هو محمد بن الصباح بن سفيان الجرجرائي، أبو جعفر التاجر، صدوق، مات سنة أربعين ومائتين. «تقريب التهذيب» (ص: ٤٨٤ رقم ٥٩٦٥).
(٣) لم أجد من أخرجه من طريق الجرجرائي، وأورده الدارقطني في «العلل» (١٣/ ١٠١) ورجح عليه طريق الحسن بن عرفة، حيث رواه عن علي بن ثابت، عن إسماعيل بن أبي إسحاق، وهو أبو إسرائيل الملائي، عن ابن أبي ليلى به. وطريق ابن عرفة أخرجها الطبري في «تهذيب الآثار» (٢/ ٦٥٦ رقم ٩٧٢)، وابن عدي في «الكامل» (١/ ٤٧٠)، واللالكائي في «شرح أصول الاعتقاد» (٥/ ١٠٥٨ رقم ١٧٩٩).
(٤) وفي «تقريب التهذيب» (ص: ٤٠٥ رقم ٤٨٠٦): «ضعيف».
(٥) أخرجه الترمذي، كتاب القدر، باب ما جاء في القدرية (٤/ ٤٥٤ رقم ٢١٤٩) من طريق القاسم بن حبيب، وعلي بن نزار، عن نزار، عن عكرمة، عن ابن عباس به مرفوعًا. وأخرجه ابن ماجه، المقدمة، باب في الإيمان (١/ ٢٤ رقم ٦٢) من طريق علي بن نزار، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس به مرفوعًا. قال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب». وينظر: «العلل المتناهية» (١/ ١٥٢)، و«كشف المناهج والتناقيح» للمناوي (٥/ ٣٦٦).
[ ٢٦٣ ]
يذكر يحيى بن معين محمد بن الصباح هذا بسوء» (^١).
- وروى الخطيب من طريق محمد بن عمرو الحوضي البزار (^٢) قال: حدثنا موسى بن إدريس (^٣)، عن أبيه (^٤)، عن جدِّه (^٥)، عن ليث (^٦)، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «اسمي في القرآن: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَىهَا﴾، واسم علي بن أبي طالب: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَىهَا﴾، والحسن والحسين: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّىهَا﴾، واسم بني أمية: ﴿وَالَّيْلِ إِذَا يَغْشَىهَا﴾ [الشمس: ١ - ٤] …» الحديث بطوله (^٧).
ثم قال: «هذا الحديث منكر جدًّا، بل هو موضوع، وفي إسناده ثلاثة
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (٣/ ٣٤٦).
(٢) قال الذهبي في «الميزان» (٣/ ٦٧٥ رقم ٨٠٢٤): «لا يُعرف».
(٣) قال ابن حجر في «اللسان» (٨/ ١٨٩ رقم ٧٩٨٠): «لا يُعرف».
(٤) مجهول. ينظر: «لسان الميزان» (٧/ ٤٢٠ رقم ٧٢٧٢).
(٥) قوله: «عن جده» كذا في مطبوعة «السابق واللاحق» (ص: ٢٦٣) تبعًا لـ «الموضوعات» لابن الجوزي (٦٩٨) من طريق الخطيب، وكذا وقع أيضًا في «اللآلئ المصنوعة» (١/ ٣٢٦) نقلًا عن الخطيب، ولم أجد لجدِّه هذا ترجمة. ووقع في «تاريخ دمشق» (٥٧/ ٢٧٣) من طريق الخطيب: «عن جرير»، وفي «ميزان الاعتدال» (٣/ ٦٧٥)، و«لسان الميزان» (٧/ ٤٢٠) كلاهما نقلًا عن الخطيب: «عن جرير بن عبد الحميد»، والله أعلم بالصواب.
(٦) هو ابن أبي سليم، صدوق اختلط جدًّا ولم يتميز حديثه فتُرك، مات سنة ثمان وأربعين ومائة. «تقريب التهذيب» (ص: ٤٦٤ رقم ٥٦٨٥).
(٧) أخرجه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٥٧/ ٢٧٢)، وابن الجوزي في «الموضوعات» (٦٩٨) كلاهما من طريق الخطيب.
[ ٢٦٤ ]
مجهولون: محمد بن عمرو بن عمرو الحوضي، وموسى بن إدريس، وأبوه، ولا يصح بوجه من الوجوه» (^١).
- وروى الخطيب في ترجمة أحمد بن جعفر بن سلم الجمال ومن طريقه عن سليمان بن عيسى (^٢) قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - قال: «من تمنَّى الغلاء على أمتي ليلة، أحبط الله عمله أربعين سنة» (^٣).
ثم قال: «منكر جدًّا، لا أعلم رواه غير سليمان بن عيسى السِّجزي، وكان كذابًا يضع الحديث» (^٤).
فوصفَ سليمان بن عيسى السِّجزي بأنه كذاب يضع الحديث، ووصف حديثه بأنه منكر جدًّا، مما يدل على أن المنكر يقارب الموضوع ويشابهه، والجامع بينهما أنه قد حدث فيهما خطأ، إلا أن الأغلب إطلاق الموضوع على الخطأ المتعمَّد، والمنكر على الخطأ غير المتعمد، والله أعلم.
قال السيوطي: «الموضوع قسمان: قسم تعمَّد واضعُه وضْعَه، وهذا شأن
_________________
(١) «السابق واللاحق» (ص: ٢٦٣)، وقد سقط إسناد هذا الحديث وجزء من المتن من هذا الكتاب، واستدركه محققه من «الموضوعات» لابن الجوزي (٦٩٨).
(٢) هو السجزي، قال ابن عدي: «يضع الحديث». «الكامل» (٤/ ٢٩٠).
(٣) أخرجه ابن عدي في «الكامل» (٤/ ٢٩١) من طريق سليمان بن عيسى السجزي به. وأخرجه ابن الجوزي في «الموضوعات» (١٢١٦) من طريق الخطيب.
(٤) «تاريخ بغداد» (٥/ ٩٧ - ٩٨)، وينظر أيضًا: «تاريخ بغداد» (٤/ ٢٨١ - ٢٨٢)، (٨/ ٤١٥).
[ ٢٦٥ ]
الكذَّابين. وقسم وقع غلطًا لا عن قصد، وهذا شأن المخلِّطين والمضطربين الحديث» (^١).
٧ - المنكر حديث فرد غريب:
وهذا واضح من الأمثلة السابقة، فما من حديث حكم عليه الخطيب بالنكارة إلا وقد تفرد به راويه.
تنبيه:
روى الخطيب في «الكفاية» في باب ترك الاحتجاج بمن غلب على حديثه الشواذ ورواية المناكير والغرائب من الأحاديث، عن أبي علي صالح بن محمد أنه قال: «الحديث الشاذ الحديث المنكر الذي لا يُعرف» (^٢).
ولم يتعقبه بشيء، فقد يدل هذا على أن المنكر هو الشاذ عند الخطيب، وهو بذلك يوافق ابن الصلاح، كما تقدم في بداية المبحث.
* وبعد هذا العرض يمكنني أن أستخلص تعريفًا للمنكر عند الخطيب، فالحديث المنكر عنده: هو حديث تفرد به راوٍ فأخطأ فيه، وخالف الثقات والأحاديث المشهورة.
وللحديث المنكر عنده عدة صفات منها: أنه حديث شديد الضعف يقارب الحديث الموضوع، وأنه حديث غير مشهور ولا معروف، وأن عمل الفقهاء على ضده، وأنه قد تتوجه النكارة إلى السند دون المتن، وأنه قد يكون الإسناد
صحيحًا في الظاهر، ويكون مع ذلك المتن منكرًا.
_________________
(١) «الفتاوى» للسيوطي (٢/ ٩).
(٢) «الكفاية» (ص: ١٤١).
[ ٢٦٦ ]