منهج عرض المادة العلمية في الكتاب
اتَّبع الخطيب في عرضه للمادة العلمية في تراجمه منهجًا واضحًا، فلم يكن ناقلًا للروايات والأقول فحسب، بل كان ناقدًا ماهرًا، ينبِّه على ما وقع فيها من خطأ أو تصحيف، ويشرح كثيرًا من غامضها ومُشكلها، ويرجِّح بين متعارضها أو يجمع بينها، وينقد ما جانب الصواب منها، وأوضِّح ذلك في النقاط التالية مع ضرب ما تيسَّر من الأمثلة على ذلك:
١ - التنبيه على ما وقع في أصوله ومسموعاته من خطأ أو تصحيف:
قال الخطيب: «أخبرنا البَرْقاني قال: أخبرنا أبو حامد أحمد بن محمد بن حَسنويه الهَرَوي قال: أخبرنا الحسين بن إدريس الأنصاري قال: سئل محمد بن علي النيسابوري عن أبي موسى الزَّمِن، فقال: حجة.
كذا في أصل كتاب البَرْقاني، ويسبق إلى وهمي أنه محمد بن يحيى النيسابوري (^١)، وقع فيه تصحيف.
وقد أخبرنا الحسن بن أبي بكر قال: أخبرنا دعلج بن أحمد قال: سمعت الشيخ الصالح أبا سعد الهروي يحيى بن أبي نصر، قال: سألت محمد بن يحيى النيسابوري عن أبي موسى محمد بن المثنى، فقال: حجة» (^٢).
_________________
(١) لعله: محمد بن يحيى بن عبد الله الذهلي النيسابوري، ثقة حافظ جليل، مات سنة ثمان وخمسين على الصحيح، وله ست وثمانون سنة. «تقريب التهذيب» (ص: ٥١٢ رقم ٦٣٨٧).
(٢) «تاريخ بغداد» (٤/ ٤٥٩).
[ ١٠٢ ]
وقال أيضًا: «أخبرنا الحسن بن محمد بن إسماعيل بن أشناس البزاز قال: حدثنا علي بن محمد بن لؤلؤ الوراق إملاء قال: حدثنا أحمد بن عيسى بن السُّكَين البَلَدي بواسط قال: سمعتُ أخي قال: حدثنا يزيد بن هارون بن عيسى قال: سمعت مَن يخبر عن أحمد بن حنبل قال: إن يكن أحد ممن يُعرف من الأبدال فإبراهيم بن هانئ.
كذا أخبرناه ابن أشناس، وفي إسناده وهم، وأحسب صوابه: «قال: سمعت أخي، يريد هارون بن عيسى» والله أعلم» (^١).
٢ - شرح الأقوال الغامضة والمشكلة وتوجيهها:
قال الخطيب: «قال أبو داود: سمعتُ الحُلواني يقول: أول من أظهر كتابه رَوْح بن عُبادة (^٢)، وأبو أسامة (^٣).
قلتُ: يعني أنهما رَوَيا ما خولفا فيه، فأظهرا كتبهما حجةً لهما على مُخالفيهما؛ إذ روايتهما عن حفظهما موافقة لما في كتبهما» (^٤).
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (٧/ ١٦٢). وينظر لمزيد من الأمثلة: «تاريخ بغداد» (٤/ ٤٢١)، (٧/ ٢٩٦ - ٢٩٧)، (١٠/ ٤٩٨).
(٢) هو روح بن عبادة بن العلاء بن حسان القيسي، أبو محمد البصري، ثقة فاضل له تصانيف، مات سنة خمس أو سبع ومائتين، روى له الجماعة. «تقريب التهذيب» (ص: ٢١١ رقم ١٩٦٢).
(٣) هو حماد بن أسامة القرشي مولاهم الكوفي، أبو أسامة مشهور بكنيته، ثقة ثبت ربما دلس، وكان بأخرة يحدث من كتب غيره، مات سنة إحدى ومائتين، وهو ابن ثمانين سنة، روى له الجماعة. «تقريب التهذيب» (ص: ١٧٧ رقم ١٤٨٧).
(٤) «تاريخ بغداد» (٩/ ٣٨٦ - ٣٨٧).
[ ١٠٣ ]
وقال في ترجمة علي بن محمد بن سعيد الموصلي: «سألتُ أبا نعيم عنه، فقال: كذَّاب، كان محمد بن المظفَّر (^١) يذكره، ويقول: المسكين لا يُحسن يكذب (^٢).
قلتُ: هذا القول من ابن المظفَّر على سبيل الاستنكار لكذبه، والاستعظام له، لا على نفي الكذب عنه» (^٣).
٣ - التنبيه على ما وقع في الأقوال من أوهام وأخطاء:
قال الخطيب: «قرأت بخط محمد بن مخلد: سنة ثمان وستين ومائتين فيها مات أحمد بن محمد بن السكن أبو بكر، ويُعرف بأبي خراسان، في شهر ربيع الأول.
قلت: كذا سمَّاه هاهنا: أحمد بن محمد، وسمَّاه في مواضع عدة: محمد بن أحمد بن السكن، وهو الصواب» (^٤).
وذكر عن أبي سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس أنه قال: «محمد بن حاتم بن نُعيم بغدادي، قدم مصر وحدَّث بها».
_________________
(١) هو محمد بن المظفر بن موسى بن عيسى أبو الحسين البزاز، كان حافظًا فهِمًا، صادقًا، مكثرًا، مات سنة تسع وسبعين وثلاثمائة. «تاريخ بغداد» (٤/ ٤٢٦).
(٢) ينظر ترجمة الموصلي من «ميزان الاعتدال» (٣/ ١٥٤ رقم ٥٩٢٧).
(٣) «تاريخ بغداد» (١٣/ ٥٥٨). وينظر لمزيد من الأمثلة: «تاريخ بغداد» (١/ ٣٩٢)، (٢/ ٤٤٥، ٤٤٨)، (٥/ ٣١٠)، (٦/ ٦٣ - ٦٤)، (٨/ ٥٧)، (٩/ ٢٧٦).
(٤) «تاريخ بغداد» (٢/ ١٤٠).
[ ١٠٤ ]
ثم تعقَّبه بقوله: «وهذا القول عندي وهم؛ لأنه مروزي وليس ببغدادي، وروايته عن نعيم بن حماد، وسويد بن نصر المروزيَّين» (^١).
٤ - نقد الروايات المنكرة والواهية:
ذكر الخطيب في ترجمة محمد بن يونس الكُدَيمي عن أحمد بن عبد الله الأصبهاني (^٢) أنه قال: أتيتُ عبد الله بن أحمد بن حنبل، فقال: أين كنتَ؟ فقلتُ: في مجلس الكُدَيمي. فقال: لا تذهب إلى ذاك؛ فإنه كذَّاب. فلما كان في بعض الأيام مررتُ به، فإذا عبد الله يكتب عنه، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، ألستَ قلتَ: لا تكتب عن هذا؛ فإنه كذَّاب؟! قال: فأومأ بيده إلى فيه أن اسكت. فلما فرغ وقام من عنده، قلتُ: يا أبا عبد الرحمن، أليس قلتَ: لا تكتب عنه؟ قال: إنما أردتُ بهذا أن لا يجيء الصبيان، فيصيروا معنا في الإسناد واحدًا، إنما هو يُحيي الموتى، أسانيد قد مات صاحبها منذ سنين.
فنقد الخطيب هذه الحكاية المنكرة بقوله: «كان عبد الله بن أحمد أتقى لله من أن يُكذِّب من هو عنده صادق، ويحتج بما حكى عنه هذا الأصبهاني، وفي هذه الحكاية نظر من جهته، والله أعلم» (^٣).
وروى الخطيب في ترجمة محمد بن الحسين بن حُميد بن الرَّبيع اللَّخْمي
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (٣/ ٧٤). وينظر لمزيد من الأمثلة: «تاريخ بغداد» (١/ ٣٦٨ - ٣٦٩، ٥٠٤) (٢/ ١٦ - ١٧، ٣٤، ٢٧٢)، (٣/ ١٩، ٣٥٥، ٤٩٢، ٦٦٠)، (٤/ ٤٨١)، (٧/ ٧، ٢٥٢، ٢٧٧) (٨/ ٢٠٤).
(٢) لم أجد له ترجمة.
(٣) «تاريخ بغداد» (٤/ ٦٩٣ - ٦٩٤).
[ ١٠٥ ]
الكوفي عن أحمد بن محمد بن سعيد (^١) أنه قال: كنتُ عند الحَضْرمي فمرَّ عليه ابن للحسين بن حُميد الخزَّاز، فقال: هذا كذَّاب ابن كذَّاب.
فتعقَّبه الخطيب قائلًا: «في الجرح بما يحكيه أبو العباس بن سعيد نظر؛ حدثني علي بن محمد بن نصر قال: سمعتُ حمزة السَّهمي يقول (^٢): سألتُ أبا بكر بن عبدان (^٣) عن ابن عُقدة إذا حكى حكاية عن غيره من الشيوخ في الجرح؛ هل يُقبل قوله أم لا؟ قال: لا يُقبل.
وقد أخبرنا أحمد بن محمد بن غالب (^٤) قال: أخبرنا أبو يعلى الطُّوسي (^٥) قال: محمد بن الحسين بن حُميد بن الربيع كان ثقةً يفهم» (^٦).
٥ - مناقشة اجتهادات العلماء السابقين وعدم تقليدهم:
روى الخطيب في ترجمة عبد الملك بن أبي سليمان العَرْزمي عن أمية بن
_________________
(١) هو أبو العباس بن عقدة الكوفي، الحافظ العلَّامة، أحد أعلام الحديث، على ضعفٍ فيه، توفي سنة (٣٣٢ هـ). «سير أعلام النبلاء» (١٥/ ٣٤٠، ٣٥٥).
(٢) «سؤالات حمزة السهمي للدارقطني وغيره من المشايخ» (ص: ١٦٠ رقم ١٦٦).
(٣) هو أبو بكر أحمد بن عبدان بن محمد بن الفرج الشيرازي الأهوازي الحافظ، المعروف بـ «الباز الأبيض»، كان من كبار أئمة الحديث، سأله حمزة بن يوسف السهمي عن الرجال والجرح والتعديل، توفي سنة (٣٨٨ هـ). «تاريخ الإسلام» (٨/ ٦٢٩).
(٤) هو البرقاني الحافظ المعروف شيخ الخطيب.
(٥) هو أبو يعلى عثمان بن الحسن بن علي بن محمد بن عَزْرة بن دَيْلم الورَّاق المعروف بالطوسي، قال البرقاني: كان ذا معرفة وفضل، له تخريجات وجُموع، وهو ثقة. توفي سنة (٣٦٧ هـ). «تاريخ بغداد» (١٣/ ١٩٨ - ١٩٩).
(٦) «تاريخ بغداد» (٣/ ٢٧). وينظر لمزيد من الأمثلة: «تاريخ بغداد» (١/ ٤٩٩)، (٧/ ١٤٣، ١٥٦).
[ ١٠٦ ]
خالد أنه قال: قلتُ لشعبة: ما لك لا تحدِّث عن عبد الملك بن أبي سليمان (^١)؟ قال: تركتُ حديثه.
قلتُ: تحدِّث عن محمد بن عبيد الله العَرْزمي (^٢)، وتدع عبد الملك، وقد كان حسن الحديث؟! قال: من حُسنها فررتُ.
فتعقَّبه الخطيب قائلًا: «قد أساء شعبة في اختياره حيث حدَّث عن محمد بن عبيد الله العَرْزمي، وترك التحديث عن عبد الملك بن أبي سليمان؛ لأن محمد بن عبيد الله لم تختلف الأئمة من أهل الأثر في ذهاب حديثه، وسقوط روايته. وأما عبد الملك فثناؤهم عليه مستفيض، وحُسن ذِكرهم له مشهور». ثم ذكر توثيق أهل العلم لعبد الملك وثناءهم عليه (^٣).
وذكر في ترجمة محمد بن عمران بن موسى أبي عبيد الله الكاتب المَرْزُباني أن شيخه الأزهري حدَّثه قائلًا: «كان أبو عبد الله بن الكاتب (^٤) يذكر أبا عبيد الله المَرْزُباني ذِكرًا قبيحًا، ويقول: أشرفتُ منه على أمرٍ عرفتُ به أنَّه كذَّاب».
_________________
(١) هو عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي، صدوق له أوهام، مات سنة خمس وأربعين ومائة. «تقريب التهذيب» (ص: ٣٦٣ رقم ٤١٨٤).
(٢) هو محمد بن عبيد الله بن أبي سليمان العرزمي الفزاري، أبو عبد الرحمن الكوفي، متروك، مات سنة بضع وخمسين ومائة. «تقريب التهذيب» (ص: ٤٩٤ رقم ٦١٠٨).
(٣) «تاريخ بغداد» (١٢/ ١٣٥).
(٤) هو أحمد بن محمد بن عبد الله بن خالد أبو عبد الله المعروف بابن الكاتب، كان صحيح السماع كثيره. توفي سنة (٤٢٥ هـ). «تاريخ بغداد» (٦/ ٢٠٠).
[ ١٠٧ ]
فتعقَّبه الخطيب قائلًا: «ليس حال أبي عبيد الله عندنا الكذب، وأكثر ما عِيب عليه المذهب، وروايته عن إجازات الشيوخ له من غير تبيين الإجازة، فالله أعلم، وقد ذكره محمد بن أبي الفوارس (^١) فقال: كان يقول بالإجازات، وكان فيه اعتزال وتشيُّع» (^٢).
_________________
(١) هو أبو الفتح محمد بن أحمد بن محمد بن فارس بن سهل بن أبي الفوارس، سافر في طلب الحديث إلى البصرة وبلد فارس وخُراسان، وكتب الكثير وجمع، وكان ذا حفظ ومعرفة وأمانة وثقة، مشهورًا بالصلاح، وكتب الناس بانتخابه على الشيوخ وتخريجه. توفي سنة (٤١٢ هـ). «تاريخ بغداد» (٢/ ٢١٣ - ٢١٤).
(٢) «تاريخ بغداد» (٤/ ٢٢٩). وينظر: مبحث «نقد الخطيب للأحكام النقدية لسابقيه وعدم التقليد» من الباب الرابع (ص: ٣٤٨).
[ ١٠٨ ]