لقد كان الخطيب كريمًا معطاءًا، مُعينًا طلبةَ العلم بما يستطيع من مال، قال السبكي: «كان للخطيب ثروة ظاهرة، وصدقات على طلاب العلم دارَّة، يهب الذهب الكثير للطلبة» (^٢).
وقال العلامة أبو زكريا التبريزي اللُّغوي المعروف: «دخلتُ دمشق، فكنتُ أقرأ على الخطيب بحلقته بالجامع كتبَ الأدب المسموعة، وكنتُ أسكن منارة الجامع، فصعد إليَّ وقال: أحببتُ أن أزورك في بيتك. فتحدَّثنا ساعة، ثم أخرج ورقة، وقال: الهدية مستحبَّة، تشتري بهذا أقلامًا. ونهض، فإذا خمسة دنانير مصرية، ثم صعد مرة أخرى، ووضع نحوًا من ذلك» (^٣).
_________________
(١) «سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٢٧٧).
(٢) «طبقات الشافعية» (٤/ ٣٤).
(٣) «سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٢٧٨).
[ ٦٧ ]
وقد وزَّع قبل موته كلَّ ما يملكه من مال وغيره على طلبة الحديث، قال أبو منصور علي بن علي الأمين: «لما رجع الخطيب من الشام كانت له ثروة من الثياب والذهب، وما كان له عَقِب، فكتب إلى القائم بأمر الله: إنَّ مالي يصير إلى بيت المال، فائذن لي حتى أفرِّقه فيمن شئتُ. فأذن له، ففرَّقها على المحدِّثين» (^١).
وقال الحافظ ابن ناصر: أخبرتني أمي، أنَّ أبي حدَّثها قال: «كنتُ أدخل على الخطيب، وأُمرِّضه، فقلتُ له يومًا: يا سيدي، إن أبا الفضل بن خيرون لم يُعطني شيئًا من الذهب الذي أمرتَه أن يفرِّقه على أصحاب الحديث.
فرفع الخطيب رأسه من المخدة، وقال: خُذ هذه الخِرقة، بارك الله لك فيها. فكان فيها أربعون دينارًا، فأنفقتُها مدة في طلب العلم» (^٢).
* * *
_________________
(١) «سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٢٨٥).
(٢) «سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٢٨٥).
[ ٦٨ ]