بيان الخطيب للقلب في الأحاديث
أعلَّ الخطيب في كتابه «تاريخ بغداد» ثلاثة أحاديث بأنه قد حدث فيها قلب، وهذا بيانها:
- الحديث الأول:
روى الخطيب في ترجمة القاضي عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الأسداباذي قال: «أخبرنا أبو عبد الله الصَّيْمَري وأبو القاسم التَّنُوخي قالا: أخبرنا القاضي أبو الحسن عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الأسداباذي ببغداد قال: حدثنا أبو الحسن علي بن إبراهيم بن سلمة قال: حدثني محمد بن المغيرة السكري قال: حدثنا هشام بن عبيد الله الرازي، عن مالك بن أنس، عن يحيى بن سعيد قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن جابر، أراه عن النبي - ﷺ - في قوله: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩] قال: «وما ذاك؟». قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «تنصروه».
وأخبرنا الصَّيْمَري والتَّنُوخي قالا: أخبرنا عبد الجبار بن أحمد قال: حدثنا عبد الرحمن بن حمدان الجلاب قال: حدثنا عبد الله بن إسحاق أبو العباس نزيل حلب قال: حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري قال: حدثنا يحيى بن حسان قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال: حدثنا سفيان الثوري قال: حدثنا مالك بن أنس، عن الزهري، عن أنس بن مالك، أن النبي - ﷺ - قال: «مثل أمتي مثل المطر؛ لا يُدرى أوله خير أو آخره».
[ ٣٨١ ]
وقد انقلب على عبد الجبار هذان الحديثان، والصواب في الحديث الأول: عن هشام بن عبيد الله، عن مالك، عن الزهري، عن أنس، كذلك أخبرناه أبو القاسم عبد الرحمن بن أحمد بن إبراهيم القزويني قال: حدثنا علي بن إبراهيم بن سلمة القطان قال: أخبرنا محمد بن المغيرة الهمذاني ويُعرف بحمدان قال: حدثنا هشام بن عبيد الله الرازي قال: حدثنا مالك بن أنس، عن الزهري، عن أنس بن مالك، أن النبي - ﷺ - قال: «مثل أمتي مثل المطر؛ لا يُدرى أوله خير أم آخره».
وأما حديث جابر، فيرويه غير واحد، عن إبراهيم بن سعيد الجوهري، عن يحيى بن حسان، عن ابن مهدي، عن سفيان الثوري، عن يحيى بن سعيد القطان (^١)، عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن جابر.
أخبرناه علي بن يحيى بن جعفر الأصبهاني قال: حدثنا سليمان بن أحمد الطبراني قال: أخبرنا محمد بن حماد المصيصي في كتابه إلينا قال: حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، وأخبرناه الأزهري قال: أخبرنا أبو المفضل محمد بن عبد الله بن محمد الكوفي قال: حدثنا عبد الله بن أبي سفيان الشعراني قال: حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري قال: حدثنا يحيى بن حسان قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال: حدثنا سفيان الثوري -وفي حديث الطبراني سفيان بن سعيد- قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله قال: لما نزلت على
_________________
(١) كذا وقعت الرواية هنا، والثوري يروي عن تلميذه القطان، ينظر: «تهذيب الكمال» (٣١/ ٣٣٢).
[ ٣٨٢ ]
رسول الله - ﷺ - ﴿وَتُعَزِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩]، قال لنا رسول الله - ﷺ -: «ما ذاكم؟». قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: «تنصروه» (^١).
ينبِّه الخطيب على خطأ القاضي عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الأسداباذي (^٢) في هذين الحديثين، فقد انقلبا عليه، ودخل عليه حديث في حديث.
حيث إن هناك حديثين؛ الأول يرويه هشام بن عبيد الله الرازي، عن مالك، عن الزهري، عن أنس مرفوعًا: «مثل أمتي مثل المطر؛ لا يُدرى أوله خير أم آخره» (^٣).
والثاني يرويه إبراهيم بن سعيد الجوهري، عن يحيى بن حسان، عن ابن مهدي، عن سفيان الثوري، عن يحيى بن سعيد القطان، عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن جابر: لما نزلت على رسول الله - ﷺ - ﴿وَتُعَزِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩] (^٤).
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (١٢/ ٤١٥).
(٢) قال الخليلي: كتبتُ عنه وكان ثقة في حديثه، لكنه داعٍ إلى البدعة، لا تحل الرواية عنه. «لسان الميزان» (٥/ ٥٥ رقم ٤٥٤١).
(٣) أخرجه ابن حبان في «المجروحين» (٣/ ٩٠)، والخليلي في «الإرشاد» (٢/ ٦٥٣ رقم ١٨٦)، وابن عبد البر في «التمهيد» (٢٠/ ٢٥٤)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٤٣/ ١٦)، والسِّلفي في «معجم السفر» (ص: ٤١٤ رقم ١٤٠٥) كلهم من طريق محمد بن المغيرة عن هشام بن عبيد الله الرازي به.
(٤) أخرجه أبو الشيخ في «ذكر الأقران» (ص: ٩٦ رقم ٣٤٤) من طريق محمد بن أحمد بن أيوب البغدادي عن إبراهيم بن سعيد الجوهري به. وأخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» (٦/ ٦١٨)، وفي «الرحلة في طلب الحديث» (ص: ١٦٤ رقم ٦٦) من طريق عبد الله بن أبي سفيان الشعراني عن إبراهيم بن سعيد الجوهري به.
[ ٣٨٣ ]
فأخطأ القاضي عبد الجبار، فروى الحديث الأول عن هشام بن عبيد الله الرازي، عن مالك، عن يحيى القطان، عن ابن عيينة، بإسناد الحديث الثاني ومتنه.
وروى الحديث الثاني عن الجوهري عن يحيى بن حسان، عن ابن مهدي، عن الثوري، عن مالك، عن الزهري، بإسناد الحديث الأول ومتنه.
وهكذا انقلب عليه الحديثان، ودخل عليه حديث في حديث.
- الحديث الثاني:
روى الخطيب في ترجمة أبي بكر محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي قال: «أخبرنا محمد بن محمد بن إبراهيم بن غيلان من أصل كتابه غير مرة (^١) قال: حدثنا أبو بكر الشافعي إملاء قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن محمد بن عيسى البِرْتي القاضي قال: حدثنا أبو معمر قال: حدثنا عبد الوارث قال: حدثنا أبو معاوية، عن محمد بن عبد الله، عن مسعر بن كدام، عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، عن أبيه، عن جده، عن أسماء قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «هل في البيت إلا أنتم يا بني عبد المطلب؟» قلنا: لا يا رسول الله. قال: «إذا نزل بأحدكم همٌّ أو غمٌّ أو سقم أو أَزْل (^٢) أو لَأْواء (^٣) - قال: وذكر السادسة فنسيتها- فليقل: الله الله ربي لا أشرك به شيئًا».
_________________
(١) «الغيلانيات» (١/ ٦٢٨ رقم ٨٣٦)، ورواه من طريقه الشجري في «ترتيب الأمالي الخميسية» (١/ ٣٠٣ رقم ١٠٥٥).
(٢) الأَزْل: الضيق والشدة والقحط. «تاج العروس» (أ ز ل).
(٣) اللأواء: الشدة. «تاج العروس» (ل أ ي).
[ ٣٨٤ ]
هكذا رواه الشافعي عن البِرْتي، ووهم فيه؛ إذ قدَّم محمد بن عبد الله على مسعر، وصوابه عن أبي معاوية وهو شيبان بن عبد الرحمن، عن مسعر، عن محمد بن عبد الله. وكذلك رواه غير الشافعي، عن البِرْتي.
أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق قال: حدثنا إسماعيل بن محمد الصفار قال: حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى القاضي قال: وأخبرناه الحسن بن أبي بكر قال: أخبرنا أبو سهل بن زياد القطان قال: حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى قال: حدثنا أبو معمر عبد الله بن عمر قال: حدثنا عبد الوارث قال: حدثنا شيبان قال: حدثنا مسعر، عن محمد بن عبد الله، عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، عن أبيه، عن جده، عن أسماء بنت عميس قالت: جمع رسول الله - ﷺ - أهله، فقال: «هل إلا أنتم يا بني عبد المطلب؟». فقلنا: لا. فقال: «إذا نزل بأحد منكم كرب أو غم أو سقم -وفي حديث ابن زياد: إذا نزل بأحد منكم غم أو هم أو سقم أو لَأْواء أو أَزْل. وذكر السابعة فأنسيتها- فليقل: الله الله ربي، لا أشرك به شيئًا» ثلاث مرات» (^١).
فهذا الحديث رواه أبو بكر الشافعي (^٢) عن البِرْتي (^٣) فأخطأ فيه وقلب
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (٣/ ٤٨٣).
(٢) هو محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن عبدويه بن موسى أبو بكر البزاز المعروف بالشافعي، قال الخطيب: كان ثقة ثبتًا كثير الحديث، حسن التصنيف، جمع أبوابًا وشيوخًا، وكُتب عنه قديمًا وحديثًا. «تاريخ بغداد» (٣/ ٤٨٣).
(٣) هو أحمد بن محمد بن عيسى بن الأزهر أبو العباس البِرْتي القاضي، كان ثقة ثبتًا حجة، يُذكر بالصلاح والعبادة. «تاريخ بغداد» (٦/ ٢١٩).
[ ٣٨٥ ]
إسناده فقال: «عن محمد بن عبد الله (^١) عن مسعر»، والصواب: «عن مسعر عن محمد بن عبد الله».
وقد رواه غير واحد عن البِرْتي على الصواب، ذكر منهم الخطيب في روايته اثنين، وهما: إسماعيل بن محمد الصفار (^٢)، وأبو سهل بن زياد القطان (^٣)، ورواه عنه على الصواب أيضًا الباغندي (^٤).
وقد ذهب الدارقطني أيضًا إلى خطأ أبي بكر الشافعي في ذلك، فقال: «ورواه شيبان بن عبد الرحمن، عن محمد بن عبد الله، عن مسعر، عن عبد العزيز، عن أبيه، عن جده، عن أسماء. والصواب: شيبان، عن مسعر، عن محمد بن عبد الله، غلط فيه الشافعي» (^٥).
- الحديث الثالث:
قال الخطيب في ترجمة سليمان بن أيوب صاحب البصري: «أخبرني الحسن بن محمد الخلال قال: حدثنا عمر بن محمد بن علي الناقد قال: حدثنا
_________________
(١) لم أجد له ترجمة.
(٢) هو إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن صالح أبو علي الصفار النحوي صاحب المبرد، قال الدارقطني: ثقة. «تاريخ بغداد» (٧/ ٣٠١).
(٣) هو أحمد بن محمد بن عبد الله بن زياد بن عباد أبو سهل القطان. قال الدارقطني: ثقة. وقال البرقاني والخطيب: صدوق. «تاريخ بغداد» (٦/ ١٩٤).
(٤) «مسند عمر بن عبد العزيز» للباغندي (ص: ٦٣ رقم ١٧). والباغندي هو أبو بكر محمد بن محمد بن سليمان بن الحارث، حافظ كبير، تكلَّم فيه بعض أهل العلم، لكن دفع ذلك الخطيب بقوله: لم يثبت من أمر ابن الباغندي ما يعاب به سوى التدليس، ورأيت كافة شيوخنا يحتجون بحديثه ويخرجونه في الصحيح. «تاريخ بغداد» (٤/ ٣٤٣).
(٥) «علل الدارقطني» (١٥/ ٣٠٣).
[ ٣٨٦ ]
أحمد بن الحسن الصوفي قال: حدثنا سليمان بن أيوب صاحب البصري في منزل عبيد الله القواريري قال: حدثنا حماد بن زيد، عن أبي الزبير قال: سألت ابن عمر عن استلام الحجر، فقال: رأيت رسول الله - ﷺ - يستلمه ويُقبِّله. قال: قلت: أرأيت إن زُحِمتُ، أرأيت إن غُلِبتُ؟ قال: اجعل أرأيت باليمن.
كذا قال لي الخلال: «عن أبي الزبير»، والصواب: «عن الزبير» وهو ابن عربي» (^١).
ينبِّه الخطيب على خطأ أحد الرواة فبدلًا من أن يقول: «عن الزبير بن عربي» قال: «عن أبي الزبير»، وهذا الحديث مشهور أنه عن الزبير بن عربي، وقد رواه عن حمادٍ الثقاتُ من أصحابه كذلك، مثل: مسدد بن مسرهد (^٢)، وقتيبة بن سعيد (^٣)، وأبي داود الطيالسي (^٤)، والحسن بن موسى (^٥)، وروح بن عبادة (^٦).
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (١٠/ ٦٤).
(٢) وروايته أخرجها البخاري، كتاب الحج، باب تقبيل الحجر (٢/ ١٥١ رقم ١٦١١).
(٣) وروايته أخرجها الترمذي، أبواب الحج، باب ما جاء في تقبيل الحجر (٣/ ٢٠٦ رقم ٨٦١)، والنسائي، كتاب مناسك الحج، باب العلة التي من أجلها سعى النبي - ﷺ - بالبيت (٥/ ٢٣١ رقم ٢٩٤٦).
(٤) وروايته في «مسنده» (٣/ ٣٩٠ رقم ١٩٧٦).
(٥) هو الحسن بن موسى الأشيب أبو علي البغدادي قاضي الموصل وغيرها، ثقة، مات سنة تسع أو عشر ومائتين، روى له الجماعة. «تقريب التهذيب» (ص: ١٦٤ رقم ١٢٨٨). وروايته أخرجها أحمد (١٠/ ٤٥٢ رقم ٦٣٩٦).
(٦) هو روح بن عبادة بن العلاء بن حسان القيسي أبو محمد البصري، ثقة فاضل له تصانيف، مات سنة خمس أو سبع ومائتين، روى له الجماعة. «تقريب التهذيب» (ص: ٢١١ رقم ١٩٦٢). وروايته أخرجها أحمد (١٠/ ٤٥٢ رقم ٦٣٩٦).
[ ٣٨٧ ]