رأي الخطيب عند اختلاف الرواة في الحديث
مسألة اختلاف الرواة في الحديث بين الوصل والإرسال، أو الرفع والوقف، أو زيادة لفظة وعدمها؛ من المسائل المهمة في علوم الحديث، وهي في الظاهر ثلاث مسائل، ولكنها في الحكم بمنزلة مسألة واحدة لا فرق بينها، قال ابن الحاجب: «وإذا أسند الحديث وأرسلوه، أو رفعه ووقفوه، أو وصله وقطعوه، فكالزيادة» (^١). ونقله الحافظ ابن حجر ووافقه (^٢).
وقد تنازع أهل العلم في هذه المسألة على عدة أقوال، ولا شك أن تنازعهم هو فيما إذا كان الرواة المختلفون ثقات، أما إذا خالف الضعيفُ الثقةَ، فلا اعتبار بمخالفته عندهم؛ ذلك لأن رواية الضعيف مردودة إذا لم يخالف، فكيف إذا خالف؟
وقد وضَّح الخطيب هذه المسألة بأنواعها في كتابه «الكفاية» حيث عقد بابًا بعنوان: «باب القول فيما رُوي من الأخبار مرسلًا ومتصلًا، هل يثبت ويجب العمل به أم لا؟».
_________________
(١) «مختصر منتهى السول والأمل في علمي الأصول والجدل» (ص: ٦٢٢).
(٢) «النكت على كتاب ابن الصلاح» (٢/ ٦٩٥).
[ ٢٦٧ ]
ثم أورد مثالًا لهذه المسألة وهو حديث: «لا نكاح إلا بولي»، وذكر أنه اختلف فيه الرواة على أبي إسحاق السَّبيعي، فرواه يونس بن أبي إسحاق السَّبيعي (^١) وابنه إسرائيل (^٢) وقيس بن الربيع (^٣)، عن أبي إسحاق السَّبيعي، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي - ﷺ - مسندًا متصلًا (^٤).
ورواه سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج، عن أبي إسحاق السَّبيعي، عن أبي بردة، عن النبي - ﷺ - مرسلًا (^٥).
ثم ذكر أقوال أهل العلم في هذه المسألة، ورجَّح أن الحكم للمسنِد إذا كان ثابت العدالة ضابطًا للرواية، ويجب حينئذ قبول خبره، ويلزم العمل به، وإن خالفه غيره، وسواء كان المخالف له واحدًا أو جماعة.
وعلَّل ذلك بأن إرسال الراوي للحديث ليس بجرح لمن وصله، ولا تكذيب له، ولعله أيضًا مسند عند الذين رووه مرسلًا أو عند بعضهم، إلا أنهم أرسلوه لغرض أو نسيان، والناسي لا يُقضى له على الذاكر، وكذلك حال
_________________
(١) صدوق يَهِم قليلًا، مات سنة اثنتين وخمسين ومائة على الصحيح. «تقريب التهذيب» (ص: ٦١٣ رقم ٧٨٩٩).
(٢) ثقة تُكُلِّم فيه بلا حجة، مات سنة ستين ومائة، وقيل بعدها. «تقريب التهذيب» (ص: ١٠٤ رقم ٤٠١).
(٣) هو الأسدي أبو محمد الكوفي، صدوق تغيَّر لما كبر وأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه فحدَّث به، مات سنة بضع وستين ومائة. «تقريب التهذيب» (ص: ٤٥٧ رقم ٥٥٧٣).
(٤) أخرجه: أبو داود، كتاب النكاح، باب في الولي (٢/ ٢٢٩ رقم ٢٠٨٥)، والترمذي، كتاب النكاح، باب ما جاء لا نكاح إلا بولي (٣/ ٣٩٩ رقم ١١٠١)، وابن ماجه، كتاب النكاح، باب لا نكاح إلا بولي (١/ ٦٠٥ رقم ١٨٨١) متصلًا.
(٥) أخرجه: الترمذي، كتاب النكاح، باب ما جاء لا نكاح إلا بولي (٣/ ٤٠٠) مرسلًا.
[ ٢٦٨ ]
راوي الخبر إذا أرسله مرة ووصله أخرى، لا يضعف ذلك أيضًا؛ لأنه قد ينسى فيرسله، ثم يذكر بعده فيسنده، أو يفعل الأمرين معًا عن قصد منه لغرض له فيه (^١).
- ثم ذكر الخطيب أن الترمذي رجَّح الرواية الموصولة لحديث: «لا نكاح إلا بولي»، وعلَّل ذلك بأن من رَوَوْهُ موصولًا سماعهم من أبي إسحاق في أوقات مختلفة، وأما شعبة وسفيان اللذان روياه مرسلًا، فهما وإن كانا أحفظ وأثبت من جميع من رَوَوْهُ موصولًا، إلا أن رواية هؤلاء أشبه؛ لأن شعبة والثوري سمعا هذا الحديث من أبي إسحاق في مجلس واحد، كذلك فإن إسرائيل أثبت في أبي إسحاق (^٢).
ثم ذكر الخطيب أن البخاري سئل عن هذا الحديث فقال: «الزيادة من الثقة مقبولة، وإسرائيل بن يونس ثقة، وإن كان شعبة والثوري أرسلاه، فإن ذلك لا يضر الحديث» (^٣).
- وعقد بابًا آخر في مسألة الاختلاف في الرفع والوقف قال فيه: «اختلاف الروايتين في الرفع والوقف لا يؤثر في الحديث ضعفًا؛ لجواز أن يكون الصحابي يسند الحديث مرة ويرفعه إلى النبي - ﷺ -، ويذكره مرة أخرى على سبيل الفتوى ولا يرفعه، فيُحفظ الحديث عنه على الوجهين جميعًا، وإنما لم
_________________
(١) «الكفاية» (ص: ٤١١).
(٢) «الكفاية» (ص: ٤١٢)، وكلام الترمذي في «سننه» (٣/ ٤٠٠). وينظر ترجمة إسرائيل بن يونس من «تهذيب الكمال» (٢/ ٥٢١).
(٣) «الكفاية» (ص: ٤١٣).
[ ٢٦٩ ]
يكن هذا مؤثرًا في الحديث ضعفًا مع ما بيناه؛ لأن إحدى الروايتين ليست مكذبة للأخرى، والأخذ بالمرفوع أولى؛ لأنه أزيد …» (^١).
- ثم عقد بابًا في مسألة زيادة الثقة، ذكر فيه اختلاف أهل العلم في قبولها وردها، واختار: أن الزيادة الواردة مقبولة على كل الوجوه ومعمول بها، إذا كان راويها عدلًا حافظًا ومتقنًا ضابطًا.
واستدل على ذلك باتفاق جميع أهل العلم على أنه لو انفرد الثقة بنقل حديث لم ينقله غيره، لوجب قبوله، ولم يكن ترك الرواة لنقله -إن كانوا عرفوه- معارضًا له، ولا قادحًا في عدالة راويه، ولا مبطلًا له، فكذلك سبيل الانفراد بالزيادة.
ثم ساق عدة احتمالات وتجويزات تؤيد قبول الزيادة، وهي:
١ - أن يكون الراوي حدَّث بالحديث في وقتين، وكانت الزيادة في أحدهما دون الوقت الآخر.
٢ - أن يكون قد كرر الراوي الحديثَ فرواه أولًا بالزيادة، وسمعه الواحد، ثم أعاده بغير زيادة اقتصارًا على أنه قد كان أتمه من قبل، وضبطه عنه من يجب العمل بخبره إذا رواه عنه، وذلك غير ممتنع.
٣ - أن يكون الراوي قد سها عن ذكر تلك الزيادة لمَّا كرر الحديث، وتركها غير متعمد لحذفها.
٤ - أن يكون الراوي قد ابتدأ بذكر ذلك الحديث وفي أوله الزيادة، ثم
_________________
(١) «الكفاية» (ص: ٤١٧) باختصار.
[ ٢٧٠ ]
دخل
داخل فأدرك بقية الحديث ولم يسمع الزيادة، فنقل ما سمعه، ويكون السامع الأول قد وعاه بتمامه.
٥ - يجوز أن يسمع من الراوي الاثنان والثلاثة، فينسى اثنان منهما الزيادة، ويحفظها الواحد ويرويها.
٦ - يجوز أن يحضر الجماعة سماع الحديث، فيتطاول حتى يغشى النوم بعضهم، أو يشغله خاطر نفس وفكر قلب في أمر آخر، فيقتطعه عما سمعه غيره.
٧ - ربما عرض لبعض سامعي الحديث أمر يوجب القيام ويضطره إلى ترك استتمام الحديث (^١).
- يتضح من هذا العرض أن رأي الخطيب - ﵀ - في مسألة اختلاف الرواة في الحديث بين الوصل والإرسال، أو الرفع والوقف، أو زيادة لفظة وعدمها، هو وجوب قبول الوصل والرفع والزيادة في كل الأحوال، إذا كان الراوي ثقة.
وذهب إلى ذلك أيضًا ابن الصلاح فقال بعد أن أورد كلام الخطيب وتصحيحه قبول الوصل: «قلت: وما صححه هو الصحيح في الفقه وأصوله، وسئل البخاري عن حديث: «لا نكاح إلا بولي» فحكم لمن وصله، وقال: الزيادة من الثقة مقبولة. فقال البخاري هذا، مع أن من أرسله شعبة وسفيان، وهما جبلان لهما من الحفظ والإتقان الدرجة العالية» (^٢).
_________________
(١) «الكفاية» (ص: ٤٢٤ وما بعدها) باختصار.
(٢) «مقدمة ابن الصلاح» النوع الحادي عشر، التفريع الخامس (ص: ٢٢٨).
[ ٢٧١ ]
* وهذا القول لم يرض به كثير من الأئمة النقاد، وذهبوا إلى أن العبرة بما اجتمع عليه الرواة الثقات، وما رجحته القرائن المحتفة بالخبر:
- قال الإمام الشافعي: «إنما يدل على غلط المحدث أن يخالفه غيره ممن هو أحفظ منه أو أكثر منه» (^١).
وقال أيضًا: «العدد الكثير أولى ألا يغلطوا من العدد القليل» (^٢).
فأشار إلى أن الزيادة متى تضمنت مخالفة الأحفظ أو الأكثر عددًا أنها تكون مردودة (^٣).
- وقال الإمام مسلم: «إذا روى نفر من حفاظ الناس حديثًا عن مثل الزهري أو غيره من الأئمة بإسناد واحد ومتن واحد، مجتمعون على روايته في الإسناد والمتن، لا يختلفون فيه في معنى، فيرويه آخر سواهم عمن حدث عنه النفر الذين وصفناهم بعينه، فيخالفهم في الإسناد أو يقلب المتن، فيجعله بخلاف ما حكى من وصفنا من الحفاظ، فيُعلم حينئذ أن الصحيح من الروايتين: ما حدَّث الجماعة من الحفاظ دون الواحد المنفرد، وإن كان حافظًا، على هذا المذهب رأينا أهل العلم بالحديث يحكمون في الحديث، مثل: شعبة وسفيان بن عيينة ويحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي وغيرهم من أئمة أهل العلم» (^٤).
_________________
(١) «الأم» كتاب العتق (٧/ ٢٠٩).
(٢) «الأم» كتاب الحج، باب لبس المحرم وطيبه جاهلًا (٢/ ١٦٧).
(٣) «النكت على كتاب ابن الصلاح» لابن حجر (٢/ ٦٨٨).
(٤) «التمييز» (ص: ١٧٢).
[ ٢٧٢ ]
- وقال الإمام ابن خزيمة: «لسنا ندفع أن تكون الزيادة في الأخبار مقبولة من الحفاظ، ولكن إنما نقول: إذا تكافأت الرواة في الحفظ والإتقان والمعرفة بالأخبار، فزاد حافظ متقن عالم بالأخبار كلمة قُبلت زيادته، لا أن الأخبار إذا تواترت بنقل أهل العدالة والحفظ والإتقان بخبر، فزاد راوٍ ليس (^١) مثلهم في الحفظ والإتقان زيادة، أن تلك الزيادة تكون مقبولة» (^٢).
- وسئل الإمام الدارقطني عن الحديث إذا اختلف فيه الثقات؛ مثل أن يروي الثوري حديثًا، ويخالفه فيه مالك، والطريق إلى كل واحد منهما صحيح؟
فقال: «يُنظر ما اجتمع عليه ثقتان فيُحكم بصحته، أو جاء بلفظة زائدة تَثبت، تُقبل منه تلك الزيادة، ويُحكم لأكثرهم حفظًا وثبتًا على من دونه» (^٣).
وعلق على ذلك الحافظ ابن حجر قائلًا: «وقد استعمل الدارقطني ذلك في «العلل» و«السنن» كثيرًا» (^٤).
- وقال الحافظ ابن عبد البر: «إنما تُقبل الزيادة من الحافظ إذا ثبتت عنه وكان أحفظ وأتقن ممن قصر أو مثله في الحفظ؛ لأنه كأنه حديث آخر
_________________
(١) في «النكت على ابن الصلاح»: «فزاد وليس»، والمثبت من «القراءة خلف الإمام»، وهو أشبه بالصواب.
(٢) نقله البيهقي في «القراءة خلف الإمام» (ص: ١٣٨)، وابن حجر في «النكت على ابن الصلاح» (٢/ ٦٨٨).
(٣) «سؤالات السلمي» (ص: ٣٦٠ رقم ٤٧٠).
(٤) «النكت على كتاب ابن الصلاح» (٢/ ٦٨٩).
[ ٢٧٣ ]
مستأنف، وأما إذا كانت الزيادة من غير حافظ ولا متقن فإنها لا يُلتفت
إليها» (^١).
- وقال الحافظ ابن الجوزي: «ومن الأشياء التى لا وجه لتركها أن يرفع الحديث ثقة فيقفه آخر، فترك هذا لا وجه له؛ لأن الرفع زيادة، والزيادة من الثقة مقبولة، إلا أن يقفه الأكثرون ويرفعه واحد فالظاهر غلطه، وإن كان من الجائز أن يكون قد حفظ دونهم» (^٢).
- وقال الحافظ الذهبي: «وإن كان الحديث قد رواه الثبت بإسناد، أو وقفه، أو أرسله، ورفقاؤه الأثبات يخالفونه، فالعبرة بما اجتمع عليه الثقات؛ فإن الواحد قد يغلط، وهنا قد ترجَّح ظهور غلطه، فلا تعليل، والعبرة بالجماعة» (^٣).
- وذهب إلى ذلك أيضًا الإمامان ابن دقيق العيد (^٤) والزركشي، فقد قال الزركشي بعد أن حكى مذاهب الناس في هذه المسألة: «وأما من حكى شيئًا من هذه الأقوال عن أهل الحديث أو أكثرهم فقد أنكره الإمام الحافظ أبو الفتح القشيري - يعني ابن دقيق العيد - في مقدمة «شرح الإلمام» وقال: إن ذلك ليس قانونًا مطردًا، وبمراجعة أحكامهم الجزئية يُعرف صواب ما نقول؛ فإنهم يروون الحديث من رواية الثقات العدول، ثم تقوم لهم علل فيه تمنعهم من الحكم بصحته؛ لمخالفة جمع كثير للأقل، ومن هو أحفظ منه، أو
_________________
(١) «التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد» (٣/ ٣٠٦).
(٢) «الموضوعات» (١/ ١٣).
(٣) «الموقظة» (ص: ٥٢).
(٤) وكذلك تلميذه ابن سيد الناس، كما في «النكت على كتاب ابن الصلاح» لابن حجر (٢/ ٦٠٤).
[ ٢٧٤ ]
قيام قرينة تؤثر في أنفسهم غلبة ظن بغلطه، وإن كان هو الذي وصل أو رفع،
ولم يجروا في ذلك على قانون واحد يُستعمل في جميع الأحاديث، قال: وأقرب الناس إلى اطراد هذه القواعد بعض أهل الظاهر».
ثم قال الزركشي: «ومن هنا حكى بعض المتأخرين تقديم أحدهما على الآخر بحسب القرائن، فإن كان الواقفون له ثقات حفاظًا أوثق وأحفظ ممن رفعه فالحكم للوقف، وكذا إذا كانوا عن شيخ لهم وأهل بلدٍ فهم أحق به ممن ليس هو شيخه ولا كثرت ملازمته له ولا هو من أهل بلده، وإن كان الرافع له كثيرين ثقات حفاظًا، وإن تعارض الحال تُوقِّف في الترجيح …» (^١).
- وكذلك الحافظ شمس الدين محمد بن عبد الهادي فإنه قال: «طريقة الحذاق من الأئمة -وهي أقوى الطرق- أنه يصار إلى الترجيح، فتارة يُحكم للواقف، وتارة يُحكم للرافع، وتارة يُتوقف، كل ذلك بحسب القرائن، وهذه طريقة الشافعي وأحمد وعلي بن المديني والبخاري والنسائي والدارقطني وغيرهم من الأئمة، وقد قال أحمد في حديث رواه عبدة بن سليمان عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن [عزرة] (^٢) عن سعيد بن جبير عن ابن عباس سمع النبي - ﷺ - رجلًا يلبِّي عن شبرمة (^٣):
_________________
(١) «النكت على مقدمة ابن الصلاح» (٢/ ٦٠٤).
(٢) في «النكت على مقدمة ابن الصلاح» للزركشي: «عروة»، وهو خطأ. وعزرة هو ابن عبد الرحمن بن زرارة الخزاعي الكوفي الأعور، شيخ لقتادة، ثقة. «تقريب التهذيب» (ص: ٣٩٠ رقم ٤٥٧٦).
(٣) أخرجه أبو داود، كتاب المناسك، باب الرجل يحج عن غيره (٢/ ١٦٢ رقم ١٨١١)، وابن ماجه، كتاب المناسك، باب الحج عن الميت (٢/ ٩٦٩ رقم ٢٩٠٣) كلاهما من طريق عبدة بن سليمان به.
[ ٢٧٥ ]
ليس بصحيح، إنما هو عن ابن عباس. وقال أيضًا: رفعه خطأ، ليس فيه عن
النبي - ﷺ - (^١).
هذا مع أن الذي رفعه -وهو عبدة بن سليمان- ثقة من رجال الصحيحين (^٢)، فعُلم أن أحمد حكم بوقفه وإن كان الرافع له ثقة، وكذلك فعل في عدة أحاديث، وبهذا يُعلم خطأ من أطلق النقل عن الفقهاء أنهم يأخذون بالرفع في كل موضع» (^٣).
وقال أيضًا في معرض نقده لزيادة ذكر البسملة التي تفرد بها نُعيم المُجْمِر (^٤) من بين أصحاب أبي هريرة: «فإن قيل: قد رواها نعيم المُجْمِر، وهو ثقة، والزيادة من الثقة مقبولة.
قلنا: ليس ذلك مجمعًا عليه، بل فيه خلاف مشهور، فمن الناس من يقبل زيادة الثقة مطلقًا، ومنهم من لا يقبلها، والصحيح التفصيل، وهو أنها تُقبل في موضع دون موضع، فتُقبل إذا كان الراوي الذي رواها ثقة حافظًا ثبتًا، والذي لم يذكرها مثله، أو دونه في الثقة، كما قبل الناس زيادة مالك بن أنس،
_________________
(١) ينظر: «التلخيص الحبير» (٢/ ٤٢٧).
(٢) عبدة بن سليمان الكلابي، أبو محمد الكوفي، ثقة ثبت، مات سنة سبع وثمانين ومائة، وقيل بعدها. «تقريب التهذيب» (ص: ٣٦٩ رقم ٤٢٦٩).
(٣) نقله الزركشي في «النكت على مقدمة ابن الصلاح» (٢/ ٦٠٣).
(٤) هو نعيم بن عبد الله المدني مولى آل عمر، يُعرف بالمُجْمِر، ثقة. «تقريب التهذيب» (ص: ٥٦٥ رقم ٧١٧٢). وحديثه المشار إليه رواه النسائي، كتاب الافتتاح، باب قراءة ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (٢/ ١٣٤ رقم ٩٠٥) من طريق سعيد بن أبي هلال، عن نعيم المجمر قال: صليت وراء أبي هريرة فقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ الحديث.
[ ٢٧٦ ]
قوله:
«من المسلمين» في صدقة الفطر (^١)، واحتج بها أكثر العلماء، وتُقبل في موضع آخر لقرائن تخصها، ومن حكم في ذلك حكمًا عامًّا فقد غلط، بل كل زيادة لها حكم يخصها، ففي موضع يُجزم بصحتها كزيادة مالك، وفي موضع يغلب على الظن صحتها، وفي موضع يُجزم بخطأ الزيادة؛ فإن الثقة قد يغلط، وفي موضع يغلب على الظن خطؤها، وفي موضع يتوقف في الزيادة، كما في أحاديث كثيرة» (^٢).
- وبهذا جزم الحافظ العلائي فقال: «كلام الأئمة المتقدمين في هذا الفن كعبد الرحمن بن مهدي ويحيى بن سعيد القطان وأحمد بن حنبل والبخاري وأمثالهم يقتضي أنهم لا يحكمون في هذه المسألة بحكم كلي، بل عملهم في ذلك دائر مع الترجيح بالنسبة إلى ما يقوى عند أحدهم في كل حديث حديث» (^٣).
- وكذلك الحافظ ابن رجب فله كلام نفيس في ذلك، رد في أثنائه على الخطيب، فقال: «وقد تكرر في هذا الكتاب ذكر الاختلاف في الوصل والإرسال، والوقف والرفع، وكلام أحمد وغيره من الحفاظ يدور على اعتبار قول الأوثق في ذلك، والأحفظ أيضًا.
وقد قال أحمد في حديث أسنده حماد بن سلمة: أي شيء ينفع وغيره يرسله؟! (^٤).
_________________
(١) أخرجها: البخاري، كتاب الزكاة، باب صدقة الفطر على العبد وغيره من المسلمين (٢/ ١٣٠ رقم ١٥٠٤)، ومسلم، كتاب الزكاة، باب زكاة الفطر على المسلمين من التمر والشعير (٢/ ٦٧٧ رقم ٩٨٤).
(٢) نقله عنه الزيلعي في «نصب الراية» (١/ ٣٣٦) وقد اختصرته.
(٣) نقله ابن حجر في «النكت على ابن الصلاح» (٢/ ٦٠٤).
(٤) لم أجده في غير «شرح علل الترمذي»، والله أعلم.
[ ٢٧٧ ]
وذكر الحاكم أن أئمة الحديث على أن القول قول الأكثرين، الذين أرسلوا الحديث (^١).
وهذا يخالف تصرفه في «المستدرك».
وقد صنف في ذلك الحافظ أبو بكر الخطيب مصنفًا حسنًا سماه «تمييز المزيد في متصل الأسانيد» وقسمه قسمين؛ أحدهما: ما حُكم فيه بصحة ذكر الزيادة في الإسناد، وتركها.
والثاني: ما حُكم فيه برد الزيادة وعدم قبولها.
ثم إن الخطيب تناقض، فذكر في كتاب «الكفاية» للناس مذاهب في اختلاف الرواة في إرسال الحديث ووصله، كلها لا تعرف عن أحد من متقدمي الحفاظ، إنما هي مأخوذة من كتب المتكلمين، ثم إنه اختار أن الزيادة من الثقة تُقبل مطلقًا، كما نصره المتكلمون وكثير من الفقهاء، وهذا يخالف تصرفه في كتاب «تمييز المزيد».
وقد عاب تصرفه في كتاب «تمييز المزيد» بعضُ محدثي الفقهاء، وطمع فيه؛ لموافقته لهم في كتاب «الكفاية»» (^٢).
- وكذلك الحافظ ابن حجر؛ فإنه قال بعد أن أورد كلام الأئمة في أن الحكم في هذه المسألة للأكثر والأحفظ: «فحاصل كلام هؤلاء الأئمة أن الزيادة إنما تُقبل ممن يكون حافظًا متقنًا، حيث يستوي مع من زاد عليهم في ذلك، فإن كانوا أكثر عددًا منه، أو كان فيهم من هو أحفظ منه، أو كان غير
_________________
(١) «المدخل إلى كتاب الإكليل» (ص: ٤٧).
(٢) «شرح علل الترمذي» (٢/ ٦٣٧).
[ ٢٧٨ ]
حافظ، ولو كان في الأصل صدوقًا، فإن زيادته لا تُقبل، وهذا مغاير لقول من قال: زيادة الثقة مقبولة وأطلق، والله أعلم» (^١).
وقال أيضًا: «والذي يجري على قواعد المحدثين أنهم لا يحكمون عليه بحكم مستقل من القبول والرد، بل يرجحون بالقرائن» (^٢).
- وكذلك البقاعي فإنه قال: «ثم إن ابن الصلاح خلط هنا طريقة المحدثين بطريقة الأصوليين، على أن لحذاق المحدثين في هذه المسألة نظرًا آخر لم يحكه، وهو الذي لا ينبغي أن يُعدل عنه، وذلك أنهم لا يحكمون فيها بحكم مطرد، وإنما يدورون في ذلك مع القرائن» (^٣).
- وقال السخاوي: «فالحق حسب الاستقراء من صنيع متقدمي الفن - كابن مهدي والقطان وأحمد والبخاري - عدم اطِّراد حكم كلي، بل ذلك دائر مع الترجيح، فتارة يترجح الوصل، وتارة الإرسال، وتارة يترجح عدد الذوات على الصفات، وتارة العكس، ومن راجع أحكامهم الجزئية تبين له ذلك» (^٤).
* الرد على ما استدل به الخطيب:
وقد ردَّ الحفاظ على ما أورده الخطيب من أدلة، وبيَّنوا ضعفها ووهاءها،
وسأسوق أدلة الخطيب مع الرد عليها باختصار:
_________________
(١) «النكت على كتاب ابن الصلاح» (٢/ ٦٩٠).
(٢) «النكت على كتاب ابن الصلاح» (٢/ ٦٨٧).
(٣) «النكت الوفية» (١/ ٤٢٦). وقد صرح البقاعي في مقدمة كتابه هذا: أن ما لم يصدره بـ «قلت» ولم يعزه لأحد فهو من كلام شيخه ابن حجر، فهذا يدل على أن هذا الكلام مستفاد من ابن حجر، وأقره عليه البقاعي، كذلك فإن البقاعي قد قال (١/ ٤٢٨) بعد نقله للكلام السابق وغيره: «ويؤيد ما قاله شيخنا …» وهذا صريح في ذلك، والله الموفق.
(٤) «فتح المغيث» (١/ ٢١٦).
[ ٢٧٩ ]
١ - ذهب الخطيب إلى تجويز أن يكون الراوي قد نسي فأرسل الحديث، وأن من وصله قد حفظه، والناسي لا يُقضى له على الذاكر.
والجواب: أنه يقابل بمثله، فيترجح الإرسال، بتجويز أن يكون الواصل قد وهم فتبع العادة وسلك الجادة (^١).
٢ - استدل الخطيب بما رواه عن البخاري أنه سئل عن حديث: «لا نكاح إلا بولي» (^٢). فقال: «الزيادة من الثقة مقبولة، وإسرائيل بن يونس ثقة، وإن كان شعبة والثوري أرسلاه، فإن ذلك لا يضر الحديث».
والجواب: أن مراد البخاري الزيادةُ في هذا الحديث، وليس على الإطلاق، قال الحافظ ابن رجب: «وهذه الحكاية - إن صحت - فإنما مراده الزيادة في هذا الحديث، وإلا فمن تأمل كتاب «تاريخ البخاري» تبين له قطعًا أنه لم يكن يرى أن زيادة كل ثقة في الإسناد مقبولة.
وهكذا الدارقطني يذكر في بعض المواضع أن الزيادة من الثقة مقبولة، ثم يرد في أكثر المواضع زيادات كثيرة من الثقات، ويرجح الإرسال على الإسناد.
فدل على أن مرادهم زيادةُ الثقة في مثل تلك المواضع الخاصة، وهي إذا كان الثقة مبرزًا في الحفظ.
وقال الدارقطني (^٣) في حديث زاد في إسناده رجلان ثقتان رجلًا، وخالفهما
الثوري فلم يذكره، قال: لولا أن الثوري خالف لكان القول قول
_________________
(١) ينظر: «النكت على كتاب ابن الصلاح» لابن حجر (٢/ ٦١٠).
(٢) تقدم تخريجه أول هذا المطلب (ص: ٢٦٨).
(٣) «علل الدارقطني» (٢/ ٧٥).
[ ٢٨٠ ]
من زاد فيه؛ لأن زيادة الثقة مقبولة. وهذا تصريح بأنه إنما يقبل زيادة الثقة إذا لم يخالفه من هو أحفظ عنه» (^١).
وقد أوضح ابن حجر القرائن التي جعلت البخاري يحكم بقبول الزيادة في هذا الخبر، وقد أورد الخطيب بعض هذه القرائن من كلام الترمذي -وقد نقلتها فيما سبق- ومع ذلك فقد عمَّم القضية!
قال ابن حجر - ﵀ -: «الاستدلال بأن الحكم للواصل دائمًا على العموم من صنيع البخاري في هذا الحديث الخاص ليس بمستقيم؛ لأن البخاري لم يحكم فيه بالاتصال من أجل كون الوصل زيادة، وإنما حكم له بالاتصال لمعان أخرى رجحت عنده حكم الموصول.
منها: أن يونس بن أبي إسحاق (^٢) وابنيه إسرائيل (^٣) وعيسى (^٤) رووه عن أبي إسحاق موصولًا، ولا شك أن آل الرجل أخص به من غيرهم.
ووافقهم على ذلك أبو عوانة (^٥) وشريك النخعي (^٦) وزهير بن معاوية (^٧)
_________________
(١) «شرح علل الترمذي» (٢/ ٦٣٨).
(٢) سبقت ترجمته في بداية المطلب (ص: ٢٦٨).
(٣) سبقت ترجمته في بداية المطلب (ص: ٢٦٨).
(٤) ثقة مأمون، مات سنة سبع وثمانين ومائة، وقيل: سنة إحدى وتسعين ومائة، روى له الجماعة. «تقريب التهذيب» (ص: ٤٤١ رقم ٥٣٤١).
(٥) هو وضَّاح بن عبد الله اليشكري الواسطي، ثقة ثبت، مات سنة خمس وسبعين ومائة أو السنة التي بعدها، روى له الجماعة. «تقريب التهذيب» (ص: ٥٨٠ رقم ٧٤٠٧).
(٦) هو شريك بن عبد الله النخعي الكوفي القاضي أبو عبد الله، صدوق يخطئ كثيرًا، تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة، وكان عادلًا فاضلًا عابدًا شديدًا على أهل البدع، مات سنة سبع أو ثمان وسبعين ومائة. «تقريب التهذيب» (ص: ٢٦٦ رقم ٢٧٨٧).
(٧) هو أبو خيثمة الجعفي الكوفي نزيل الجزيرة، ثقة ثبت إلا أن سماعه عن أبي إسحاق بأخرة، مات سنة اثنتين أو ثلاث أو أربع وسبعين ومائة، وكان مولده سنة مائة، روى له الجماعة. «تقريب التهذيب» (ص: ٢١٨ رقم ٢٠٥١).
[ ٢٨١ ]
وتمام العشرة من أصحاب أبي إسحاق، مع اختلاف مجالسهم في الأخذ عنه وسماعهم إياه من لفظه.
وأما رواية من أرسله وهما شعبة وسفيان، فإنما أخذاه عن أبي إسحاق في مجلس واحد.
فقد رواه الترمذي قال: حدثنا محمود بن غيلان (^١)، حدثنا أبو داود (^٢)، حدثنا شعبة قال: سمعت سفيان الثوري يسأل أبا إسحاق: أسمعتَ أبا بردة - ﵁ - يقول: قال رسول الله - ﷺ -: «لا نكاح إلا بولي»؟ فقال: نعم (^٣).
فشعبة وسفيان إنما أخذاه معًا في مجلس واحد عرضًا كما ترى، ولا يخفى رجحان ما أُخذ من لفظ المحدث في مجالس متعددة على ما أُخذ عنه عرضًا في محل واحد.
هذا إذا قلنا: حفظ سفيان وشعبة في مقابل عدد الآخرين، مع أن الشافعي
- ﵁ - يقول: العدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد (^٤).
_________________
(١) هو أبو أحمد المروزي نزيل بغداد، ثقة، مات سنة تسع وثلاثين ومائتين، وقيل بعد ذلك. «تقريب التهذيب» (ص: ٥٢٢ رقم ٦٥١٦).
(٢) هو أبو داود الطيالسي سليمان بن داود بن الجارود البصري، ثقة حافظ غلط في أحاديث، مات سنة أربع ومائتين، «تقريب التهذيب» (ص: ٢٥٠ رقم ٢٥٥٠).
(٣) أخرجه: الترمذي، كتاب النكاح، باب ما جاء لا نكاح إلا بولي (٣/ ٤٠٠). وإسناده صحيح رجاله كلهم ثقات، وقد تقدمت تراجمهم عند ذكرهم في الإسناد.
(٤) ينظر: «الأم» كتاب الحج، باب لبس المحرم وطيبه جاهلًا (٢/ ١٦٧).
[ ٢٨٢ ]
فتبين أن ترجيح البخاري لوصل هذا الحديث على إرساله لم يكن لمجرد أن الواصل معه زيادة ليست مع المرسل، بل بما يظهر من قرائن الترجيح. ويزيد ذلك ظهورًا تقديمه الإرسال في مواضع أخر، فتبين أنه ليس له عمل مطرد في ذلك. والله أعلم» (^١).
٣ - ذهب الخطيب إلى أن اختلاف الروايتين في الرفع والوقف لا يؤثر في الحديث ضعفًا؛ لجواز أن يكون الصحابي يسند الحديث مرة ويرفعه إلى النبي - ﷺ -، ويذكره مرة أخرى على سبيل الفتوى ولا يرفعه، فيُحفظ الحديث عنه على الوجهين جميعًا.
والجواب: أن هذا احتمال، ويوجد احتمال آخر يعارضه، وهو أن يكون أحد الرواة قد أخطأ فرفع الموقوف، وإنما يُعلم ذلك بالقرائن المحتفة بالخبر.
٤ - احتج الخطيب بقبول زيادة الثقة الضابط على كل الوجوه، باتفاق جميع أهل العلم على أنه لو انفرد الثقة بنقل حديث لم ينقله غيره، لوجب قبوله، فكذلك سبيل الانفراد بالزيادة.
وقد أجاب على ذلك الحافظ ابن حجر بقوله: «وهو احتجاج مردود؛ لأنه
ليس كل حديث تفرد به أيُّ ثقة كان يكون مقبولًا، كما سبق بيانه في نوع الشاذ (^٢).
_________________
(١) «النكت على كتاب ابن الصلاح» لابن حجر (٢/ ٦٠٦) باختصار، وينظر: «النكت على مقدمة ابن الصلاح» للزركشي (٢/ ٦٠٦)، و«النكت الوفية» (١/ ٤٢٦)، و«فتح المغيث» (١/ ٢١٧).
(٢) ينظر: «النكت على كتاب ابن الصلاح» (٢/ ٦٥٤).
[ ٢٨٣ ]
ثم إن الفرق بين تفرد الراوي بالحديث من أصله وبين تفرده بالزيادة ظاهر؛ لأن تفرده بالحديث لا يلزم منه تطرق السهو والغفلة على غيره من الثقات؛ إذ لا مخالفة في روايته لهم، بخلاف تفرده بالزيادة إذا لم يروها من هو أتقن منه حفظًا وأكثر عددًا، فالظن غالب بترجيح روايتهم على روايته، ومبنى هذا الأمر على غلبة الظن» (^١).
٥ - وساق الخطيب عدة احتمالات وتجويزات تؤيد قبول الزيادة، منها: أن يكون الراوي حدث بالحديث في وقتين، وكانت الزيادة في أحدهما دون الوقت الآخر إلى آخرها (^٢).
وقد أجاب الحافظ ابن حجر عن هذه الاحتمالات قائلًا: «والجواب عن ذلك: أن الذي يبحث فيه أهل الحديث في هذه المسألة، إنما هو في زيادة بعض الرواة من التابعين فمن بعدهم.
أما الزيادة الحاصلة من بعض الصحابة على صحابي آخر إذا صح السند إليه فلا يختلفون في قبولها.
وإنما الزيادة التي يتوقف أهل الحديث في قبولها من غير الحافظ حيث يقع في الحديث الذي يتحد مخرجه، كمالك عن نافع عن ابن عمر - ﵁ - ب، إذا روى
الحديث جماعة من الحفاظ الأثبات العارفين بحديث ذلك الشيخ وانفرد دونهم بعض رواته بزيادة، فإنها لو كانت محفوظة لما غفل الجمهور من رواته عنها.
_________________
(١) «النكت على كتاب ابن الصلاح» (٢/ ٦٩٠).
(٢) ينظر (ص: ٢٧٠).
[ ٢٨٤ ]
فتفرد واحد عنه بها دونهم مع توفر دواعيهم على الأخذ عنه وجمع حديثه، يقتضي ريبة توجب التوقف عنها» (^١).
الترجيح:
بعد أن عرضت أدلة الفريقين، يتضح أن رأي الفريق الثاني - وهو الترجيح بالأحفظ والأكثر وبالقرائن المحتفة بالخبر - هو الصواب؛ للأسباب الآتية:
١ - أن ما استدل به الخطيب ومن تبعه قد أجاب عنه الفريق الثاني.
٢ - أن أكثر أئمة أصحاب الحديث وحفاظهم ونقادهم على عدم قبول الزيادة مطلقًا، بل يذهبون إلى الترجيح، كما سبق بيانه.
٣ - يلاحظ أن الخطيب قد استفاض في إيراد تجويزات أن يكون الراوي قد حفظ ما لم يحفظه الآخرون، ولم يورد ولو تجويزًا واحدًا أن يكون الراوي قد أخطأ ووهم، وكأن الثقة عنده معصوم من الخطأ والوهم!
٤ - ما شاع أن الفقهاء والأصوليين يقبلون زيادة الثقة مطلقًا غير صحيح، قال الحافظ ابن حجر: «والحق في هذا أن زيادة الثقة لا تُقبل دائمًا، ومن أطلق ذلك عن الفقهاء والأصوليين فلم يُصب، وإنما يقبلون ذلك إذا استووا في الوصف، ولم يتعرض بعضهم لنفيها لفظًا ولا معنى.
وممن صرح بذلك الإمام فخر الدين (^٢) وابن الأَبْيَاري (^٣) شارح
_________________
(١) «النكت على كتاب ابن الصلاح» (٢/ ٦٩١) باختصار.
(٢) ينظر: «المحصول» للرازي (٤/ ٤٧٣).
(٣) الأبياري: بفتح الهمزة وبعدها باء ساكنة معجمة بواحدة وياء مفتوحة معجمة من تحتها باثنتين، نسبة إلى أبيار قرية كبيرة يبين نخلُها للإنسان إذا سار في النيل إلى الإسكندرية. وابن الأبياري المذكور هو علي بن إسماعيل بن علي بن حسن بن عطية، فقيه أصولي متكلِّم، من تصانيفه: شرح البرهان للجويني، وسفينة النجا على طريقة الإحيا، توفي سنة (٦١٦ هـ). «تكملة الإكمال» لابن نقطة (١/ ١٦٥)، و«معجم المؤلفين» (٧/ ٣٧).
[ ٢٨٥ ]
«البرهان» (^١) وغيرهما. وقال ابن السمعاني: إذا كان راوي الناقصة لا يغفل، أو كانت الدواعي تتوفر على نقلها، أو كانوا جماعة لا يجوز عليهم أن يغفلوا عن تلك الزيادة، وكان المجلس واحدًا، فالحق ألا يُقبل رواية راوي الزيادة، هذا الذي ينبغي. انتهى (^٢).
وإنما أردت بإيراد هذا بيان أن الأصوليين لم يُطبقوا على القبول مطلقًا، بل الخلاف بينهم» (^٣).
٥ - أن الخطيب قد تناقض في هذه المسألة؛ فقد قرر في كتاب «الكفاية» أن زيادة الثقة مقبولة مطلقًا، ولكنه في كتابه «تمييز المزيد في متصل الأسانيد» لم يقبلها مطلقًا، بل حكم على بعض الزيادات بالرد، كما أوضح ذلك الحافظ ابن رجب فيما نقلته آنفًا.
وكذلك صنع في كتابه «تاريخ بغداد» -موضع الدراسة- فإنه رد كثيرًا من
الزيادات ورجح الإرسال على الوصل والوقف على الرفع، بل لو قلت: إنه لم يرجح الوصل على الإرسال ولا الرفع على الوقف قط لَمَا بعدت عن الصواب، وسيتضح ذلك في المطالب الآتية، والله الموفق.
_________________
(١) ينظر: «الغيث الهامع شرح جمع الجوامع» لأبي زرعة بن العراقي (ص: ٤٢٤). والبرهان هو «البرهان في أصول الفقه» لإمام الحرمين الجويني.
(٢) «قواطع الأدلة في الأصول» (١/ ٤٠١).
(٣) «النكت على كتاب ابن الصلاح» (٢/ ٦١٣).
[ ٢٨٦ ]