مرضه ووفاته
مرض الحافظ أبو بكر الخطيب ببغداد في منتصف شهر رمضان من سنة ٤٦٣ هـ، واستمر به المرض إلى أن اشتد في غرة ذي الحجة، وحينها أوصى إلى صديقه وتلميذه أبي الفضل بن خيرون، وتصدَّق بجميع ماله، وهو مائتا دينار، فرَّق ذلك على أصحاب الحديث والفقهاء والفقراء في مرضه، ووصَّى أن يُتصدق بجميع ما يخلفه من ثياب وغيرها، وأوقف جميع كتبه على المسلمين.
وتوفي - ﵀ - ضحى نهار الاثنين السابع من ذي الحجة من سنة ٤٦٣ هـ، وأُخرج الغد يوم الثلاثاء، وحضر الصلاة عليه خلق كثير من أماثل الناس: النقباء والأشراف والقضاة والفقهاء وأهل العلم والصوفية والعامة، وتبع جنازته خلق عظيم، وكان الفقيه الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي أحد من حمل جنازته، وكان بين يديها جماعة ينادون: «هذا الذي كان يذبُّ عن رسول الله - ﷺ -، هذا الذي كان ينفي الكذب عن رسول الله - ﷺ -، هذا الذي كان يحفظ حديث رسول الله - ﷺ -».
وقد أوصى أن يُدفن بجوار بشر الحافي، وكان قد شرب من زمزم في حجته وسأل الله - ﷿ - ثلاث حاجات منها: أن يُدفن إذا مات عند قبر بشر الحافي.
فسارع تلامذته ومحبُّوه في إنفاذ وصيته، وكان الموضع الذي بجنب بشر
[ ٨٦ ]
الحافي قد حفر فيه أبو بكر أحمد بن علي الطُّرَيْثِيثي قبرًا لنفسه، وكان يمضي إلى
ذلك الموضع ويختم فيه القرآن ويدعو، ومضى على ذلك عدة سنين، فلما مات الخطيب سألوه أن يدفنوه في هذا الموضع فامتنع، وقال: هذا قبري قد حفرته وختمت فيه عدة ختمات، لا أُمكِّن أحدًا من الدفن فيه، وهذا مما لا يُتصوَّر.
فانتهى الخبر إلى الشيخ الزاهد أبي سعد أحمد بن محمد بن دوست النيسابوري المعروف بشيخ الشيوخ، فقال لأبي بكر الطُّرَيْثِيثي: يا شيخ، لو كان بشر بن الحارث الحافي في الأحياء، ودخلت أنت والخطيب عليه، أيُّكما كان يقعد إلى جانبه أنت أو الخطيب؟ قال: لا، بل الخطيب. فقال: كذا ينبغي أن يكون في حالة الممات؛ فإنه أحق به منك. فطاب قلبه ورضي بأن يُدفن الخطيب في ذلك الموضع، فدُفن فيه (^١).
- ﵀ - وأكرم مثواه، وهو ممن يُنشد له قول الشاعر:
ما زلتَ تدأب في التاريخ مجتهدًا … حتى رأيتُك في التاريخ مكتوبا (^٢)
وقد رُئيت له منامات كثيرة صالحة مبشِّرة، منها ما ذكره أبو الفضل بن خيرون قال: جاءني بعض الصالحين وأخبرني لما مات الخطيب أنه رآه في النوم، فقال له: كيف حالك؟ قال: أنا في رَوح ورَيحان وجنة نعيم (^٣).
_________________
(١) «تاريخ دمشق» (٥/ ٣٤، ٣٨ - ٣٩)، و«المنتظم في تاريخ الملوك والأمم» (١٦/ ١٣٤)، و«التقييد لمعرفة رواة السنن والمسانيد» (ص: ١٥٤)، و«سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٢٨٦)، و«طبقات الشافعية» للسبكي (٤/ ٣٧).
(٢) «البداية والنهاية» (١٦/ ٣١).
(٣) «سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٢٨٧). وينظر: «تاريخ دمشق» (٥/ ٣٧، ٤٠)، و«سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٢٨٨).
[ ٨٧ ]