حياته العلمية
كان لوالد الخطيب -كما ذكرت في المطلب السابق- إلمام بالعلم وعناية به، فبثَّ في ولده روح العلم وطلبه في فترة مبكرة، وما إن بلغ سن التمييز حتى دفعه إلى هلال بن عبد الله بن محمد الطِّيبي، فأدَّبه وعلَّمه القراءة والكتابة، وقراءة القرآن الكريم، وقد ذكر الخطيب مؤدِّبه هذا في «تاريخ بغداد» فقال: «هلال بن عبد الله بن محمد أبو عبد الله الطِّيبي مؤدِّبي، كتبتُ عنه، وكان سماعه صحيحًا، … مات مؤدِّبي أبو عبد الله الطِّيبي في سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة» (^١).
وقد تلقَّن قدرًا صالحًا من القرآن على يد شيخه أحمد بن محمد بن أبي جعفر الأخرم المعروف بابن الصيدلاني، وقد ذكره في «تاريخ بغداد» فقال: «كتبتُ عنه، وكان صدوقًا من أهل الستر والقرآن، ولقد لقَّنني من القرآن شيئًا صالحًا، وكان يُقرئ في مسجد أبي الحسن الدارقطني بدار القُطن (^٢)، ومات في يوم الاثنين الثاني عشر من رجب سنة سبع عشرة وأربعمائة» (^٣).
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (١٦/ ١١٧). وينظر: «الخطيب البغدادي وأثره في علوم الحديث» للدكتور محمود الطحان (ص: ٣١)، ومقدمة تحقيق «تاريخ بغداد» للدكتور بشار عواد (ص: ١٩).
(٢) دار القطن: محلة كانت ببغداد من نهر طابق بالجانب الغربي بين الكرخ ونهر عيسى بن علي، يُنسب إليها الحافظ الإمام أبو الحسن علي الدارقطني - ﵀ - وغيره. «معجم البلدان» (٢/ ٤٢٢)
(٣) «تاريخ بغداد» (٦/ ٩٠).
[ ٣٢ ]
وقد قرأ القرآن أيضًا على شيخه أحمد بن سليمان بن علي بن عمران أبي بكر المقرئ الواسطي، وقد ذكره في «تاريخ بغداد» فقال: «كتبتُ عنه، وقرأتُ عليه القرآن، وكان صدوقًا يسكن بدار القُطن، ويُقرئ في مسجد الدارقطني، بلغتنا وفاته في رجب من سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة» (^١).
* ثم حضه والده على سماع الحديث في صغره، فسمع في المحرم سنة ثلاث وأربعمائة، وله إحدى عشرة سنة، وقد نصَّ على ذلك الخطيب فقال: «أول ما سمعتُ الحديث، وقد بلغتُ إحدى عشرة سنة ، وأول ما سمعتُ في المحرم من سنة ثلاث وأربعمائة» (^٢).
وكان أول شيخ كتب عنه الحديث هو محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رزق المعروف بابن رِزْقويه، قال الخطيب في ترجمته: «هو أول شيخ كتبتُ عنه، وأول ما سمعت منه في سنة ثلاث وأربعمائة، كتبتُ عنه إملاءً مجلسًا واحدًا، ثم انقطعت عنه إلى أول سنة ست، وعدت فوجدته قد كُفَّ بصره، فلازمته إلى آخر عمره ، وكانت وفاته غداة يوم الاثنين السادس عشر من جمادى الأولى سنة اثنتي عشرة وأربعمائة، ودُفن من يومه بعد صلاة الظهر في مقبرة باب الدَّير بالقرب من معروف الكرخي، وصلى عليه ابنه أبو بكر، وحضرت الصلاة عليه» (^٣).
* وقد حضَّه والده أيضًا على دراسة الفقه على مذهب الإمام الشافعي
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (٥/ ٢٩٤).
(٢) «تاريخ بغداد» (١٣/ ١٣٥)، و«تاريخ دمشق» (٥/ ٣٣)، و«المنتظم» (١٦/ ١٢٩)، و«سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٢٧١)، و«طبقات الشافعية الكبرى» (٤/ ٢٩).
(٣) «تاريخ بغداد» (٢/ ٢١٢ وما بعدها).
[ ٣٣ ]
- ﵀ - (^١)، فبدأ بحضور مجالس الإمام الفقيه أحمد بن محمد بن أحمد أبي حامد الإسفراييني، قال الخطيب في ترجمته: «وقد رأيتُه غير مرة، وحضرتُ تدريسه في مسجد عبد الله بن المبارك، وهو المسجد الذي في صدر قَطيعة الربيع (^٢) … مات أبو حامد في ليلة السبت لإحدى عشرة ليلة بقيت من شوال سنة ست وأربعمائة، ودُفن من الغد يوم السبت، وصليت على جنازته في الصحراء …» (^٣).
فعلى هذا يكون الخطيب قد حضر مجالس أبي حامد الإسفراييني وسنه أقل من أربعة عشر عامًا، فيبدو أنه لم ينتظم في دراسة الفقه معه لصغر سنه يومئذ، فكان أول فقيه درس عليه وعلَّق الفقه عنه هو تلميذ أبي حامد الإسفراييني: أبو الحسن أحمد بن محمد بن أحمد الضبِّي المعروف بابن المَحامِلي، قال الخطيب في ترجمته: «اختلفت إليه في درس الفقه، وهو أول من علَّقت عنه … مات ابن المَحامِلي في يوم الأربعاء لتسع بقين من شهر ربيع الآخر سنة خمس عشرة وأربعمائة» (^٤).
ثم تتلمذ على يد الفقيه القاضي طاهر بن عبد الله بن طاهر بن عمر أبي الطيب الطبري الشافعي، قال في ترجمته: «اختلفت إليه وعلَّقت عنه الفقه
_________________
(١) ينظر: «سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٢٧١).
(٢) هي محلة ببغداد، منسوبة إلى الربيع بن يونس حاجب المنصور ومولاه، وهما قطيعتان خارجة وداخلة، فالداخلة أقطعه إياها المنصور، والخارجة أقطعه إياها المهدي، وكان التجار يسكنونها حتى صارت ملكًا لهم دون ولد الربيع. «معجم البلدان» (١/ ٤٣) (٤/ ٣٧٧).
(٣) «تاريخ بغداد» (٦/ ٢٠ - ٢٢).
(٤) «تاريخ بغداد» (٦/ ٢٥ - ٢٦)، وينظر: مقدمة تحقيق «تاريخ بغداد» (ص: ٢٠).
[ ٣٤ ]
سنين عدة …، مات القاضي أبو الطيب الطبري في يوم السبت لعشر بقين من شهر ربيع الأول سنة خمسين وأربعمائة، ودُفن من الغد في مقبرة باب حرب، وحضرت الصلاة عليه في جامع المنصور» (^١).
وظل يدرس الفقه، حتى صار فقيهًا، بل من كبار الفقهاء الشافعية، فقد قال الذهبي: «وكان من كبار الشافعية، تفقه على أبي الحسن بن المَحامِلي، والقاضي أبي الطيب الطبري» (^٢).
وقال السبكي: «وكان من كبار الفقهاء، تفقه على أبي الحسن بن المَحامِلي، والقاضي أبي الطيب الطبري، وعلَّق عنه الخلاف، وأبي نصر بن الصباغ» (^٣).
* ومع دراسة الخطيب للفقه وإتقانه له، حتى صار من كبار الفقهاء، فقد كان جُلُّ عنايته مصروفًا إلى الحديث، حتى غلب عليه، كما يقول ابن خِلِّكان: «كان فقيهًا فغلب عليه الحديث والتاريخ» (^٤).
فبدأ بكتابة الحديث -كما ذكرنا- عن شيخه ابن رِزقويه، وله إحدى عشرة سنة، ثم انقطع عنه ثلاث سنوات، ثم عاد إليه فلازمه ست سنوات (^٥).
وكان حريصًا على سماع الحديث من شيوخ بلده بغداد ومن القرى المحيطة بها أولًا قبل الرحلة إلى البلدان الأخرى؛ لأنه كان على يقين أن على الطالب أن يبدأ بتحصيل حديث أهل بلده، وأن يتمهر في المعرفة به قبل أن يرحل (^٦)،
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (١٠/ ٤٩٢ - ٤٩٣).
(٢) «سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٢٧٤).
(٣) «طبقات الشافعية» (٤/ ٣٠).
(٤) «وفيات الأعيان» (١/ ٩٢).
(٥) ينظر: «تاريخ بغداد» (٢/ ٢١٢).
(٦) ينظر: «الجامع لأخلاق الراوي» (٢/ ٢٢٤).
[ ٣٥ ]
يقول
السمعاني: «سمع ببلده، ثم رحل إلى البصرة وأصبهان وخُراسان والحجاز والشام» (^١).
ويقول ابن الجوزي: «وأكثر من السماع من البغداديين، ورحل إلى البصرة، ثم إلى نيسابور، ثم إلى أصبهان …» (^٢).
وكان من أهم الشيوخ الذين لازمهم الخطيب ببغداد وتعلم منهم وتأثر بهم: الحافظ أبو بكر أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب الخوارزمي المعروف بالبَرْقاني، فقد استوطن بغداد، فأخذ عنه الخطيب كثيرًا وكان معجبًا به (^٣).
وقد تأثَّر أيضًا بالحافظ أبي القاسم عبيد الله بن أحمد بن عثمان الأزهري، وكتب عنه الحديث، وسمع منه كثيرًا من مصنفات الأئمة السابقين (^٤).
كما حرص أشد الحرص على لقاء العلماء الوافدين على بغداد وعلى الاستفادة منهم والقراءة عليهم، فما سمع بعالم ورد بغداد للعلم أو للحج أو للتجارة أو لغير ذلك، إلا وسارع في الذهاب إليه، فمن هؤلاء العلماء: الحافظ محمد بن علي أبو عبد الله الصوري، الذي قدم بغداد في سنة ثمانيَ عشرة وأربعمائة وظل بها إلى أن توفي سنة إحدى وأربعين وأربعمائة، وقد استفاد منه الخطيب وأخذ عنه كثيرًا (^٥).
_________________
(١) «الأنساب» (٥/ ١٦٦).
(٢) «المنتظم» (١٦/ ١٢٩).
(٣) ينظر: «تاريخ بغداد» (٦/ ٢٧ - ٣٠)، و«موارد الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد» للدكتور أكرم ضياء العمري (ص: ٣٠)، ومقدمة تحقيق «تاريخ بغداد» (ص: ٢١).
(٤) ينظر: «تاريخ بغداد» (١٢/ ١٢١).
(٥) ينظر: «تاريخ بغداد» (٤/ ١٧٢ - ١٧٣).
[ ٣٦ ]
ومنهم الحافظ أبو سعد أحمد بن محمد الأنصاري الصوفي الماليني، قال الخطيب في ترجمته: «أحد الرحَّالين في طلب الحديث، والمكثرين منه، وكان قد سمع وكتب من الكتب الطوال، والمصنفات الكبار، ما لم يكن عند غيره، وقدم بغداد دفعات كثيرة، وآخر ما قدم علينا في سنة تسع وأربعمائة، وسمعنا منه في رباط الصوفية الذي عند جامع المنصور، فإنه كان نزل هناك، ثم خرج إلى مكة، ومضى منها إلى مصر، فأقام بها حتى مات بمصر في يوم الثلاثاء السابع عشر من شوال سنة اثنتي عشرة وأربعمائة، وكان ثقة صدوقًا متقنًا خيِّرًا صالحًا» (^١).
رحلاته العلمية:
بعد أن استنفد الخطيب ما عند شيوخ بغداد والقرى المحيطة بها وما عند العلماء الواردين عليها من الحديث والعلم، بدأ يفكر في الرحلة في طلب الحديث، ويلخِّص ابن الجوزي رحلة الخطيب والمدن التي دخلها وسمع من أهلها بقوله: «رحل إلى البصرة، ثم إلى نيسابور، ثم إلى أصبهان، ودخل في طريقه همذان والجبال، ثم عاد إلى بغداد، وخرج إلى الشام، وسمع بدمشق وصور، ووصل إلى مكة، وقد حج في تلك السنة أبو عبد الله محمد بن سلامة القضاعي (^٢) فسمع منه، وقرأ «صحيح
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (٦/ ٢٤). وينظر على سبيل المثال شيوخ آخرون وردوا بغداد فاستفاد منهم الخطيب: «تاريخ بغداد» (٢/ ٧٨، ٩٥، ١٤٣، ٣٩٢، ٦٢٣، ٦٢٦، ٦٢٨)، (٣/ ٥١٢)، (٧/ ٣١٩، ٣٢٠)، (٨/ ٢٢٤، ٢٢٥)، (١٣/ ٦٠٣)، (١٤/ ٣٥٨).
(٢) هو الفقيه العلامة القاضي أبو عبد الله محمد بن سلامة بن جعفر بن علي القضاعي المصري الشافعي، قاضي مصر، ومؤلف كتاب «الشهاب» مجردًا ومسندًا. قال السِّلفي: كان من الثقات الأثبات، شافعي المذهب والاعتقاد، مرضي الجملة. مات بمصر في ذي الحجة سنة أربع وخمسين وأربعمائة. «سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٩٢).
[ ٣٧ ]
البخاري» على
كريمة بنت أحمد المروزية (^١) في خمسة أيام، ورجع إلى بغداد» (^٢).
رحلته إلى البصرة:
كانت أول رحلاته إلى البصرة، سنة اثنتي عشرة وأربعمائة، وهو ابن عشرين سنة، وقد دوَّن وجوده فيها في ترجمة أبي بكر محمد بن إبراهيم بن حوران فقال: «مات أبو بكر بن حوران في سنة اثنتي عشرة وأربعمائة، وكنت إذ ذاك بالبصرة» (^٣).
فسمع بها كتاب «السنن» لأبي داود من أبي عمر القاسم بن جعفر الهاشمي، وسمع أيضًا من علي بن القاسم بن الحسن الشاهد، والحسن بن علي السابوري، وغيرهم (^٤).
_________________
(١) هي العالمة الفاضلة كريمة بنت أحمد بن محمد بن حاتم المروزية، أم الكرام، المجاورة بمكة، كانت تضبط كتابها، وإذا حدثت قابلت بنسختها، ولها فهم ومعرفة، حدثت بصحيح البخاري مرات كثيرة، وكانت بكرًا لم تتزوج، وطال عمرها، وأقامت بمكة دهرًا، وحمل عنها خلق من المغاربة والمجاورين، وعلا إسنادها، ماتت سنة ثلاث وستين وأربعمائة. «تاريخ الإسلام» (١٠/ ٢٢٣).
(٢) «المنتظم» (١٦/ ١٢٩).
(٣) «تاريخ بغداد» (٢/ ٣١٧). وينظر: «سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٢٧١)، و«طبقات الشافعية» (٤/ ٢٩).
(٤) ينظر: «التقييد لمعرفة رواة السنن والمسانيد» (ص: ١٥٣)، و«سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٢٧٢)، و«طبقات الشافعية» (٤/ ٢٩).
[ ٣٨ ]
وقد عاد في نفس السنة إلى بغداد، فحضر وفاة والده في منتصف شوال من
نفس السنة (^١).
وقد استفاد الخطيب من رحلته هذه فوائد جمة، لم تكن عند كبار مشايخه، فوجد نفسه متأهِّلًا للتحديث وإفادة الطلبة، فحدَّث، وكتب عنه شيخه أبو القاسم الأزهري، وقد ذكر ذلك الخطيب فقال: «حدَّثتُ ولي عشرون سنة، حين قدمت من البصرة، كتب عني شيخنا أبو القاسم الأزهري أشياء أدخلها في تصانيفه، وسألني فقرأتها عليه، وذلك في سنة اثنتي عشرة وأربعمائة» (^٢).
رحلته إلى نيسابور:
ثم رحل إلى نيسابور سنة خمس عشرة وأربعمائة، وهو ابن ثلاث وعشرين سنة، وقد كان متردِّدًا بين الرحلة إلى مصر أو إلى نيسابور، وقد استشار شيخه البَرْقاني في هذا الأمر، يقول الخطيب: «استشرت البَرْقاني في الرحلة إلى أبي محمد بن النحاس (^٣) بمصر، أو إلى نيسابور إلى أصحاب الأصم (^٤)،
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (١٣/ ٢٧٩).
(٢) «الجامع لأخلاق الراوي» (١/ ٣٢٥ رقم ٧٢٣)، و«معجم الأدباء» (١/ ٣٩٢). وينظر: «تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري» لابن عساكر (ص: ٢٧١).
(٣) هو عبد الرحمن بن عمر بن محمد بن سعيد، أبو محمد التجيبي المصري البزاز، المعروف بابن النحاس، مسند ديار مصر في وقته، وكان الخطيب قد همَّ بالرحلة إليه لعلو سنده، توفي سنة ست عشرة وأربعمائة. «تاريخ الإسلام» (٩/ ٢٧٠).
(٤) هو الإمام المحدث مسند العصر، رحلة الوقت، أبو العباس محمد بن يعقوب بن يوسف النيسابوري الأصم، حدث بكتاب «الأم» للشافعي عن الربيع، وطال عمره وبعد صيته، وتزاحم عليه الطلبة، وقد حدَّث في الإسلام ستًّا وسبعين سنة، توفي سنة ست وأربعين وثلاثمائة. «سير أعلام النبلاء» (١٥/ ٤٥٢).
[ ٣٩ ]
فقال: إنك إن خرجت إلى مصر إنما تخرج إلى واحدٍ، إن فاتك ضاعت رحلتك، وإن
خرجت إلى نيسابور ففيها جماعة، إن فاتك واحد، أدركت من بقي. فخرجتُ إلى نيسابور» (^١).
وقد قدم نيسابور في شهر رمضان من هذه السنة، كما ذكر ذلك في «تاريخه» (^٢).
وكان رفيقَه في هذه الرحلة المحدِّثُ الجوَّال أبو الحسن علي بن عبد الغالب بن جعفر الضَّرَّاب القُنِّي، وقد دوَّن ذلك الخطيب في كتابه «المتفق والمفترق» فقال: «حدثني أبو الحسن علي بن عبد الغالب بن جعفر الضرَّاب رفيقي في الرحلة إلى نيسابور» (^٣).
وقال ابن عساكر: «قرأتُ على أبي محمد بن حمزة عن أبي بكر الخطيب قال: علي بن عبد الغالب أبو الحسن كان رفيقي في رحلتي إلى خُرَاسان، ونِعم الرفيق كان، وحدَّث وعلَّقتُ عنه أحاديث» (^٤).
وقد سجَّل الخطيب رحلته إلى نيسابور في أكثر من موضع من «تاريخه»، من ذلك قوله في ترجمة محمد بن أحمد بن عمر المعروف بابن الصابوني: «تُوفي ابن الصابوني في يوم الخميس السادس عشر من رجب سنة خمس عشرة
_________________
(١) «سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٢٧٥)، و«طبقات الشافعية» (٤/ ٣٠).
(٢) «تاريخ بغداد» (١٣/ ٢٣٢).
(٣) «المتفق والمفترق» (٣/ ١٨٠٥ رقم ١١٩١).
(٤) «تاريخ دمشق» (٤٣/ ٧٢). وينظر: «الأنساب» للسمعاني (٨/ ٣٨٨) (١٠/ ٥٠٥)، و«تاريخ الإسلام» (٩/ ٧٥٩ - ٧٨٠).
[ ٤٠ ]
وأربعمائة، ودُفن في مقبرة باب الشام، ذكر ذلك لي من أثق به، وكنت غائبًا عن بغداد إذ
ذاك في رحلتي إلى نيسابور» (^١).
وقوله في ترجمة محمد بن أحمد بن أبي طاهر الدقاق المعروف بابن البَيَّاض: «ومات في يوم الخميس التاسع والعشرين من شعبان سنة خمس عشرة وأربعمائة، وكنت إذ ذاك غائبًا عن بغداد في رحلتي إلى نيسابور» (^٢).
وقد دخل في رحلته هذه عددًا من المدن والقرى وسمع من مشايخها، منها الرَّي، وقد سجَّل دخوله بها في ترجمة القاضي عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الأسداباذي فقال: «مات عبد الجبار بن أحمد قبل دخولي الرَّي في رحلتي إلى خُرَاسان (^٣)، وذلك في سنة خمس عشرة وأربعمائة، وأحسب أن وفاته كانت في أول السنة» (^٤).
ودخل أيضًا النَّهْروان، قال الخطيب في ترجمة علي بن محمد بن عبد الله القطان المعروف بابن الفُتَيْتي: «كتبت عنه بالنهروان في رحلتي إلى نيسابور، وذلك سنة خمس عشرة وأربعمائة» (^٥).
ودخل في السنة نفسها الدِّينَوَر، قال في ترجمة رضوان بن محمد بن الحسن الدِّينَوَري: «قدم بغداد، وكتبنا عنه بها في سنة ثلاث عشرة وأربعمائة، وكتبتُ
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (٢/ ١٦١).
(٢) «تاريخ بغداد» (٢/ ٢١٥). وينظر أيضًا: «تاريخ بغداد» (٣/ ٤٥)، (١٣/ ٤٥٠، ٥٨١).
(٣) خُرَاسان إقليم كبير يشمل نيسابور وغيرها من البلاد. وينظر: «معجم البلدان» (٢/ ٣٥٠).
(٤) «تاريخ بغداد» (١٢/ ٤١٦).
(٥) «تاريخ بغداد» (١٣/ ٥٨١).
[ ٤١ ]
عنه أيضًا بالدِّينَوَر في سنة خمس عشرة وأربعمائة، وما علمتُ منه إلا خيرًا» (^١).
وقد سمع بنيسابور كثيرًا من المشايخ والعلماء، منهم: القاضي أبو بكر أحمد بن الحسن الحِيري، وأبو سعيد محمد بن موسى بن الفضل الصَّيْرفي، وأبو حازم عمر بن أحمد العبدُويي، وأبو القاسم عبد الرحمن السرَّاج، وعلي بن محمد الطرازي (^٢).
رحلته إلى أصبهان:
توجه الخطيب بعد ذلك إلى أصبهان، للقاء من بها من العلماء والمشايخ، وعلى رأسهم الحافظ الكبير أبو نعيم الأصبهاني، وذلك سنة إحدى وعشرين وأربعمائة، وقد أرسل معه شيخه الحافظ البَرْقاني كتابًا إلى أبي نعيم يوصيه فيه بالخطيب قال فيه: «وقد نفذ إلى ما عندك عمدًا متعمِّدًا أخونا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت أيَّده الله وسلَّمه؛ ليقتبس من علومك ويستفيد من حديثك، وهو بحمد الله ممن له في هذا الشأن سابقةٌ حسنةٌ وقَدَمٌ ثابت، وفهمٌ به حسن، وقد رحل فيه وفي طلبه، وحصل له منه ما لم يحصل لكثير من أمثاله الطالبين له، وسيظهر لك منه عند الاجتماع من ذلك، مع التورُّع والتحفُّظ وصحة التحصيل ما يحسُن لديك موقعه، وتجمُل عندك منزلته.
وأنا أرجو -إذا صحَّت لديك منه هذه الصفة- أن تُلين له جانبك، وأن تتوفر عليه، وتحتمل منه ما عساه يورده من تثقيل في الاستكثار، أو زيادة في
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (٩/ ٤٣٢).
(٢) ينظر: «تاريخ دمشق» (٥/ ٣١)، و«التقييد لمعرفة رواة السنن والمسانيد» (ص: ١٥٣)، و«سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٢٧٢).
[ ٤٢ ]
الاصطبار، فقديمًا حمل السلف من الخلف ما ربما ثَقُل، وتوفَّروا على المستحق منهم بالتخصيص والتقديم والتفضيل ما لم ينله الكلُّ منهم» (^١).
وقد سجَّل الخطيب هذه الرحلة في عدة مواضع من «تاريخه» من ذلك قوله في ترجمة محمد بن جعفر بن عَلَّان الوَرَّاق الشُّرُوطي: «مات في ذي القعدة من سنة إحدى وعشرين وأربعمائة، ودُفن في مقبرة باب الدَّيْر، وحين تُوفي كنت غائبًا عن بغداد في رحلتي إلى أصبهان» (^٢).
وقوله في ترجمة محمد بن علي بن محمد المُعَدَّل المعروف بابن الطبيب: «مات في ليلة الجمعة لليلة بقيت من شهر ربيع الأول سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة، وكنتُ وقت وفاته بأصبهان» (^٣).
وقد استفاد الخطيب من هذه الرحلة استفادة عظيمة، وسمع كثيرًا من الحافظ أبي نعيم الأصبهاني، وروى عنه مصنفاته، وتحمَّل عنه الكتب التي يرويها عن الطبراني وأبي الشيخ الأصبهاني وغيرهما (^٤).
وقد سمع أيضًا من محمد بن عبد الله بن شهريار راوي «المعجم الصغير» للطبراني، ومن أبي الحسن علي بن يحيى بن جعفر بن عبدكويه، وأبي عبد الله الحسين بن إبراهيم الجمال، وأبي الحسين أحمد بن محمد بن الحسين بن فاذشاه راوي «المعجم الكبير» للطبراني، وغيرهم (^٥).
_________________
(١) «الجامع لأخلاق الراوي» (١/ ٣٠٨ رقم ٦٧٠)، و«تاريخ دمشق» (٥/ ٣٦)، و«معجم الأدباء» (١/ ٣٩٥).
(٢) «تاريخ بغداد» (٢/ ٥٤٤).
(٣) «تاريخ بغداد» (٤/ ١٦٠). وينظر أيضًا «تاريخ بغداد» (٤/ ١٦١).
(٤) ينظر: «موارد الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد» (ص: ٤٠).
(٥) ينظر: «التقييد لمعرفة رواة السنن والمسانيد» (ص: ١٥٣)، و«سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٢٧٢ - ٢٧٣)، و«موارد الخطيب» (ص: ٤١)، ومقدمة تحقيق «تاريخ بغداد» (ص: ٢٧ - ٢٨).
[ ٤٣ ]
ومما يجدر التنبيه إليه أن الدكتور محمود الطحان في دراسته عن الخطيب (^١) قد خلط رحلته إلى نيسابور برحلته إلى أصبهان، وجعلهما رحلة واحدة، بدأها بزيارة أصبهان ثم انتهى بنيسابور.
وهو خطأ محض، فرحلته إلى نيسابور كانت سنة خمس عشرة وأربعمائة، ورحلته إلى أصبهان كانت سنة إحدى وعشرين وأربعمائة، وقد سبق بيان ذلك بالأدلة من كلام الخطيب، والله الموفق.
استقراره ببغداد واجتهاده في طلب العلم:
بعد عودته من أصبهان، مكث في بغداد فترة طويلة، اجتهد فيها في طلب العلم، لم يضيِّع وقتًا في غير قراءة أو مطالعة أو استفادة أو إفادة، حتى إنه كان يمشي في الطريق وفي يده جزء يطالعه (^٢).
وكان يترقَّب وصول أي عالم إلى بغداد حتى يسمع منه أو يقرأ عليه، بهمة عالية وصبر وجَلَد، وهذا مثال يبين ذلك ويُجلِّيه: قال الخطيب في ترجمة إسماعيل بن أحمد الضرير الحِيري النيسابوري: «قَدِم علينا حاجًّا في سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة … كتبنا عنه، ونِعم الشيخ كان فضلًا وعلمًا، ومعرفة وفهمًا، وأمانة وصدقًا، وديانة وخُلُقًا.
ولما ورد بغداد كان قد اصطحب معه كتبه عازمًا على المجاورة بمكة، وكانت وَقْر بعير، وفي جملتها «صحيح البخاري»، وكان سمعه من أبي الهيثم
_________________
(١) «الخطيب البغدادي وأثره في علوم الحديث» (ص: ٣٦ وما بعدها).
(٢) «المنتظم» (١٦/ ١٣١).
[ ٤٤ ]
الكُشْمَيْهَني عن الفَرَبري، فلم يُقضَ لقافلة الحجيج النفوذ في تلك السنة؛ لفساد الطريق، ورجع الناس، فعاد إسماعيل معهم إلى نيسابور.
ولما كان قبل خروجه بأيام خاطبته في قراءة كتاب «الصحيح»، فأجابني إلى ذلك، فقرأت جميعه عليه في ثلاثة مجالس؛ اثنان منها في ليلتين، كنت أبتدئ بالقراءة وقت صلاة المغرب وأقطعها عند صلاة الفجر، وقبل أن أقرأ المجلس الثالث عَبَرَ الشيخ إلى الجانب الشرقي مع القافلة ونزل الجزيرة بسوق يحيى، فمضيت إليه مع طائفة من أصحابنا كانوا حضروا قراءتي عليه في الليلتين الماضيتين، وقرأت عليه في الجزيرة من ضحوة النهار إلى المغرب، ثم من المغرب إلى وقت طلوع الفجر، ففرغت من الكتاب، ورحل الشيخ في صبيحة تلك الليلة مع القافلة» (^١).
وقد ذكر الذهبي هذه القصة ثم قال: «هذه - والله - القراءة التي لم يُسمع قط بأسرع منها» (^٢).
وقد كان يفيد مشايخه أحاديث ليست عندهم، فقد روى في ترجمة علي بن أحمد بن علي أبي الحسن المِصِّيصي حديثًا عن شيخه محمد بن الحسن بن أحمد الأهوازي، ثم قال: «ذكرتُ هذا الحديث للبَرْقاني، فسألني أن أمضي معه إلى الأهوازي، فمضيتُ معه حتى سمعه منه» (^٣).
وقد بلغ شغفه بطلب الحديث وولوعه به إلى أنه كان يلحُّ على مشايخه العسرين حتى يحدثوه، وربما لم يحدِّثوا غيره، قال الخطيب في ترجمة علي بن
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (٧/ ٣١٨ - ٣١٩).
(٢) «سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٢٧٩).
(٣) «تاريخ بغداد» (١٣/ ٢٢٥).
[ ٤٥ ]
أحمد بن محمد الصَّيْرفي المعروف بابن الآبنوسي: «كتبتُ عنه أحاديث عن الدارقطني خاصة، وكان يتمنَّع من التحديث ويأباه، وألححتُ عليه حتى حدثني، ولا أحسب سمع منه غيري» (^١).
وبعد تحصيله لهذا الكم الهائل من العلم والمعرفة خاصة علم الحديث، تفرَّغ لجمع كتابه الكبير «تاريخ بغداد» حتى انتهى من نشرته الأولى قبل سنة خمس وأربعين وأربعمائة، وهي السنة التي حج فيها، حيث شرب ماء زمزم وسأل الله تعالى أن يحقِّق له ثلاثة أمور منها: أن يحدث بـ «تاريخه» هذا في بغداد (^٢).
رحلته إلى الحج ومروره ببلاد الشام:
عزم الخطيب على أداء فريضة الحج سنة خمس وأربعين وأربعمائة، وكانت فرصة ثمينة للسماع من شيوخ مكة ومن المجاورين بها، وممن أتى للحج من علماء الأمصار، واختار أن يمر في طريقه إلى مكة ببلاد الشام حتى يسمع من بها من العلماء، قال السبكي: «وقدم دمشق سنة خمس وأربعين حاجًّا، فسمع خلقًا كثيرًا، وتوجَّه إلى الحج، ثم قدمها سنة إحدى وخمسين فسكنها، وأخذ يصنِّف في كتبه، وحدَّث بها بتآليفه» (^٣).
وكان في طريقه إلى الحج لا يفتر عن قراءة القرآن، أو تحديث الناس بما جاء عن النبي - ﷺ -، يقول أبو الفرج الإسفراييني: «كان الشيخ أبو بكر الحافظ
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (١٣/ ٢٣٧). وينظر أيضًا: «تاريخ بغداد» (٥/ ٤٨٣) (٦/ ٢٥ - ٢٦).
(٢) ينظر: «تاريخ دمشق» (٥/ ٣٤)، ومقدمة تحقيق «تاريخ بغداد» (ص: ٢٩، ٧٣ - ٧٤).
(٣) «طبقات الشافعية» (٤/ ٢٩).
[ ٤٦ ]
معنا في طريق الحج، فكان يختم كل يوم ختمة إلى قرب الغياب، قراءةً بترتيل،
ثم يجتمع عليه الناس وهو راكب يقولون: حدِّثنا؛ فيحدِّثهم» (^١).
وقد سجَّل الخطيب هذه الرحلة المباركة في «تاريخه»، فذكر أنه كان في برية السماوة (^٢) في شهر رمضان من هذه السنة قاصدًا دمشق، لما خرج إلى الحج (^٣).
وقال في ترجمة أبي طالب محمد بن أحمد بن عثمان المعروف بابن السوادي: «توفي بواسط في ذي الحجة من سنة خمس وأربعين وأربعمائة، وكنتُ إذ ذاك بمكة» (^٤).
والظاهر أنه لم يمكث كثيرًا بدمشق؛ لقِصَر المدة بين موسم الحج ووصوله إليها، وما يحتاجه من وقت لوصوله إلى مكة المكرمة (^٥).
وقد التقى في موسم الحج كثيرًا من العلماء وسمع منهم، فقد سمع من القاضي محمد بن سلامة القُضاعي المصري، وأبي القاسم عبد العزيز بن بندار بن علي الشيرازي، وأبي بكر محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله الأَرْدَسْتاني، وقرأ «صحيح البخاري» على كريمة بنت أحمد المروزية في خمسة أيام (^٦).
_________________
(١) «تاريخ دمشق» (٥/ ٣٦).
(٢) برية السماوة: صحراء كبيرة ممتدة من الشام إلى العراق، ينزلها عرب الشام. ينظر: «الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل» للعليمي الحنبلي (٢/ ٨٣).
(٣) «تاريخ بغداد» (١١/ ٣٧٥).
(٤) «تاريخ بغداد» (٢/ ١٦٣).
(٥) ينظر: مقدمة تحقيق «تاريخ بغداد» (ص: ٢٩ - ٣٠).
(٦) ينظر: «تاريخ بغداد» (١٦/ ٣٢٥، ٥٦٦)، و«المنتظم» (١٦/ ١٢٩)، و«البداية والنهاية» (١٦/ ٢٨)، و«موارد الخطيب» (ص: ٤٦).
[ ٤٧ ]
ولما حج الخطيب شرب من ماء زمزم ثلاث شربات، وسأل الله - ﷿ - ثلاث حاجات؛ فالحاجة الأولى: أن يحدِّث بـ «تاريخ بغداد» ببغداد، والثانية: أن يُملي
الحديث بجامع المنصور، والثالثة: أن يُدفن إذا مات عند قبر بشر الحافي (^١).
ولم يمكث طويلًا بمكة، وعاد من طريق الشام أيضًا، فقد قال في ترجمة إبراهيم بن محمد بن عمر أبي طاهر العلوي: «مات ببغداد في ليلة الأربعاء، ودُفن يوم الأربعاء الرابع عشر من صفر سنة ست وأربعين وأربعمائة، وكنتُ إذ ذاك في طريق الحجاز راجعًا إلى الشام من مكة» (^٢).
وقد سجَّل وجوده بالشام في ترجمة عبد الله بن الحسين بن عثمان الهمذاني الخبَّاز من «تاريخه» فقال: «مات في يوم الخميس، ودُفن يوم الجمعة السادس والعشرين من جمادى الأولى سنة ست وأربعين وأربعمائة، وكنتُ إذا ذاك بالشام» (^٣).
وقد زار عدة مدن بالشام، منها القُدس، وقد سجَّل وجوده بها في ترجمة أبي سعد إسماعيل بن علي الواعظ الإستراباذي من «تاريخه»؛ حيث ذكر أن أبا سعد قدم بغداد حاجًّا فسمع منه، ثم لقيه الخطيب بعد زمن ببيت المقدس عند عودته من الحج في سنة ست وأربعين وأربعمائة، فحدثه عن عدة مشايخ (^٤).
_________________
(١) ينظر: «تاريخ دمشق» (٥/ ٣٤)، و«المنتظم» (١٦/ ١٣٤).
(٢) «تاريخ بغداد» (٧/ ١١٥).
(٣) «تاريخ بغداد» (١١/ ١٠٧).
(٤) «تاريخ بغداد» (٧/ ٣٢٠ - ٣٢١). وينظر: «تاريخ بغداد» (١٥/ ٢٩٤).
[ ٤٨ ]
ومنها صور، فقد قال الخطيب في ترجمة عبد الوهاب بن الحسين بن عمر بن برهان: «انتقل عن بغداد إلى الشام، فسكن بالساحل في مدينة صور، وبها لقيته، وسمعت منه عند رجوعي من الحج، وذلك في سنة ست وأربعين
وأربعمائة، وكان ثقة» (^١).
ولم يُطل الخطيبُ المكثَ ببلاد الشام، فعاد إلى بغداد في بداية سنة سبع وأربعين وأربعمائة، حيث صلى على جنازة شيخه علي بن المحسن التَّنُوخي يوم الاثنين الثاني من المحرم من هذه السنة (^٢).
وأصبح الخطيب مقرَّبًا إلى الوزير أبي القاسم ابن المُسْلِمة، وأوعز الوزير إلى الخطباء والوعاظ أن لا يرووا حديثًا حتى يعرضوه على الخطيب، فما صححه أوردوه، وما ردَّه لم يذكروه.
وأظهر بعض اليهود كتابًا وادَّعى أنه كتاب رسول الله - ﷺ - بإسقاط الجزية عن أهل خيبر، وفيه شهادات الصحابة، وأنَّ خط علي بن أبي طالب فيه، فعرضه الوزير على أبي بكر الخطيب، فقال: هذا مزوَّر. قيل له: وما الدليل على ذلك؟ قال: في الكتاب شهادة معاوية بن أبي سفيان، ومعاوية أسلم يوم الفتح، وخيبر كانت في سنة سبع، وفيه شهادة سعد بن معاذ، وكان قد مات يوم الخندق سنة خمس. فاستحسن ذلك منه (^٣).
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (١٢/ ٢٩٧).
(٢) «تاريخ بغداد» (١٣/ ٦٠٥).
(٣) «المنتظم في تاريخ الملوك والأمم» (١٦/ ١٢٩)، و«سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٢٨٠)، و«البداية والنهاية» (١٦/ ٢٨).
[ ٤٩ ]
وقد تقدم أن الخطيب لما حج شرب من ماء زمزم ثلاث شربات، وسأل الله - ﷿ - ثلاث حاجات: الحاجة الأولى: أن يحدِّث بـ «تاريخ بغداد» ببغداد، والثانية: أن يُملي الحديث بجامع المنصور، والثالثة: أن يُدفن إذا مات عند قبر
بشر الحافي.
فلما عاد إلى بغداد حدَّث بالتاريخ بها، ووقع إليه جزء فيه سماع الخليفة القائم بأمر الله، فحمل الجزء ومضى إلى باب حجرة الخليفة، وسأل أن يؤذَن له في قراءة الجزء، فقال الخليفة: هذا رجل كبير في الحديث، وليس له إلى السماع مني حاجة، ولعل له حاجة أراد أن يتوصل إليها بذلك، فسلوه ما حاجته. فسئل فقال: حاجتي أن يؤذَن لي أن أُملي بجامع المنصور. فتقدم الخليفة إلى نقيب النقباء بأن يؤذَن له في ذلك، فحضر النقيب، وأملى الخطيب في جامع المنصور (^١).
محنة الخطيب ورحيله إلى الشام:
تقدَّم عند الكلام عن عصر الخطيب (^٢) أن القائد أرسلان البَسَاسِيري -الذي كان مقرَّبًا من الفاطميين- استطاع أن يستولي على بغداد في ذي القعدة سنة خمسين وأربعمائة، وأن يحبس الخليفة، كما قبض على الوزير ابن المُسْلِمة ثم صلبه حيًّا وقتله.
وقد خرج الخطيب من بغداد متوجهًا إلى دمشق يوم النصف من صفر سنة إحدى وخمسين وأربعمائة؛ خوفًا من بطش البَسَاسيري؛ فقد كان الخطيب مقرَّبًا من الوزير ابن المُسْلِمة، وحمل معه كتبه المؤلَّفة والمسموعة.
_________________
(١) ينظر (ص: ٢٣ - ٢٦).
(٢) «تاريخ دمشق» (٥/ ٣٤).
[ ٥٠ ]
ثم إن طُغرلبك رجع إلى بغداد فأطلق الخليفة من محبسه، وحارب البَسَاسيري، إلى أن قتله في اليوم الخامس عشر من ذي الحجة سنة إحدى
وخمسين وأربعمائة، وكان الخطيب حينها بدمشق (^١).
ولكن الخطيب لم يرجع إلى بغداد، وظل بدمشق فترة طويلة، حدَّث بها بعامة مصنفاته (^٢).
وكانت له حلقة كبيرة بجامع دمشق، يُحدِّث فيها بكتبه المؤلَّفة والمسموعة، يقول أبو زكريا يحيى بن علي المعروف بالخطيب التِّبْريزي اللغوي المشهور: «لما دخلت دمشق في سنة ست وخمسين كان بها إذ ذاك الإمام أبو بكر الحافظ، وكانت له حلقة كبيرة يجتمعون في بكرة كل يوم فيقرأ لهم، وكنت أقرأ عليه الكتب الأدبية المسموعة له، فكان إذا مر في كتابه شيء يحتاج إلى إصلاح يصلحه، ويقول: أنت تريد مني الرواية، وأنا أريد منك الدراية.
وكنت أسكن منارة الجامع، فصعد إليَّ يومًا وسط النهار، وقال: أحببتُ أن أزورك في بيتك. وقعد عندي وتحدثنا ساعة، ثم أخرج قرطاسًا فيه شيء، وقال لي: الهدية مستحبَّة، وأسألك أن تشتري به الأقلام. ونهض، ففتحت القرطاس بعد خروجه فإذا فيه خمسة دنانير صحاح مصرية. ثم إنه مرة ثانية صعد وحمل إليَّ ذهبًا، وقال لي: تشتري به كاغدًا (^٣). وكان نحوًا من الأول أو أكثر» (^٤).
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (١١/ ٤٨ - ٥٢).
(٢) «تاريخ دمشق» (٥/ ٣١).
(٣) الكاغد: الورق. ينظر: «المصباح المنير» (ور ق).
(٤) «معجم الأدباء» (١/ ٣٩٢).
[ ٥١ ]
واتفق أنه قرأ يومًا على الناس فضائل الصحابة، فثار عليه الروافض وأتباع الفاطميين - وكانت دمشق يومئذ تحت سيطرتهم - وأرادوا قتله، فتشفَّع
بالشريف أبي القاسم علي بن إبراهيم بن أبي الجِنِّ العلوي (^١)، فأجاره، وحذَّر الوالي من قتله وقال له: «هذا رجل مشهور بالعراق، وليس في قتله مصلحة، إن قتلته، قُتل به جماعة من الشيعة بالعراق، وخُرِّبت المشاهد».
فاكتفى الوالي بإخراجه من دمشق، فخرج منها في يوم الاثنين الثامن عشر من صفر سنة تسع وخمسين وأربعمائة قاصدًا مدينة صور (^٢).
وفي صور اتصل بعز الدولة وتقرَّب منه، فانتفع به، وأعطاه مالًا كثيرًا (^٣). وكان يتردد إلى القدس للزيارة ثم يعود إلى صور (^٤).
عودة الخطيب إلى بغداد:
لقد تبوَّأ الخطيب في صور مكانة علمية عالية، وازدحم الطلبة من كل مكان عليه، إلا أنه كان يشتاق إلى بغداد، التي لم يكن ليفارقها لولا الظروف الصعبة التي أحاطت به، قال السمعاني: «سمعت بعض مشايخي يقول: دخل
_________________
(١) هو أبو القاسم علي بن إبراهيم بن العباس بن أبي الجن الشريف العلوي، من أهل دمشق، كان سيدًا شريفًا محتشمًا جليل القدر سنِّيًّا حسن السيرة، خرَّج له الإمام أبو بكر الخطيب الحافظ الفوائد، وعُمِّر حتى حدث بها وبغيرها، توفي سنة ثمان وخمسمائة بدمشق. «الأنساب» للسمعاني (٣/ ٣٦١).
(٢) ينظر: «معجم الأدباء» (١/ ٣٩٣)، و«سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٢٨١ - ٢٨٢)، و«البداية والنهاية» (١٦/ ٢٨)، و«الخطيب البغدادي وأثره في علوم الحديث» (ص: ٥٠ - ٥٢)، ومقدمة تحقيق «تاريخ بغداد» للدكتور بشار (ص: ٣٤ - ٣٥).
(٣) «سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٢٧٤).
(٤) «معجم الأدباء» (١/ ٣٨٤).
[ ٥٢ ]
بعض الأكابر جامع دمشق أو صور ورأى حلقة عظيمة للخطيب، والمجلس غاصٌّ، يسمعون منه الحديث، فقعد إلى جانبه، وكأنه استكثر الجمع، فقال له الخطيب:
القعود في جامع المنصور مع نفر يسير أحب إليَّ من هذا» (^١).
وهذا النص يبين ما تبوأه من منزلة علمية عالية، وشدة اشتياقه إلى وطنه بغداد، فلما بلغ سبعين سنة، كأنه أحس بدنوِّ أجله، فأحب أن يحقِّق الله له أمنيته الثالثة - كما حقَّق له الأولى والثانية - وهو أن يُدفن بجوار بشر الحافي ببغداد، فعزم على الرجوع إلى وطنه بغداد.
وقد تعهَّد تلميذه المحدِّث التاجر أبو منصور عبد المحسن بن محمد الشِّيحي (^٢) أن يحمله في هذا السفر الشاق، وقد كافأه الخطيب على ذلك فأهدى إليه «تاريخ بغداد» بخطه، وقال: «لو كان عندي أعز منه لأهديته له» (^٣).
فخرج وصديقه في شعبان سنة اثنتين وستين وأربعمائة يريدان بغداد، فمرَّا بطرابلس ثم حلب، فمكثا في كل واحدة من البلدتين أيامًا قلائل، ثم توجَّها إلى الرحبة، ومنها إلى بغداد، فوصلاها في ذي الحجة من السنة نفسها (^٤).
_________________
(١) «معجم الأدباء» (١/ ٣٩١)، ومقدمة تحقيق «تاريخ بغداد» للدكتور بشار (ص: ٣٥).
(٢) هو المحدث الجوال الصدوق التاجر السفَّار أبو منصور عبد المحسن بن محمد بن علي بن أحمد بن علي الشيحي، ثم البغدادي، الفقيه المالكي، النصري، وُلد في سنة إحدى وعشرين وأربعمائة، قال إسماعيل بن محمد الحافظ: شيخ جليل فاضل ثقة. مات سنة تسع وثمانين وأربعمائة. «سير أعلام النبلاء» (١٩/ ١٥٢).
(٣) «المنتظم في تاريخ الملوك والأمم» (١٧/ ٣٤).
(٤) ينظر: «تاريخ دمشق» (٥/ ٤٠)، و«المنتظم في تاريخ الملوك والأمم» (١٦/ ١٢٩)، و«معجم الأدباء» (١/ ٣٨٤)، و«سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٢٧٧).
[ ٥٣ ]
وقد استقر بعد وصوله إلى بغداد في حجرة بدرب السلسلة في جوار
المدرسة النظامية (^١)، وأقام بها سنة إلى أن توفي، وحينئذ روى «تاريخ بغداد» (^٢).
معرفة الخطيب بالأدب والشعر:
كان الخطيب - ﵀ - ذا معرفة واسعة بالأدب، فقد روى كثيرًا من كتب الأدب، وحدَّث بها بإسناده إلى أصحابها (^٣)، وقد ساق الخطيب في كتبه لا سيما «تاريخ بغداد» كثيرًا من الحكايات الأدبية والأشعار، وقد ذكر الدكتور أكرم العمري مصادر أدبية كثيرة، استفاد منها الخطيب في «تاريخه» (^٤).
وقد صنَّف الخطيب عددًا من كتب الأدب منها: كتاب البخلاء، وكتاب التطفيل وحكايات الطُّفيليين وأخبارهم ونوادر كلامهم وأشعارهم.
وكان أيضًا ناظمًا للشعر الحسن، قال ابن الجوزي: «وكان حسن القراءة، فصيح اللهجة، عارفًا بالأدب، يقول الشعر الحسن» (^٥).
وقال الذهبي: «وللخطيب نظم جيد» (^٦).
فمن شعره:
_________________
(١) «المنتظم في تاريخ الملوك والأمم» (١٦/ ١٣٤).
(٢) «معجم الأدباء» (١/ ٣٨٤).
(٣) ينظر: «سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٢٧٨).
(٤) «موارد الخطيب في تاريخ بغداد» (ص: ٢٢٣ - ٢٥٣).
(٥) «المنتظم في تاريخ الملوك والأمم» (١٦/ ١٣١).
(٦) «سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٢٩٥).
[ ٥٤ ]
إن كنتَ تبغي الرشاد محضًا … لأمر دنياك والمعادِ
خالفِ النفس في هواها … إنَّ الهوى جامعُ الفسادِ (^١)
ومنه:
لا تغبطنَّ أَخَا الدنيا لزخرفها … ولا للذةِ وقتٍ عجَّلتْ فرحا
فالدهر أسرع شيء في تقلُّبه … وفِعلُهُ بيِّنٌ للخَلْق قد وضحا
كم شاربٍ عسلًا فيه منيَّتُه … وكم تقلَّد سيفًا مَنْ به ذُبحا (^٢)
صفاته العلمية:
وأختم الكلام عن حياة الخطيب العلمية بذكر بعض ما تميز به من صفات في العلم:
١ - جودة خطِّه ودقة ضبطه:
تميَّز الخطيب بجودة خطه ووضوحه، وكثرة ضبطه لما يكتبه بالشَّكل ودقته فيه، وقد أثنى عليه أهل العلم بذلك، قال السمعاني: «كان حسن النقل والخط، كثير الشَّكْل والضبط» (^٣).
وقال الذهبي: «كتابة الخطيب مليحة مفسَّرة، كاملة الضبط، بها أجزاء بدمشق رأيتُها» (^٤).
_________________
(١) «سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٢٩٥).
(٢) «سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٢٩٦). وينظر أيضًا: «المنتظم في تاريخ الملوك والأمم» (١٦/ ١٣١)، و«معجم الأدباء» (١/ ٣٩٣ - ٣٩٥).
(٣) «معجم الأدباء» (١/ ٣٩١).
(٤) «سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٢٨٥).
[ ٥٥ ]
٢ - فصاحته وحُسن قراءته وسرعتها:
كان الخطيب فصيحًا في نطقه، سريعًا في قراءته، جَهْوري الصوت، قال الخطيب التبريزي: «كان إذا قرأ الحديث في جامع دمشق يُسمع صوته في آخر الجامع، وكان يقرأ معرَبًا صحيحًا» (^١).
وقال السمعاني: «كان قارئًا للحديث فصيحًا» (^٢).
وقال ابن الجوزي: «وكان حسن القراءة، فصيح اللهجة» (^٣).
وقد قرأ الخطيب «صحيح البخاري» على إسماعيل بن أحمد الضرير الحِيري في ثلاثة مجالس (^٤)؛ لذا قال الذهبي: «هذه - والله - القراءة التي لم يُسمع قط بأسرع منها» (^٥).
وقد عدَّه القَلْقَشَندي فردًا في سرعة القراءة بحيث يُضرب به المثل فيها (^٦).
٣ - شغفه بالمطالعة:
كان الخطيب محبًّا للقراءة، حريصًا على المطالعة، قال الخطيب: «كان حريصًا على علم الحديث، وكان يمشي في الطريق وفي يده جزء يطالعه» (^٧).
_________________
(١) «معجم الأدباء» (١/ ٣٩٢).
(٢) «معجم الأدباء» (١/ ٣٩١).
(٣) «المنتظم في تاريخ الملوك والأمم» (١٦/ ١٣١).
(٤) «تاريخ بغداد» (٧/ ٣١٨ - ٣١٩).
(٥) «سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٢٧٩).
(٦) «صبح الأعشى» (١/ ٥١٨).
(٧) «المنتظم في تاريخ الملوك والأمم» (١٦/ ١٣١).
[ ٥٦ ]
٤ - أمانته في العلم وتحرِّيه في النقل:
كان الخطيب دقيقًا في قوله، أمينًا في نقله، متحرِّيًا في تأليفه وجمعه، قال السمعاني: «وكان مهيبًا وقورًا، نبيلًا خطيرًا، ثقة صدوقًا، متحرِّيًا، حجة فيما يصنِّفه ويقوله وينقله ويجمعه» (^١).
وكان - ﵀ - متحرِّيًا فيما يسمعه من الكتب، حريصًا على ألَّا يكون في إسناده إليها انقطاع، وأن يكون متصلًا بالسماع، قال الخطيب في ترجمة عثمان بن محمد بن أحمد بن العباس القارئ المُخَرِّمي من «تاريخ بغداد»: «وقد حدثنا عنه العَتِيقي بقطعة من «تاريخ يحيى بن معين»، قال فيها: أخبرنا الأصم، أن العباس الدُّوري حدثهم قال: سمعتُ يحيى بن معين. فخفتُ أن تكون روايته لذلك عن الأصم إجازة، حتى سألتُ العَتِيقي، فقال: ليس ذلك إجازة، بل هو سماع، ثم رأيتُ في أصل المُخرِّمي يذكر أنه سمع هذا «التاريخ» من الأصم بقراءته عليه» (^٢).
* * *
_________________
(١) «معجم الأدباء» (١/ ٣٩١).
(٢) «تاريخ بغداد» (١٣/ ٢٠٦).
[ ٥٧ ]