النقد بالطعن في الراوي بالكذب ووضع الحديث
من أعظم أسباب الطعن في الحديث كذب الراوي، والكذب على رسول الله - ﷺ - أعظم من الكذب على غيره، والفسق به أظهر والوزر به أكبر، كما يقول الخطيب (^١).
ومن عُرِف بالكذب في حديث واحد، صار الكذب هو الظاهر من حاله، وسقط العمل بجميع أحاديثه، مع جواز كونه صادقًا في بعضها (^٢).
وكذب الراوي في الحديث النبوي: هو أن يروي عنه - ﷺ - ما لم يقله متعمِّدًا لذلك (^٣).
وأما التُّهمة بالكذب: فهو ألَّا يُروى ذلك الحديث إلا من جهته، ويكون مخالفًا للقواعد المعلومة (^٤)، وكذا من عُرِف بالكذب في كلامه، وإن لم يظهر منه وقوعُ ذلك في الحديث النبوي (^٥).
_________________
(١) «الكفاية» (ص: ١٠١).
(٢) «الكفاية» (ص: ٣٦٤) في معرض كلامه عن التدليس.
(٣) «نزهة النظر» (ص: ٨٨).
(٤) أي قواعد الدين المعلومة من الشريعة بالضرورة. كما في «شرح نخبة الفكر» للقاري (ص: ٤٣١).
(٥) «نزهة النظر» (ص: ٨٨).
[ ١٤٩ ]
فإذا تحقَّقنا من كذب الخبر، كان خبرًا موضوعًا.
والموضوع لغة: الملصَق، يقال: وضع فلان على فلان كذا، أي: ألصقه به. وهو أيضًا الحطُّ والإسقاط. لكن الأول أليق بهذه الحيثية.
واصطلاحًا: الكذب المختلَق المصنوع (^١).
فالخبر الموضوع هو ما كان كذبًا، سواء تعمَّد راويه الكذب أم لم يتعمَّد.
قال السيوطي: «الموضوع قسمان: قسم تعمَّد واضعُه وضْعَه، وهذا شأن الكذَّابين.
وقسم وقع غلطًا لا عن قصد، وهذا شأن المخلِّطين والمضطربين الحديث، كما حكم الحُفَّاظ بالوضع على الحديث الذي أخرجه ابن ماجه في «سننه» (^٢)، وهو: «مَن كثُرت صلاتُه بالليل حَسُن وجهُه بالنهار» فإنهم أطبقوا على أنه موضوع، وواضعه لم يتعمَّد وضعه، وقصته في ذلك مشهورة (^٣)» (^٤).
_________________
(١) ينظر: «النكت على كتاب ابن الصلاح» لابن حجر (٢/ ٨٣٨)، و«فتح المغيث» (١/ ٣١٠).
(٢) «سنن ابن ماجه»، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في قيام الليل (١/ ٤٢٢ رقم ١٣٣٣).
(٣) وملخَّص هذه القصة: أن ثابت بن موسى دخل على شريك بن عبد الله القاضي، والمستملي بين يديه، وشريك يقول: حدثنا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: قال رسول الله - ﷺ -. ولم يذكر المتن، فلما نظر إلى ثابت بن موسى قال: «مَن كثُرت صلاته بالليل حَسُن وجهه بالنهار». وإنما أراد ثابتًا لزهده وورعه، فظن ثابت أنه روى هذا الحديث مرفوعًا بهذا الإسناد، فكان ثابت يحدِّث به عن شريك، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر. «شرح التبصرة والتذكرة» للعراقي (١/ ٣١٦).
(٤) «الحاوي للفتاوى» للسيوطي (٢/ ٩).
[ ١٥٠ ]
وقد نقد الخطيب في «تاريخه» كثيرًا من الأخبار الموضوعة والمكذوبة، وبيَّن بطلانها، ومَن الذي قام بوضعها واختلاقها، وقد استخلصتُ منها بعض القواعد المهمة في نقد الأحاديث الموضوعة، سأذكرها مع بعض الأمثلة بإيجاز:
القاعدة الأولى: استعمال التاريخ من أهم الأمور المُعِينة على معرفة كذب الرواة:
وقد قرَّر ذلك في كتابه «الجامع لأخلاق الراوي» وبيَّن أن أصحاب الحديث قيَّدوا مواليد الرواة، وتاريخ موتهم؛ ليختبروا كذب الرواة الذين يدَّعون السماع ممن لم يلقوه.
وروى عن أبي حسَّان الزيادي (^١)، أنه قال: سمعتُ [حماد بن زيد] (^٢)
_________________
(١) هو الحسن بن عثمان بن حماد بن حسان، كان أحد العلماء الأفاضل، ومن أهل المعرفة والثقة والأمانة، توفي سنة اثنتين وأربعين ومائتين. «تاريخ بغداد» (٨/ ٣٣٩).
(٢) في «تاريخ بغداد» (٨/ ٣٤٠)، و«الجامع لأخلاق الراوي» (١/ ١٣١): «حسان بن زيد»، ورواه ابن عساكر من طريق الخطيب في «تاريخ دمشق» (١/ ٥٤)، ثم قال: «كذا في النسختين من تاريخ بغداد: حسان بن زيد. وأظنه حماد بن زيد، والله تعالى أعلم». فيتبين من ذلك أن «حسان بن زيد» تصحيف، والصواب: «حماد بن زيد»، ومما يؤيد ذلك أن السيوطي ذكر هذا القول في «الشماريخ في علم التاريخ» (ص: ١٨)، وعزاه إلى حماد بن زيد، كذلك فإني لم أجد ترجمة لحسان بن زيد هذا. وحماد بن زيد من شيوخ أبي حسان الزيادي، كما في ترجمة الزيادي من «تاريخ دمشق» لابن عساكر (١٣/ ١٣٢). وينظر: «علم الرجال نشأته وتطوره من القرن الأول إلى نهاية القرن التاسع» لمحمد بن مطر الزهراني (ص: ٢١٦)، و«تحرير علوم الحديث» لعبد الله بن يوسف الجديع (١/ ١٠٨).
[ ١٥١ ]
يقول: «لم نستعن على الكذَّابين بمثل التاريخ، نقول للشيخ: سنة كم وُلِدت؟
فإذا أخبر بمولده عرفنا كذبه من صدقه».
قال أبو حسان: «فأخذتُ في التاريخ، فأنا أعمله من ستين سنة» (^١).
وقال الخطيب في «الكفاية»: «ومما يُستدل به على كذب المحدِّث في روايته عمن لم يُدركه؛ معرفة تاريخ موت المروي عنه ومولد الراوي» (^٢).
وقد استعمل الخطيب هذه الطريقة في «تاريخ بغداد»، فقد روى في ترجمة محمد بن مزيد بن أبي الأزهر عن الأزهري قال: أخبرنا المعافى بن زكريا الجريري قال: حدثنا محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال: حدثنا علي بن مسلم الطوسي قال: حدثنا سعيد بن عامر، عن قابوس بن أبي ظَبْيان، عن أبيه، عن جده، عن جابر بن عبد الله - ﵁ - -قال: وحدثنا مرة أخرى، عن أبيه، عن جابر- قال: رأيتُ رسول الله - ﷺ - وهو يَفْحَجُ بين فخذي الحسين (^٣) ويُقَبِّل زُبَيْبَتَه ويقول: «لعنَ اللهُ قاتِلَك». قال جابر: فقلتُ: يا رسول الله ومَن قاتلُه؟ قال: «رجلٌ مِن أُمَّتي يبغض عِتْرتي لا ينالُه شفاعتي، كأني بنفسِه بين أطباق النيرانِ يرسبُ تارةً ويطفو أخرى، وأن جوفه ليقول: غق غق».
ثم قال: «هذا الحديث موضوعٌ إسنادًا ومتنًا، ولا أبعد أن يكون ابن أبي الأزهر وضعه ورواه عن قابوس (^٤) عن أبيه عن جدِّه عن جابر، ثم
_________________
(١) «الجامع لأخلاق الراوي» (١/ ١٣١).
(٢) «الكفاية» (ص: ١١٩).
(٣) أي: باعد ما بين فخذيه. «تاج العروس» (ف ح ج).
(٤) هو قابوس بن أبي ظَبْيان الكوفي، فيه لين. «تقريب التهذيب» (ص: ٤٤٩ رقم ٥٤٤٥).
[ ١٥٢ ]
عرف استحالةَ هذه الرواية، فرواه بعدُ ونقص منه «عن جدِّه»، وذلك أن أبا ظَبْيان قد أدرك سلمان الفارسي وسمع منه، وسمع من علي بن أبي طالب
أيضًا، واسم أبي ظبيان حصين بن جندب (^١)، وجندب أبوه لا يُعرف، أكان مسلمًا أو كافرًا؟ فضلًا عن أن يكون روى شيئًا.
ولكن في الحديث الذي ذكرناه عنه فساد آخر لم يقف واضعه عليه فيغيِّره، وهو استحالة رواية سعيد بن عامر (^٢) عن قابوس، وذلك أن سعيدًا بصري وقابوس كوفي، ولم يجتمعا قط، بل لم يدرك سعيدٌ قابوسَ! وكان قابوس قديمًا روى عنه سفيان الثوري وكبراء الكوفيين، ومِن آخر من أدركه جرير بن عبد الحميد (^٣)، وليس لسعيد بن عامر رواية إلا عن البصريين خاصة (^٤)، والله أعلم» اهـ (^٥).
القاعدة الثانية: قد يُحكم على الحديث بأنه موضوع، مع أن راويَه غيرُ مشهور بالكذب، بل قد يكون موثَّقًا من بعض أهل العلم:
وقد أوضح الخطيب هذه القاعدة المهمة في ترجمة محمد بن بيان بن مسلم الثقفي، حيث روى عن أبي القاسم الأزهري أنه قال: حدثنا محمد بن
_________________
(١) ثقة، مات سنة تسعين، وقيل غير ذلك. «تقريب التهذيب» (ص: ١٦٩ رقم ١٣٦٦).
(٢) هو سعيد بن عامر الضُّبَعي، أبو محمد البصري، ثقة صالح، وقال أبو حاتم: ربما وهم، مات سنة ثمان ومائتين، وله ست وثمانون سنة. «تقريب التهذيب» (ص: ٢٣٧ رقم ٢٣٣٨).
(٣) ينظر: «تهذيب الكمال» (٢٣/ ٣٢٨).
(٤) ينظر: «تهذيب الكمال» (١٠/ ٥١١).
(٥) «تاريخ بغداد» (٤/ ٤٦٧). وينظر مثالان آخران: «تاريخ بغداد» (٣/ ٤٥٦، ٤٥٨).
[ ١٥٣ ]
عبيد الله بن الشِّخِّير (^١) قال: حدثنا أبو العباس محمد بن بيان بن مسلم
الثقفي -قال ابن الشِّخِّير: وكان ثقة أملى علينا من أصله- قال: حدثنا الحسن بن عرفة قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن مالك بن أنس، عن الزهري، عن أنس - ﵁ - قال: لما نزلت سورةُ التِّين على رسول الله - ﷺ - فرح لها فرحًا شديدًا حتى بان لنا شدة فرحه، فسألنا ابن عباس بعد ذلك عن تفسيرها، فقال: «أما قول الله تعالى: ﴿وَالتِّينِ﴾ فبلاد الشام، ﴿وَالزَّيْتُونِ﴾ فبلاد فلسطين، ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ فطور سيناء الذي كلَّم الله عليه موسى، ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ فبلد مكة، و﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيم؟﴾ محمد - ﷺ - ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ عُبَّاد اللات والعزى، ﴿إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ أبو بكر وعمر، ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُون؟﴾ عثمان بن عفان، ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ علي بن أبي طالب، ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: ١ - ٨] أن بعثك فيهم نبيًّا، وجمعكم على التقوى يا محمد».
ثم قال الخطيب: «هذا الحديث بهذا الإسناد باطل لا أصل له يصح فيما نعلم، والرجال المذكورون في إسناده كلهم أئمة مشهورون غير محمد بن بيان، ونرى العلة من جهته، وتوثيق ابن الشِّخِّير له ليس بشيء؛ لأن من أورد
_________________
(١) هو محمد بن عبيد الله بن محمد بن الفتح بن عبيد الله بن الشِّخِّير أبو بكر الصيرفي. قال الخطيب: كان صدوقًا، سمعتُ أبا بكر البرقاني يُسأل عن ابن الشِّخِّير، فقال: حذَّرنيه بعضُ أصحابنا، إلا أني رأيتُ أبا الفتح بن أبي الفوارس قد روى عنه في الصحيح. وقال أحمد بن محمد العتيقي: كان ثقة أمينًا. توفي سنة (٣٧٨ هـ). «تاريخ بغداد» (٣/ ٥٧٦).
[ ١٥٤ ]
مثل هذا الحديث بهذا الإسناد، قد أغنى أهلَ العلم عن أن ينظروا في حاله، ويبحثوا عن أمره، ولعله كان يتظاهر بالصلاح، فأحسن ابن الشِّخِّير به الظنَّ،
وأثنى عليه لذلك، وقد قال يحيى بن سعيد القَطَّان: ما رأيتُ الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث (^١)» (^٢).
ورواه الخطيب أيضًا في «تلخيص المتشابه» ثم قال: «هذا الحديث باطل بهذا الإسناد، والرجال المذكورون فيه كلهم ثقات غير محمد بن بيان، ونرى أنه مما صنعت يداه، والله أعلم» (^٣).
فلم يقبل الخطيب توثيق ابن الشِّخِّير لهذا الراوي، وحكم على خبره بالكذب، واتهمه بوضع الحديث؛ لأنه أتى بهذا المتن الباطل بإسناد رجاله كلهم أئمة ثقات.
وهذا يؤكد ما قرره الذهبي - ﵀ - إذ يقول: «فلكثرة ممارستهم (^٤) للألفاظ النبوية، إذا جاءهم لفظ ركيك -أعني مخالفًا للقواعد- أو فيه المجازفة في الترغيب والترهيب، أو الفضائل، وكان بإسناد مظلم، أو إسناد مضيء كالشمس في أثنائه رجل كذاب أو وضَّاع، فيحكمون بأن هذا مختلَق، ما قاله رسول الله - ﷺ -، وتتواطأ أقوالهم فيه على شيء واحد» اهـ (^٥).
_________________
(١) رواه ابن عدي في مقدمة «الكامل في الضعفاء» (١/ ٢٤٦).
(٢) «تاريخ بغداد» (٢/ ٤٥٢).
(٣) «تلخيص المتشابه» (١/ ٢٣٩).
(٤) يعني: نقاد الحديث.
(٥) «الموقظة» (ص: ٣٧).
[ ١٥٥ ]
القاعدة الثالثة: الراوي إذا لم يكن مشهورًا بالثقة والأمانة، ثم أتى بأحاديث منكرة لا تُعرَف إلا من جهته؛ فإنه هو المتهم بوضعها، لا سيما إذا
كان كل مَن عداه في الإسناد ثقة:
قال الخطيب في ترجمة دعبل بن علي الشاعر من «تاريخ بغداد»: «وقد رُوي عنه أحاديث مسنَدة عن مالك بن أنس وعن غيره، وكلها باطلة، نراها من وضع ابن أخيه إسماعيل بن علي الدعبلي (^١)، فإنها لا تُعرَف إلا من جهته» اهـ (^٢).
فقد اعتبر الخطيبُ أحاديثَ إسماعيل فوجد متونها منكرة، ووجده قد تفرَّد بها، فحكم عليه بالكذب ووضع الحديث، وعلى أحاديثه بالبطلان.
- وروى الخطيب في ترجمة أحمد بن العباس بن حمويه الخلال حديثًا من طريقه عن الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني قال: حدثنا أبو معاوية الضرير قال: حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ملعونٌ ملعونٌ مَن سبَّ أباه، ملعونٌ ملعونٌ مَن سبَّ أمَّه، ملعونٌ ملعونٌ مَن عَمِل عَمَلَ قوم لوط، ملعونٌ ملعونٌ مَن أغرى بين بهيمتين، ملعونٌ ملعونٌ من غيَّر تُخومَ الأرض (^٣)، ملعونٌ ملعونٌ مَن كمَّه أعمى عن الطريق (^٤)» (^٥).
_________________
(١) ترجم له الخطيب في «تاريخ بغداد» (٧/ ٣٠٦)، وقال: «كان غير ثقة».
(٢) «تاريخ بغداد» (٩/ ٣٦٠).
(٣) تخوم الأرض: حدودها. «مختار الصحاح» (ت خ م).
(٤) أي: عمَّى عليه الطريق ولم يوقفه عليه. «غريب الحديث» لإبراهيم الحربي (٢/ ٤٨٣).
(٥) وأصل الحديث في «مسند أحمد» (١٨٧٥) من حديث ابن عباس - ﵁ - ب.
[ ١٥٦ ]
ثم قال: «لا يثبت هذا الحديث بهذا الإسناد، والحمل فيه على الخلال (^١)؛
فإن كل مَن عداه مِن المذكورين في إسناده ثقة» اهـ (^٢).
قال سبط ابن العجمي بعد أن نقل معنى كلام الخطيب: «وهذا منه كالتصريح في أنه وضع، والله أعلم» (^٣).
فقد اتهمه الخطيب بالكذب لتفرده بهذا الحديث المنكر عن أئمة ثقات.
وهذه نماذج لأحاديث أعلَّها الخطيب بكذب بعض رواتها:
- المثال الأول:
روى الخطيب في ترجمة أبي حنيفة من طريق أبي عبد الله محمد بن سعيد البُورَقي المروزي قال: حدثنا سليمان بن جابر بن سليمان بن ياسر بن جابر قال: حدثنا بشر بن يحيى قال: أخبرنا الفضل بن موسى السيناني، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن رسول الله - ﷺ - قال: «إنَّ في أُمَّتي رجلًا اسمُه النُّعمانُ، وكنيتُه أبو حنيفة، هو سِراجُ أُمَّتي، هو سِراجُ أُمَّتي، هو سِراجُ أُمَّتي».
قال الخطيب: «وهو حديث موضوع، تفرد بروايته البُورَقي، وقد شرحنا فيما تقدم أمره وبينَّا حاله» (^٤).
_________________
(١) ترجم له الذهبي في «ميزان الاعتدال» (١/ ١٠٦)، وقال: «متهم»، ثم ذكر هذا الحديث وكلام الخطيب فيه.
(٢) «تاريخ بغداد» (٥/ ٥٤٠).
(٣) «الكشف الحثيث» (ص: ٤٧ رقم ٤٨).
(٤) «تاريخ بغداد» (١٥/ ٤٥٩). ورواه ابن الجوزي في «الموضوعات» (٢/ ٣٠٥ رقم ٨٧١) من طريق الخطيب به.
[ ١٥٧ ]
ومحمد بن سعيد البُورَقي ترجم له الخطيب في «تاريخ بغداد» (^١)، وذكر
كلام أهل العلم فيه.
فنقل عن حمزة بن يوسف السهمي أنه قال: «محمد بن سعيد البُورَقي كذَّاب، حدَّث بغير حديث وضعه» (^٢).
وعن أبي عبد الله الحاكم أنه قال: «هذا البُورَقي قد وضع من المناكير على الثقات ما لا يُحصى، وأفحشها روايته عن بعض مشايخه، عن الفضل بن موسى السيناني، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن رسول الله - ﷺ - كما زعم أنه قال: «سيكونُ في أُمَّتي رجلٌ يقال له: أبو حنيفة، هو سِراجُ أُمَّتي».
هكذا حدَّث به في بلاد خراسان، ثم حدَّث به بالعراق بإسناده، وزاد فيه أنه قال: «وسيكونُ في أُمَّتي رجلٌ يقال له: محمد بن إدريس فتنتُه على أُمَّتي أضرُّ من فتنة إبليس»! (^٣).
ثم قال الخطيب: «ما كان أجرأ هذا الرجل على الكذب! كأنه لم يسمع حديث رسول الله - ﷺ -: «مَن كذب عليَّ متعمِّدًا فليتبوَّأْ مقعدَه من النار» نعوذ بالله من غلبة الهوى، ونسأله التوفيق لما يحب ويرضى» (^٤).
وترجم للبُورَقي أيضًا الذهبيُّ في «ميزان الاعتدال» وقال: «كان أحد
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (٣/ ٢٤٤).
(٢) ينظر: «سؤالات حمزة السهمي للدارقطني وغيره» (ص: ٢٦٨ رقم ٣٩١).
(٣) ينظر: «تلخيص تاريخ نيسابور» (ص: ٥٥).
(٤) «تاريخ بغداد» (٣/ ٢٤٤).
[ ١٥٨ ]
الوضَّاعين بعد الثلاثمائة» (^١)، ووافقه ابن حجر في «لسان الميزان»، ونقل عن
أبي أحمد الحاكم أنه قال فيه: «حديثه ليس بشيء» (^٢).
فقد حكم الخطيب بالوضع على هذا الحديث؛ لتفرد هذا الراوي به، وهو غير عدل، فهو يكذب على رسول الله - ﷺ -، وهذا من أعظم الفسق الذي تُرَدُّ به الأخبار.
- المثال الثاني:
روى الخطيب في ترجمة الحسين بن داود البلخي ومن طريقه عن الفضيل بن عياض، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: «أوحى اللهُ إلى الدُّنيا، أنِ اخدمي مَن خدمني، وأَتْعبي مَن خدمك».
ثم قال: «تفرد بروايته الحسين عن الفضيل، وهو موضوع، ورجاله كلهم ثقات، سوى الحسين بن داود» (^٣).
ونصَّ الحاكم أيضًا على تفرُّد الحسين بن داود به فقال: «هذا حديث من
_________________
(١) «ميزان الاعتدال» (٣/ ٥٦٦ رقم ٧٦٠٦).
(٢) «لسان الميزان» (٧/ ١٥٩ رقم ٦٨٣٩).
(٣) «تاريخ بغداد» (٨/ ٥٧٦). ورواه ابن الجوزي في «الموضوعات» (١٦١٢) من طريق الخطيب به، ورواه القضاعي في «مسند الشهاب» (٢/ ٣٢٥ رقم ١٤٥٣، ١٤٥٤)، والحاكم في «معرفة علوم الحديث» (ص: ١٠١) - ومن طريقه القاضي عياض في «الغنية» (ص: ١٤٢) - وابن الجوزي في «الموضوعات» (١٦١١) كلهم من طريق الحسين بن داود به.
[ ١٥٩ ]
أفراد الخراسانيين، عن المكيين؛ فإن الحسين بن داود بلخي، والفضيل بن
عياض عداده في المكيين» (^١).
وقال الحافظ ابن حجر بعد إيراده كلام الحاكم: «وإنما انفرد به الحسين ولم يروه غيره، وهو معدود في مناكيره» (^٢).
والحسين بن داود هذا قال فيه الخطيب في «تاريخ بغداد»: «لم يكن الحسين بن داود ثقة؛ فإنه روى نسخة عن يزيد بن هارون، عن حميد، عن أنس، أكثرها موضوع» (^٣).
ونقل عن الحاكم أنه قال: «حسين بن داود بن معاذ البلخي لم ينكَر تقدُّمه في الأدب والزهد، إلا أنه روى عن إبراهيم بن هدبة عن أنس بن مالك وعن جماعة لا يحتمل سنُّه السماع منهم، مثل ابن المبارك، والنضر بن شميل، والفضيل بن عياض، وأبي بكر بن عياش، وشقيق البلخي، وكثرت المناكير في رواياته، أخبَرونا أنه توفي بنيسابور سنة اثنتين وثمانين ومائتين» (^٤).
فتفرُّد هذا الرجل الهالك عن مثل فضيل بن عياض على إمامته وشهرته وكثرة ما له من التلاميذ والأصحاب، لدليلٌ واضح على كذبه، وأن فضيلًا لم يحدث به قط، لا سيما وسنُّه لا يحتمل السماع منه، كما قال الحاكم (^٥)، فلهذه الأمور حكم الخطيب على حديثه بالوضع، والله أعلم.
_________________
(١) «معرفة علوم الحديث» (ص: ١٠١).
(٢) «النكت على كتاب ابن الصلاح» (٢/ ٧٠٨).
(٣) «تاريخ بغداد» (٨/ ٥٧٦).
(٤) «تاريخ بغداد» (٨/ ٥٧٧).
(٥) فقد مات الفضيل سنة (١٨٧ هـ) وقيل قبلها كما في «تقريب التهذيب» (ص: ٤٤٨ رقم ٥٤٣١)، ومات الحسين بن داود سنة (٢٨٢ هـ)، فبين وفاتيهما خمس وتسعون سنة، ولم أجد أحدًا ذكر تاريخ ميلاد الحسين، والله أعلم.
[ ١٦٠ ]
- المثال الثالث:
روى الخطيب في ترجمة أبي العباس الحسين بن علي بن محمد الحلبي ومن طريقه عن قاسم بن إبراهيم المَلَطي قال: حدثنا أبو أمية المُخْتَطُّ (^١) قال: حدثني مالك بن أنس، عن الزهري، عن أنس بن مالك، عن عمر بن الخطاب قال: حدثني أبو بكر الصديق قال: سمعتُ أبا هريرة يقول: جئتُ إلى النبي - ﷺ - وبين يديه تمر، فسلَّمتُ عليه فردَّ عليَّ وناولني من التمر ملءَ كفِّه، فعددتُه ثلاثًا وسبعين تمرة، ثم مضيتُ من عنده إلى علي بن أبي طالب وبين يديه تمر فسلَّمتُ عليه، فردَّ عليَّ وضحك إليَّ وناولني من التمر ملءَ كفِّه، فعددتُه فإذا هو ثلاث وسبعون تمرة، فكثُر تعجُّبي من ذلك، فرُحتُ إلى النبي - ﷺ - فقلت: يا رسول الله جئتُك وبين يديك تمرٌ فناولتني ملءَ كفِّك فعددتُه ثلاثًا وسبعين تمرة، ثم مضيت إلى علي بن أبي طالب وبين يديه تمرٌ فناولني ملءَ كفِّه فعددتُه ثلاثًا وسبعين تمرة، فعجبت من ذلك! فتبسَّم النبيُّ - ﷺ - وقال: «يا أبا هريرةَ، أمَا علمتَ أنَّ يدي ويدَ عليِّ بن أبي طالب في العدلِ سواءٌ».
ثم قال: «حديث باطل بهذا الإسناد؛ تفرَّد بروايته قاسم المَلَطي، وكان يضع الحديث» (^٢).
_________________
(١) هو المبارك بن عبد الله، قال الذهبي: ليس بثقة ولا مأمون. «ميزان الاعتدال (٣/ ٤٣١)، (٤/ ٤٩٣).
(٢) «تاريخ بغداد» (٨/ ٦٣٠). ورواه ابن الجوزي في «العلل المتناهية» (١/ ٢٠٨ رقم ٣٣٦)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٤٢/ ٣٦٨)، وابن العديم في «بغية الطلب» (٦/ ٢٦٧٨) كلهم من طريق الخطيب به.
[ ١٦١ ]
وقاسم المَلَطي هذا ترجم له الخطيب في «تاريخ بغداد»، وقال: «كان كذَّابًا
أفَّاكًا يضع الحديث، روى عنه الغُرَباء عن أبي أُمَيَّة المبارك بن عبد الله، وعن لُوَين، عن مالك عجائب من الأباطيل». وأورد له بعضَ أباطيله، ثم نقل عن عبد الغني بن سعيد الحافظ أنه قال: «ليس في المَلَطيين ثقة» اهـ (^١).
وقال الدارقطني: «قاسم بن إبراهيم المَلَطي عن مالك يكذب» (^٢).
- المثال الرابع:
روى الخطيب في ترجمة محمد بن يوسف الرَّقِّي ومن طريقه عن سليمان بن أحمد الطبراني قال: حدثنا إسحاق الدَّبَري قال: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن أنس - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا كان يوم القيامة جاء أصحابُ الحديث بأيديهم المحابر، فيأمرُ اللهُ تعالى جبريلَ أنْ يأتيَهم فيسألَهم وهو أعلمُ بهم، فيقول: مَن أنتم؟ فيقولون: نحن أصحابُ الحديث. فيقول الله تعالى: ادخلوا الجنةَ على ما كان منكم، طالما كنتم تُصَلُّون على نبيي في دار الدنيا» أو كما قال.
ثم قال: «هذا حديثٌ موضوعٌ، والحمل فيه على الرَّقِّي، والله أعلم» (^٣).
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (١٤/ ٤٥٤).
(٢) «الضعفاء والمتروكون» (٤٣٨).
(٣) «تاريخ بغداد» (٤/ ٦٤٨). ورواه ابن الجوزي في «الموضوعات» (١/ ٤٢٤ رقم ٥٠٤)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٥٦/ ٣٣٨) كلاهما من طريق الخطيب به، ورواه ابن المقرب في «الأربعين حديثًا عن أربعين شيخًا» (ص: ٦٥ رقم ١٣)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٥٦/ ٣٣٨) كلاهما من طريق الرقي به. وأورد له السيوطي في «اللآلئ» (١/ ١٩٨) طريقًا آخر، رواها الديلمي في «مسند الفردوس»، والنميري في «الأعلام» كلاهما من طريق محمد بن أحمد بن مالك الإسكندراني، عن عبيد بن آدم، عن يزيد بن هارون، عن حميد الطويل، عن أنس. ثم قال النميري: «هذا الحديث لا أعلمه إلا من هذا الطريق، ومحمد بن أحمد بن مالك الإسكندراني مجهول».
[ ١٦٢ ]
والرَّقِّي هذا قال الخطيب في ترجمته: «كان غير ثقة» (^١).
وقد حكم الخطيب على هذا الحديث بالوضع؛ لتفرد هذا الهالك به، عن مثل الإمام الحافظ الطبراني، بإسناد كالشمس كما يقول الحافظ الذهبي (^٢).
ومما يؤيد كذب هذا الرقي ووضعه لهذا الحديث، أنه ليس في مصنفات الطبراني المشهورة، ولا في كتب عبد الرزاق، ولم يعزه أحد من أهل العلم إلى أيٍّ منهما، فلا أشك أنه ما حدَّث به الطبراني قط، ولا الدَّبَري، ولا عبد الرزاق.
أما قول السخاوي في «القول البديع»: «أخرجه الطبراني وابن بشكوال من طريقه، ونُقل عن طاهر بن أحمد النيسابوري (^٣) أنه قال: ما أعلم حدَّث به غير الطبراني» (^٤).
فالظاهر أنه وجد الطبراني في الإسناد، فظن أن الطبراني أخرجه، وكذلك
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (٤/ ٦٤٨).
(٢) «تاريخ الإسلام» (٨/ ٤٩٨ رقم ٥٠٣).
(٣) هو طاهر بن أحمد بن محمد بن طاهر أبو القاسم الوراق النيسابوري، قال الحاكم: كان مقدَّمًا في الطلب، في زي مشايخ البلد، إلا أنه كان يورِّق إلى أن مات، فإنه لم يكن في جماعة الوراقين أحسن خطًّا منه، توفي سنة سبع وخمسين وثلاثمائة. «الروض الباسم في تراجم شيوخ الحاكم» (١/ ٥٢٨).
(٤) «القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع» (ص: ٢٤٨).
[ ١٦٣ ]
قول النيسابوري، ولذلك قال الذهبي في ترجمة الرقي من «ميزان الاعتدال»:
«وضع على الطبراني حديثًا باطلًا في حشر العلماء بالمحابر» (^١).
- المثال الخامس:
روى الخطيب في ترجمة محمد بن معاذ بن عيسى الهروي من طريق أحمد بن عبد الله الهروي الجُوباري قال: حدثنا وكيع، عن شعبة، عن بَهْز بن حَكيم، عن أبيه، عن جده قال: أتيتُ النبيَّ - ﷺ - فقلتُ: يا رسولَ الله مَن أَبَرُّ؟ قال: «أُمَّك». قال: قلتُ: ثم مَن؟ قال: «ثم أُمَّك» ثلاث مرات. ثم قال في الرابعة: «ثم أباك».
ثم قال: «غريب من حديث شعبة، عن بَهْز بن حَكيم، لا أعلم رواه إلا أحمد بن عبد الله الهَرَوي المعروف بالجُوباري عن وكيع، وكان الجُوباري يضع الحديث» اهـ (^٢).
والجُوباري كذَّاب مشهور، ممن يُضرب المثل بكذبه (^٣).
وقد قال فيه النسائي: «كذاب» (^٤).
وقال الخَليلي: «كذَّاب، يروي عن الأئمة أحاديث موضوعة» (^٥).
وقول الخطيب: «غريب من حديث شعبة»؛ لأنه لا يُعرف لشعبة رواية عن
_________________
(١) «ميزان الاعتدال» (٤/ ٧٣ رقم ٨٣٤٥).
(٢) «تاريخ بغداد» (٤/ ٤٧٤).
(٣) ينظر: «ميزان الاعتدال» (١/ ١٠٧ رقم ٤٢١).
(٤) «الضعفاء والمتروكون» (ص: ٢١ رقم ٦٧).
(٥) «الإرشاد في معرفة علماء الحديث» (٣/ ٨٧٥).
[ ١٦٤ ]
بهز، فقد قال أبو داود: «لم يحدِّث شعبة عنه، وقال له: مَن أنت؟ ومَن
أبوك؟» (^١).
وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لم يروِ شعبة عن بهز إلا حديثًا واحدًا، فقد سأل أبو جعفر محمد بن الحسين البغدادي ابن معين: هل روى شعبة عن بَهْز؟ قال: «نعم حديث: «أَتَرِعُون (^٢) عن ذِكر الفاجر» (^٣) وقد كان شعبة متوقِّفًا عنه، فلما روى هذا الحديث كتبه وأبرأه مما اتَّهمه به» (^٤).
_________________
(١) «تهذيب التهذيب» (١/ ٤٩٨ رقم ٩٢٤).
(٢) أَتَرِعُون: بفتح همزة الاستفهام والمثناة فوق وكسر الراء، أي: أتتحرَّجون وتكُفُّون وتتورَّعون. «فيض القدير» (١/ ١١٥).
(٣) لم أجد رواية شعبة عن بهز لهذا الحديث، وقد أخرجه ابن أبي الدنيا في «الصمت» (ص: ١٤١ رقم ٢٢٠)، والعقيلي في «الضعفاء» (١/ ٢٠٢)، والطبراني في «المعجم الكبير» (١٩/ ٤١٨ رقم ١٠١٠)، وابن عدي في «الكامل» (٢/ ٤٣٠)، والخطيب في «تاريخ بغداد» (٨/ ١٩٥) وغيرهم من طريق الجارود بن يزيد عن بهز عن أبيه عن جدِّه. وقد رُوي أيضًا عن سفيان الثوري، وابن عيينة، والنضر بن شُميل، ويزيد بن أبي حكيم، عن بهز، ولا يثبت عن واحد منهم ذلك، والمحفوظ أن الجارود تفرد برواية هذا الحديث، وأنه حديث منكر باطل، والمتهم به الجارود، وهو متروك هالك، ذهب إلى ذلك جمعٌ من الحفاظ. وينظر: «المجروحين» لابن حبان (١/ ٢٢٠)، و«تعليقات الدارقطني على المجروحين» (ص: ٦٨)، و«الإرشاد» للخليلي (٢/ ٨٠٧)، و«السنن الكبرى» للبيهقي، كتاب الشهادات، باب الرجل من أهل الفقه يُسأل عن الرجل من أهل الحديث فيقول: كفوا عن حديثه (١٠/ ٣٥٤ رقم ٢٠٩١٤)، و«شعب الإيمان» (١٢/ ١٦٤ رقم ٩٢١٩).
(٤) «نصب الراية» (٣/ ٣١٠)، و«تهذيب التهذيب» (١/ ٤٩٩ رقم ٩٢٤).
[ ١٦٥ ]
وقد ذهب أبو موسى المديني إلى غرابة هذا الحديث عن شعبة، فقد روى
هذا الحديث في «اللطائف» من طريق عوف الأعرابي، عن شعبة، عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده به (^١). وفي الطريق إليه أبو بكر النقاش محمد بن الحسن بن محمد وهو متهم بالكذب (^٢).
ثم قال أبو موسى المديني: «هذا حديث مشهور ثابت من حديث بهز بن حكيم بن معاوية بن حَيْدة القُشيري (^٣)، غريب جدًّا من حديث شعبة عن بهز، وغريب أيضًا من حديث عوف عن شعبة، لا أعرفه إلا من هذا الوجه» اهـ باختصار.
ويتضح من هذا الكلام، ومن كلام الخطيب السابق أن إنكار هذا الحديث راجع إلى الإسناد، لا المتن، فالمتن مشهور ثابت كما قال أبو موسى المديني (^٤).
* * *
_________________
(١) «اللطائف من دقائق المعارف» (ص: ١٣٢ رقم ٢١٥).
(٢) ينظر: «ميزان الاعتدال» (٣/ ٥٢٠ رقم ٧٤٠٤).
(٣) أخرجه أحمد (٢٠٠٢٨)، وأبو داود، كتاب الأدب، باب في بر الوالدين (٥١٣٩)، والترمذي، أبواب البر والصلة، باب ما جاء في بر الوالدين (١٨٩٧) من طرق عن بهز عن أبيه عن جده، وحسَّنه الترمذي.
(٤) وينظر لمزيد من الأمثلة: «تاريخ بغداد» (٢/ ٥٩٢ - ٥٩٣)، (٣/ ٣٧ - ٣٨)، (٤/ ١٩٢ - ١٩٣)، (٥/ ٥٤٠ - ٥٤١)، (٨/ ٤١٥ - ٤١٦)، (١٢/ ٧٨ - ٧٩)، (١٣/ ٥٧٠ - ٥٧٢)، (١٥/ ٢٠).
[ ١٦٦ ]