شرح الخطيب لكلام النقاد
بيَّنتُ في المبحث السابق سعة اطلاع الخطيب - ﵀ - على كتب نقد الحديث ورجاله وتأثره بنقاد الحديث، ولا شك أنه قد درس هذه الكتب دراسة متأنية، واستوعبها استيعابًا كاملًا، فكان من أحسن الناس فهمًا لكلام النقاد، فنراه يشرح كثيرًا من أحكامهم المشكلة وألفاظهم الغامضة، فمن أمثلة ذلك:
- المثال الأول:
روى الخطيب في ترجمة سعيد بن داود الزَّنْبَري (^١)، عن عبد الله بن علي بن المديني قال: سمعت أبي يقول: كتبت عن الزَّنْبَري أحاديث عن مالك من أخبار الناس، ولو كان رواها عن أبيه!
قال أبي: ولقد حسبت سنَّه فإذا هو قد كان رجلًا، وكان أبوه أجود الناس منزلة من مالك، وضعَّفه.
ثم فسَّر الخطيب قوله: «ولو كان رواها عن أبيه!» قائلًا: «يعني: كان ذلك أقرب لحاله، واحتُملت روايته لها، فلما رواها عن مالك استعظم عليٌّ ذلك واستنكره» (^٢).
_________________
(١) هو صدوق له مناكير عن مالك، ويقال اختلط عليه بعض حديثه، وكذَّبه عبد الله بن نافع في دعواه أنه سمع من لفظ مالك، مات في حدود (٢٢٠ هـ). «تقريب التهذيب» (ص: ٢٣٥ رقم ٢٢٩٨).
(٢) «تاريخ بغداد» (١٠/ ١١٥ - ١١٦).
[ ٤٢١ ]
- المثال الثاني:
روى الخطيب في ترجمة الزَّنْبَري أيضًا عن أبي بكر الأثرم أنه ذكر للإمام أحمد بن حنبل أن حديث الإفك رواه مالك. فقال له الإمام أحمد: من يرويه عن مالك؟ فقال الأثرم: هذا الذي هاهنا الزَّنْبَري. فتبسَّم الإمام أحمد وسكت.
ففسَّر الخطيب ذلك بقوله: «إنما كان سكوته وتبسُّمه استنكارًا للحديث؛ لأنه لم يروه عن مالك سوى الزَّنْبَري». ثم رواه الخطيب من طريق الزَّنْبَري عن مالك (^١).
- المثال الثالث:
روى الخطيب في ترجمة أبي الصلت عبد السلام بن صالح الهروي (^٢)، من طريق القاسم بن عبد الرحمن الأنباري قال: حدثنا أبو الصلت الهروي قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أنا مدينة العلم، وعليٌّ بابها، فمن أراد العلم فليأت بابه» (^٣).
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (١٠/ ١١٦).
(٢) هو أبو الصلت الهروي مولى قريش، نزل نيسابور، صدوق له مناكير وكان يتشيع، وأفرط العقيلي فقال: كذاب. «تقريب التهذيب» (ص: ٣٥٥ رقم ٤٠٧٠).
(٣) أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (١١/ ٦٥ رقم ١١٠٦١)، والحاكم في «المستدرك»، كتاب معرفة الصحابة، باب من مناقب علي بن أبي طالب (٣/ ١٣٧ رقم ٤٦٣٧) كلاهما من طريق عبد السلام بن صالح الهروي به. وصححه الحاكم، وقد تعقبه الذهبي بقوله: «بل موضوع».
[ ٤٢٢ ]
قال القاسم: سألت يحيى بن معين عن هذا الحديث، فقال: هو صحيح.
ففسَّر ذلك الخطيب بقوله: «أراد أنه صحيح من حديث أبي معاوية وليس بباطل؛ إذ قد رواه غير واحد عنه» (^١).
ثم استدل على تفسيره هذا بما رواه عن العباس بن محمد الدوري (^٢) أنه قال: سمعت يحيى بن معين يوثِّق أبا الصلت عبد السلام بن صالح، فقلت أو قيل له: إنه حدَّث عن أبي معاوية عن الأعمش: «أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها».
فقال: ما تريدون من هذا المسكين؟! أليس قد حدَّث به محمد بن جعفر الفيدي (^٣) عن أبي معاوية؟! (^٤).
* * *
_________________
(١) يعني: أن ابن معين لم يصحح الحديث مطلقًا؛ إنما صححه من حديث أبي معاوية، على معنى أنه حدث به؛ لينفي التهمة عن أبي الصلت الهروي، والله أعلم.
(٢) لم أجده في «تاريخ الدوري»، والله أعلم.
(٣) هو العلاف، نزل الكوفة ثم بغداد، مقبول، مات بعد الثلاثين ومائتين. «تقريب التهذيب» (ص: ٤٧٢ رقم ٥٧٨٦).
(٤) «تاريخ بغداد» (١٢/ ٣٢٠). وينظر مثال رابع في «تاريخ بغداد» (٣/ ٢١٩).
[ ٤٢٣ ]