بيان الخطيب للتصحيف في الأحاديث
سنعرض في هذا المطلب بعض الأمثلة التي تبيِّن كيفية نقد الخطيب للأحاديث التي وقع فيها تصحيف في المتن أو في الإسناد.
- المثال الأول:
روى الخطيب في ترجمة عبد القدوس بن حبيب الشامي، من طريق العباس بن محمد الدوري عن يحيى بن معين (^١) قال: قال حجاج الأعور (^٢): رأيت عبد القدوس في زمن أبي جعفر على باب مدينة أبي جعفر وهو مغلق، وكان لا يفتح حتى يُصبح الناس جدًّا، فجاء رجل إلى عبد القدوس وهو واقف بباب المدينة، فقال له: أصلحك الله، الحديث الذي حدَّثت به أعِده عليَّ، أو نحو هذا من الكلام قاله يحيى، فقال: «لا تتخذوا شيئًا فيه الرَّوح عرضًا».
فقال له الرجل: أي شيء تعني بهذا؟ فقال له عبد القدوس: هو الرجل يُخرج من داره شبيه القَسْطرون.
_________________
(١) «تاريخ ابن معين» رواية الدوري (٤/ ٣٩٩ رقم ٤٩٧٧)، ورواه من طريق الدوري كل من العقيلي في «الضعفاء» (٣/ ٩٦)، وابن عدي في «الكامل» (٧/ ٤٥)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٣٦/ ٤٢١).
(٢) هو حجاج بن محمد المصيصي الأعور، ثقة ثبت لكنه اختلط في آخر عمره لما قدم بغداد قبل موته، مات سنة ست ومائتين، روى له الجماعة. «تقريب التهذيب» (ص: ١٥٣ رقم ١١٣٥).
[ ٣٩٣ ]
قلت ليحيى: ما يعني بهذا؟ قال: أهل الشام يسمون الرَّوْشن (^١) والكَنِيف يخرج إلى خارجٍ القَسْطرون (^٢).
قال الخطيب: «قلت: صحَّف فيه عبد القدوس، وفسَّر تصحيفه؛ لأن الحديث: «لا تتخذوا شيئًا فيه الرُّوح -بضم الراء- غرضًا» (^٣) بالغين المعجمة» (^٤).
ينبِّه الخطيب على تصحيف عبد القدوس لحديث: «لا تتخذوا شيئًا فيه الرُّوح غَرَضًا»، فقد قال فيه: «لا تتخذوا شيئًا فيه الرَّوح عَرْضًا» فصحَّف مرتين؛ فقال: «الرَّوح» بفتح الراء، و«عَرْضًا» بالعين المهملة وإسكان الراء، ولم يكتفِ بذلك، ففسَّر هذا التصحيف بما ذكره، وصوابه: «الرُّوح» بضم الراء، و«غَرَضًا» بالغين المعجمة والراء المفتوحتين، ومعناه: نهى أن نتخذ
_________________
(١) الروشن: الكُوَّة. «مختار الصحاح» (ر ش ن).
(٢) في «تاريخ ابن معين» رواية ابن محرز (١/ ١٥٠ رقم ٨٢٥): قال عبد القدوس: هو الجناح الذي يخرج في الحائط مثل الكنيف وأشباهه، فنهى النبي - ﷺ - عنه. وروى مسلم في مقدمة «صحيحه» (١/ ٢٥) -ومن طريقه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٣٦/ ٤٢٠) - عن شبابة قال: سمعت عبد القدوس يقول: نهى رسول الله - ﷺ - أن يتخذ الرَّوح عرضًا، قال: فقيل له: أي شيء هذا؟ قال: يعني تتخذ كوة في حائط ليدخل عليه الرَّوح. والرَّوح هنا بمعنى: برد نسيم الريح. «تاج العروس» (ر وح).
(٣) أخرجه مسلم، كتاب الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان، باب النهي عن صبر البهائم (٣/ ١٥٤٩ رقم ٥٨) من حديث ابن عباس - ﵁ - ب.
(٤) «تاريخ بغداد» (١٢/ ٤٣٤).
[ ٣٩٤ ]
الحيوان الذي فيه الروح غرضًا، أي: هدفًا للرمي فيُرمى إليه بالنشاب وشبهه (^١).
وقد تعجَّب ابن معين من تفسير عبد القدوس لتصحيفه هذا؛ قال ابن محرز: «جعل يحيى بن معين يضحك، وأحسب أنه قال: تفسيره أعجب عندي من تصحيفه» (^٢).
وعبد القدوس بن حبيب أحد المتروكين؛ قال عمرو بن علي الفلاس: «عبد القدوس الشامي أجمع أهل العلم على ترك حديثه» (^٣).
وقد ذكروا له تصحيفًا آخر، وهو أنه كان يقول: حدثنا سويد بن عَقَلة (^٤)، بالعين المهملة والقاف، وإنما هو بالغين المعجمة والفاء المفتوحتين (^٥).
- المثال الثاني:
روى الخطيب في ترجمة أحمد بن محمد بن الجراح الضرَّاب، عن علي بن أبي علي قال: أخبرنا القاضي أبو الحسن علي بن الحسن الجراحي قال: حدثنا أحمد بن محمد بن الجراح من أصل كتابه قال: حدثنا سعدان بن نصر قال: حدثنا إسحاق الأزرق قال: حدثنا سفيان الثوري، عن واصل
_________________
(١) ينظر: «صيانة صحيح مسلم» لابن الصلاح (ص: ١٢٥)، و«شرح صحيح مسلم» للنووي (١/ ١١٤)، و«فتح المغيث» (٤/ ٦١).
(٢) «تاريخ ابن معين» رواية ابن محرز (١/ ١٥٠ رقم ٨٢٥).
(٣) «تاريخ بغداد» (١٢/ ٤٣٦).
(٤) مقدمة «صحيح مسلم» (١/ ٢٥).
(٥) «صيانة صحيح مسلم» (ص: ١٢٨).
[ ٣٩٥ ]
الأحدب، عن الشعبي، عن ابن عباس قال: شرب النبي - ﷺ - من زمزم وهو قائم (^١).
ثم قال: «هذا الحديث إنما رواه الثوري، عن عاصم الأحول، عن الشعبي، كذلك رواه عن الثوري أصحابه وإسحاق الأزرق فيهم، ولم يتابع أحد ابن الجراح على قوله: عن واصل الأحدب».
ثم روى من طريق عبد الله بن محمد بن أبي علي الحاجب أبي العباس قال: حدثنا إسحاق الأزرق قال: حدثنا سفيان الثوري، عن عاصم الأحول، عن الشعبي، عن ابن عباس قال: شرب النبي - ﷺ - من بئر زمزم قائمًا (^٢).
فقد تفرد أحمد بن محمد بن الجراح (^٣) عن سعدان بن نصر (^٤) عن إسحاق الأزرق (^٥) بقوله: «عن واصل الأحدب»، وقد رواه أصحاب سفيان الثوري بما فيهم إسحاق الأزرق فقالوا: «عن عاصم الأحول».
وممن رواه عن سفيان الثوري كذلك: عبد الرحمن بن مهدي (^٦)،
_________________
(١) لم أجد هذه الرواية فيما لديَّ من مراجع.
(٢) «تاريخ بغداد» (٦/ ٨٥)، ولم أجد رواية إسحاق الأزرق فيما لديَّ من مراجع.
(٣) قال الخطيب: كان ثقة. «تاريخ بغداد» (٦/ ٨٦).
(٤) قال أبو حاتم: صدوق. وقال الدارقطني: ثقة مأمون. «الجرح والتعديل» (٤/ ٢٩١)، و«تاريخ بغداد» (١٠/ ٢٨٣).
(٥) هو إسحاق بن يوسف بن مرداس المخزومي الواسطي المعروف بالأزرق، ثقة، مات سنة (١٩٥ هـ) وله ثمان وسبعون سنة، روى له الجماعة. «تقريب التهذيب» (ص: ١٠٤ رقم ٣٩٦).
(٦) وروايته أخرجها أحمد (٥/ ٢٦٢ رقم ٣١٨٦).
[ ٣٩٦ ]
وأبو نُعيم الفضل بن دكين (^١)، والأسود بن عامر شاذان (^٢)، وخلاد بن يحيى (^٣).
وقد ذكر الدارقطني أن هذا من تصحيف السمع لا من تصحيف البصر، قال ابن الصلاح: «كأنه ذهب - والله أعلم - إلى أن ذلك مما لا يشتبه من حيث الكتابة، وإنما أخطأ فيه سمعُ مَن رواه» (^٤).
- المثال الثالث:
روى الخطيب في ترجمة محمد بن الفضيل الخراساني البغدادي من «تاريخ بغداد» عن أبي الحسن علي بن يحيى بن جعفر الإمام، وأبي الفرج عبد الواحد بن محمد بن عبد الله البُزَاني جميعًا بأصبهان قالا: أخبرنا عبد الله بن الحسن بن بندار المديني قال: حدثنا محمد بن إسماعيل الصائغ قال: حدثنا محمد بن فضيل البغدادي، عن الحَفَري، عن عاصم بن النعمان،
_________________
(١) وروايته أخرجها البخاري، كتاب الأشربة، باب الشرب قائمًا (٧/ ١١٠ رقم ٥٦١٧).
(٢) سبقت ترجمته (ص: ٣٠٠). وروايته أخرجها أبو عوانة في «المستخرج» كتاب الحج، باب في الإفاضة إلى البيت (٢/ ٣١٩ رقم ٣٢٧٩) ورواها شاذان عن سفيان الثوري، وشعبة، والحسن بن صالح، وابن المبارك، كلهم عن عاصم الأحول.
(٣) هو خلاد بن يحيى بن صفوان السلمي أبو محمد الكوفي نزيل مكة، صدوق رُمي بالإرجاء، وهو من كبار شيوخ البخاري، مات سنة (٢١٣ هـ) وقيل سنة (٢١٧ هـ). «تقريب التهذيب» (ص: ١٩٦ رقم ١٧٦٦). وروايته أخرجها أبو بكر الشافعي في «الغيلانيات» (٢/ ٧٥٧ رقم ١٠٣٩).
(٤) «مقدمة ابن الصلاح» النوع الخامس والثلاثون (ص: ٤٧٦).
[ ٣٩٧ ]
عن سفيان، عن الأسود بن قيس، عن عمرو بن شقيق، عن علي، مثل حديث قبله أنه خطب فقال: إن رسول الله - ﷺ - لم يعهد إلينا في الإمارة عهدًا، ولكنه رأي رأيناه فاستُخلف أبو بكر فقام واستقام. وذكر الحديث.
ثم قال الخطيب: «كذا روياه لنا فقالا: عن عمرو بن شقيق، وإنما هو عمرو بن سفيان.
وقالا أيضًا: عاصم بن النعمان، وإنما هو عصام بن النعمان بن أبي خالد ابن أخي إسماعيل بن أبي خالد (^١)» (^٢).
ينبِّه الخطيب على أن بعض الرواة صحَّف فقال: «شقيق» بدل «سفيان»، ولقائل أن يقول: كيف يمكن أن يتصحَّف «سفيان» إلى «شقيق» مع اختلافهما في الصورة والنقط؟
والجواب: أن الكتابة في القديم كانت تختلف عن الكتابة الحديثة؛ فكانوا يكتبون الحروف بلا نقط في الغالب، وكانوا لا يرسمون الألف المتوسطة في الكلمة، فيكتبون «سفيان» هكذا: «سفين» بلا ألف ولا نقط كذلك، فيسهل تصحيفها إلى «شقيق».
ويمكن أن يقال نحوه في «عصام» فإنهم كانوا يكتبونها بلا ألف هكذا: «عصم»، فيسهل تصحيفها إلى «عاصم».
_________________
(١) لم أجد له ترجمة فيما لديَّ من مراجع.
(٢) «تاريخ بغداد» (٤/ ٢٧٦).
[ ٣٩٨ ]
- المثال الرابع:
قال الخطيب في ترجمة أبي ذر عمار بن محمد بن مخلد البغدادي: «أخبرنا أبو سهل عبد الواحد بن محمد اللِّحياني الخشَّاب بنيسابور قال: أخبرنا أبو ذر عمار بن محمد بن مخلد البغدادي بمكة قال: حدثنا أبي قال: حدثنا حاتم بن الليث قال: حدثتني حكَّامة بنت عثمان بن دينار قالت: حدثني أبي، عن أخيه مالك بن دينار، عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: «بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء» (^١).
كذا حدثنا عنه اللِّحياني بهذا الحديث، وبحديث آخر عن الحسن بن أحمد بن المبارك الطوسي، ولم يذكر الغنجار ولا ابن البيِّع، أن أبا ذر هذا يروي عن أبيه، فأخشى أن يكون رُوي الحديث لشيخنا عن محمد بن مخلد بن حفص الدوري، عن حاتم بن الليث، فظن شيخنا أن الدوري والده والله أعلم» (^٢).
ينبِّه الخطيب على خطأ يظنه وقع من شيخه اللِّحياني (^٣)، وذلك أنه حدَّثه
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه، كتاب الفتن، باب بدأ الإسلام غريبًا (٣٩٨٧) من طريق آخر عن أنس. وأصل الحديث في «صحيح مسلم» كتاب الإيمان، باب بدأ الإسلام غريبًا (١٤٥) من حديث أبي هريرة.
(٢) «تاريخ بغداد» (١٤/ ١٨٤).
(٣) هو أحد كبار المشايخ، مؤثر الفقه، مرضي الأخلاق، وحميد السيرة، قليل الادخار، سخي النفس، من مشايخ الصوفية والمحققين في الطريقة العارفين بدقائق المعاملة، سمع الكثير. «المنتخب من كتاب السياق لتاريخ نيسابور» (ص: ٣٦٩).
[ ٣٩٩ ]
عن أبي ذر عمار بن محمد بن مخلد (^١) عن أبيه عن حاتم بن الليث بحديث، ولم يذكر الغنجار (^٢) ولا ابن البيِّع (^٣) - وهما اللذان اعتمد عليهما الخطيب في سياق ترجمته- أن عمارًا يروي عن أبيه، فيخشى الخطيب أن يكون عمار قد روى الحديث عن محمد بن مخلد الدوري (^٤)، فظن اللِّحياني أن الدوري هو والد عمار؛ لاتفاقهما في الاسم واسم الأب.
ويُعَد هذا من باب الخطأ الناتج عن الرواية بالمعنى، وهو ما يسمى بـ «تصحيف المعنى».
* * *
_________________
(١) قال أبو بكر السمعاني: ثقة كثير الحديث. «تاريخ دمشق» (٤٣/ ٣٤٣).
(٢) هو محمد بن أحمد بن محمد بن سليمان بن كامل البخاري أبو عبد الله الحافظ، المعروف بالغنجار، ثقة من أئمة الحديث، صنف تاريخًا لعلماء بخارى كتابًا حسنًا مفيدًا، مات سنة اثنتي عشرة وأربعمائة. «المنتخب من كتاب السياق لتاريخ نيسابور» (ص: ٤٦)، و«تاريخ الإسلام» (٩/ ٢٠٦).
(٣) هو الإمام الحافظ الناقد العلامة الحاكم النيسابوري محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن البيِّع صاحب التصانيف، مات سنة خمس وأربعمائة. «سير أعلام النبلاء» (١٧/ ١٦٢).
(٤) قال الدارقطني: ثقة مأمون. وقال الخطيب: كان أحد أهل الفهم موثوقًا به في العلم، متسع الرواية، مشهورًا بالديانة، موصوفًا بالأمانة، مذكورًا بالعبادة. «تاريخ بغداد» (٤/ ٥٠٠).
[ ٤٠٠ ]