مصادره
تميَّز الخطيب باتساع مروياته، وتعدُّد معارفه، وسعة اطلاعه، وقد ظهر ذلك واضحًا في كتابه «تاريخ بغداد»؛ حيث نقل فيه عن مئات الكتب والمراجع، وكانت الرواية بالإسناد المتصل من شيوخه إلى أصحاب الكتب، أو ما وقع له بطرق الرواية الأخرى كالإجازة والمناولة - هي طريقته المعتادة في النقل، فكان لا ينقل من كتاب إلا إذا كان قد وقع له بطريق من طرق الرواية المعروفة، أو ما كان بخط صاحب الكتاب نفسه، فنجده كثيرًا ما يقول: قرأت في كتاب فلان بخطه كذا (^١).
وقد أحصى الدكتور أكرم العمري مصادر الخطيب في «تاريخه»، وعدد نقولاته عن كل مصدر، في دراسة موسَّعة سماها «موارد الخطيب في تاريخ بغداد»، بيَّنت هذه الدراسة أن مصادره لم تكن تاريخية أو حديثية فقط، بل تعدَّت ذلك إلى علوم أخرى كثيرة مثل: الخطط، والمسالك، والبلدان، والأموال، والخَرَاج، والأدب، والطبقات، والوفيات، والجرح والتعديل، وغيرها.
وسأذكر هنا أهم مصادر الخطيب الحديثية لتعلُّقها بموضوع الرسالة.
_________________
(١) ينظر على سبيل المثال: «تاريخ بغداد» (١/ ٣٤٩)، (٢/ ٤٨، ٣٠٧)، (٤/ ٦٤٦)، (٦/ ٢٦٤) (٩/ ٣٦٠).
[ ٩٥ ]
وقبل البدء في السرد لا بد من التنبيه على أمر مهم، وهو أن مصادر الخطيب الحديثية في «تاريخه» لم تكن من الكتب الصحاح والمشاهير، مثل: الكتب الستة، وصحاح ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، ومسانيد الأئمة أبي داود الطيالسي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، ونحوها من الكتب الصحيحة أو المشهورة، بل كانت من كتب أخرى هي دون الكتب المذكورة في الصحة والشهرة، مثل: كتب المعاجم (^١) والمشيخات (^٢) والأمالي (^٣) والأجزاء (^٤) والغرائب والأفراد والفوائد (^٥) والعلل وتراجم الرجال ونحوها، ذلك لأنه لم يكن مقصوده إيراد الأحاديث للاحتجاج أو الاستشهاد، بل كان مقصوده إيراد ما اتصل له بالإسناد من أحاديث المترجَم له، لا سيما تلك التي تفرَّد بها، أو أُنكرت عليه، لذلك كانت مصادره في
_________________
(١) المعاجم: ما ذُكر فيها الأحاديث على ترتيب الصحابة أو الشيوخ أو البلدان أو غير ذلك، والغالب أن يكونوا مرتبين على حروف الهجاء. ينظر: «شرح ألفية السيوطي في الحديث» للأثيوبي (١/ ٢٣٢).
(٢) المشيخات: الكتب التي تشتمل على ذكر الشيوخ الذين لقيهم المؤلف وأخذ عنهم، أو أجازوه وإن لم يلقهم. «الوسيط في علوم الحديث» لأبي شهبة (ص: ٣٦٥).
(٣) الأمالي: هي أن يعقد الشيخ مجلسًا، ويملي على تلاميذه أحاديث في باب معين أو أبواب متفرقة. ينظر: «الميسَّر في علم تخريج الحديث النبوي» لعبد القادر بن مصطفى المحمدي (ص: ١١).
(٤) الأجزاء: ما دُوِّن فيها حديث شخص واحد من الأئمة المعروفين، أو مادة واحدة من أحاديث جماعة. «الوسيط في علوم الحديث» (ص: ٣٦٥).
(٥) الفوائد: هي الأحاديث التي يخرجها المؤلف، ويرى أنها لا توجد عند غيره. ينظر: تعليق العلامة المعلمي اليماني على «الفوائد المجموعة» (ص: ٤٨٢).
[ ٩٦ ]
الغالب الكتب المذكورة، والتي هي مَظِنَّة الأفراد والغرائب والمناكير (^١)، ولعدم شهرة مصادر الخطيب كان كثيرًا منها مخطوطًا أو في حكم المفقود.
وهذه هي أهم المصادر الحديثية المطبوعة التي وقفتُ عليها:
«الأمالي» للقاضي الحسين بن إسماعيل المَحامِلي، و«الفوائد» لأبي بكر محمد بن عبد الله الشافعي الشهير بـ «الغيلانيات»، و«الضعفاء الكبير» للعقيلي، و«المعجم الأوسط» و«المعجم الصغير» كلاهما لأبي القاسم الطبراني، و«المحدث الفاصل بين الراوي والواعي» لابن خلاد الرامهرمزي، و«الكامل في الضعفاء» لابن عدي، و«أخبار أصبهان» لأبي نعيم الأصبهاني، وغيرها.
أما مصادره في نقد الحديث فأهمها:
«العلل» لابن المديني، و«علل الحديث» لابن أبي حاتم، و«الكامل في الضعفاء» لابن عدي، و«الضعفاء الكبير» للعقيلي، و«العلل» للدارقطني، وغيرها.
* * *
_________________
(١) وسيأتي مزيد من الكلام على هذه المسألة في المطلب الخامس إن شاء الله تعالى.
[ ٩٧ ]