منهج سياق الأحاديث في الكتاب
كانت طريقة الخطيب في «تاريخه» أن يورد في كل ترجمة -في الغالب- حديثًا أو أكثر من طريق المترجَم له، وكانت هذه عادة كثير ممن يؤلِّف في تواريخ البلدان وتراجم الرواة، مثل: البخاري في «التاريخ الكبير»، وبحشل في «تاريخ واسط»، والعقيلي في «الضعفاء»، وابن عدي في «الكامل في الضعفاء»، وأبي الشيخ الأصبهاني في «طبقات المحدثين بأصبهان»، وأبي نعيم الأصبهاني في «أخبار أصبهان» وغيرهم.
وسأجمل في نقاط منهج الخطيب في إيراد أحاديث «تاريخه»، وصفات هذه الأحاديث، فمن ذلك:
١ - يورد الخطيب في الترجمة غالبًا حديثًا أو أكثر مما تفرد به صاحب الترجمة؛ وذلك لأن ما ينفرد به الراوي هو ما يتميز به من الحديث، ولذلك نجد الخطيب كثيرًا ما يقول في تعليقاته على الأحاديث التي يوردها: «غريب من حديث فلان»، أو «تفرد به فلان»، أو «لم أكتبه إلا عن فلان» ونحوها من العبارات (^١).
وحيث إن الغالب على الغرائب والأفراد أنها أحاديث ضعيفة (^٢)، كان ما
_________________
(١) ينظر على سبيل المثال: تاريخ بغداد (٣/ ١٢٤ - ١٢٥، ٤٤٣)، (٤/ ٣١٣ - ٣١٤)، (٥/ ٩٤)، (٦/ ٣١٢)، (٧/ ٨٤ - ٨٥)، (٨/ ١٠٩ - ١١٠)، (٩/ ٦ - ٧)، (١٠/ ٤٢٦)، (١٢/ ٣٨٨).
(٢) ينظر: «الكفاية» (ص: ١٤٠ - ١٤٣)، و«تدريب الراوي» (٢/ ٦٣٤).
[ ١٠٩ ]
انفرد بإخراجه الخطيب هو من قبيل الضعيف، وقد ذكر السيوطي في مقدمة «الجامع الكبير» أن ما انفرد به الخطيب في «التاريخ» أو غيرِه، فهو ضعيف (^١).
٢ - قد يورد الخطيب أحاديث للمترجَم له للدلالة على ضعفه وسوء ضبطه، فنجده يقول في مواضع من «تاريخه»: «أحاديث فلان مستنكرة تدل على وهاء حاله»، أو «أحاديثه تدل على سوء ضبطه»، أو «كان غير ثقة روى أحاديث باطلة»، أو «حدَّث عن فلان أحاديث منكرة»، أو «روى عن فلان حديثًا منكرًا»، أو نحوها من العبارات، ثم يسوق حديثًا أو أكثر للدلالة على ما ذهب إليه من حال المترجَم له (^٢).
٣ - اعتاد الخطيب إذا ترجم لراوٍ ثقة أن يذكر ما أُنكر عليه من الحديث، ليُعرف ويميَّز، وكانت هذه عادة النقاد الأوائل، فقد ذكر الخطيب في ترجمة أبي معمر إسماعيل بن إبراهيم بن معمر الهُذَلي (^٣) عن جعفر الطيالسي (^٤) أنه قال: قال يحيى بن معين، وذكر أبا معمر: لا صلَّى الله عليه، ذهب إلى الرَّقَّة فحدَّث بخمسة آلاف حديث، أخطأ في ثلاثة آلاف.
ثم نقد هذه الحكاية قائلًا: «في هذا القول نظر، ويبعد صحته عند مَن اعتبر، ولو كان صحيحًا، لدوَّن أصحاب الحديث ما غلط أبو معمر فيه لعِظَمه
_________________
(١) «الجامع الكبير» (١/ ٤٤).
(٢) ينظر على سبيل المثال: «تاريخ بغداد» (٢/ ٤٠، ٥٣٧)، (٣/ ٢٧٢)، (٤/ ٣٦٨)، (٦/ ٢٠٤)، (٨/ ٩٩ - ١٠٠)، (١٠/ ٣٣٩)، (١١/ ٥٣٣)، (١٣/ ٣٣٤).
(٣) وهو ثقة مأمون، مات سنة (٢٣٦ هـ). «تقريب التهذيب» (ص: ١٠٥ رقم ٤١٥).
(٤) هو جعفر بن محمد بن أبي عثمان أبو الفضل الطيالسي، كان ثقة ثبتًا، صعب الأخذ، حسن الحفظ، توفي سنة (٢٨٢ هـ). «تاريخ بغداد» (٨/ ٨١ - ٨٣).
[ ١١٠ ]
وفُحشه، ولم يغفلوا عنه، كما دوَّنوا ما أخطأ فيه شعبة بن الحجاج، ومعمر بن راشد، ومالك بن أنس، وغيرهم مع قلته في اتساع رواياتهم …» (^١).
فكانت من عادة أصحاب الحديث تدوين ما أخطأ فيه الثقات، وهكذا فعل الخطيب، فقد ساق في ترجمة حفص بن غياث (^٢) حديثين أُنكرا عليه (^٣)، وذكر في ترجمة علي بن الحسن بن عَبدُويه الخزَّاز (^٤) حديثًا أخطأ فيه (^٥)، وروى في ترجمة الفضل بن يعقوب الرُّخامي (^٦) حديثًا وهِم فيه (^٧).
٤ - قد يكون الحديث الذي يورده الخطيب هو أصلًا للترجمة، ولولا هذا الحديث لم توجد الترجمة، وذلك أنه قد يجد حديثًا مرويًّا من طريق رجل موصوف بأنه بغدادي، فيصنع له ترجمة، يذكر فيها شيخه وتلميذه مستفيدًا ذلك من الحديث الذي يورده، ولا يذكر شيئًا آخر عن المترجم له أكثر مما هو مستفاد من الحديث المذكور.
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (٧/ ٢٥٢).
(٢) وهو ثقة فقيه، تغيَّر حفظه قليلًا في الآخر، مات سنة (١٩٤ هـ) أو (١٩٥ هـ)، وقد قارب الثمانين. «تقريب التهذيب» (ص: ١٧٣ رقم ١٤٣٠).
(٣) «تاريخ بغداد» (٩/ ٧٦ - ٧٩).
(٤) قال الخطيب: كان ثقة. ونقل عن الدارقطني أنه قال فيه: لا بأس به. مات سنة (٢٧٧ هـ). «تاريخ بغداد» (١٣/ ٢٩٩ - ٣٠٠).
(٥) «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٠٠).
(٦) وهو ثقة حافظ، مات سنة (٢٥٨ هـ). «تقريب التهذيب» (ص: ٤٤٧ رقم ٥٤٢٢).
(٧) «تاريخ بغداد» (١٤/ ٣٣٤ - ٣٣٥). وينظر أيضًا: «تاريخ بغداد» (٢/ ٢٧٣)، (٣/ ٤٨٤)، (١٢/ ٤١٥)، وسيأتي دراسة هذه الأمثلة وغيرها في الباب الثالث من هذه الرسالة.
[ ١١١ ]
فقد ترجم الخطيب لمحمد بن أحمد بن الوليد البغدادي فقال: «حدَّث عن محمد بن أبي السَّرِي العسقلاني، روى عنه أبو القاسم الطبراني».
ثم أورد له حديثًا واحدًا فقال: «أخبرنا محمد بن عبد الله بن شَهْرَيار الأصبهاني قال: أخبرنا سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني (^١) قال: حدثنا محمد بن أحمد بن الوليد البغدادي قال: حدثنا محمد بن أبي السَّرِي العسقلاني قال: حدثني الوليد بن مسلم قال: حدثني محمد بن حمزة بن يوسف بن عبد الله بن سَلَام، عن أبيه، عن جدِّه قال: خرج رسول الله - ﷺ - إلى المِرْبد (^٢)، فرأى عثمان بن عفان يقود ناقةً تحمل دقيقًا وسمنًا وعسلًا، فقال له رسول الله - ﷺ -: «أنِخ» فأناخ فدعا ببُرمة (^٣) فجعل فيها من السمن والعسل والدقيق، ثم أمر فأوقد تحتها حتى نضج، ثم قال: «كلوا» فأكل منه رسول الله - ﷺ -، ثم قال: «هذا شيء يدعوه أهلُ فارس الخَبِيص (^٤)» (^٥).
_________________
(١) «المعجم الأوسط» (٧/ ٣٤٧ رقم ٧٦٨٨)، و«المعجم الصغير» (٢/ ٨٨ رقم ٨٣٣).
(٢) المربد: موضع بالمدينة على نحو من ميل، تُحبس فيه الإبل والغنم. «المصباح المنير» (ر ب د)، و«تاج العروس» (ر ب د).
(٣) البرمة: القِدر. «مختار الصحاح» (ب ر م).
(٤) الخبيص: حلواء معمول من التمر والسمن. «تاج العروس» (خ ب ص).
(٥) أخرجه أيضًا الطبراني في «المعجم الكبير» (١٣/ ١٥٠ رقم ٣٧٠)، والحاكم في «المستدرك» كتاب الأطعمة (٤/ ١٢٢ رقم ٧٠٩٣) كلاهما من طريق الوليد بن مسلم به. قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه». وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥/ ٣٨): «رواه الطبراني في الثلاثة، ورجال الصغير والأوسط ثقات». وينظر: «العلل المتناهية» (٢/ ١٧٨)، و«زوائد تاريخ بغداد على الكتب الستة» للدكتور خلدون الأحدب (١/ ٣٨٤).
[ ١١٢ ]
ثم ذكر أن الطبراني قال: «لا يُروى عن عبد الله بن سَلَام إلا بهذا الإسناد، تفرد به الوليد» (^١).
فلم يذكر شيئًا في ترجمته أكثر مما استفاده من رواية هذا الحديث.
وترجم أيضًا لأبي العباس أحمد بن عبد الله بن أحمد القزاز المروزي، ولم يذكر في ترجمته شيئًا إلا أنه أورد له حديثًا واحدًا، فقال: «أخبرنا القاضي أبو العلاء محمد بن علي بن يعقوب، قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن عبد الله بن أحمد بن المروزي القزاز قدم علينا بغداد للحج، قال: وجدت في كتاب أبي بشر أحمد بن محمد بن عمرو بن مصعب بن بشر المروزي، قال: حدثنا أحمد بن إسماعيل السكري …» فذكر الحديث ثم قال: «أبو بشر المروزي متروك الحديث» (^٢).
٥ - ينقل الخطيب أحيانًا كلام النقاد على الأحاديث، فتارة يوافقهم، وتارة يعارضهم، وتارة يسكت.
وأحيانًا ينقد الأحاديث بنفسه ويبين ما فيها من تفرُّد أو اختلاف أو علل أو ضعف، وستأتي دراسة كثير من انتقاداته على طول الرسالة، والله الموفِّق.
* * *
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (٢/ ٢٣٩ - ٢٤٠).
(٢) «تاريخ بغداد» (٥/ ٣٨٧). وينظر أيضًا على سبيل المثال: «تاريخ بغداد» (٢/ ١٢٢)، (٣/ ٨١)، (٤/ ١٠٧)، (٥/ ٤٩٩)، (٦/ ٦٥)، (٧/ ٨٨)، (٨/ ١١٥)، (١٠/ ٢٦٠).
[ ١١٣ ]
الباب الأول