النقد بمخالفة الراوي لغيره بوصل المرسل
قرَّر الخطيب في كتابه «الكفاية» أن الرواة إذا اختلفوا في الحديث، فبعضهم وصله وبعضهم أرسله، أن الصواب مع من وصله، وقد ذكرت كلامه في المطلب قبل السابق (^١).
ولكن من خلال مطالعة كتابه «تاريخ بغداد» يتبين جليًّا أنه يرجِّح بالأحفظ والأكثر، وغيرهما من القرائن، ويسير في نقده في هذه المسألة على نهج أئمة الحديث ونقاده، بل هو في الغالب يرجِّح الإرسال على الوصل، وقد خالف بذلك ما قرره في «الكفاية» من ترجيح الوصل مطلقًا.
وهذه بعض الأمثلة التي توضِّح ذلك:
- المثال الأول:
روى الخطيب في ترجمة يحيى بن محمد بن يحيى النيسابوري من «تاريخ بغداد» عن البَرْقاني قال: أخبرنا علي بن عمر الحافظ (^٢) قال: حدثنا ابن مخلد قال: حدثنا أبو زكريا يحيى بن محمد بن يحيى النيسابوري. قال: وحدثنا ابن مخلد قال: حدثنا أحمد بن إبراهيم أبو علي القُوهُسْتاني (^٣) قالا: حدثنا
_________________
(١) ينظر: (ص: ٢٦٧).
(٢) هو الدارقطني، وقد روى هذا الحديث بهذا الإسناد في «العلل» (٩/ ١٢٥).
(٣) أحاديثه مستقيمة حسان تدل على حفظه وثقته، مات سنة سبع وستين ومائتين. «تاريخ بغداد» (٥/ ١٥).
[ ٣١٢ ]
يحيى بن يحيى قال: أخبرنا ابن لهيعة، عن عُقيل، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، أن النبي - ﷺ - كان إذا أُتي بالباكورة من الفاكهة (^١) وضعها على فيه، ثم وضعها على عينيه، ثم قال: «اللهم كما أطعمتنا أوله فأطعمنا آخره».
قال أبو علي القُوهُسْتاني: سمعتُ يحيى بن يحيى يقول: في هذا الحديث «عروة عن عائشة» في كتابي بين السطرين. وزاد يحيى بن محمد في حديثه: ثم يناوله مَن يحضره من الولدان.
ثم قال الخطيب: «رواه قتيبة، عن ابن لهيعة، عن عُقيل، عن الزهري، عن النبي - ﷺ -، لم يذكر فيه عائشة ولا عروة، وذاك أصح» (^٢).
فهذا الحديث يرويه يحيى بن يحيى النيسابوري عن ابن لهيعة، عن عُقيل، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة مرفوعًا، ويحيى بن يحيى ثقة ثبت إمام (^٣).
وقد ذكر القُوهُسْتاني أن يحيى بن يحيى أخبره أن قوله: «عن عروة عن عائشة» كان في كتابه بين السطرين، أي: ملحقًا في كتابه ليس من أصله، وهذا يجعلنا نتشكك في هذه الزيادة، وأنها ليست مسموعة له، ويدل على ذلك قول الدارقطني، فإنه لما ذكر الاختلاف في هذا الحديث وأن بعضهم يرويه عن ابن لهيعة مرفوعًا قال: «وكذلك قيل: عن يحيى بن يحيى» (^٤). فذكره بصيغة التمريض، والله أعلم.
_________________
(١) أي: أول الفاكهة. «مختار الصحاح» (ب ك ر).
(٢) «تاريخ بغداد» (١٦/ ٣١٩).
(٣) ينظر: «تقريب التهذيب» (ص: ٥٩٨ رقم ٧٦٦٨).
(٤) «علل الدارقطني» (٩/ ١٢٣).
[ ٣١٣ ]
وقد تابعه عثمان بن صالح بن صفوان بذكر هذه الزيادة، وروايته أخرجها الطبراني عن يحيى بن عثمان بن صالح، عن أبيه قال: حدثنا ابن لهيعة، عن عقيل به مرفوعًا (^١).
وعثمان بن صالح وابنه صدوقان وقد تُكلِّم فيهما (^٢).
وقد وجدت متابعة أخرى أخرجها الدارقطني (^٣) من طريق عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير عن أبيه عن ابن لهيعة عن عقيل مرفوعًا.
وعمرو بن عثمان صدوق (^٤)، وأبوه ثقة عابد (^٥).
وقد ذكر الخطيب أنه رواه قتيبة بن سعيد (^٦)، عن ابن لهيعة، عن عُقيل،
_________________
(١) «الدعاء» للطبراني (ص: ٥٥٧ رقم ٢٠٠٤).
(٢) أما عثمان بن صالح، فقد وثقه ابن معين والدارقطني، وقال ابن رشدين: رأيته عند أحمد بن صالح متروكًا. وقال أبو زرعة: لم يكن عندي ممن يكذب، ولكن كان يكتب مع خالد بن نجيح -قال أبو حاتم: هو كذاب كان يفتعل الأحاديث، كما في الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٣/ ٣٥٥) - فبُلوا به؛ كان يُملي عليهم ما لم يسمعوا. ينظر: «تهذيب التهذيب» (٧/ ١٢٢). ولكن قال الحافظ في «تقريب التهذيب» (٤٤٨٠): «صدوق». وأما ابنه يحيى؛ فقد قال الحافظ ابن حجر: صدوق، رُمي بالتشيع، وليَّنه بعضهم؛ لكونه حدَّث من غير أصله. «تقريب التهذيب» (ص: ٥٩٤ رقم ٧٦٠٥).
(٣) «علل الدارقطني» (٩/ ١٢٥).
(٤) «تقريب التهذيب» (ص: ٤٢٤ رقم ٥٠٧٣).
(٥) «تقريب التهذيب» (ص: ٣٨٣ رقم ٤٤٧٢).
(٦) هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف الثقفي أبو رجاء البَغْلاني، ثقة ثبت، من العاشرة، مات سنة (٢٤٠ هـ) عن تسعين سنة، روى له الجماعة. «تقريب التهذيب» (ص: ٤٥٤ رقم ٥٥٢٢).
[ ٣١٤ ]
عن
الزهري، عن النبي - ﷺ -، لم يذكر فيه عائشة ولا عروة، وأن هذه الرواية أصح من الرواية السابقة.
ورواية قتيبة أخرجها ابن سعد (^١)، والدارقطني (^٢).
وقد تابعه موسى بن داود الضبي، وروايته أخرجها ابن سعد (^٣)، وموسى بن داود الضبي صدوق فقيه زاهد له أوهام (^٤).
وقد رجَّح الدارقطني المرسل أيضًا، فقال بعد أن عرض الخلاف على الزهري في رفعه وإرساله: «ورواه قتيبة، عن ابن لهيعة، عن عقيل، عن الزهري مرسلًا، وهو المحفوظ، ولا يصح مسندًا عن واحد منهم» (^٥).
والظاهر أن الخطيب قد استفاد هذا النقد من الدارقطني، بل استفاد روايته لهذا الحديث منه.
ومما يؤيد أن الراجح في هذا الحديث أنه عن الزهري مرسلًا:
١ - أن أبا عبيد الآجري سأل أبا داود السجستاني عن عبد الرحمن بن يحيى بن سعيد الخدري (^٦) فقال: لا أعرفه. فقال الآجري: حدَّث عن يونس
_________________
(١) «الطبقات الكبرى» (١/ ٣٨٧).
(٢) «علل الدارقطني» (٩/ ١٢٦).
(٣) «الطبقات الكبرى» (١/ ٣٨٧).
(٤) «تقريب التهذيب» (ص: ٥٥٠ رقم ٦٩٥٩).
(٥) «علل الدارقطني» (٩/ ١٢٣).
(٦) كذا في «سؤالات الآجري لأبي داود» (ص: ٣٦١). والذي في «الضعفاء» للعقيلي (٢/ ٣٥١ رقم ٩٥٤)، و«ميزان الاعتدال» (٢/ ٥٩٧ رقم ٥٠٠٣)، و«لسان الميزان» (٥/ ١٤٧ رقم ٤٧١٧): «العُذري»، ولعله الصواب كما في «تكملة الإكمال» لابن نقطة (٤/ ٢٨٥ رقم ٤٣٥٦). وهو ضعيف، قال العقيلي (٢/ ٣٥١): «مجهول لا يقيم الحديث من جهته». وقال أبو أحمد الحاكم -كما في «لسان الميزان» (٥/ ١٤٨) -: «لا يُعتمد على روايته».
[ ٣١٥ ]
عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة، حديث الباكورة. فقال أبو داود: قد بان أمره في هذا الحديث؛ هذا حديث عن الزهري مرسل» (^١).
وهذا يدل على أن المعروف عند أبي داود أن هذا الحديث عن الزهري مرسل، حتى إنه قد بان له ضعف عبد الرحمن بن يحيى بن سعيد الخدري عندما أخبره الآجري أنه رفع هذا الحديث، مع أنه لم يكن يعرفه في بداية الأمر.
٢ - أن ابن عدي روى من طريق عثمان بن فائد أبي لبابة (^٢)، عن صالح بن أبي الأخضر (^٣)، عن الزهري عن سعيد، عن أبي هريرة قال: كان النبي - ﷺ - إذا أُتي بالباكورة من الرطب وضعها على وجهه وعلى عينيه.
ثم قال: «وهذا اختلف الضعفاء على الزهري على ألوان، والأصل في هذا مرسل عن الزهري: كان النبي - ﷺ - إذا أُتي بالباكورة» (^٤).
٣ - أن العقيلي رواه أيضًا من طريق عثمان بن فائد به كما في رواية ابن عدي السابقة، ثم رواه من طريق جرير بن حازم عن يونس بن يزيد الأيلي عن الزهري قال: «كان رسول الله - ﷺ - إذا أُتي بالباكورة وضعها على فمه وعينيه».
ثم قال: «هذا أولى» (^٥).
_________________
(١) «سؤالات أبي عبيد الآجري أبا داود السجستاني في الجرح والتعديل» (ص: ٣٦١).
(٢) قال ابن عدي في «الكامل» (٦/ ٢٧٠): «منكر الحديث».
(٣) ضعيف يُعتبر به. «تقريب التهذيب» (ص: ٢٧١ رقم ٢٨٤٤).
(٤) «الكامل» (٦/ ٢٧٠).
(٥) «الضعفاء الكبير» (٣/ ٢١٢). وينظر: «ميزان الاعتدال» (٣/ ٥١).
[ ٣١٦ ]
- المثال الثاني:
روى الخطيب في ترجمة اليسع بن إسماعيل الضرير ومن طريقه عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي - ﷺ - سمع حاديًا يحدو (^١)، فقال: «اعدلوا بنا إليه».
ثم قال: «تفرد برواية هذا الحديث هكذا مسندًا متصلًا يسع بن إسماعيل، عن ابن عيينة، ورواه سعدان بن نصر المُخَرِّمي، ومحمود بن آدم المروزي، عن سفيان مرسلًا، لم يذكرا فيه ابن عباس، وهو المحفوظ» (^٢).
فهذا الحديث تفرد بروايته اليسع بن إسماعيل عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - (^٣)، واليسع بن إسماعيل قال فيه الدارقطني: ضعيف (^٤).
وقد خالفه ثقتان وهما سعدان بن نصر المُخَرِّمي (^٥)، ومحمود بن آدم المروزي (^٦)، فرووه عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة،
عن النبي - ﷺ - مرسلًا، لم يذكرا فيه ابن عباس.
_________________
(١) الحدو: سوق الإبل والغناء لها. «مختار الصحاح» (ح د ا).
(٢) «تاريخ بغداد» (١٦/ ٥٢٢).
(٣) لم أجد رواية اليسع هذه عند غير الخطيب فيما لديَّ من مصادر.
(٤) «تاريخ بغداد» (١٦/ ٥٢٣).
(٥) قال أبو حاتم: صدوق. وقال الدارقطني: ثقة مأمون. «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم (٤/ ٢٩١)، و«سؤالات السلمي للدارقطني» (ص: ١٧٩ رقم ١٥٠).
(٦) قال ابن أبي حاتم: كان ثقة صدوقًا. وقال الدارقطني: ثقة. «الجرح والتعديل» (٨/ ٢٩١)، و«سؤالات السلمي للدارقطني» (ص: ٢٧٥ رقم ٣١٨).
[ ٣١٧ ]
ورواية سعدان هي في «جزئه» (^١)، ورواها عنه البيهقي (^٢).
أما رواية محمود بن آدم المروزي فلم أعثر عليها.
فهذان الثقتان (سعدان، ومحمود بن آدم) قد خالفا اليسع بن إسماعيل وهو ضعيف، فأرسلا الحديث، فلا شك أن روايتهما هي المحفوظة؛ ولذلك فقد رجحها الخطيب.
- المثال الثالث:
روى الخطيب في ترجمة علي بن محمد بن حفص من «تاريخ بغداد» من طريق عتاب بن محمد الحافظ قال: حدثنا علي بن محمد بن حفص بغدادي من أصله قال: حدثنا العباس بن عبد الله بن أبي عيسى قال: حدثنا محمد بن المبارك قال: حدثنا مالك بن أنس، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «مِن حُسن إسلام المرء تركه ما لا يَعنيه».
ثم قال: «الصحيح عن مالك، عن الزهري، عن علي بن الحسين مرسلًا،
عن النبي - ﷺ -» (^٣).
فهذا الحديث رواه محمد بن المبارك عن مالك بن أنس، عن الزهري، عن
_________________
(١) «جزء سعدان» (ص: ٤٦ رقم ١٥٣).
(٢) «السنن الكبرى» كتاب الشهادات، باب لا بأس باستماع الحداء ونشيد الأعراب كثر أو قل (١٠/ ٣٨٦ رقم ٢١٠٣٩)، و«معرفة السنن والآثار» كتاب الشهادات، باب شهادة أهل الغناء (١٤/ ٣٣١ رقم ٢٠١٧٦). تنبيه: قوله: «عن عمرو بن دينار» سقط من المطبوع من «معرفة السنن والآثار».
(٣) «تاريخ بغداد» (١٣/ ٥٣٠).
[ ٣١٨ ]
أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعًا (^١)، ومحمد بن المبارك ثقة (^٢)، لكن في الطريق إليه علي بن محمد بن حفص البغدادي، وقد قال فيه الخطيب: «إن لم يكن هذا الجويباري، فلا أعرفه» (^٣). والجويباري هو علي بن محمد بن حفص، ذكره الخطيب قبل هذا مباشرة ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، وقال الذهبي: «شيخ نكرة» (^٤). فعلى كل حال هو مجهول لا يُعرف، فلا تثبت رواية محمد بن المبارك عن مالك بهذا الإسناد.
وقد ذكر الخطيب أن الصحيح في هذا الحديث عن مالك، أنه إنما يرويه عن الزهري، عن علي بن الحسين مرسلًا، عن النبي - ﷺ -.
وقد رواه هكذا مرسلًا مالك في «الموطأ» (^٥)، ورواه عنه جماعة كثيرة من أصحابه منهم:
١ - عبد الله بن وهب (^٦).
_________________
(١) لم أجد روايته هذه فيما لديَّ من مصادر.
(٢) «تقريب التهذيب» (ص: ٥٠٤ رقم ٦٢٦٢).
(٣) «تاريخ بغداد» (١٣/ ٥٣٠).
(٤) «ميزان الاعتدال» (٣/ ١٥٤ رقم ٥٩٢٦).
(٥) «موطأ مالك» رواية يحيى الليثي، كتاب حسن الخلق، باب ما جاء في حسن الخلق (٢/ ٩٠٣)، ورواية أبي مصعب الزهري، كتاب الجامع، باب ما جاء في حسن الخلق (٢/ ٧٤ رقم ١٨٨٣)، ورواية محمد بن الحسن الشيباني، باب فضل الحياء (ص: ٣٣٤ رقم ٩٤٩).
(٦) «الجامع» لابن وهب (ص: ٤١٠ رقم ٢٩٧ - تحقيق أبي الخير)، ورواها عنه ابن بطة في «الإبانة» (١/ ٤١٢ رقم ٣٢٥)، والقضاعي في «مسند الشهاب» (١/ ١٤٤ رقم ١٩٣).
[ ٣١٩ ]
٢ - علي بن الجعد (^١).
٣ - قتيبة بن سعيد (^٢)، وروايته أخرجها الترمذي (^٣)، وأبو أحمد الحاكم (^٤).
٤ - عبد الله بن مسلمة القعنبي، وروايته أخرجها العقيلي (^٥)، والبيهقي (^٦).
٥ - عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، وروايته أخرجها أبو الشيخ (^٧).
٦ - أبو نعيم الفضل بن دكين، وروايته أخرجها البيهقي (^٨).
٧ - إسحاق بن عيسى الطباع (^٩)، وروايته أخرجها الرامهرمزي (^١٠).
_________________
(١) «مسند ابن الجعد» (ص: ٤٢٨ رقم ٢٩٢٥)، ورواها عنه ابن أبي الدنيا في «الصمت» (ص: ٩٢ رقم ١٠٧)، وأبو أحمد الحاكم في «عوالي مالك» (ص: ١٤٤ رقم ١٣٤).
(٢) سبقت ترجمته (ص: ٣١٤).
(٣) «سنن الترمذي» أبواب الزهد (٤/ ٥٥٨ رقم ٢٣١٨).
(٤) «عوالي مالك» (ص: ١٤٤ رقم ١٣٥).
(٥) «الضعفاء الكبير» (٢/ ٩).
(٦) «شعب الإيمان» (١٣/ ٢٦٨ رقم ١٠٣١٥).
(٧) «ذكر الأقران» (ص: ١٢٠ رقم ٤٥١).
(٨) «المدخل إلى السنن الكبرى» (ص: ٢٢٣ رقم ٢٨٨).
(٩) هو إسحاق بن عيسى بن نجيح بن الطباع، سكن أذنة، صدوق، من التاسعة، مات سنة (٢١٤ هـ) وقيل: بعدها بسنة. «تقريب التهذيب» (ص: ١٠٢ رقم ٣٧٥).
(١٠) «المحدث الفاصل» (ص: ١٩١ رقم ٩٢).
[ ٣٢٠ ]
٨ - كامل بن طلحة الجحدري (^١)، وروايته أخرجها أبو أحمد الحاكم (^٢)، وابن الحاجب (^٣).
٩ - حماد بن مسعدة (^٤)، وروايته أخرجها السِّلفي (^٥).
١٠ - محرز بن عون (^٦)، وروايته أخرجها أبو اليمن الكندي (^٧).
١١ - خلف بن هشام (^٨)، وروايته أخرجها ابن أبي الدنيا (^٩)،
وابن الحاجب (^١٠).
_________________
(١) هو كامل بن طلحة الجحدري، نزيل بغداد، لا بأس به، من صغار التاسعة، مات سنة (٢٣١ هـ) أو (٢٣٢ هـ)، وله بضع وثمانون سنة. «تقريب التهذيب» (ص: ٤٥٩ رقم ٥٦٠٣).
(٢) «عوالي مالك» رواية أبي أحمد الحاكم (ص: ١٤٤ رقم ١٣٦).
(٣) «عوالي مالك» رواية ابن الحاجب (ص: ٣٩٦ رقم ٧٦).
(٤) هو حماد بن مسعدة التميمي أبو سعيد البصري، ثقة، من التاسعة، مات سنة (٢٠٢ هـ) روى له الجماعة. «تقريب التهذيب» (ص: ١٧٨ رقم ١٥٠٥).
(٥) «الطيوريات» (٣/ ٨٣٧ رقم ٧٥٠).
(٦) هو محرز بن عون الهلالي أبو الفضل البغدادي، صدوق، من العاشرة، مات سنة (٢٣١ هـ)، وله سبع وثمانون سنة. «تقريب التهذيب» (ص: ٥٢٢ رقم ٦٥٠٣).
(٧) «عوالي مالك» رواية أبي اليمن الكندي (ص: ٣٥٨ رقم ٦٤).
(٨) هو خلف بن هشام بن ثعلب البزار المقرئ البغدادي، ثقة له اختيار في القراءات، من العاشرة، مات سنة (٢٢٩ هـ). «تقريب التهذيب» (ص: ١٩٤ رقم ١٧٣٧).
(٩) «الصمت» (ص: ٩٢ رقم ١٠٧).
(١٠) «عوالي مالك» رواية ابن الحاجب (ص: ٣٩٤ رقم ٦٩).
[ ٣٢١ ]
١٢ - خالد بن خداش (^١)، وروايته أخرجها ابن أبي الدنيا (^٢).
كل هؤلاء قد رووه عن مالك مرسلًا، ولذلك فقد رجح الخطيب الرواية المرسلة، وقد رجحها أيضًا جَمْعٌ من الحفاظ، منهم:
١ - البخاري؛ فقد قال في «التاريخ الكبير»: «وقال لنا ابن يوسف: عن مالك، عن ابن شهاب، عن علي بن حسين، عن النبي - ﷺ -، وهذا أصح بانقطاعه. وقال بعضهم: عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -. ولا يصح إلا عن علي بن حسين عن النبي - ﷺ -» (^٣).
٢ - الترمذي؛ فقد قال في «سننه» بعد أن رواه عن قتيبة بن سعيد عن مالك عن الزهري مرسلًا: «وهكذا روى غير واحد من أصحاب الزهري، عن الزهري، عن علي بن حسين، عن النبي - ﷺ - نحو حديث مالك مرسلًا، وهذا عندنا أصح من حديث أبي سلمة، عن
أبي هريرة …» (^٤).
٣ - العقيلي؛ فقد قال بعد أن رواه من حديث مالك مرسلًا، ومن طرق أخرى موصولًا: «والصحيح حديث مالك» (^٥).
_________________
(١) هو خالد بن خداش أبو الهيثم المهلبي مولاهم البصري، صدوق يخطئ، من العاشرة، مات سنة (٢٢٤ هـ). «تقريب التهذيب» (ص: ١٨٧ رقم ١٦٢٣).
(٢) «الصمت» (ص: ٩٢ رقم ١٠٧).
(٣) «التاريخ الكبير» للبخاري (٤/ ٢٢٠).
(٤) «سنن الترمذي» أبواب الزهد (٤/ ٥٥٨ رقم ٢٣١٨).
(٥) «الضعفاء الكبير» (٢/ ٩).
[ ٣٢٢ ]
٤ - الدارقطني، فقد قال بعد أن ذكر أوجه الخلاف فيه: «والصواب من ذلك قول من قال: عن الزهري، عن علي بن الحسين مرسلًا» (^١).
٥ - البيهقي؛ فقد قال بعد أن رواه مرسلًا: «هذا هو الصحيح مرسلًا» (^٢).
- المثال الرابع:
روى الخطيب في ترجمة محمد بن إبراهيم بن زياد الطيالسي الرازي من «تاريخ بغداد» ومن طريقه عن أحمد بن منيع قال: حدثنا محمد بن حيان البغوي وكان جارنا، قال: حدثنا مالك بن أنس قال: حدثنا هشيم بن أبي خازم، عن يعلى بن عطاء، عن عمارة بن حديد، عن صخر الغامدي قال: قال رسول الله - ﷺ -: «اللهم بارك لأمتي في بكورها».
ثم قال: «تفرد برواية هذا الحديث عن مالك أبو الأحوص البغوي، ولم يروه عن أحمد بن منيع موصولًا هكذا سوى محمد بن إبراهيم بن زياد وأخطأ
فيه، والصواب ما حدثني أبو القاسم الأزهري قال: حدثنا أبو عمر محمد بن العباس الخزاز وأبو الفضل عبيد الله بن عبد الرحمن الزهري وآخرون قالوا: حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز قال: حدثني جدي أحمد بن منيع قال: حدثنا أبو الأحوص محمد بن حيان البغوي، عن مالك بن
_________________
(١) «علل الدارقطني» (١٣/ ٢٥٨ رقم ٣١٥٨). وينظر أيضًا «علل الدارقطني» (٣/ ١٠٨ رقم ٣١٠)، (٨/ ٢٥ رقم ١٣٨٩)، (١٣/ ١٤٧ رقم ٣٠٢٤).
(٢) «الأربعون الصغرى» (ص: ٥١ رقم ١٨). وينظر: «التمهيد» لابن عبد البر (٩/ ١٩٥).
[ ٣٢٣ ]
أنس، عن هشيم بن أبي خازم، عن يعلى بن عطاء، عن عمارة بن حديد، أن رسول الله - ﷺ - قال: «اللهم بارك لأمتي في بكورها» لم يذكر فيه صخرًا.
وكان عبد الله بن محمد البغوي لا يحدث بهذا الحديث إلا في كل سنة مرة واحدة» (^١).
فهذا الحديث تفرد بروايته محمد بن إبراهيم بن زياد عن أحمد بن منيع موصولًا، وروايته أخرجها الطبراني، ثم قال: «لم يرو هذا الحديث عن مالك إلا أبو الأحوص، تفرد به: أحمد بن منيع» (^٢).
ومحمد بن إبراهيم بن زياد ذكر الخطيب في ترجمته أن الدارقطني قال فيه: «متروك»، وأنه قال في موضع آخر: «ضعيف»، وذكر الخطيب أيضًا أنه سأل أبا بكر البَرْقاني عنه فقال: «بئس الرجل» (^٣).
وخالفه عبد الله بن محمد بن عبد العزيز -وهو أبو القاسم البغوي الحافظ الثقة (^٤) - فرواه عن جده أحمد بن منيع مرسلًا.
ولا شك في أن رواية أبي القاسم البغوي المرسلة هي الصحيحة؛ لثقة راويها، وأن رواية محمد بن إبراهيم بن زياد الموصولة خطأ؛ لوهاء راويها، وهو ما ذهب إليه الخطيب - ﵀ -.
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (٢/ ٢٩٩).
(٢) «المعجم الأوسط» (٧/ ٧٠ رقم ٦٨٨٣).
(٣) «تاريخ بغداد» (٢/ ٣٠١).
(٤) قال الخطيب في «تاريخ بغداد» (١١/ ٣٢٦): «كان ثقة ثبتًا مكثرًا فهِمًا عارفًا». وسيأتي تخريج روايته قريبًا.
[ ٣٢٤ ]
- وقد اختُلف أيضًا على أبي القاسم البغوي؛ حيث قال الخطيب في ترجمة عبد الله بن الحسين الخلال: «أخبرنا العتيقي من أصل كتابه قال: حدثنا أبو محمد عبد الله بن الحسين الخلال قال: أخبرنا عبد الله بن محمد البغوي قال: حدثني جدي أحمد بن منيع قال: حدثنا أبو الأحوص محمد بن حيان، عن مالك بن أنس، عن هشيم، عن يعلى، عن عطاء، عن عمارة بن حديد، عن صخر الغامدي، أن النبي - ﷺ - قال: «اللهم بارك لأمتي في بكورها».
قال العتيقي: هكذا حدثناه الخلال إملاء، وذكر فيه: صخرًا الغامدي.
قلت: قد وهم الخلال في ذلك؛ لأن أبا القاسم البغوي ما كان يذكر صخرًا، وإنما ذكره محمد بن إبراهيم بن زياد الرازي، عن أحمد بن منيع.
سألت العتيقي عن الخلال، فقال: كان ثقة صحيح الأصول» (^١).
فذهب الخطيب إلى أن عبد الله بن الحسين الخلال -مع ثقته- قد وهم على أبي القاسم البغوي في وصل هذه الرواية؛ لأن المحفوظ عن أبي القاسم البغوي أنه كان يرويها مرسلة، وأن محمد بن إبراهيم بن زياد الرازي هو الذي كان يرويها عن أحمد بن منيع موصولة.
وقد وجدتُ متابعًا لعبد الله بن الحسين الخلال، فقد رواه ابن الجوزي عن
يحيى بن الحسن بن البنا، حدثنا أبو الحسين محمد بن أحمد بن الآبنوسي، حدثنا عبيد الله بن محمد بن حَبَابة قال: حدثنا البغوي قال: حدثني جدي، فذكره موصولًا بذكر صخر فيه (^٢).
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (١١/ ١٠٤).
(٢) «العلل المتناهية» (١/ ٣٢٠ رقم ٥٢٣). وهذا الإسناد صحيح إلى البغوي: يحيى بن الحسن بن البنا قال ابن السمعاني كما في «تاريخ الإسلام» (١١/ ٥٥٩): «شيخ صالح، حسن السيرة، مكثر، واسع الرواية». وأبو الحسين محمد بن أحمد بن الآبنوسي قال الخطيب في «تاريخ بغداد» (٢/ ٢١٩): «كتبت عنه وكان سماعه صحيحًا». وعبيد الله بن محمد بن حبابة، قال فيه ابن ماكولا في «الإكمال» (٢/ ٣٧٢): «كان ثقة».
[ ٣٢٥ ]
وابن حبابة ثقة، وقد تابع الخلال في وصل الحديث عن البغوي، ولكني وجدت أن ابن الآبنوسي يرويه في «مشيخته» عن ابن حبابة عن البغوي عن جده مرسلًا بدون ذكر صخر (^١)، فالله أعلم.
على أن جماعة من ثقات أصحاب البغوي قد رووا الحديث عنه مرسلًا، مثل: ابن عدي (^٢)، وأبي بكر الأَبْهَري (^٣)، وأبي طاهر المخلِّص (^٤)، ومحمد بن
المظفر (^٥)، ومحمد بن العباس الخزاز المعروف بابن حيويه (^٦)، وأبي بكر
_________________
(١) «مشيخة الآبنوسي» (١/ ٧٧ رقم ٢٢).
(٢) «الكامل» (٨/ ٤٥٤).
(٣) «فوائد أبي بكر الأبهري» (ص: ١٧ رقم ١)، ورواها السِّلفي من طريقه في «الطيوريات» (٢/ ٥٩٧ رقم ٥٢٩). والأبهري هو محمد بن عبد الله بن محمد بن صالح أبو بكر الفقيه المالكي الأبهري، ذكر الخطيب في «تاريخ بغداد» (٣/ ٤٩٣) أن محمد بن أبي الفوارس قال فيه: «كان ثقة أمينًا مستورًا، وانتهت إليه الرياسة في مذهب مالك».
(٤) «المخلصيات» (٢/ ٣٦٣ رقم ١٧٦١ - (١٨٥». وأبو طاهر المخلِّص هو محمد بن عبد الرحمن بن العباس بن عبد الرحمن بن زكريا، قال الخطيب في «تاريخ بغداد» (٣/ ٥٥٩): «كان ثقة».
(٥) رواها عنه الخطيب في «موضح أوهام الجمع والتفريق» (٢/ ٥٣٥). وقد قال الخطيب عن ابن المظفر في «تاريخ بغداد» (٤/ ٤٢٧): «كان حافظًا فَهِمًا صادقًا مكثرًا».
(٦) رواها عنه السِّلفي في «الطيوريات» (٣/ ٨٤٨ رقم ٧٦٢). وابن حيويه قال فيه الخطيب في «تاريخ بغداد» (٤/ ٢٠٥): «كان ثقة».
[ ٣٢٦ ]
يوسف بن القاسم الميانجي (^١)، وعمر بن إبراهيم بن أحمد بن كثير المقرئ، ومحمد بن الحسن بن الفتح الصفار (^٢).
وهذا يدل على أن المحفوظ عن أبي القاسم البغوي أنه رواه مرسلًا؛ لكثرة من رواه عنه هكذا، وهو الذي رجحه الخطيب.
ثم نبَّهني أستاذنا الدكتور رفعت فوزي عبد المطلب إلى أنه قد رواه البغوي عن ابن الجعد عن شعبة، وهشيم، عن يعلى، عن عطاء، عن عمارة بن حديد، عن صخر الغامدي، موصولًا (^٣)، فالله أعلم (^٤).
* * *
_________________
(١) رواها عنه الذهبي «معجم الشيوخ» (٢/ ١١٨). والميانجي قال فيه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٧٤/ ٢٥٤): «كان ثقة نبيلًا مأمونًا».
(٢) رواها عنهما الخليلي في «الإرشاد» (١/ ٢٥١ رقم ٣٢). وعمر بن إبراهيم بن أحمد بن كثير قال فيه الخطيب في «تاريخ بغداد» (١٣/ ١٣٨): «كان ثقة». ومحمد بن الحسن بن الفتح الصفار قال فيه الخليلي في «الإرشاد» (٢/ ٧٦٠): «له من السماعات ما لا يُحصى، سمعنا منه سنة أربع وسبعين -يعني وثلاثمائة- وقد نيف على التسعين».
(٣) «مسند ابن الجعد» (١٦٩٦، ٢٤٦٤).
(٤) وينظر أيضًا غير ما ذكرته من الأمثلة: «تاريخ بغداد» (٢/ ٨٠ - ٨١)، (٩/ ٢٥٠، ٢٩٨)، (١٢/ ٢٠٤).
[ ٣٢٧ ]