الرد على الشبهات التي أثيرت حوله
لقد تبين ما تبوَّأه الخطيب من مكانة عالية عند أهل العلم، وتواتر ثناؤهم عليه بالتقدُّم في العلوم والإمامة في الدين، وانتشر ما عُرف به من كريم الصفات ومعالي الأخلاق، ومع ذلك فإنه قد تعرَّض لبعض الطعون، وأثيرت حوله بعض الشبهات، وسوف أقوم بعرض أهم هذه الطعون والشبهات مع الرد عليها باختصار.
أولًا: دعوى تعصُّبه على مخالفيه في المذهب من أحناف وحنابلة:
أما تعصُّبه ضد الأحناف: فقد ادَّعى بعض الأحناف أنه طعن في الإمام أبي حنيفة، وساق في ترجمته من «تاريخ بغداد» روايات في ثلبه وذمه، وقد ردَّ عليه في ذلك الملك المعظَّم شرف الدين عيسى بن الملك العادل المتوفى سنة ٦٢٤ هـ، وصنَّف كتابًا سمَّاه: «السهم المصيب في الرد على الخطيب» (^١)، كما ألَّف الشيخ محمد زاهد الكوثري كتابًا سماه: «تأنيب الخطيب على ما ساقه في ترجمة أبي حنيفة من الأكاذيب» (^٢).
والرد على ذلك: أن من منهج الخطيب في كتابه أنه يذكر ما قيل في المترجَم
_________________
(١) ينظر: «مفرج الكروب في أخبار بني أيوب» لجمال الدين محمَّد بن سالم بن واصل الحموي (٤/ ٢١٢).
(٢) وقد ردَّ عليه بالتفصيل الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني في كتاب سماه: «التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل».
[ ٧٩ ]
له من جرح وتعديل، ومدح وذم، وقد صرَّح بذلك في بداية ذكره للتراجم فقال: «هذه تسمية: الخلفاء، والأشراف، والكبراء، والقضاة، والفقهاء، والمحدِّثين، … وما انتهى إليَّ من معرفة كناهم، وأنسابهم، ومشهور مآثرهم وأحسابهم، ومستحسن أخبارهم، ومبلغ أعمارهم، وتاريخ وفاتهم، وبيان حالاتهم، وما حُفظ فيهم من الألفاظ عن أسلاف أئمتنا الحفاظ، من ثناء ومدح، وذم وقدح، وقبول وطرح، وتعديل وجرح، جمعتُ ذلك كلَّه وألَّفتُه أبوابًا مرتبة على نسق حروف المعجم من أوائل أسمائهم» (^١).
وهذا ما صنعه الخطيب في ترجمة الإمام أبي حنيفة، فإنه أورد ما قيل فيه من جرح وتعديل ومدح وذم، وقد اعتذر عن ذكره لمثالب الإمام أبي حنيفة بتصريحه في صدر سياقه لها أنه إنما ذكرها أسوة بغيره من العلماء، فقال: و«معتذرون إلى من وقف عليها وكره سماعها، بأن أبا حنيفة عندنا -مع جلالة قدره- أسوةُ غيره من العلماء الذين دوَّنَّا ذكرهم في هذا الكتاب، وأوردنا أخبارهم، وحكينا أقوال الناس فيهم على تباينها، والله الموفِّق للصواب» (^٢).
وأما تعصُّبه ضد الحنابلة: فقد ادعى ذلك ابن الجوزي، فزعم أن الخطيب كان قديمًا على مذهب أحمد بن حنبل - ﵁ -، فمال عليه الحنابلة لما رأوا من ميله إلى المبتدعة وآذوه، فانتقل إلى مذهب الشافعي - ﵁ -، وتعصَّب في تصانيفه عليهم، فرمز إلى ذمهم، وصرَّح بقدر ما أمكنه، ثم ذكر أمثلة على ما
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (٢/ ٥).
(٢) «تاريخ بغداد» (١٥/ ٥٠٥).
[ ٨٠ ]
ادَّعاه (^١)،
وقد صنَّف أيضًا كتابًا رد فيه على الخطيب سمَّاه: «السهم المُصيب في بيان تعصُّب الخطيب» (^٢).
والرد على ذلك: أن دعوى أنه كان حنبليًّا ثم صار شافعيًّا تحتاج إلى دليل، وإلا فالذي تدل عليه سيرته من كلامه عن نفسه وكلام مترجميه أنه لم يكن حنبليًّا في يوم من الأيام، كيف وكل مشايخه في الفقه الذين درس عليهم منذ نعومة أظفاره هم من الفقهاء الشافعية؟!
فقد حضر مجالس أبي حامد الإسفراييني وسنه أقل من أربعة عشر عامًا، ثم تفقَّه على ابن المَحامِلي، والقاضي أبي الطيب الطبري الشافعي، وثلاثتهم شافعية، فمتى كان حنبليًّا إذن؟ (^٣).
أما زعم ابن الجوزي أنه تعصَّب على الحنابلة، فقد ذكرنا أن الخطيب التزم أن يورد ما قيل في المترجم له من جرح وتعديل ومدح وذم، وليس في هذا تعصُّب، قال الذهبي: «تناكد ابن الجوزي - ﵀ - وغضَّ من الخطيب، ونسبه إلى أنه يتعصب على أصحابنا الحنابلة» (^٤).
وقد ردَّ المعلِّمي اليماني على ابن الجوزي بالتفصيل، وأبان عن تعصُّبه على الخطيب، وذلك في كتابه: «التنكيل» (^٥).
_________________
(١) «المنتظم في تاريخ الملوك والأمم» (١٦/ ١٣٢ - ١٣٤).
(٢) «الوافي بالوفيات» (٧/ ١٢٨).
(٣) ينظر: «الخطيب البغدادي وأثره في علوم الحديث» (ص: ٥٩ - ٦٠).
(٤) «سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٢٨٩).
(٥) «التنكيل» (١/ ٣٢٤ - ٣٢٧، ٣٤٠ - ٣٤٨).
[ ٨١ ]
ثانيًا: دعوى أن حفظه لم يكن على قدر تصانيفه:
فقد قال ابن طاهر: سألتُ هبة الله بن عبد الوارث الشيرازي: هل كان الخطيب كتصانيفه في الحفظ؟ قال: «لا، كنا إذا سألناه عن شيء أجابنا بعد أيام، وإن ألححنا عليه غضب، كانت له بادرة وحشة، ولم يكن حفظه على قدر تصانيفه» (^١).
وابن طاهر هو محمد بن طاهر بن علي بن أحمد أبو الفضل المقدسي، حافظ للحديث، لكنه متكلَّم فيه، قال ابن الجوزي: «من أثنى عليه فلأجل حفظه للحديث ومعرفته به، وإلا فالجرح أولى به». ثم نقل عن أبي الفضل بن ناصر أنه قال: «محمد بن طاهر لا يُحتج به، صنَّف كتابًا في جواز النظر إلى المُرْد» (^٢).
وهبة الله بن عبد الوارث الشيرازي حافظ رحَّال، قال السمعاني: «كان ثقة خيِّرًا، كثير العبادة، مشتغلًا بنفسه، خرَّج وأفاد، وانتفع الطلبة بصحبته وبقراءته، وكان قدومه بغداد في سنة سبع وخمسين» (^٣).
وهذا النقل -على فرض صحته- لا يدل على ضعف حفظ الخطيب، بل يدل على زيادة تثبُّته، وليس الحافظ من يقدر على سرد كثير من الأسانيد والمتون، وهو قاصر في تخريج الحديث، وتمييز صحيحه من سقيمه، ومعرفة علله، إنما الحفظ المعرفة (^٤).
_________________
(١) «معجم الأدباء» (١/ ٣٩٠)، و«سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٢٨٣).
(٢) «المنتظم في تاريخ الملوك والأمم» (١٧/ ١٣٦).
(٣) «سير أعلام النبلاء» (١٩/ ١٧ - ١٨).
(٤) ينظر: «الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر» للسخاوي (١/ ٨٩).
[ ٨٢ ]
وقد وصف الخطيبَ بالحفظ والمعرفة وفضَّله على كل حفاظ عصره - كثيرٌ ممن أدركه ومن جاء بعده مثل: ابن ماكولا، والصوري، والباجي، وأبي إسحاق الشيرازي، والمؤتمن الساجي، والبَرَداني، وشجاع الذهلي، والسمعاني، وابن عساكر، والذهبي، وغيرهم (^١)، فهل بعد هؤلاء من متكلِّم؟!
ثالثًا: دعوى أن كتبه مستفادة من الصوري:
حاول بعض خصوم الخطيب اتهامه بانتحال الكتب التي صنَّفها، زاعمين أنها مستفادة من كتب شيخه ورفيقه الصوري، فقد قال ابن الطيوري: «أكثر كتب الخطيب سوى «التاريخ» مستفاد من كتب الصوري، كان الصوري بدأ بها ولم يتمها، وكانت للصوري أخت بصور، مات وخلَّف عندها اثني عشر عِدلًا محزومًا من الكتب، فلما خرج الخطيب إلى الشام حصَّل من كتبه ما صنَّف منها كتبه» (^٢).
وهذه تهمة باطلة، فقد ألَّف الخطيب معظم كتبه قبل استقراره بصور، فقد استقر بها منذ سنة ٤٥٩ هـ، وقد سرد محمد بن أحمد بن محمد المالكي الأندلسي كتبَ الخطيب التي صنفها إلى سنة ٤٥٣ هـ فبلغت ٦٤ مصنفًا (^٣)، فأين هذه التصانيف التي صنفها مستفيدًا من كتب الصوري؟!
_________________
(١) وقد نقلت أقوالهم في المطلب السابق.
(٢) ينظر: «المنتظم في تاريخ الملوك والأمم» (١٦/ ١٣١)، و«معجم الأدباء» (١/ ٣٨٧)، و«سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٢٨٣).
(٣) وهذا الفهرس مخطوط في دار الكتب الظاهرية، ضمن مجموع برقم (١٨)، ورقة (١٣١ - ١٣٢)، وعندي صورة منه.
[ ٨٣ ]
ومما يدل على وهاء هذه التهمة أن ابن الجوزي مع عداوته للخطيب، وانتهازه الفُرصة للانتقاص منه، لم يستطع قبول هذه الرواية السمجة، ولم يُعرِّج عليها، بل أقصى ما استطاع أن يقول: «وقد يضع الإنسان طريقًا فتُسلَك، وما قصَّر الخطيب على كل حال» (^١).
وعقَّب الذهبي على هذه الرواية بقوله: «قلت: ما الخطيب بمفتقِر إلى الصوري، هو أحفظ وأوسع رحلة وحديثًا ومعرفة» (^٢).
رابعًا: دعوى أنه كان يدلِّس:
فقد قال ابن ماكولا: «شيخنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن منصور العَتِيقي، قال لي: إنه روياني الأصل … وكان الخطيب ربما دلَّسه، وروى عنه وهو في الحياة، يقول: أخبرني أحمد بن [أبي] جعفر القَطِيعي؛ لسكناه في قَطيعة أم عيسى» (^٣).
ومعنى هذا أن الخطيب يدلِّس تدليس الشيوخ، وقد وصفه بذلك أيضًا ابن الصلاح، فقال عند كلامه على أنواع التدليس: «القسم الثاني: تدليس الشيوخ، وهو أن يروي عن شيخ حديثًا سمعه منه، فيُسمِّيه أو يُكنيه أو ينسبه أو يصفه، بما لا يُعرف به؛ كي لا يُعرف
_________________
(١) «المنتظم في تاريخ الملوك والأمم» (١٦/ ١٣١).
(٢) «سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٢٨٣). وينظر: «التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل» للمعلمي اليماني (١/ ٣٣٨ - ٣٤٠).
(٣) «الإكمال» (٧/ ١١٧).
[ ٨٤ ]
وتسمَّح بذلك جماعة من الرواة المصنِّفين، منهم الخطيب أبو بكر (^١)؛ فقد كان لَهِجًا به في تصانيفه، والله أعلم» (^٢).
لكن دافع عنه ابن حجر بقوله: «ينبغي أن يكون الخطيب قدوةً في ذلك، وأن يُستدل بفعله على جوازه؛ فإنه إنما يُعمَّى على غير أهل الفن، وأما أهله فلا يخفى ذلك عليهم؛ لمعرفتهم بالتراجم، ولم يكن الخطيب يفعله إيهامًا للكثرة، فإنه مكثر من الشيوخ والمرويات، والناس بعده عيال عليه، وإنما يفعل ذلك تفنُّنًا في العبارة، وربما أدت ضرورة التصنيف إلى تكرار الشيخ الواحد عن قرب، فينوِّع أوصافه؛ لئلا يصير مبتذلًا ينفر السمع منه للتكرار المحض، والله أعلم» (^٣).
وتوجد تُهَم أخرى أعرضت عن ذكرها؛ لظهور كذبها ووهائها (^٤).
* * *
_________________
(١) ومنهم أيضًا البخاري، وينظر: «فتح المغيث» (٤/ ٢٠١).
(٢) «علوم الحديث» (ص: ٢٣٢ - ٢٣٦).
(٣) «النكت الوفية» (١/ ٤٤٩)، و«توضيح الأفكار» (٢/ ٣٤١).
(٤) ينظر: «معجم الأدباء» (١/ ٣٩٠)، و«التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل» (١/ ٣٢٧ - ٣٣٨).
[ ٨٥ ]