إمامته ومكانته عند علماء الحديث
لقد تبوَّأ الخطيب البغدادي - ﵀ - مكانة رفيعة عند أهل العلم، فقد أثنوا عليه، وشهدوا له بالتقدُّم والإمامة في علوم الحديث، فمن ذلك:
قال الحافظ ابن ماكولا وهو من أنجب تلاميذ الخطيب: «كان الخطيب آخر الأعيان ممن شاهدناه معرفة وإتقانًا وحفظًا وضبطًا لحديث رسول الله - ﷺ -، وتفنُّنًا في علله وأسانيده، وخبرة برواته وناقليه، وعلمًا بصحيحه وغريبه وفرده ومنكره وسقيمه ومطروحه، ولم يكن للبغداديين بعد أبي الحسن علي بن عمر الدارقطني من يجري مجراه، ولا قام بعده بهذا الشأن سواه.
وقد استفدنا كثيرًا من هذا اليسير الذي نحسنه، وبه وعنه تعلَّمنا شطرًا من هذا القليل الذي نعرفه بتنبيهه ومنه، فجزاه الله عنَّا الخير، ولقَّاه الحسنى ولجميع مشايخنا وأئمتنا ولجميع المسلمين» (^١).
وقال الحافظ ابن ماكولا أيضًا: «سألتُ أبا عبد الله الصوري عن الخطيب وأبي نصر السجزي؛ أيهما أحفظ؟ ففضَّل الخطيبَ تفضيلًا بيِّنًا» (^٢).
وقال العلامة أبو الوليد سليمان بن خلف بن سعيد الباجي: «أبو بكر الخطيب رجل حافظ متقن» (^٣).
_________________
(١) «تهذيب مستمر الأوهام» (ص: ٥٧).
(٢) «سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٢٧٥).
(٣) «تاريخ دمشق» (٥/ ٣٧).
[ ٧٦ ]
وقال الإمام الفقيه أبو إسحاق إبراهيم بن علي الفيروزآبادي الشيرازي:
«أبو بكر الخطيب يُشبَّه بأبي الحسن الدارقطني ونُظرائه في معرفة الحديث وحفظه» (^١).
وذكر الحافظ أبو طاهر السِّلفي أنه سمع الحافظ المؤتمن بن أحمد بن علي الساجي يقول: «ما أخرجت بغداد بعد الدارقطني أحفظ من أبي بكر الخطيب» (^٢).
وقال الحافظ أبو سعد السمعاني: «كان إمام عصره بلا مدافعة، وحافظ وقته بلا منازعة» (^٣).
وقال أيضًا: «والخطيب - ﵀ - في درجة القدماء من الحفاظ والأئمة الكبار، كيحيى بن معين وعلي بن المديني وأحمد بن أبي خيثمة وطبقتهم، وكان علَّامة العصر، اكتسى به هذا الشأن غضارة وبهجة ونضارة، وكان مهيبًا وقورًا نبيلًا خطيرًا، ثقة صدوقًا متحرِّيًا، حجة فيما يصنِّفه ويقوله وينقله ويجمعه، حسن النقل والخط، كثير الشَّكْل والضبط، قارئًا للحديث فصيحًا، وكان في درجة الكمال والرتبة العليا خُلُقًا وخَلْقًا وهيئة ومنظرًا، انتهى إليه معرفة علم الحديث وحفظه، وخُتم به الحُفَّاظ - ﵀ -» (^٤).
وقال الحافظ ابن عساكر: «الخطيب البغدادي الفقيه الحافظ، أحد الأئمة
_________________
(١) «تاريخ دمشق» (٥/ ٣٦)، و«سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٢٧٦).
(٢) «تاريخ دمشق» (٥/ ٣٥)، و«سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٢٧٦).
(٣) «الأنساب» (٥/ ١٦٦).
(٤) «معجم الأدباء» (١/ ٣٩١).
[ ٧٧ ]
المشهورين، والمصنِّفين المكثرين، والحفاظ المبرِّزين، ومن خُتم به ديوان
المحدِّثين» (^١).
وقال العلامة ابن خِلِّكان: «كان من الحفاظ المتقنين العلماء المتبحِّرين، … وفضله أشهر من أن يوصف» (^٢).
وقال الحافظ الذهبي: «الإمام الأوحد، العلَّامة المفتي، الحافظ الناقد، محدِّث الوقت، أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي البغدادي، صاحب التصانيف، وخاتمة الحفاظ … وكتب الكثير، وتقدَّم في هذا الشأن، وبذَّ الأقران، وجمع وصنَّف، وصحَّح وعلَّل، وجرَّح وعدَّل، وأرَّخ وأوضح، وصار أحفظ أهل عصره على الإطلاق» (^٣).
وقال العلامة تاج الدين السبكي: «الحافظ الكبير، أحد أعلام الحفاظ، ومهرة الحديث، وصاحب التصانيف المنتشرة» (^٤).
* * *
_________________
(١) «تاريخ دمشق» (٥/ ٣١).
(٢) «وفيات الأعيان» (١/ ٩٢).
(٣) «سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٢٧٠ - ٢٧١).
(٤) «طبقات الشافعية» (٤/ ٢٩).
[ ٧٨ ]