تعريف الحديث المضطرب
المضطرب لغة:
اضطرب الشيء: تحرك وماج. واضطرب الرجل: طال مع رخاوة. ورجل مضطرب الخَلق: طويل غير شديد الأسر. واضطرب أمره: اختل. يقال: حديث مضطرب السند، وأمر مضطرب. ويقال: اضطرب حبلهم، واضطرب الحبل بين القوم؛ إذا اختلفت كلمتهم (^١).
فكلمة الاضطراب تدل على حركة واختلاف، وعدم ثبات الشيء واختلاله وعدم انضباطه.
المضطرب اصطلاحًا:
عرَّفه ابن الصلاح بقوله: «المضطرب من الحديث: هو الذي تختلف الرواية فيه، فيرويه بعضهم على وجه، وبعضهم على وجه آخر مخالف له. وإنما نسميه مضطربًا إذا تساوت الروايتان، أما إذا ترجَّحت إحداهما بحيث لا تقاومها الأخرى، بأن يكون راويها أحفظ أو أكثر صحبة للمروي عنه، أو
_________________
(١) «تاج العروس» (ض ر ب).
[ ٣٤٩ ]
غير ذلك
من وجوه الترجيحات المعتمدة، فالحكم للراجحة، ولا يطلق عليه حينئذ وصف المضطرب، ولا له حكمه.
ثم قد يقع الاضطراب في متن الحديث، وقد يقع في الإسناد، وقد يقع ذلك من راوٍ واحد، وقد يقع بين رواة له جماعة.
والاضطراب موجب ضعف الحديث؛ لإشعاره بأنه لم يُضبط. والله أعلم» (^١).
ونستخلص من هذا الكلام أن للمضطرب شرطين:
الأول: وجود اختلاف في رواية الحديث على وجوه.
الثاني: أن تكون هذه الوجوه متساوية لا يمكن ترجيح إحداها على الأخرى، فإن أمكن الترجيح فلا اضطراب.
وقد اعترض الزركشي على هذا الشرط بقوله: «قوله: وإنما نسميه مضطربًا إذا تساوت الروايتان … إلى آخره.
كان ينبغي أن يقول: وإنما يؤثر الاضطراب إذا تساوت، وإلا فلا شك في الاضطراب عند الاختلاف، تكافأت الروايات أم تفاوتت» (^٢).
يريد أن الاضطراب متحقِّق حتى مع عدم التساوي وإمكانية الترجيح، وإنما يؤثر الاضطراب في صحة الحديث عند التساوي وعدم الترجيح.
ولعل هذا هو ما عليه أئمة الحديث المتقدِّمون؛ فإني وجدتهم يطلقون أحيانًا الاضطراب مع الترجيح، فالترجيح لا ينفي الاضطراب والاختلاف الذي وقع في الحديث، ومن أمثلة ذلك:
_________________
(١) «مقدمة ابن الصلاح» النوع التاسع عشر (ص: ٢٦٩).
(٢) «النكت على مقدمة ابن الصلاح» (٢/ ٢٢٦).
[ ٣٥٠ ]
أن ابن أبي حاتم سأل أباه عن حديثٍ يُروى عن العلاء بن عبد الرحمن (^١)، عن أبيه (^٢)، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: قال الله - ﷿ -: «إن من أصححتُه، وأوسعتُ له؛ لم يزرني في كل خمسة أعوام لمحروم» (^٣).
فذكر له أن الناس يضطربون فيه، ثم سرد له أوجه هذا الاضطراب، فقال لأبيه: فأيها الصحيح منها؟
فقال أبو حاتم: «هو مضطرب». فأعاد عليه، فلم يزده على قوله: «هو مضطرب».
ثم قال له أبوه: «العلاء بن المسيب (^٤)، عن يونس بن خباب (^٥)، عن أبي سعيد، موقوفًا مرسلًا (^٦) أشبه» (^٧).
_________________
(١) هو العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب الحُرَقي المدني، صدوق ربما وهم، مات سنة بضع وثلاثين ومائة. «تقريب التهذيب» (ص: ٤٣٥ رقم ٥٢٤٧).
(٢) هو عبد الرحمن بن يعقوب الجهني المدني مولى الحُرَقة، ثقة من الثالثة. «تقريب التهذيب» (ص: ٣٥٣ رقم ٤٠٤٦).
(٣) أخرجه العقيلي في «الضعفاء» (٢/ ٢٠٦)، وابن عدي في «الكامل» (٥/ ١٢٣)، والبيهقي في «السنن الكبرى» جماع أبواب آداب السفر، باب فضل الحج والعمرة (٥/ ٤٣١ رقم ١٠٣٩٣) من طريق العلاء بن عبد الرحمن به.
(٤) هو العلاء بن المسيب بن رافع الكاهلي الكوفي، ثقة ربما وهم، من السادسة. «تقريب التهذيب» (ص: ٤٣٦ رقم ٥٢٥٨).
(٥) هو يونس بن خباب الأسيدي مولاهم الكوفي، صدوق يخطئ ورُمي بالرفض، من السادسة. «تقريب التهذيب» (ص: ٦١٣ رقم ٧٩٠٣).
(٦) أي: موقوف على أبي سعيد، ومرسل لأن يونس بن خباب لم يسمع من أبي سعيد، كما سيأتي من كلام أبي حاتم. وينظر: «تهذيب الكمال» (٣٢/ ٥٠٤).
(٧) لم أجد هذه الرواية فيما لديَّ من مراجع.
[ ٣٥١ ]
فقال لأبيه: لم يسمع يونس من أبي سعيد؟ قال: «لا» (^١).
فوصف أبو حاتم هذا الحديث بالاضطراب مع ترجيحه لرواية من رواياته، والله أعلم (^٢).
وقد ذكر الدارقطني أوجه الخلاف على عبد الملك بن عمير (^٣) في حديث: «المستشار مؤتمن».
ثم قال: «ويشبه أن يكون الاضطراب من عبد الملك، والأشبه بالصواب قول شيبان (^٤)، وأبي حمزة (^٥)» (^٦).
_________________
(١) «علل الحديث» (٣/ ٢٨٢ رقم ٨٦٩).
(٢) وينظر مثال آخر في «علل الحديث» لابن أبي حاتم (٦/ ٥٥٩ رقم ٢٧٥٦).
(٣) هو عبد الملك بن عمير بن سويد اللخمي الكوفي، ثقة فصيح عالم تغيَّر حفظه وربما دلس، مات سنة ست وثلاثين ومائة، وله مائة وثلاث سنين، روى له الجماعة. «تقريب التهذيب» (ص: ٣٦٤ رقم ٤٢٠٠).
(٤) هو شيبان بن عبد الرحمن التميمي مولاهم النحوي أبو معاوية البصري، ثقة صاحب كتاب، مات سنة أربع وستين ومائة، روى له الجماعة. «تقريب التهذيب» (ص: ٢٦٩ رقم ٢٨٣٣). وروايته أخرجها أبو داود، كتاب الأدب، باب في المشورة (٤/ ٣٣٣ رقم ٥١٢٨)، والترمذي، أبواب الزهد، باب ما جاء في معيشة أصحاب النبي - ﷺ - (٤/ ٥٨٣ رقم ٢٣٦٩)، وابن ماجه، كتاب الأدب، باب المستشار مؤتمن (٢/ ١٢٣٣ رقم ٣٧٤٥) عن عبد الملك بن عمير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة به مرفوعًا. قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح غريب».
(٥) هو أبو حمزة السكري محمد بن ميمون المروزي، ثقة فاضل، مات سنة سبع أو ثمان وستين ومائة، روى له الجماعة. «تقريب التهذيب» (ص: ٥١٠ رقم ٦٣٤٨). وروايته أخرجها النسائي في «السنن الكبرى» كتاب الوليمة، باب استقبال من قد دُعي (٦/ ٢١٢ رقم ٦٥٨٣) عن عبد الملك بن عمير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
(٦) «علل الدارقطني» (٨/ ١٩ رقم ١٣٨١).
[ ٣٥٢ ]
فمع تقريره أن الاضطراب في الحديث من عبد الملك إلا أنه رجح رواية شيبان وأبي حمزة عنه.
- وقد وجدتُ بعض النقاد يطلقون الاضطراب على الحديث، ويعنون به: أنه وقع فيه اختلال قوي أو خطأ فظيع أو تدليس فاحش، وهو بهذا قريب من معنى المضطرب اللغوي، فمن أمثلة ذلك:
قال ابن أبي حاتم: «سألت أبي عن حديث رواه علي بن عياش (^١)، عن شعيب بن أبي حمزة (^٢)، عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال: كان آخر الأمر من رسول الله - ﷺ - ترك الوضوء مما مسَّت النار؟ (^٣).
فسمعت أبي يقول: هذا حديث مضطرب المتن؛ إنما هو: أن النبي - ﷺ - أكل كتفًا ولم يتوضَّأ (^٤)؛ كذا رواه الثقات عن ابن المنكدر عن جابر، ويحتمل أن يكون شعيب حدَّث به من حفظه فوهم فيه» (^٥).
_________________
(١) هو علي بن عياش الألهاني الحمصي، ثقة ثبت، مات سنة تسع عشرة ومائتين. «تقريب التهذيب» (ص: ٤٠٤ رقم ٤٧٧٩).
(٢) هو شعيب بن أبي حمزة الأموي مولاهم أبو بشر الحمصي، ثقة عابد، مات سنة اثنتين وستين ومائة أو بعدها، روى له الجماعة. «تقريب التهذيب» (ص: ٢٦٧ رقم ٢٧٩٨).
(٣) أخرجه أبو داود، كتاب الطهارة، باب في ترك الوضوء مما مست النار (١/ ٤٩ رقم ١٩٢)، والنسائي، كتاب الطهارة، باب ترك الوضوء مما غيَّرت النار (١/ ١٠٨ رقم ١٨٥).
(٤) أخرجه أحمد (٢٢/ ١٦٤، ٢٠٣ رقم ١٤٢٦٢، ١٤٢٩٩)، وأبو داود، كتاب الطهارة، باب في ترك الوضوء مما مست النار (١/ ٤٩ رقم ١٩١)، وأبو يعلى (٤/ ١١٦ رقم ٢١٦٠) من طرق عن ابن المنكدر به.
(٥) «علل الحديث» (١/ ٦٤٤ رقم ١٦٨).
[ ٣٥٣ ]
فوصفَ المتن بالاضطراب؛ لأن راويه أخطأ فيه هذا الخطأ الفاحش، حيث رواه من حفظه فاختصره فغيَّر المعنى، وجعله صريحًا في النسخ، وليس كذلك.
وقال ابن أبي حاتم أيضًا: «سألت أبي عن حديث رواه محمد بن بشار قال: حدثنا محمد بن خالد بن عثمة (^١) قال: حدثنا سعيد بن بشير الدمشقي (^٢)، عن قتادة، عن أبي قلابة (^٣)، عن أبي الشعثاء (^٤)، عن يونس بن شداد (^٥)، أن رسول الله - ﷺ - قال: «أيام التشريق إنها أيام أكل وشرب»؟ (^٦).
قال أبي: هذا إسناد مضطرب؛ أبو قلابة عن أبي الشعثاء لا يجيء؛ وذاك أن
_________________
(١) هو الحنفي البصري، صدوق يخطئ، من العاشرة. «تقريب التهذيب» (ص: ٤٧٦ رقم ٥٨٤٧).
(٢) هو الأزدي مولاهم، أصله من البصرة أو واسط، ضعيف، مات سنة ثمان أو تسع وستين ومائة. «تقريب التهذيب» (ص: ٢٣٤ رقم ٢٢٧٦).
(٣) هو عبد الله بن زيد الجرمي البصري، ثقة فاضل كثير الإرسال، مات سنة أربع ومائة وقيل بعدها، روى له الجماعة. «تقريب التهذيب» (ص: ٣٠٤ رقم ٣٣٣٣).
(٤) هو جابر بن زيد الأزدي البصري، ثقة فقيه، مات سنة ثلاث وتسعين، ويقال: ثلاث ومائة، روى له الجماعة. «تقريب التهذيب» (ص: ١٣٦ رقم ٨٦٥).
(٥) قال أبو نعيم في «معرفة الصحابة» (٥/ ٢٨١٥): «يونس بن شداد مجهول، ذكره بعض المتأخرين، وقال: حديثه عند أبي الشعثاء جابر بن زيد». وينظر: «الإصابة» (٦/ ٥٤٤).
(٦) أخرجه عبد الله بن أحمد في «زوائد المسند» (٢٧/ ٢٦٠ رقم ١٦٧٠٦)، والبزار كما في «كشف الأستار» (١/ ٤٩٨ رقم ١٠٦٨) من طريق محمد بن خالد بن عثمة. قال البزار: «لا نعلمه أسند يونس بن شداد إلا هذا، ولا نعلم له إسنادًا إلا هذا، ولم يتابع محمد بن خالد عليه».
[ ٣٥٤ ]
الذي يُعرف: أبو الشعثاء جابر بن زيد، وأبو قلابة عن جابر بن زيد يستحيل، ويونس بن شداد لا نعرفه» (^١).
فهذا الإسناد وصفه أبو حاتم بالاضطراب، مع أنه لم يأت إلا من وجه واحد ولم يُختلف فيه، بل لأنه إسناد خطأ؛ فإن أبا قلابة لا يمكن أن يروي عن أبي الشعثاء جابر بن زيد (^٢)، كما أن يونس بن شداد مجهول.
* ولم أجد تعريفًا للحديث المضطرب عند الخطيب، ولكني وجدت كلامًا له يمكننا أن نستخلص منه بعض معاني الاضطراب عنده، حيث يقول في معرض حديثه عن الترجيح بين الأخبار: «فمما يوجب تقوية أحد الخبرين المتعارضين وترجيحه على الآخر: سلامته في متنه من الاضطراب، وحصول ذلك في الآخر؛ لأن الظن بصحة ما سلم متنه من الاضطراب يقوى، ويضعف في النفس سلامة ما اختلف لفظ متنه، فإن كان اختلافًا يؤدي إلى اختلاف معنى الخبر، فهو آكد وأظهر في اضطرابه، وأجدر أن يكون راويه ضعيفًا قليل الضبط لما سمعه، أو كثير التساهل في تغيير لفظ الحديث.
وإن كان اختلاف اللفظ لا يوجب اختلاف معناه فهو أقرب من الوجه الأول، غير أن ما لم يختلف لفظه أولى بالتقديم عليه.
فإن قيل: يجب أن تكون رواية الزيادة في المتن اضطرابًا.
_________________
(١) «علل الحديث» (٣/ ٢٥١ رقم ٨٣٩).
(٢) لا أدري لماذا تستحيل رواية أبي قلابة عن أبي الشعثاء، غير أني لم أجد أحدًا قد نص على روايته عنه، وينظر ترجمة أبي قلابة من «تهذيب الكمال» (١٤/ ٥٤٢)، و«سير أعلام النبلاء» (٤/ ٤٦٨).
[ ٣٥٥ ]
قلنا: لا يجب ذلك؛ لأنه في معنى خبرين منفصلين على ما بيناه.
وإن عُرف محدث بكثرة الزيادات في الأحاديث التي يرويها الجماعة الحفاظ بغير زيادة، وسبق إلى الظن قلة ضبطه وتساهله بالتغيير والزيادة، قُدِّم خبرُ غيرِه عليه.
ومما يوجب ذلك أيضًا: أن يكون سنده عاريًا من الاضطراب، وسند الآخر مضطربًا، واضطراب السند: أن يذكر راويه رجالًا فيُلَبِّس أسماءهم وأنسابهم ونعوتهم تدليسًا للرواية عنهم، وإنما يفعل ذلك غالبًا في الرواية عن الضعفاء» (^١).
فهذا الكلام يدل على أن الاضطراب عند الخطيب يقع في المتن والسند معًا.
أما الاضطراب الذي في المتن فنوعان:
الأول: اضطراب يؤدي إلى اختلاف اللفظ دون المعنى.
والثاني: اضطراب يؤدي إلى اختلاف اللفظ والمعنى معًا، وهو أشد من الأول.
وأما الاضطراب الذي في السند، فقد عرَّفه بتعريف يشابه تعريف تدليس الشيوخ، وهو غريب، والله أعلم.
_________________
(١) «الكفاية» (ص: ٤٣٤).
[ ٣٥٦ ]