النقد بالطعن في الراوي بسرقة الحديث
سرقة الحديث: أن ينفرد محدِّث بحديث، فيجيء السارق ويدَّعي أنه سمعه أيضًا من شيخ ذاك المحدِّث. أو يكون الحديث عُرف براوٍ، فيضيفه لراوٍ غيره ممن شاركه في طبقته. أو أن يركِّب متنًا على إسناد ليس له (^١).
وسارق الحديث كذَّاب؛ لأنه يدَّعي سماع ما لم يسمعه، وبهذا يظهر الفرق بين السرقة والتدليس؛ فإن المدلِّس لا يصرِّح بالسماع، بل يأتي بصيغة محتملة، بخلاف السارق؛ فإنه يصرِّح بالسماع ويكذب في ذلك (^٢).
يدل على ذلك ما رواه الخطيب عن حسين بن إدريس أنه قال: سألتُ عثمان بن أبي شيبة عن أبي هشام الرفاعي؟ فقال: لا تخبر هؤلاء أنه يسرق حديث غيره فيرويه. قلت: أعلى وجه التدليس، أو على وجه الكذب؟ فقال: كيف يكون تدليسًا، وهو يقول: حدَّثنا!؟ (^٣).
وقد تعرَّض الخطيب لهذه القضية المهمة في تاريخه، وأورد كثيرًا من تراجم سُرَّاق الحديث، وبيَّن ما سرقوه.
_________________
(١) ينظر: «الموقظة» (ص: ٦٠)، و«فتح المغيث» (٢/ ١٢٥).
(٢) ينظر: «التنكيل» (٢/ ٧٠٤، ٧٠٦)، و«الإرشادات في تقوية الأحاديث بالشواهد والمتابعات» للدكتور طارق بن عوض الله (ص: ٤٣٣).
(٣) «تاريخ بغداد» (٤/ ٥٩٥).
[ ١٦٧ ]
ومشى الخطيب في نقده للأحاديث المسروقة على منوال واحد في الغالب، فهو يورد الحديث المسروق، ويبيِّن الراوي الذي قام بالسرقة، وممن سرقه، ويذكر ما حدث للرواية المسروقة من تغيير بعد سرقتها، إن وُجد.
وهذه أمثلة توضح كيفية نقد الخطيب للأحاديث المسروقة:
- المثال الأول:
روى الخطيب في ترجمة السَّرِي بن عاصم من طريق أبي الحسن أحمد بن محمد بن يزيد الزعفراني قال: حدثنا السَّرِي بن عاصم قال: حدثنا إسماعيل بن عُليَّة، عن يحيى بن عتيق، عن محمد، عن أبي هريرة، أن النبي - ﷺ - نهى أنْ يُبال في الماء الرَّاكد.
ثم قال: «هذا الحديث إنما يُحفظ من رواية يعقوب الدورقي (^١) عن ابن علية، ويقال: إنه تفرد به (^٢)، وقد سرقه السَّرِي بن عاصم منه، وكان يسرق الأحاديث الأفراد فيرويها».
_________________
(١) هو يعقوب بن إبراهيم بن كثير، أبو يوسف الدورقي، ثقة، وكان من الحفاظ، مات سنة اثنتين وخمسين ومائتين، وله ست وثمانون سنة. «تقريب التهذيب» (ص: ٦٠٧ رقم ٧٨١٢).
(٢) أخرجه النسائي في «الصغرى» كتاب الطهارة، باب الماء الدائم (٥٨)، وفي «الكبرى» كتاب الطهارة، باب الماء الدائم (٥٧) من طريق الدورقي به. وأصل الحديث في «صحيح البخاري» كتاب الوضوء، باب البول في الماء الدائم (٢٣٩)، و«صحيح مسلم» كتاب الطهارة، باب النهي عن البول في الماء الراكد (٢٨٢) من طرق أخرى عن أبي هريرة.
[ ١٦٨ ]
ثم أورد عن ابن خِرَاش أنه قال في السَّرِي: «كان يكذب».
وعن أبي الفتح الأزدي: «متروك» (^١).
وقد ترجم له ابن حبان في «المجروحين» وقال: «كان ببغداد يسرق الحديث، ويرفع الموقوفات، لا يحل الاحتجاج به».
ثم روى له هذا الحديث من طريق الحسين بن زريق البغدادي عنه، واتهمه بسرقته من يعقوب الدورقي (^٢).
وترجم له ابن عدي في «الكامل» وقال: «وللسَّرِي غيرحديث سرقه عن الثقات، وحدَّث به عن مشايخهم» (^٣).
وقد روى الطبرانيُّ هذا الحديثَ عن النعمان بن أحمد، عن السَّرِي بن عاصم به.
ثم قال: «لم يروِ هذا الحديث مرفوعًا عن ابن عُلَيَّة إلا السَّرِي بن عاصم ويعقوب الدورقي» (^٤).
كذا قال - ﵀ -، والسَّرِي إنما سرقه من الدورقي، ثم حدَّث به عن شيخ الدورقي: ابن عُلية، والله أعلم.
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (١٠/ ٢٦٧).
(٢) «المجروحين» (١/ ٣٥٥ رقم ٤٦٥).
(٣) «الكامل» (٤/ ٥٤٠ رقم ٨٧٤).
(٤) «المعجم الأوسط» (٩/ ٩٩ رقم ٩٢٤٥).
[ ١٦٩ ]
وقد تابع عليُّ بن عَبدة السَّرِيَّ على سرقة هذا الحديث؛ فقد رواه الخطيب من طريق أبي موسى هارون بن الحسين النجاد قال: حدثنا السَّرِي بن عاصم الهمداني وعلي بن عَبدة التميمي قالا: حدثنا ابن عُلية به.
ثم قال الخطيب: «السَّري وعلي بن عَبدة، كانا يسرقان الأحاديث» (^١).
وعلي بن عَبدة ترجم له الخطيب ونقل عن الدارقطني أنه قال فيه: «علي بن عَبدة يضع الحديث» (^٢).
وترجم له ابن حبان في «المجروحين» وقال: «شيخ كان ببغداد يسرق الحديث، ويعمد إلى كل حديث رواه ثقة يرويه عن شيخ ذلك الشيخ، ويروي عن الأثبات ما ليس من حديث الثقات، لا يحل الاحتجاج به» (^٣).
وترجم له ابن عدي وقال: «يسرق الحديث»، ثم روى هذا الحديث عن عبد الله بن محمد بن ياسين، عن علي بن عَبدة، عن ابن عُلية، عن يحيى بن عتيق به.
ثم قال: «وهذا لم يحدِّث به عن ابن عُلية من الثقات غير يعقوب الدورقي، حدثناه جماعة من الثقات منهم أبو عبد الرحمن النسائي عن يعقوب، وكان يعقوب يأخذ على هذا الحديث دينارًا، سرقه منه علي بن عبدة هذا» (^٤).
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (١٦/ ٤٠٧).
(٢) «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤٦٦).
(٣) «المجروحين» (٢/ ١١٥ رقم ٦٩٦).
(٤) «الكامل» (٦/ ٣٦٩ رقم ١٣٧٠).
[ ١٧٠ ]
قلت: ولعل أَخْذَ يعقوب الدورقي مالًا على هذا الحديث دليل على تفرده به؛ فقد تسارع طلاب الحديث إلى رواية هذا الحديث عنه غير مبالين بما ينفقونه من مال في سبيل سماعه منه؛ لأنه لا يوجد عند غيره.
وقد ذكر الخطيب ستةً من المشايخ سمع كلُّ واحد منهم هذا الحديث من يعقوب الدورقي بثلاثة دنانير (^١).
- المثال الثاني:
روى الخطيب في ترجمة عثمان بن محمد بن الحجاج ومن طريقه عن محمد بن إبراهيم بن زياد الرازي قال: حدثنا عبد الرحمن بن يونس الرقِّي وعبد الكريم بن أبي عُمير قالا: حدثنا الوليد بن مسلم قال: حدثنا الأوزاعي وعيسى بن يونس، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الإمامُ ضامنٌ، والمؤذِّنُ مؤتَمَنٌ، اللَّهُمَّ ارشد الأئمةَ، واغفر للمؤذِّنين» (^٢).
ثم قال: «هذا الحديث محفوظ من رواية أبي عبد الله محمد بن موسى النَّهْرِتيري (^٣)، وكان النَّهْرِتيري قد عُرِف به وتفرد بروايته عن عبد الكريم بن
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (١٦/ ٤٠٦).
(٢) أصل الحديث أخرجه أبوداود، كتاب الصلاة، باب ما يجب على المؤذن من تعاهد الوقت (٥١٧)، والترمذي، أبواب الصلاة، باب ما جاء أن الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن (٢٠٧) من طريق أبي صالح عن أبي هريرة. وينظر: «التلخيص الحبير» (١/ ٣٦٩).
(٣) قال الخطيب: كان ثقة فاضلًا جليلًا، ذا قدر كبير، ومحل عظيم، مات ببغداد سنة تسع وثمانين ومائتين. «تاريخ بغداد» (٤/ ٣٩٥).
[ ١٧١ ]
أبي عُمير وحده عن الوليد، ولا أشك أن محمد بن إبراهيم سرقه منه، فرواه عن عبد الكريم، وأضاف إليه عبد الرحمن بن يونس، والله أعلم» (^١).
ومحمد بن إبراهيم بن زياد الرازي ترجم له الخطيب في «تاريخ بغداد» وذكر أقوال أهل العلم فيه، فمن ذلك:
قال أبو أحمد محمد بن محمد الحافظ (^٢): «محمد بن إبراهيم بن زياد الطيالسي عُمِّر الكثير، فكان يروي عن المعافى بن سليمان الرَّسْعَني، وأمية بن بسطام العيشي، وإبراهيم بن حمزة الزبيري، فالله أعلم أشرهًا كان ذلك منه أم صدقًا؟».
وقال أبو أحمد الحافظ أيضًا: «لو أنه اقتصر على سماعه لكان له فيه مقنع، لكنه حدث عن شيوخ لم يدركهم».
وقال الدارقطني: «محمد بن إبراهيم بن زياد متروك». وفي موضع آخر: «ضعيف» (^٣).
وقال أبو بكر البَرْقاني: «بئس الرجل» (^٤).
قلت: وكلام أبي أحمد الحافظ يدل على سرقة الرازي للحديث.
وحديث النَّهْرِتيري الذي سرقه الرازي، رواه الخطيب في ترجمة النَّهْرِتيري
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (١٣/ ١٩٦).
(٢) هو الحافظ أبو أحمد الحاكم النيسابوري، صاحب «الأسماء والكنى»، توفي سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة. «تاريخ الإسلام» (٨/ ٤٦٠).
(٣) ينظر: «الضعفاء والمتروكين» (رقم ٤٨٧).
(٤) «تاريخ بغداد» (٢/ ٢٩٧).
[ ١٧٢ ]
من «تاريخ بغداد» عن أبي نعيم الحافظ قال: حدثنا سليمان بن أحمد الطبراني قال: حدثنا محمد بن موسى النَّهْرِتيري البغدادي قال: حدثنا عبد الكريم بن أبي عمير الدِّهْقان قال: حدثنا الوليد بن مسلم قال: أخبرني أبو عمرو الأوزاعي وعيسى بن يونس، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الإمامُ ضامنٌ، والمؤذِّنُ مؤتَمَنٌ، اللَّهُمَّ ارشدِ الأئمةَ، واغفِرْ للمؤذِّنين».
ثم قال: «أخبرنا أبو بكر البَرْقاني عن أبي الحسن الدارقطني أنه ذكر هذا الحديث فقال: حدَّث به شيخ لأهل بغداد جليل يُعرف بأبي عبد الله النَّهْرِتيري عن عبد الكريم بن أبي عمير بهذا الإسناد، وقد حدَّث به عامة شيوخنا عنه، وهذا حديث معروف بأبي عبد الله النَّهْرِتيري أنه تفرد بروايته بهذا الإسناد من رواية الأوزاعي عن الأعمش، لا أعلم أحدًا تابعه عليه».
قال الخطيب: «وقد رواه محمد بن إبراهيم بن زياد الطيالسي الرازي، عن عبد الكريم بن أبي عمير وعبد الرحمن بن يونس كليهما عن الوليد، ونرى أن الطيالسي سرقه من النَّهْرِتيري ولم يقنع أن يرويه عن عبد الكريم حتى أضاف إليه عبد الرحمن بن يونس …» (^١).
وحديث النَّهْرِتيري رواه الطبراني في «المعجم الأوسط» (^٢)، و«المعجم الصغير» (^٣)، وأبو الشيخ في «ذكر الأقران» (^٤).
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (٤/ ٣٩٥).
(٢) «المعجم الأوسط» (٥/ ٢٦٤ رقم ٥٢٧٠).
(٣) «المعجم الصغير» (٢/ ٦٩ رقم ٧٩٦).
(٤) «ذكر الأقران» (ص: ٢١ رقم ٢٢).
[ ١٧٣ ]
- المثال الثالث:
روى الخطيب في ترجمة أحمد بن الخليل التاجر، من طريق القاسم بن غانم بن حمويه بن الحسين بن معاذ قال: حدثني جدي حمويه بن الحسين بن معاذ قال: حدثني أحمد بن خليل البغدادي قال: حدثني يزيد بن هارون الواسطي، عن محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله - ﷺ - قال: «ما مِن زرعٍ على الأرضِ ولا ثِمارٍ على أشجارٍ إلَّا عليها مكتوبٌ بسم اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، هذا رزقُ فلان بن فلان، وذلك قولُ اللهِ تعالى في مُحْكَم كتابِه: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّة؟ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْب؟ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَاب؟ مُّبِين؟﴾ [الأنعام: ٥٩]» (^١).
ثم روى عن محمد بن نُعيم الضَّبِّي أنه قال: سمعتُ القاسم بن غانم بن حمويه بن الحسين الطويل يحدِّث بهذا الحديث، عن جده حمويه، ثم قال: سمعتُ جدي حمويه بن الحسين القَصَّار يقول: «كان أبو علي أحمد بن خليل البزاز البغدادي يستعين بي في قِصارة (^٢) ما يُجهِّزه إلى بغداد، فخصَّني بهذا الحديث، ولم يحدِّث به غيري».
قال ابن نُعيم: «هذا حديث تفرَّد به حمويه بن الحسين، عن أحمد بن الخليل، وهو غير مقبول منه؛ فإن أحمد بن الخليل ثقة مأمون».
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (٥/ ٢١٣). ورواه الواحدي في «التفسير الوسيط» (٢/ ٢٨١) من طريق القاسم بن غانم به، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» (١/ ١٤٦ رقم ٢٣٠) من طريق الخطيب به.
(٢) القِصارة: صناعة الثياب. ينظر: «تاج العروس» (ق ص ر).
[ ١٧٤ ]
ثم قال الخطيب: «وقد رواه أبو علي محمد بن علي بن عمر المذكِّر النيسابوري، عن أحمد بن الخليل (^١)، وكان هذا المذكِّر كذابًا معروفًا بسرقة الأحاديث، ونراه سرقه من حمويه، والله أعلم» (^٢).
وحمويه ترجم له الذهبي في «ميزان الاعتدال»، وقال: «لا يوثَق به، وخبره باطل»، ثم ساق له هذا الخبر (^٣)، وأقرَّه الحافظ في «لسان الميزان» (^٤).
وقال المِزِّي في أثناء ترجمة أحمد بن الخليل التاجر من «تهذيب الكمال»: «حمويه أحد الضعفاء» (^٥).
أما محمد بن علي بن عمر المذكِّر، فقد قال الخليلي: «اتفق أهل نيسابور أنه ضعيف، ولم يدرك الشيوخ الذين روى عنهم، والحاكم أبو عبد الله إذا روى عنه يقول: حدثنا محمد بن علي بن عمر المذكِّر، إن حَلَّت الرواية عنه» (^٦).
وترجم له الذهبي في «ميزان الاعتدال» ونقل عن الحاكم أنه قال: «سمع من أحمد بن الأزهر، ومحمد بن يزيد، وإسحاق بن عبد الله بن رزين، فلو اقتصر على هؤلاء لصار محدِّث عصره، لكنه حدَّث عن شيوخ أبيه: محمد بن
_________________
(١) لم أجد رواية المذكر فيما لدي من المصادر، والله أعلم.
(٢) «تاريخ بغداد» (٥/ ٢١٤).
(٣) «ميزان الاعتدال» (١/ ٦٠٩ رقم ٢٣١٨).
(٤) «لسان الميزان» (٣/ ٢٩٣ رقم ٢٧٩٢).
(٥) «تهذيب الكمال» (١/ ٣٠٤ رقم ٣٢).
(٦) «الإرشاد في معرفة علماء الحديث» (٣/ ٨٣٩).
[ ١٧٥ ]
رافع وأقرانه، وأتى أيضًا عنهم بالمناكير، فالشَّرَه يحملنا على الرواية عن أمثاله (^١)» (^٢).
وكلام الحاكم والخليلي في أنه حدَّث عن شيوخ لم يدركهم يدل على سرقته للحديث، وقد صرح بذلك المِزِّي فقال في أثناء ترجمة أحمد بن الخليل التاجر من «تهذيب الكمال»: «المذكِّر أحد الضعفاء الكذَّابين المعروفين بسرقة الأحاديث» (^٣).
- المثال الرابع:
روى الخطيب في ترجمة شيخه محمد بن الحسين بن إبراهيم الخفاف حديثًا عن عبد الله بن محمد الصائغ قال: حدثنا بشر بن موسى بن صالح قال: حدثنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقرئ، عن عبد الرحمن المسعودي، عن عاصم، عن أبي وائل، عن عبد الله، عن النبي - ﷺ -، عن جبريل، عن ميكائيل، عن إسرافيل، عن الرفيع، عن اللوح المحفوظ، عن الله تعالى: «أنَّه أظهرَ في اللَّوحِ أنْ يُخبرَ الرفيعَ، وأنْ يُخبرَ الرفيعُ إسرافيلَ، وأنْ يُخبرَ إسرافيلُ ميكائيلَ، وأنْ يُخبرَ ميكائيلُ جبريلَ، وأنْ يُخبرَ جبريلُ محمَّدًا، - ﷺ - وعليهم، أنه مَن صلَّى عليك في اليوم والليلة مائةَ مرة صلَّيتُ عليه ألفي صلاة، ويقضي له حاجةً أيسرُها أن يعتقَه من النارِ».
ثم قال: «هذا الحديث باطل بهذا الإسناد، والرجال المذكورون في إسناده
_________________
(١) أي: حملته شهوة سماع الحديث ونهمة الطلب على الرواية عن مثل هذا الضعيف.
(٢) «ميزان الاعتدال» (٣/ ٦٥١ رقم ٧٩٦٥).
(٣) «تهذيب الكمال» (١/ ٣٠٤ رقم ٣٢).
[ ١٧٦ ]
كلهم معروفون سوى الصائغ، ونرى أنَّ ابن الخفَّاف اختلق اسمه وركَّب الحديث عليه، ونسخة بشر بن موسى عن أبي عبد الرحمن المقرئ معروفة، وليس هذا فيها» (^١).
فقد حكم الخطيبُ بالبطلان على هذا الحديث، وذهب إلى أن الصائغ لا وجود له، وأنه اسم اختلقه ابن الخفَّاف، وركَّب الحديث عليه، واستدل على هذا بأن هذا الحديث ليس موجودًا في نسخة بشر بن موسى عن المقرئ.
وابن الخفَّاف هذا من شيوخ الخطيب الذين اختبرهم وسبر حديثهم، وتبيَّن له أنه كذَّاب وضَّاع، قال الخطيب في ترجمة ابن الخفَّاف هذا: «حدثنا عن جماعة كثيرة لا تُعرَف، ذَكَر أنه كتب عنهم في السفر، وكان غير ثقة، لا أشكُّ أنه كان يركِّب الأحاديث ويضعها على مَن يرويها عنه، ويختلق أسماء وأنسابًا عجيبة لقوم حدَّث عنهم، وعندي عنه من تلك الأباطيل أشياء، وكنتُ عرضتُ بعضَها على هبة الله بن الحسن الطبري (^٢) فخرَّق كتابي بها، وجعل يعجب مني كيف أسمع منه!» (^٣).
ثم بيَّن الخطيبُ المصدرَ الذي سرق منه ابن الخفَّاف هذا الحديث فقال: «وقد رُوي عن المقرئ من طريق مظلم»، فساقه من طريق أبي مسرَّة عزَّاز بن عبد الله بن عزَّاز البصري قال: حدثنا علي بن محمد بن الحسن الجنديسابوري قال: حدثنا القاسم بن دهثم قال: حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ قال: حدثنا
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (٣/ ٤٦).
(٢) هو الحافظ اللالكائي، توفي سنة ثماني عشرة وأربعمائة. «تاريخ بغداد» (١٦/ ١٠٨).
(٣) «تاريخ بغداد» (٣/ ٤٥).
[ ١٧٧ ]
المسعودي، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي - ﷺ - مثل ما تقدم أو نحوه.
ثم قال: «ومن ههنا أخذه ابن الخفاف، لزقه على الصائغ الذي ذَكر أنه حدَّثه به عن بشر بن موسى عن المقرئ، والله اعلم» (^١).
فبيَّن الخطيبُ أن ابن الخفَّاف سرقه من عزَّاز، فرواه عن عبد الله بن محمد بن الصائغ عن بشر بن موسى عن المقرئ به، والصائغ لا وجود له، اختلق الخفافُ اسمَه (^٢).
إلا أنَّ الذهبي ترجم في «ميزان الاعتدال» لعبد الله بن محمد الصائغ، وقال: «أحد الكذَّابين، مذكور في تاريخ الخطيب»، وساق له هذا الحديث ثم قال: «موضوع المتن والإسناد» (^٣).
والصائغ لا ناقة له ولا جمل في هذا الحديث، بل هو اسم لا وجود له، كما قرر الخطيب، والله أعلم.
- المثال الخامس:
روى الخطيب في ترجمة أبي سعيد الحسن بن علي بن زكريا العدوي ومن طريقه، عن كامل بن طلحة قال: حدثنا ابن لهيعة قال: حدثنا سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إنَّ في السماءِ الدُّنيا
ثمانين
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (٣/ ٤٦).
(٢) ينظر: ترجمة عزاز من «لسان الميزان» (٥/ ٤٣١ رقم ٥١٩٩).
(٣) «ميزان الاعتدال» (٢/ ٤٩٧ رقم ٤٥٧٣).
[ ١٧٨ ]
ألفَ مَلَكٍ يستغفرون اللهَ لمن أحبَّ أبا بكرٍ وعمرَ، وفي السماءِ الثانيةِ ثمانون ألفَ مَلَكٍ يلعنون مَن أبغضَ أبا بكرٍ وعمرَ» (^١).
ثم قال: «وهذا الحديث وضعه العدوي على كامل بن طلحة، وإنما يرويه عبد الرزاق بن منصور البندار (^٢)، عن أبي عبد الله الزاهد السمرقندي، عن ابن لهيعة، وأبو عبد الله الزاهد مجهول، فألزقه العدوي على كامل، وكامل ثقة، والحديث ليس بمحفوظ عن ابن لهيعة»، ثم ساق حديث عبد الرزاق بن منصور بإسناده (^٣).
والعدوي هذا كذَّاب، يسرق الحديث، وقد نقل الخطيب في ترجمته له عن ابن عدي أنه قال: «أبو سعيد الحسن بن علي العدوي يضع الحديث، ويسرق الحديث ويلزقه على قوم آخرين، ويحدث عن قوم لا يُعرفون، وهو متَّهم فيهم، إن الله لم يخلقهم، وعامة ما حدَّث به إلا القليل موضوعات، وكنا نتَّهمه، بل نتيقَّنه أنه هو الذي وضعها» اهـ (^٤).
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (٨/ ٣٨١). ورواه القطيعي في زياداته على «فضائل الصحابة» (١/ ٤٣٦ رقم ٦٩٣)، وابن عدي في «الكامل» (٣/ ١٩٩)، وابن الجوزي في «الموضوعات» (٢/ ٧٢ رقم ٦٠٥)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٣٠/ ١٤٨) من طريق العدوي به، ورواه ابن الجوزي في «الموضوعات» (٢/ ٧٣ رقم ٦٠٥) من طريق الخطيب به.
(٢) ترجم له الخطيب في «تاريخ بغداد» (١٢/ ٣٨٠)، وقال: «كان ثقة».
(٣) رواه ابن الأعرابي في «معجمه» (٣/ ٩٧٦ رقم ٢٠٧٧)، وابن شاهين في «شرح مذاهب أهل السنة» (ص: ٢٣٨ رقم ١٥٤)، وأبو نعيم في «فضائل الخلفاء الراشدين» (ص: ١٠٠ رقم ١٠٢)، وفي «تاريخ أصبهان» (٢/ ١٠١)، وابن الجوزي في «الموضوعات» (٢/ ٧٣ رقم ٦٠٦) من طريق عبد الرزاق بن منصور به.
(٤) «تاريخ بغداد» (٨/ ٣٧٩)، وينظر ترجمة العدوي من «الكامل» لابن عدي (٣/ ١٩٥ رقم ٤٧٤).
[ ١٧٩ ]
وقد عقد ابن عدي في ترجمة العدوي بابًا في ذكر ما سرقه العدوي من الحديث وألزقه على قوم آخرين (^١).
وذكر الخطيب عن الدارقطني أنه قال فيه: «متروك».
وعن أبي محمد الحسن بن علي البصري أنه قال: «الحسن بن علي بن زكريا أبو سعيد العدوي أصله بصري سكن بغداد، كذَّاب على رسول الله - ﷺ -، يقول على النبي ما لم يقُل» (^٢).
فقد سرق العدوي هذا الحديث من عبد الرزاق بن منصور، وأسقط شيخه الزاهد المجهول، وألزقه بكامل بن طلحة، ولم يحدِّث به كامل قط، بل ولا ابن لهيعة.
ويبدو أن الخطيب قد استفاد نقد هذا الحديث من ابن عدي حيث قال: «وهذا حديث يرويه عبد الرزاق بن محمد بن منصور، عن أبي عبد الله الزاهد السمرقندي، عن ابن لهيعة، حدثناه عبد الملك بن محمد وغيره عن عبد الرزاق هذا، وألزقه العدوي على كامل، وليس الحديث عند كامل، ولا هو محفوظ عن ابن لهيعة؛ لأن أبا عبد الله الزاهد مجهول» (^٣).
ثم قال الخطيب: «وقد صنع العدوي لهذا الحديث إسنادًا آخر»، ثم ساقه
من طريق عمر بن إبراهيم بن كثير قال: حدثنا أبو سعيد العدوي قال: حدثنا
_________________
(١) «الكامل» (٣/ ١٩٨ رقم ٤٧٤).
(٢) «تاريخ بغداد» (٨/ ٣٧٩).
(٣) «الكامل» (٣/ ٢٠٠ رقم ٤٧٤).
[ ١٨٠ ]
طالوت بن عباد الجحدري قال: حدثنا الربيع بن مسلم القرشي، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، عن رسول الله - ﷺ - بنحوه.
ثم قال: «وهذا الإسناد صحيح، ورجاله كلهم ثقات، وقد أتى العدوي أمرًا عظيمًا، وارتكب أمرًا قبيحًا، في الجرأة بوضعه أعظم من جرأته في حديث ابن لهيعة» (^١).
وإنما كانت جرأته في وضع هذا الحديث أعظم؛ لأنه ركَّب إسنادًا صحيحًا على متن موضوع، فقد يخفى حاله على كثير من الناس، ويغترُّ بظاهر الإسناد ويظن أنه صحيح، أما في حديث ابن لهيعة، فابن لهيعة ضعيف، فقلَّما يخفى ضعفُ حديثه على أحد، والله أعلم.
يقول الذهبي: «وإن سرق فأتى بإسناد ضعيف لمتن لم يثبت سنده، فهو أخف جُرمًا ممن سرق حديثًا لم يصح متنه، وركَّب له إسنادًا صحيحًا، فإن هذا نوع من الوضع والافتراء» اهـ (^٢).
هذا، وقد روى هذا الحديث الأخير أبو نعيم الأصبهاني في «فضائل الخلفاء الراشدين» عن محمد بن إسحاق الأهوازي قال: حدثنا محمد بن علي الصيرفي (^٣) قال: حدثنا طالوت بن عباد قال: حدثنا الربيع بن مسلم به (^٤).
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (٨/ ٣٨٢).
(٢) «الموقظة» (ص: ٦٠).
(٣) هو محمد بن علي بن الحسن بن القاسم أبي الطيب الصيرفي غلام طالوت، قال الدارقطني: ما علمت إلا خيرًا. «سؤالات حمزة للدارقطني» (ص: ١١٥ رقم ٨١).
(٤) «فضائل الخلفاء الراشدين» (ص: ٩٩ رقم ١٠١).
[ ١٨١ ]
ومحمد بن إسحاق الأهوازي لم أستطع تعيينه، وقد وجدت راويين في نفس الطبقة تقريبًا؛ أحدهما: محمد بن إسحاق بن دار الأهوازي، والآخر: محمد بن إسحاق بن إبراهيم الأهوازي، وكلاهما متروك، ولهما ترجمة في «ميزان الاعتدال» (^١)، فيحتمل أن يكون الأهوازي قد سرقه من العدوي وألزقه على الصيرفي، والله أعلم (^٢).
* * *
_________________
(١) «ميزان الاعتدال» (٣/ ٤٧٨ رقم ٧٢٠٩، ٧٢١١).
(٢) وينظر لمزيد من الأمثلة: «تاريخ بغداد» (٣/ ٦٧٢، ٦٧٣، ٦٧٤).
[ ١٨٢ ]