تعريف التصحيف وأقسامه
التصحيف لغة:
هو تغيير اللفظ حتى يتغيَّر المعنى المراد من الموضع، وأصله الخطأ، يقال: صحَّفه فتصحَّف، أي: غيَّره فتغيَّر حتى التبس (^١). وهو أيضًا الخطأ في الصحيفة بأشباه الحروف (^٢).
التصحيف اصطلاحًا:
هو تحويل الكلمة من الهيئة المتعارفة إلى غيرها (^٣).
ومنشأ هذه التسمية أن قومًا كانوا قد أخذوا العلم من الصُّحُف، من غير أن يلقوا فيها العلماء، وقد كانت الكتابة العربية تُكتب عهدًا طويلًا من غير إعجام للحروف ولا عناية بالتفرقة بين المشتبه منها، فكان يقع فيما يرويه هؤلاء التغيير، فيقال عنده: قد صحَّفوا، أي: رَوَوْه عن الصُّحُف، وهم مُصَحِّفون، والمصدر: التصحيف (^٤).
_________________
(١) «المصباح المنير» (ص ح ف).
(٢) «تاج العروس» (ص ح ف).
(٣) «فتح المغيث» (٤/ ٥٧)، و«توضيح الأفكار» (٤/ ١٦٠).
(٤) ينظر: «تصحيفات المحدثين» (١/ ٢٤)، و«الغاية في شرح الهداية» للسخاوي (ص: ٢٢٤)، وتعليق الشيخ محيي الدين عبد الحميد على «توضيح الأفكار» (٤/ ١٦٠).
[ ٣٨٩ ]
وقد فرَّق الحافظ ابن حجر بين التصحيف والتحريف فقال: «إن كانت المخالفة بتغيير حرف أو حروف مع بقاء صورة الخط في السياق، فإن كان ذلك بالنسبة إلى النقط؛ فالمُصَحَّف. وإن كان بالنسبة إلى الشكل؛ فالمُحَرَّف» (^١).
وقد تعقَّبه الشيخ أحمد شاكر بقوله: «وهو اصطلاح جديد، وأما المتقدِّمون فإن عباراتهم يُفهم منها أن الكلَّ يسمى بالاسمين، وأن التصحيف مأخوذ من النقل عن الصُّحُف، وهو نفسه تحريف» (^٢).
أقسام التصحيف:
للتصحيف ثلاثة تقاسيم:
- التقسيم الأول: ينقسم التصحيف فيه إلى قسمين؛ أحدهما في المتن، والثاني في الإسناد.
- التقسيم الثاني: ينقسم فيه إلى قسمين:
أحدهما: تصحيف البصر وهو الأكثر.
وهو التغيير الناتج عن سوء القراءة، بسبب تشابه الحروف والكلمات لتقارب رسمها، فيقرأ الكلمة ويحدِّث بها على غير وجهها الصحيح (^٣).
_________________
(١) «نزهة النظر» (ص: ٩٦).
(٢) «شرح ألفية السيوطي» (ص: ١٠١)، وتعقبه بنحو من ذلك الشيخ محيي الدين عبد الحميد في تعليقه على «توضيح الأفكار» (٤/ ١٦٠ - ١٦١). وينظر: «روايات الجامع الصحيح ونُسخه» للدكتور جمعة فتحي (٢/ ٤٦١ وما بعدها).
(٣) ينظر: «روايات الجامع الصحيح ونُسخه» (٢/ ٤٦٨)، و«أثر اختلاف الأسانيد والمتون في اختلاف الفقهاء» للدكتور ماهر الفحل (ص: ٤٨٦).
[ ٣٩٠ ]
والثاني: تصحيف السمع.
وهو أن يكون الاسم واللقب، أو الاسم واسم الأب على وزن اسم آخر ولقبه، أو اسم آخر واسم أبيه؛ والحروف مختلفة شكلًا ونطقًا، فيشتبه ذلك على السمع، كأن يكون الحديث لعاصم الأحول، فيجعله بعضهم عن واصل الأحدب (^١).
- التقسيم الثالث: ينقسم فيه إلى قسمين: تصحيف اللفظ وهو الأكثر، وإلى تصحيف يتعلق بالمعنى دون اللفظ (^٢).
* وقد ضرب الخطيب بحظٍّ وافر في مسألة التصحيف، فقد صنَّف كتابًا في الرواة الذين تشتبه أسماؤهم وأنسابهم في الخط وتختلف في اللفظ، سماه «تلخيص المتشابه في الرسم».
وأوصى طالب العلم أن يتلقَّى العلم عن أفواه المشايخ لا عن الصُّحُف، فقال عند كلامه عن صفة من يُحتج بروايته إذا كان يحدِّث من حفظه: «يجب أن يكون حفظه مأخوذًا عن العلماء لا عن الصُّحُف» ثم روى عن سليمان بن موسى (^٣) أنه قال: «لا تأخذوا العلم من الصُّحفيين» (^٤).
_________________
(١) ينظر: «شرح التبصرة والتذكرة» (٢/ ١٠٥).
(٢) «مقدمة ابن الصلاح» (ص: ٤٧٦)، و«شرح التبصرة والتذكرة» (٢/ ١٠٢).
(٣) هو سليمان بن موسى الأموي مولاهم الدمشقي الأشدق، صدوق فقيه في حديثه بعض لين وخولط قبل موته بقليل، من الخامسة. «تقريب التهذيب» (ص: ٢٥٥ رقم ٢٦١٦).
(٤) «الكفاية» (ص: ١٦٢).
[ ٣٩١ ]
وأوصاه قائلًا: «ينبغي لقارئ الحديث أن يتفكَّر فيما يقرأه حتى يسلم من تصحيفه، ومتى لم يكن حافظًا لكتاب الله تعالى لم يؤمَن عليه التصحيف في القرآن أيضًا، وهو من أقبح الأشياء» (^١).
ثم قرَّر أن «التصحيف والإحالة يسبقان إلى من أخذ العلم عن الصُّحُف» (^٢).
وقد عقد فصلًا في كتابه «الجامع لأخلاق الراوي» بعنوان «تقييد الأسماء بالشكل والإعجام حذرًا من بوادر التصحيف والإيهام» قال فيه: «في رواة العلم جماعة تشتبه أسماؤهم وأنسابهم في الخط، وتختلف في اللفظ، مثل بشر وبُسر، وبُريد وبَريد، وبَريد ويزيد، وعياش وعباس، وحيان وحبان، وحبان وحنان، وعُبيدة وعَبيدة، وغير ذلك مما قد ذكرناه في كتاب «التلخيص»، فلا يؤمَن على من لم يتمهَّر في صنعة الحديث تصحيف هذه الأسماء، وتحريفها، إلا أن تُنقَط وتُشكَل، فيؤمن دخول الوهم فيها ويسلم من ذلك حاملها وراويها» (^٣).
وعقد فصلًا في أخبار المصحِّفين سماه: «بعض أخبار أهل الوهم والتحريف، والمحفوظ عنهم من الخطأ والتصحيف، نبتدئ بأخبار من صحَّف في الأسانيد، ثم نتبعها بأخبار من صحَّف في المتون بمشيئة الله» (^٤).
_________________
(١) «الجامع لأخلاق الراوي» (١/ ٢٩٧).
(٢) «الكفاية» (ص: ١٦٣).
(٣) «الجامع لأخلاق الراوي» (١/ ٢٦٩).
(٤) «الجامع لأخلاق الراوي» (١/ ٢٨٥).
[ ٣٩٢ ]