النقد بمخالفة الراوي لغيره برفع الموقوف
قرَّر الخطيب في كتابه «الكفاية» أن الرواة إذا اختلفوا في الحديث، فبعضهم رفعه وبعضهم وقفه، أن الصواب مع من رفعه، وقد ذكرت كلامه في المطلب السابق.
ولكن من خلال مطالعة كتابه «تاريخ بغداد» يتبين جليًّا أنه يرجِّح بالأحفظ والأكثر، وغيرهما من القرائن، ويسير في نقده في هذه المسألة على نهج أئمة الحديث ونقاده، بل إني لم أره قد رجَّح الرفع على الوقف ولو مرة واحدة، وقد خالف بذلك ما قرره في «الكفاية» من ترجيح الرفع مطلقًا.
وهذه بعض الأمثلة التي توضِّح ذلك:
- المثال الأول:
روى الخطيب في ترجمة إبراهيم بن مجشِّر من «تاريخ بغداد» ومن طريقه عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الرهن محلوب ومركوب» (^١). قال: فذكرتُ ذلك لإبراهيم،
فقال: إنْ كانوا ليكرهون أن يستمتعوا من الرهن بشيء.
ثم قال الخطيب: «تفرد برواية هذا الحديث عن أبي معاوية مرفوعًا
_________________
(١) أي: لمرتهنه أن يأكل لبنه وأن يركبه، بقدر نظره عليه وقيامه بأمره وعلفه. ينظر: «النهاية في غريب الحديث» (١/ ٤٢٢)، و«فتح الباري» لابن حجر (٥/ ١٤٣ - ١٤٤).
[ ٢٨٧ ]
إبراهيم بن مجشِّر، ورفعه أيضًا أبو عوانة عن الأعمش، ورواه غيره عن أبي معاوية موقوفًا لم يذكر فيه النبي - ﷺ -، وكذلك رواه سفيان الثوري، وهشيم، ومحمد بن فضيل، وجرير بن عبد الحميد، عن الأعمش موقوفًا، وهو المحفوظ من حديثه» (^١).
فهذا الحديث ذكر الخطيب البغدادي أن إبراهيم بن مجشِّر تفرد بروايته عن أبي معاوية (^٢) مرفوعًا، وروايته أخرجها أيضًا ابن عدي (^٣)، والدارقطني (^٤)، والبيهقي (^٥).
قال ابن عدي: «وهذا الحديث لا أعلمه يرفعه عن أبي معاوية غير إبراهيم بن مجشِّر هذا».
وقال الدارقطني: «تفرد به إبراهيم بن مجشِّر عن أبي معاوية عنه
مرفوعًا» (^٦).
وإبراهيم بن مجشِّر هذا ذكر الخطيب أن ابن عدي قال فيه: «ضعيف يسرق الحديث».
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (٧/ ١٣٠).
(٢) هو محمد بن خازم، بمعجمتين، أبو معاوية الضرير الكوفي، عمي وهو صغير، ثقة أحفظ الناس لحديث الأعمش وقد يهم في حديث غيره، مات سنة (١٩٥ هـ)، وقد رُمي بالإرجاء، روى له الجماعة. «تقريب التهذيب» (ص: ٤٧٥ رقم ٥٨٤١).
(٣) «الكامل» (١/ ٤٤١).
(٤) «سنن الدارقطني» كتاب البيوع (٣/ ٤٤١ رقم ٢٩٣٠)، و«الغرائب والأفراد» كما في أطرافه (٥/ ٣٤١ رقم ٥٦٧٢).
(٥) «السنن الكبرى» كتاب الرهن، باب ما جاء في زيادات الرهن (٦/ ٦٤ رقم ١١٢٠٧).
(٦) «أطراف الغرائب والأفراد» (٥/ ٣٤١ رقم ٥٦٧٢).
[ ٢٨٨ ]
وأن ابن عقدة قال: «فيه نظر».
وأن محمد بن إسحاق السراج قال: «سمعت الفضل بن سهل يتكلم في إبراهيم بن المجشِّر ويكذبه» (^١).
ثم ذكر الخطيب أن غير ابن مجشِّر يرويه عن أبي معاوية موقوفًا، وقد ذكر أبو حاتم الرازي أن أبا معاوية كان يرويه مرفوعًا ثم ترك الرفع فكان يرويه بعد ذلك موقوفًا؛ قال ابن أبي حاتم: «سمعت أبي يقول: حدثنا علي الطنافسي (^٢) قال: حدثنا أبو معاوية قال: حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا: «الرهن مركوب ومحلوب» رفعه مرة، ثم ترك بعدُ الرفع، فكان يقفه» (^٣).
وقد ذكر ابن عدي أيضًا أن أبا معاوية رواه عن الأعمش مرفوعًا وموقوفًا، وسيأتي نقل كلامه بعد قليل.
وذكر الخطيب أن أبا عوانة (^٤) قد رواه عن الأعمش فرفعه أيضًا، وروايته أخرجها البزار (^٥)، وابن الأعرابي (^٦)، والقَطيعي (^٧)،
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (٧/ ١٣١)، ولم أجد قول ابن عدي في ترجمة إبراهيم بن مجشر من «الكامل» (١/ ٤٤١).
(٢) هو علي بن محمد بن إسحاق الطَّنافسي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة (٢٣٣ هـ) وقيل: (٢٣٥ هـ). «تقريب التهذيب» (ص: ٤٠٥ رقم ٤٧٩١).
(٣) «علل الحديث» (٣/ ٥٩٢ رقم ١١١٣).
(٤) سبقت ترجمته (ص: ٢٨١).
(٥) «مسند البزار» (١٦/ ١٣٤ رقم ٩٢٢٣).
(٦) «معجم ابن الأعرابي» (٢/ ٤٤٩ رقم ٨٧٦).
(٧) «جزء الألف دينار» (ص: ٤٢٨ رقم ٢٨٣).
[ ٢٨٩ ]
والدارقطني (^١)، وقاضي المارستان (^٢) كلهم من طريق يحيى بن حماد (^٣) عن أبي عوانة.
وأخرجها الحاكم (^٤) من طريق شيبان بن فروخ (^٥) وسليمان بن حرب (^٦) كلاهما عن أبي عوانة.
وأخرجها البيهقي (^٧) من طريق شيبان بن فروخ عن أبي عوانة.
قال البزار: «وهذا الحديث لا نعلم أحدًا رفعه إلا أبو عوانة، ولا نعلم أحدًا رفعه عن أبي عوانة إلا يحيى بن حماد وشيبان».
وقال الحاكم: «هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه؛ لإجماع الثوري وشعبة على توقيفه عن الأعمش، وأنا على أصلي [الذي] أصَّلته في قبول الزيادة من الثقة».
_________________
(١) «سنن الدارقطني» كتاب البيوع (٣/ ٤٤١ رقم ٢٩٣٠).
(٢) «المشيخة» (٣/ ١٠٥٧ رقم ٤٧٠).
(٣) هو يحيى بن حماد بن أبي زياد الشيباني مولاهم البصري ختن أبي عوانة، ثقة عابد، مات سنة (٢١٥ هـ). «تقريب التهذيب» (ص: ٥٨٩ رقم ٧٥٣٥).
(٤) «المستدرك» كتاب البيوع (٢/ ٦٧ رقم ٢٣٤٧).
(٥) هو شيبان بن فروخ أبي شيبة الحَبَطي الأُبُلِّي، أبو محمد، صدوق يهم ورُمي بالقدر، قال أبو حاتم: اضطر الناس إليه أخيرًا، من صغار التاسعة، مات سنة (٢٣٦ هـ) أو (٢٣٥ هـ) وله بضع وتسعون سنة. «تقريب التهذيب» (ص: ٢٦٩ رقم ٢٨٣٤).
(٦) هو سليمان بن حرب الأزدي الواشحي البصري قاضي مكة، ثقة إمام حافظ، من التاسعة، مات سنة (٢٢٤ هـ) وله ثمانون سنة، روى له الجماعة. «تقريب التهذيب» (ص: ٢٥٠ رقم ٢٥٤٥).
(٧) «السنن الكبرى» كتاب الرهن، باب ما جاء في زيادات الرهن (٦/ ٦٤ رقم ١١٢٠٨).
[ ٢٩٠ ]
وذكر الدارقطني أنه اختلف عن يحيى بن حماد وشيبان في رفعه أيضًا، وأن عفانًا (^١) وقفه عن أبي عوانة (^٢).
ثم ذكر الخطيب أن سفيان الثوري، وهشيمًا (^٣)، ومحمد بن فضيل (^٤)،
وجرير بن عبد الحميد (^٥) رووه عن الأعمش موقوفًا.
وكأن الخطيب استفاد هذا من الدارقطني، فقد قال في «العلل»: «ورواه الثوري، وهشيم، ومحمد بن فضيل، وجرير بن عبد الحميد، عن الأعمش موقوفًا على أبي هريرة» (^٦).
_________________
(١) هو عفان بن مسلم بن عبد الله الباهلي أبو عثمان الصفار البصري، ثقة ثبت، قال ابن المديني: كان إذا شك في حرف من الحديث تركه وربما وهم، وقال ابن معين: أنكرناه في صفر سنة تسع عشرة -يعني: ومائتين- ومات بعدها بيسير، روى له الجماعة. «تقريب التهذيب» (ص: ٣٩٣ رقم ٤٦٢٥).
(٢) «علل الدارقطني» (١٠/ ١١٢).
(٣) هو هُشيم بن بَشير بن القاسم بن دينار السلمي أبو معاوية ابن أبي خازم الواسطي، ثقة ثبت كثير التدليس والإرسال الخفي، من السابعة، مات سنة (١٨٣ هـ) وقد قارب الثمانين، روى له الجماعة. «تقريب التهذيب» (ص: ٥٧٤ رقم ٧٣١٢).
(٤) هو محمد بن فضيل بن غزوان الضبي مولاهم أبو عبد الرحمن الكوفي، صدوق عارف رُمي بالتشيع، من التاسعة، مات سنة (١٩٥ هـ)، روى له الجماعة. «تقريب التهذيب» (ص: ٥٠٢ رقم ٦٢٢٧).
(٥) هو جرير بن عبد الحميد بن قُرْط الضبي الكوفي نزيل الري وقاضيها، ثقة صحيح الكتاب، قيل: كان في آخر عمره يهم من حفظه، مات سنة (١٨٨ هـ) وله إحدى وسبعون سنة، روى له الجماعة. «تقريب التهذيب» (ص: ١٣٩ رقم ٩١٦).
(٦) «علل الدارقطني» (١٠/ ١١٣).
[ ٢٩١ ]
ولم أجد الرواية الموقوفة لهؤلاء الأربعة، ولكني وجدت رواية مرفوعة لسفيان الثوري، أخرجها ابن عدي عن الحسن بن عثمان بن زياد، عن خليفة بن خياط وحفص بن عمر الرازي قالا: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم. وعن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: «الرهن محلوب ومركوب».
ثم قال ابن عدي: «وهذا عن الثوري، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - مسندًا منكر جدًّا، وبخاصة إذا رواه عنه ابن مهدي، وعن ابن مهدي خليفة وحفص بن عمر، والبلاء من الحسن بن عثمان» (^١).
والحسن بن عثمان هذا قال فيه ابن عدي: «كان عندي يضع، ويسرق حديث الناس».
وذكر أنه سأل عبدان الأهوازي عنه فقال: «هو كذاب» (^٢).
وقد رواه جماعة آخرون عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة موقوفًا عليه منهم:
- وكيع؛ كما في نسخته (^٣)، ورواه عنه ابن أبي شيبة (^٤)، والبيهقي (^٥).
_________________
(١) «الكامل» (٣/ ٢٠٨).
(٢) «الكامل» (٣/ ٢٠٧).
(٣) «نسخة وكيع عن الأعمش» (ص: ٧٣ رقم ١٦).
(٤) «مصنف ابن أبي شيبة» كتاب الرد على أبي حنيفة، مسألة استعمال الرهن والاستفادة منه (٧/ ٢٨٨ رقم ٣٦١٥٥).
(٥) «السنن الكبرى» كتاب الرهن، باب ما جاء في زيادات الرهن (٦/ ٦٤ رقم ١١٢٠٩).
[ ٢٩٢ ]
- سفيان بن عيينة، ورواه عنه الشافعي (^١)، ومن طريقه رواه البيهقي (^٢).
- معمر بن راشد، رواه عنه عبد الرزاق (^٣).
- شعبة، رواه عنه مسلم بن إبراهيم (^٤)، وروايته أخرجها البيهقي (^٥).
لكن رواه نصر بن حماد أبو الحارث الوراق عن شعبة فرفعه، وروايته أخرجها ابن عدي في ترجمة نصر من «الكامل» (^٦) ثم قال ابن عدي: «وهذا من حديث شعبة موصولًا لم أكتبه إلا عن عبدان».
وذكر له أحاديث أخرى ثم قال في نهاية ترجمته: «وهذه الأحاديث التي ذكرتها عن نصر عن شعبة -وله غيرها عن شعبة- كلها غير محفوظة، ومع ضعفه يُكتب حديثه».
فهي رواية غير محفوظة تفرد بها نصر بن حماد، وهو غير ثقة، واتهمه بعض الحفاظ بالكذب (^٧).
_________________
(١) «الأم» كتاب الرهن الكبير، باب زيادة الرهن (٣/ ١٦٧).
(٢) «السنن الكبرى» كتاب الرهن، باب ما جاء في زيادات الرهن (٦/ ٦٤ رقم ١١٢٠٩)، و«معرفة السنن والآثار» كتاب الرهن، باب الزيادة في الرهن (٨/ ٢٢٧ رقم ١١٧٢٤).
(٣) «مصنف عبد الرزاق» كتاب البيوع، باب ما يحل للمرتهن من الرهن (٨/ ٢٤٤ رقم ١٥٠٦٦).
(٤) هو مسلم بن إبراهيم الأزدي الفراهيدي أبو عمرو البصري، ثقة مأمون مكثر عمي بأخرة، من صغار التاسعة، مات سنة (٢٢٢ هـ) وهو أكبر شيخ لأبي داود، روى له الجماعة. «تقريب التهذيب» (ص: ٥٢٩ رقم ٦٦١٦).
(٥) «السنن الكبرى» كتاب الرهن، باب ما جاء في زيادات الرهن (٦/ ٦٤ رقم ١١٢٠٩).
(٦) «الكامل» (٨/ ٢٨٩).
(٧) ينظر: «تهذيب الكمال» (٢٩/ ٣٤٣).
[ ٢٩٣ ]
وقد رجح الدارقطني أن الصواب عن شعبة موقوف، فقال: «فأما الأعمش فرواه عنه شعبة، واختلف عنه فرفعه أبو الحارث الوراق نصر بن حماد، عن شعبة، وروي عن وهب (^١) بن جرير أيضًا مرفوعًا، وغيرهما يرويه عن شعبة موقوفًا، وهو الصواب» (^٢).
ولم أقف على رواية وهب هذه فيما لديَّ من مصادر، ووهب ثقة، ولكن قد تُكلِّم في روايته عن شعبة (^٣).
- عيسى بن يونس (^٤)، رواه عنه إسحاق بن راهويه (^٥).
لكن رواه لوين (^٦) عن عيسى بن يونس مرفوعًا، كما وقع عند ابن المقرئ (^٧).
ومن هذا العرض يتبين أن أكثر مَن رواه إنما رواه موقوفًا، فلذلك رجح الخطيب الرواية الموقوفة على المرفوعة، وعلى ذلك جَمْعٌ من أهل العلم، منهم:
_________________
(١) في المطبوع من «علل الدارقطني»: «وهيب».
(٢) «علل الدارقطني» (١٠/ ١١٢).
(٣) ينظر: ترجمة وهب بن جرير بن حازم من «الكامل» لابن عدي (٨/ ٣٤٢).
(٤) سبقت ترجمته (ص: ٢٣٢).
(٥) «مسند إسحاق بن راهويه» (١/ ٣٠٤ رقم ٢٨٢).
(٦) هو محمد بن سليمان بن حبيب الأسدي أبو جعفر العلاف الكوفي ثم المصيصي، لقبه لوين بالتصغير، ثقة، من العاشرة، مات سنة (٢٤٥ هـ) أو (٢٤٦ هـ)، وقد جاز المائة. «تقريب التهذيب» (ص: ٤٨١ رقم ٥٩٢٥).
(٧) «معجم ابن المقرئ» (ص: ٧٥ رقم ١٥٢).
[ ٢٩٤ ]
- الإمام الشافعي؛ حيث رواه في «الأم» عن سفيان بن عيينة موقوفًا كما تقدم، وقد ذكر البيهقي روايته ثم قال: «وهذا موقوف، وذكره المزني مرفوعًا بالإسناد (^١)، ولم يذكره الشافعي مرفوعًا، وإنما ذكره موقوفًا، وهو الصحيح» (^٢).
- الترمذي؛ فقد قال ابن حجر: «وقد ذكر الدارقطني الاختلاف على الأعمش وغيره ورجح الموقوف، وبه جزم الترمذي» (^٣).
والذي وجدته في «سنن الترمذي»: أنه روى حديث وكيع، عن زكريا، عن عامر، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الظهر يُركب إذا كان مرهونًا، ولبن الدر يُشرب إذا كان مرهونًا، وعلى الذي يركب ويشرب نفقته».
ثم قال: «هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث عامر الشعبي عن أبي هريرة، وقد روى غير واحد هذا الحديث عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة موقوفًا» (^٤) فالله أعلم.
- ابن عدي؛ حيث قال: «وهذا الحديث قوله: «الرهن محلوب ومركوب» الأصل فيه موقوف، وقد رواه عن الأعمش: أبو عوانة، وعيسى بن يونس، وأبو معاوية، وشعبة، والثوري مرفوعًا وموقوفًا، والأصح هو الموقوف» (^٥).
_________________
(١) ينظر: «مختصر المزني» (٨/ ١٩٧).
(٢) «معرفة السنن والآثار» كتاب الرهن، باب الزيادة في الرهن (٨/ ٢٢٧ رقم ١١٧٢٦).
(٣) «فتح الباري» (٥/ ١٤٣).
(٤) «سنن الترمذي» أبواب البيوع، باب ما جاء في الانتفاع بالرهن (٣/ ٥٤٧ رقم ١٢٥٤).
(٥) «الكامل» (٩/ ١٦٠).
[ ٢٩٥ ]
- الدارقطني؛ حيث قال بعد عرضه لأوجه الاختلاف فيه: «ورواه الثوري، وهشيم، ومحمد بن فضيل، وجرير بن عبد الحميد، عن الأعمش موقوفًا على أبي هريرة، وهو المحفوظ عن الأعمش» (^١).
- المثال الثاني:
روى الخطيب في ترجمة جعفر بن محمد بن سليمان الخلال من «تاريخ بغداد» عن بشرى بن عبد الله قال: أخبرنا أبو بكر عبد العزيز بن جعفر بن أحمد بن يزداد الفقيه (^٢) قال: حدثنا جعفر بن محمد بن سليمان (^٣) قال: حدثنا
الربيع بن ثعلب قال: حدثنا الفرج بن فضالة، عن لقمان بن عامر، عن أبي الدرداء قال: قال النبي - ﷺ -: «إن ناقدتَ الناس ناقدوك، وإن تركتَهم لم يتركوك، وإن هربتَ منهم أدركوك». قال: قلتُ: فما أصنع؟ قال: «هَبْ عرضك ليوم فقرك» (^٤).
قال أبو بكر: قد رأيتُه في كتاب جعفر الخلال في موضعين، في موضع رفعه، وفي موضع موقوفًا، وقد حدثنا بهذا الحديث جماعة عن غير الربيع، فمنهم من أوقفه، ومنهم من أسنده.
_________________
(١) «علل الدارقطني» (١٠/ ١١٣ رقم ١٩٠٣).
(٢) هو المعروف بغلام الخلال، قال فيه ابن أبي يعلى: «كان أحد أهل الفهم، موثوقًا به في العلم، متسع الرواية، مشهورًا بالديانة، موصوفًا بالأمانة، مذكورًا بالعبادة». «طبقات الحنابلة» (٣/ ٢١٤).
(٣) هو أبو الفضل الخلال الدوري، لم يذكر الخطيب في ترجمته له جرحًا ولا تعديلًا، ولم أجد أحدًا ذكره بذلك.
(٤) رواه ابن الجوزي في «العلل المتناهية» (٢/ ٢٤٥ رقم ١٢١٩)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٤٧/ ١٧٨) كلاهما من طريق الخطيب به مرفوعًا.
[ ٢٩٦ ]
قلت (أي: الخطيب): «رواه نُعيم بن الهيصم، عن فرج بن فضالة موقوفًا، وهو الصحيح، حدثناه الحسن بن علي الجوهري إملاء قال: أخبرنا عمر بن محمد بن علي بن الزيات قال: حدثنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار قال: حدثنا نُعيم بن الهيصم قال: حدثنا أبو فضالة الحمصي فرج بن فَضالة، عن لقمان، عن أبي الدرداء قال: «إن ناقرتَ الناس ناقروك، وإن تقربتَ منهم أدركوك، وإن تركتَهم لم يتركوك». قال: فكيف أصنع؟ قال: «هب عرضك ليوم فقرك».
كذا أملاه الجوهري بالراء، وكذا كان في أصل كتابه» (^١).
فهذا الحديث رواه الربيع بن ثعلب عن الفرج بن فضالة مرفوعًا، والربيع بن ثعلب قال فيه يحيى بن معين: رجل صالح. وقال صالح بن محمد
المعروف بجزرة: صدوق ثقة. وقال الدارقطني: بغدادي ثقة (^٢).
ورواه نعيم بن الهيصم عن الفرج بن فضالة موقوفًا، ونعيم بن الهيصم قال فيه يحيى بن معين: رجل صدوق، وهو من العرب. وقال الدارقطني والخطيب: ثقة (^٣).
فهذان ثقتان: الربيع بن ثعلب ونعيم بن الهيصم روياه عن الفرج بن فضالة مرة مرفوعًا ومرة موقوفًا، والذي يترجح لي أن هذا اضطراب من الفرج نفسه، فكان يرفعه مرة ويوقفه أخرى، وقد ضعَّفه جَمْعٌ من أهل
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (٨/ ١٠٠)، ورواه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٤٧/ ١٧٨) من طريق الخطيب به موقوفًا.
(٢) هذه الأقوال الثلاثة من «تاريخ بغداد» (٩/ ٤١٠ - ٤١١).
(٣) «تاريخ بغداد» (١٥/ ٤١٨).
[ ٢٩٧ ]
العلم، منهم: علي بن المديني، والبخاري، ومسلم، والنسائي، والدارقطني، والساجي (^١).
وقد رجح الخطيب الرواية الموقوفة، ولعل ذلك لما ذكره الخطيب أنه وقع في كتاب جعفر الخلال -وهو راوي الرواية المرفوعة عن الربيع بن ثعلب- في موضع مرفوعًا وفي موضع موقوفًا.
وقد جزم ابن الجوزي بأن الرواية المرفوعة خطأ من الفرج بن فضالة فقال: «هذا الحديث لا يصح عن رسول الله - ﷺ - وغلط من رفعه، وإنما هو كلام أبي الدرداء، قال ابن حبان: كان الفرج بن فضالة يقلب الأسانيد ويلزق المتون الواهية بالأسانيد الصحيحة لا يحل الاحتجاج به (^٢)» (^٣).
ومما يؤيد أن الصواب في هذه الرواية الوقف: أن هذا الكلام لا يشبه كلام النبوة، إنما يشبه كلام الحكماء، وحري أن يكون بكلام أبي الدرداء أشبه، وقد جاء من طرق أخرى موقوفًا عليه:
منها ما رواه ابن أبي شيبة (^٤) -ومن طريقه أبو نعيم (^٥) - وأبو داود في «الزهد» (^٦)، وابن عساكر (^٧) كلهم من طريق محمد بن بشر قال: حدثنا مسعر، عن عون بن عبد الله، عن أبي الدرداء قال: إن قارضت الناس
_________________
(١) ينظر ترجمته في «تهذيب الكمال» (٢٣/ ١٥٦).
(٢) «المجروحين» (٢/ ٢٠٦).
(٣) «العلل المتناهية» (٢/ ٢٤٥ رقم ١٢١٩).
(٤) «مصنف ابن أبي شيبة» كتاب الزهد، كلام أبي الدرداء (٧/ ١١٢ رقم ٣٤٥٩٦).
(٥) «حلية الأولياء» (١/ ٢١٨).
(٦) «الزهد» (ص: ٢١٤ رقم ٢٣٥).
(٧) «تاريخ دمشق» (٤٧/ ١٧٨).
[ ٢٩٨ ]
قارضوك، وإن تركتهم لم يتركوك. قال: فما تأمرني؟ قال: اقرض من عرضك ليوم فقرك (^١).
ومنها ما رواه ابن أبي الدنيا (^٢) -ومن طريقه ابن عساكر (^٣) - عن إبراهيم بن المنذر الحزامي، حدثنا أبو ضمرة أنس بن عياض، عن يحيى بن
سعيد قال: قال أبو الدرداء: أدركت الناس ورقًا لا شوك فيه، فأصبحوا شوكًا لا ورق فيه، إن نقدتهم نقدوك، وإن تركتهم لا يتركوك. قالوا: فكيف نصنع؟ قال: تقرضهم من عرضك ليوم فقرك (^٤).
_________________
(١) ورجاله ثقات: محمد بن بشر هو ابن الفرافصة، ثقة حافظ، روى له الجماعة. «تقريب التهذيب» (ص: ٤٦٩ رقم ٥٧٥٦). ومسعر هو ابن كدام، ثقة ثبت فاضل، روى له الجماعة. «تقريب التهذيب» (ص: ٥٢٨ رقم ٦٦٠٥). وعون بن عبد الله هو ابن عتبة بن مسعود الهذلي، ثقة عابد. «تقريب التهذيب» (ص: ٤٣٤ رقم ٥٢٢٣). إلا أنه لم يثبت سماع عون بن عبد الله من أبي الدرداء، فقد قال المزي في «تهذيب الكمال» (٢٢/ ٤٥٤): «يقال: إن روايته عن الصحابة مرسلة».
(٢) «مداراة الناس» (ص: ٣١ رقم ١٣)، و«الإشراف في منازل الأشراف» (ص: ٢١٩ رقم ٢٥٢).
(٣) «تاريخ دمشق» (٤٧/ ١٧٩).
(٤) رجاله ثقات: إبراهيم بن المنذر الحزامي، صدوق تكلم فيه أحمد لأجل القرآن. «تقريب التهذيب» (ص: ٩٤ رقم ٢٥٣). وأبو ضمرة، ثقة، روى له الجماعة. «تقريب التهذيب» (ص: ١١٥ رقم ٥٦٤). ويحيى بن سعيد لعله ابن قيس الأنصاري المدني أبو سعيد القاضي، ثقة ثبت، مات سنة أربع وأربعين ومائة أو بعدها. «تقريب التهذيب» (ص: ٥٩١ رقم ٧٥٥٩). فإن كان هو فالإسناد منقطع؛ لأنه لم يدرك أبا الدرداء، فقد مات أبو الدرداء في أواخر خلافة عثمان على الأرجح، كما في «تقريب التهذيب» (ص: ٤٣٤ رقم ٥٢٢٨).
[ ٢٩٩ ]
ومنها ما رواه ابن وهب (^١) عن مالك أنه قال: بلغني عن أبي الدرداء قال: أدركت الناس ورقًا لا شوك فيه، فهم اليوم شوك لا ورق فيه، إن نقدتهم (^٢) وإن تركتهم لم يبرئوك.
- المثال الثالث:
روى الخطيب في ترجمة علي بن الحسن بن عَبدُويه الخزَّاز من «تاريخ بغداد» ومن طريقه قال: حدثنا شاذان أسود بن عامر (^٣) قال: أخبرنا شعبة، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، أن النبي - ﷺ -
صلى على المنفوس (^٤)، ثم قال: «اللهم أَعِذْه من عذاب القبر».
ثم قال الخطيب: «تفرد برواية هذا الحديث هكذا مرفوعًا علي بن الحسن، عن أسود بن عامر، عن شعبة، وخالفه غيره، فرواه عن أسود موقوفًا.
كما أخبرنا علي بن محمد بن عبد الله بن بشران قال: أخبرنا محمد بن عمرو بن البختري الرزاز قال: حدثنا أحمد بن الوليد قال: حدثنا شاذان قال: أخبرنا سفيان بن سعيد، [عن يحيى بن سعيد] (^٥)، عن سعيد بن
_________________
(١) «الجامع» لابن وهب (ص: ٥٢٤ رقم ٤١٦ - تحقيق أبي الخير).
(٢) كذا، وكأنه سقط منه شيء.
(٣) الأسود بن عامر الشامي نزيل بغداد، يكنى أبا عبد الرحمن، ويلقب شاذان، ثقة، مات في أول سنة ثمان ومائتين، روى له الجماعة. «تقريب التهذيب» (ص: ١١١ رقم ٥٠٣).
(٤) المنفوس: هو الطفل حين يولد. «النهاية في غريب الحديث» (ن ف س).
(٥) ما بين المعقوفتين سقط من مطبوعة «تاريخ بغداد»، ولا بد منه، وقد أثبتُّه من «إثبات عذاب القبر» للبيهقي (ص: ١٣٣ رقم ٢٣٠) حيث رواه عن شيخ الخطيب ابن بشران به.
[ ٣٠٠ ]
المسيب، عن أبي هريرة، أنه صلى على منفوس، ثم قال: اللهم إني أعيذه من عذاب القبر.
وقال شاذان: أخبرنا شعبة، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة بنحوه.
وهكذا رواه أصحاب شعبة عنه، وكذلك رواه مالك، والحمادان، وغيرهم، عن يحيى بن سعيد موقوفًا على أبي هريرة، وهو الصواب» (^١).
فهذا الحديث ذكر الخطيب أن علي بن الحسن بن عبدويه الخزاز تفرد بروايته عن شاذان عن شعبة مرفوعًا، وروايته أخرجها أيضًا ابن شاذان (^٢)،
والبيهقي (^٣).
قال ابن شاذان: «تفرد برفعه شاذان عن شعبة».
وقال البيهقي: «هكذا رواه مرفوعًا، وإنما رواه غيره عن شاذان موقوفًا».
وعلي بن الحسن بن عبدويه الخزاز قال فيه الخطيب: كان ثقة. ونقل عن الدارقطني أنه قال فيه: لا بأس به (^٤).
فهذا الثقة قد تفرد برفع هذا الحديث عن شاذان عن شعبة، وخالفه أحمد بن الوليد -وهو ابن أبي الوليد الفحام، وهو ثقة أيضًا قال فيه الخطيب:
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٠٠).
(٢) «مشيخة ابن شاذان الصغرى» (ص: ٢٠ رقم ١٢).
(٣) «إثبات عذاب القبر» (ص: ١٠٥ رقم ١٦٠).
(٤) «تاريخ بغداد» (١٣/ ٢٩٩).
[ ٣٠١ ]
كان ثقة (^١) - فرواه عن شاذان عن شعبة موقوفًا، وروايته أخرجها أيضًا البيهقي (^٢).
وذكر الخطيب أن أصحاب شعبة هكذا يروونه عنه موقوفًا، وممن وقفت عليه منهم:
١ - وهب بن جرير (^٣)، وروايته أخرجها الطحاوي (^٤).
٢ - عمرو بن مرزوق (^٥)، وروايته أخرجها الطبراني (^٦).
٣ - علي بن الجعد (^٧)، وروايته أخرجها ابن أبي الدنيا (^٨).
ثم ذكر الخطيب أنه رواه مالك، والحمادان، وغيرهم، عن يحيى بن سعيد موقوفًا على أبي هريرة أيضًا، وذكر أن سفيان الثوري يرويه أيضًا موقوفًا،
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (٦/ ٤٢٠).
(٢) «السنن الكبرى» كتاب الجنائز، باب السقط يغسل ويكفن ويصلى عليه إن استهل أو عُرفت له حياة (٤/ ١٤ رقم ٦٧٩٣).
(٣) هو وهب بن جرير بن حازم بن زيد أبو عبد الله الأزدي البصري، ثقة، من التاسعة، مات سنة ست ومائتين، روى له الجماعة. «تقريب التهذيب» (ص: ٥٨٥ رقم ٧٤٧٢).
(٤) «شرح معاني الآثار» كتاب الجنائز، باب الطفل يموت أيصلى عليه أم لا؟ (١/ ٥٠٩).
(٥) هو عمرو بن مرزوق الباهلي أبو عثمان البصري، ثقة فاضل له أوهام، من صغار التاسعة، مات سنة أربع وعشرين ومائتين. «تقريب التهذيب» (ص: ٤٢٦ رقم ٥١١٠).
(٦) «الدعاء» (ص: ٣٦٢ رقم ١٢٠٤).
(٧) هو علي بن الجعد بن عبيد الجوهري البغدادي، ثقة ثبت رُمي بالتشيع، من صغار التاسعة، مات سنة ثلاثين ومائتين. «تقريب التهذيب» (ص: ٣٩٨ رقم ٤٦٩٨).
(٨) «النفقة على العيال» (٢/ ٦٠٢ رقم ٤٢٠).
[ ٣٠٢ ]
وساق ذلك بإسناده كما تقدم، وهذا سرد بأسماء من رواه عن يحيى بن سعيد موقوفًا، مع تخريج روايتهم:
١ - مالك بن أنس، وروايته في «الموطأ» (^١).
٢ - سفيان الثوري، وروايته أخرجها عبد الرزاق (^٢) -ومن طريقه ابن المنذر (^٣) - والبيهقي (^٤).
٣ - حماد بن زيد، وروايته أخرجها الطبراني (^٥)، واللالكائي (^٦).
٤ - أبو معاوية الضرير (^٧)، وروايته أخرجها هناد بن السري (^٨).
٥ - هشيم (^٩)، وروايته أخرجها عبد الله بن أحمد (^١٠).
٦ - عبدة بن سليمان (^١١)، وروايته أخرجها ابن أبي شيبة (^١٢).
_________________
(١) «الموطأ» كتاب الجنائز، باب ما يقول المصلي على الجنازة (١/ ٢٢٨).
(٢) «مصنف عبد الرزاق» كتاب الجنائز، باب الصلاة على الصغير والسقط وميراثه (٣/ ٥٣٣ رقم ٦٦١٠).
(٣) «الأوسط» (٥/ ٤٠٦ رقم ٣٠٩٦).
(٤) «السنن الكبرى» كتاب الجنائز، باب السقط يغسل ويكفن ويصلى عليه إن استهل أو عُرفت له حياة (٤/ ١٤ رقم ٦٧٩٣)، و«إثبات عذاب القبر» (ص: ١٣٣ رقم ٢٣٠).
(٥) «الدعاء» (ص: ٣٦٢ رقم ١٢٠٤).
(٦) «شرح أصول اعتقاد أهل السنة» (٦/ ١٢١٠ رقم ٢١٤١).
(٧) سبقت ترجمته (ص: ٢٨٨).
(٨) «الزهد» (١/ ٢١٣ رقم ٣٥١).
(٩) سبقت ترجمته (ص: ٢٩١).
(١٠) «السنة» (٢/ ٥٩٦ رقم ١٤١٩).
(١١) سبقت ترجمته (ص: ٢٧٦).
(١٢) «مصنف ابن أبي شيبة» كتاب الجنائز، باب ما قالوا في السقط، من قال يصلى عليه (٣/ ١٠ رقم ١١٥٨٧).
[ ٣٠٣ ]
٧ - يحيى بن سعيد القطان، وروايته أخرجها أبو يعلى (^١).
٨ - عبد الوهاب بن عبد المجيد (^٢)، وروايته أخرجها أبو يعلى (^٣).
٩ - حماد بن سلمة، ذكر روايته الخطيب فيما تقدم، وذكرها أيضًا الدارقطني (^٤).
١٠ - زائدة بن قدامة (^٥).
١١ - زهير بن معاوية (^٦).
١٢ - علي بن مُسْهِر (^٧).
١٣ - أبو حمزة (^٨).
١٤ - سفيان بن عيينة، هؤلاء الخمسة ذكر روايتهم الدارقطني (^٩).
_________________
(١) «حديث محمد بن بشار» لأبي يعلى (ص: ١٠٣ رقم ١٤).
(٢) هو عبد الوهاب بن عبد المجيد بن الصلت الثقفي أبو محمد البصري، ثقة تغير قبل موته بثلاث سنين، مات سنة أربع وتسعين ومائة، عن نحو من ثمانين سنة، روى له الجماعة. «تقريب التهذيب» (ص: ٣٦٨ رقم ٤٢٦١).
(٣) «حديث محمد بن بشار» لأبي يعلى (ص: ١٠٣ رقم ١٤).
(٤) «علل الدارقطني» (٩/ ٢٠٥ رقم ١٧٢٤).
(٥) هو زائدة بن قدامة الثقفي أبو الصلت الكوفي، ثقة ثبت صاحب سنة، مات سنة ستين ومائة، وقيل بعدها، روى له الجماعة. «تقريب التهذيب» (ص: ٢١٣ رقم ١٩٨٢).
(٦) سبقت ترجمته (ص: ٢٨١).
(٧) علي بن مُسهر، القرشي الكوفي قاضي الموصل، ثقة له غرائب بعد أن أضر، مات سنة تسع وثمانين ومائة، روى له الجماعة. «تقريب التهذيب» (ص: ٤٠٥ قم ٤٨٠٠).
(٨) لعله أبو حمزة السكري، محمد بن ميمون المروزي، ثقة فاضل، مات سنة سبع أو ثمان وستين ومائة، روى له الجماعة. «تقريب التهذيب» (ص: ٥١٠ رقم ٦٣٤٨).
(٩) «علل الدارقطني» (٩/ ٢٠٥ رقم ١٧٢٤).
[ ٣٠٤ ]
فهؤلاء أربعة عشر راويًا من الثقات الأثبات قد رووه عن يحيى بن سعيد الأنصاري موقوفًا على أبي هريرة، مما يدل دلالة واضحة أن الصواب في هذا الحديث الوقف.
أما شعبة فالراجح أنه رواه موقوفًا أيضًا، حيث رواه ثلاثة من الثقات -وهم وهب بن جرير وعمرو بن مرزوق وعلي بن الجعد- عنه موقوفًا، وإن جاءت رواية يرويها علي بن الحسن بن عبدويه -وهو ثقة- عن شاذان عن شعبة مرفوعًا؛ فقد خالفه الثقة أحمد بن الوليد الفحام فرواه عن شاذان عن شعبة موقوفًا كما رواه الجماعة.
فلا شك أن رواية الجماعة هي الصحيحة، وأن الرواية المرفوعة خطأ لتفرد راو واحد بها؛ ولذلك فقد رجح الخطيب رواية الجماعة وهي الرواية الموقوفة، وذهب إلى ذلك أيضًا الدارقطني، حيث عرض الخلاف في رفعه ووقفه، ثم صوَّب الرواية الموقوفة (^١).
- المثال الرابع:
روى الخطيب في ترجمة سعيد بن نصير البغدادي من طريق أبي الطاهر الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن فيل الأنطاكي (^٢) قال: حدثنا سعيد بن نصير البغدادي قال: حدثنا سيار بن حاتم قال: حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي قال: سمعت محمد بن المنكدر يحدث عن جابر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «مر رجل ممن كان قبلكم بجمجمة فنظر إليها فحدث نفسه بشيء، ثم قال:
_________________
(١) «علل الدارقطني» (٩/ ٢٠٥ رقم ١٧٢٤).
(٢) هو في «جزء ابن فيل» (ص: ١٣٣ رقم ١١١).
[ ٣٠٥ ]
يا رب أنت أنت، وأنا أنا، أنت العواد بالمغفرة، وأنا العواد بالذنوب، وخر لله ساجدًا، فقيل له: ارفع رأسك، فأنت العواد بالذنوب، وأنا العواد بالمغفرة».
ثم قال الخطيب: «تفرد بروايته هكذا مرفوعًا سيار بن حاتم عن جعفر بن سليمان.
ورواه العباس بن الوليد النرسي، عن جعفر، عن ابن المنكدر، عن جابر موقوفًا من قوله، وذاك أصح» (^١).
فهذا الحديث رواه سيار بن حاتم عن جعفر بن سليمان، عن ابن المنكدر، عن جابر، عن النبي - ﷺ -، وروايته أخرجها ابن عدي (^٢)، وتمام (^٣)، والحنائي (^٤)، وقاضي المارستان (^٥)، وقوام السنة (^٦)، وابن عساكر (^٧).
قال ابن عدي: «وهذا الحديث لا أعرفه إلا من هذا الطريق».
وقال النخشبي (^٨): «هذا حديث حسن من حديث جعفر بن سليمان
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (١٠/ ١٣١).
(٢) «الكامل» (٢/ ٣٨٤).
(٣) «فوائد تمام» (١/ ٢٦٩ رقم ٦٥٩).
(٤) «الحنائيات» (٢/ ١٠١٦ رقم ١٩٦).
(٥) «مشيخة قاضي المارستان» (٣/ ١٣٧٣ رقم ٧١٤).
(٦) «الترغيب والترهيب» (٢/ ١٩٥ رقم ١٤١٥).
(٧) «تاريخ دمشق» (٥/ ١٤٩)، (٣٧/ ٣١٣).
(٨) هو الإمام الحافظ عبد العزيز بن محمد بن محمد بن عاصم النسفي النخشبي. قال الحافظ يحيى بن منده: كان أوحد زمانه في الحفظ والإتقان، لم نر مثله في الحفظ في عصرنا، دقيق الخط، سريع الكتابة والقراءة، حسن الأخلاق. وأثنى عليه أيضًا الخطيب البغدادي، والصوري، وإسماعيل بن محمد الحافظ، توفي سنة سبع وخمسين وأربعمائة. ينظر: «سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٢٦٧).
[ ٣٠٦ ]
الضبعي الجرشي، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، ما نعرفه مرفوعًا إلا من حديث أبي سلمة سيار بن حاتم العنزي البصري عنه.
وقد رواه العباس بن الوليد النرسي وغيره عن جعفر بن سليمان موقوفًا من قول جابر، وهو أقرب إلى الصواب إن شاء الله تعالى» (^١).
وقد تفرد به سيار بن حاتم مرفوعًا، كما نص عليه ابن عدي والخطيب
والنخشبي. وسيار بن حاتم قال فيه أبو أحمد الحاكم: في حديثه بعض المناكير. وقال العقيلي: أحاديثه مناكير، ضعفه ابن المديني. وقال الأزدي: عنده مناكير (^٢). وقال ابن حجر: صدوق له أوهام (^٣).
وخالفه العباس بن الوليد النرسي (^٤) فرواه عن جعفر بن سليمان عن ابن المنكدر من قول جابر موقوفًا عليه، والعباس بن الوليد بن نصر النرسي قال فيه ابن حجر: ثقة (^٥).
فهو أوثق من سيار بن حاتم، فلا شك أن روايته الموقوفة هي الراجحة، لا سيما وقد تابعه عفان بن مسلم الثقة الثبت (^٦)، فرواه عن جعفر بن سليمان،
_________________
(١) تخريج «الحنائيات» (٢/ ١٠١٦ رقم ١٩٦) باختصار.
(٢) انظر هذه الأقوال في «تهذيب التهذيب» (٤/ ٢٩٠)، وقول العقيلي لم أجده في كتابه «الضعفاء».
(٣) «تقريب التهذيب» (ص: ٢٦١ رقم ٢٧١٤).
(٤) لم أجد روايته هذه فيما لديَّ من مصادر.
(٥) «تقريب التهذيب» (ص: ٢٩٤ رقم ٣١٩٣).
(٦) «تقريب التهذيب» (ص: ٣٩٣ رقم ٤٦٢٥).
[ ٣٠٧ ]
عن ابن المنكدر، عن جابر موقوفًا عليه بمعناه، وروايته أخرجها ابن أبي شيبة (^١).
فهذان ثقتان (العباس بن الوليد النرسي، وعفان بن مسلم) قد اتفقا على وقف هذه الرواية، وجاء سيار بن حاتم الذي وُصف برواية المناكير فرفعها، فلا شك أن روايته المرفوعة خطأ وهي من مناكيره، وأن الرواية الموقوفة هي
المحفوظة، وهو ما رجحه الخطيب والنخشبي (^٢).
- المثال الخامس:
روى الخطيب في ترجمة محمد بن أحمد بن إبراهيم الحَكيمي من «تاريخ بغداد» من طريق يحيى بن معين، عن هشام بن يوسف، عن أمية بن شبل قال: أخبرني الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يحكي موسى على المنبر قال: «وقع في نفس موسى: هل ينام الله - ﷿ -؟ فبعث الله إليه ملكًا فأرَّقه ثلاثًا، ثم أعطاه قارورتين، وأمره أن يحتفظ بهما، فجعل ينام وتكاد يداه تلتقيان، ثم يستيقظ فيُنَحِّي إحداهما عن الأخرى، حتى نام نومة فاصطفقت (^٣) يداه، فانكفأت القارورتان، قال: ضرب الله له مثلًا، أن الله لو كان ينام لم تستمسك السماوات والأرض».
ثم قال الخطيب: «هكذا رواه أمية بن شبل عن الحكم بن أبان موصولًا مرفوعًا، وخالفه معمر بن راشد، فرواه عن الحكم، عن عكرمة قوله، لم يذكر فيه النبي - ﷺ - ولا أبا هريرة».
_________________
(١) «مصنف ابن أبي شيبة» كتاب الزهد، كلام ابن عباس (٧/ ١٣٧ رقم ٣٤٧٩١).
(٢) وينظر: «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (٧/ ٧٠٣ رقم ٣٢٣١).
(٣) اصطفقت: اضطربت واهتزت. «تاج العروس» (ص ف ق).
[ ٣٠٨ ]
ثم رواه من طريق الحسن بن أبي الربيع، عن عبد الرزاق (^١) قال: قال معمر: أخبرني الحكم بن أبان، عن عكرمة مولى ابن عباس في قوله تعالى: ﴿لَا تَأْخُذُهُ؟ سِنَة؟ وَلَا نَوْم؟﴾ [البقرة: ٢٥٥]، أن موسى سأل الملائكة هل ينام الله تعالى؟ فأوحى الله إلى الملائكة وأمرهم أن يؤرقوه ثلاثًا فلا يتركوه ينام،
ففعلوا. ثم أعطوه قارورتين فأمسكها ثم تركوه وحذروه أن يكسرهما. قال: فجعل ينعس وهما في يديه في كل يد واحدة. قال: فجعل ينعس وينتبه حتى نعس نعسة فضرب إحداهما بالأخرى فكسرهما.
قال معمر: إنما هو مثل ضربه الله تعالى، يقول: فكذلك السماوات والأرض في يديه (^٢).
فهذا الحديث رواه أمية بن شبل، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن أبي هريرة مرفوعًا، وروايته أخرجها أبو يعلى (^٣)، والطبري (^٤)، والبيهقي (^٥)، وقوام السنة (^٦)، وابن عساكر (^٧)، وابن الجوزي (^٨).
_________________
(١) وهو في «تفسير عبد الرزاق» (١/ ٣٦٢ رقم ٣٢١، ٣٢٢).
(٢) «تاريخ بغداد» (٢/ ٨٦).
(٣) «مسند أبي يعلى» (١٢/ ٢١ رقم ٦٦٦٩).
(٤) «تفسير الطبري» (٤/ ٥٣٤).
(٥) «أسماء الله وصفاته» (١/ ٢١٢ رقم ٧٩)، وقد رواه البيهقي من طريقين عن أمية بن شبل، الطريق الأولى: عن أبي هريرة، والطريق الثانية: عن ابن عباس، وكلاهما مرفوع.
(٦) «الحجة في بيان المحجة» (٢/ ٤٧٢ رقم ٤٦١).
(٧) «تاريخ دمشق» (٦١/ ١٥٧).
(٨) «العلل المتناهية» (١/ ٢٦ رقم ٢٢، ٢٣).
[ ٣٠٩ ]
وأمية بن شبل قال فيه يحيى بن معين: ثقة (^١). وقال علي بن المديني: ما بحديثه بأس (^٢). وقد تفرد به؛ قال الدارقطني: «تفرد به الحكم بن أبان عن
عكرمة، وتفرد به أمية عن الحكم، وتفرد هشام عن أمية» (^٣).
وخالفه معمر بن راشد، فرواه عن الحكم بن أبان عن عكرمة من قوله، وروايته أخرجها الطبري (^٤)، وابن أبي حاتم (^٥)، وابن عساكر (^٦).
ومعمر بن راشد ثقة ثبت فاضل (^٧)، فلا شك في أنه أوثق من أمية بن شبل؛ فالرواية الموقوفة على عكرمة هي الراجحة؛ ولذلك فقد أتبع الخطيب رواية شبل المرفوعة بذكر رواية معمر المخالفة لها؛ إشارة إلى خطأ شبل في رفع الحديث. وقد صرح بعض أهل العلم بترجيح الرواية الموقوفة، منهم:
١ - البيهقي؛ حيث أورده موقوفًا على أبي بردة بلفظ: «إن موسى قال له قومه: أينام ربنا؟»، ثم أورد رواية أمية بن شبل المرفوعة هذه، ثم قال: «متن الإسناد الأول -يعني: الموقوف- أشبه أن يكون هو المحفوظ» (^٨).
_________________
(١) «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم (٢/ ٣٠٢).
(٢) «سؤالات محمد بن عثمان بن أبي شيبة لابن المديني» (ص: ١٤٩ رقم ٢٠٢).
(٣) كما في «العلل المتناهية» (١/ ٢٧ رقم ٢٣)، وينظر: «أطراف الغرائب والأفراد» (٥/ ٢٢٤ رقم ٥٥٢٩).
(٤) «تفسير الطبري» (٤/ ٥٣٣).
(٥) «تفسير ابن أبي حاتم» (٢/ ٤٨٨ رقم ٢٥٨٤).
(٦) «تاريخ دمشق» (٦١/ ١٥٨).
(٧) «تقريب التهذيب» (ص: ٥٤١ رقم ٦٨٠٩).
(٨) «أسماء الله وصفاته» (١/ ٢١٢ رقم ٧٩).
[ ٣١٠ ]
٢ - ابن الجوزي؛ حيث قال: «قلت: ولا يثبت هذا الحديث عن رسول الله - ﷺ -، وغلط من رفعه، والظاهر أن عكرمة رأى هذا في كتب اليهود فرواه، فما يزال عكرمة يذكر عنهم أشياء، لا يجوز أن يخفى هذا على نبي
الله - ﷿ -، وقد روى عبد الله بن أحمد بن حنبل في كتاب «السنة» عن سعيد بن جبير قال: «إن بني إسرائيل قالوا لموسى - ﵇ -: هل ينام ربنا؟» (^١)، وهذا هو الصحيح؛ فإن القوم كانوا جهالًا بالله - ﷿ -» (^٢).
٣ - الذهبي؛ حيث ترجم لأمية بن شبل في «الميزان» من أجل هذا الحديث فقال: «أمية بن شبل، يماني، له حديث منكر، رواه عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن أبي هريرة مرفوعًا قال: «وقع في نفس موسى هل ينام الله؟» الحديث.
رواه عنه هشام بن يوسف، وخالفه معمر، عن الحكم عن عكرمة قوله، وهو أقرب. ولا يسوغ أن يكون هذا وقع في نفس موسى، وإنما رُوي أن بني إسرائيل سألوا موسى عن ذلك» (^٣).
_________________
(١) «السنة» (٢/ ٤٥٥ رقم ١٠٢٨).
(٢) «العلل المتناهية» (١/ ٢٧ رقم ٢٣).
(٣) «ميزان الاعتدال» (١/ ٢٧٦ رقم ١٠٣٢). وينظر: «تخريج أحاديث الكشاف» للزيلعي (١/ ١٥٩)، و«السلسلة الضعيفة» (٣/ ١٢١ رقم ١٠٣٤). وينظر أمثلة أخرى لترجيح الخطيب الوقف على الرفع في: «تاريخ بغداد» (٢/ ٨٥)، (٤/ ٢٤٢)، (٥/ ٤٣٠)، (١١/ ٥٠٢)، (١٣/ ٢٥٧، ٣٢٩)، (١٥/ ٦٠٢)، (١٦/ ٢٤٩، ٢٨٢).
[ ٣١١ ]