معنى الرواية عند المحدثين: حمل الحيث ونقله وإسناده إلى من عزي إليه بصيغة من صيغ الأداء (١).
وقواعد هذا الباب تبحث في المنهج العلمي للرواية في أخذ الراوي للحديث الذي سماه العلماء "التحمل". ثم في تبليغه الذي أطلقوا عليه: "الأداء". وما ينبغي أن يكون عليه حال التحمل والأداء من الأدب، والإخلاص، والتحري، والاتقان، وذلك يتصل بعلوم الرواة بسبب قوي.
كما أن لهذه العلوم أهمية بالغة في أصول الحديث، لأنها تلقي لنا الضوء على المنهجية الدقيقة التي اتبعها علماء الإسلام في تلقي الحديث وتبليغه، والروح الإيمانية العظيمة التي دفعتهم لبذل أقصى الجهود لحفظ الحديث ونشره، بغاية الأمانة والحيطة التي يريدها العلم.
١ - معنى "حمله ونقله" أي تلقيه ثم تبليغه، فمن لم يبلغ شيئا لا يكون راويا، وقولنا: "وإسناده إلى من عزي إليه". أني نسبته إلى قائله، فلو تحدث بالحديث ولم ينسبه إلى قائله لم يكن ذلك رواية. المنهج الحديث: قسم الرواية: (٢٩).
_________________
(١) معنى "حملة ونقله" أي تلقيه ثم تبليغه، فمن لم يبلغ شيئا لا يكون راويا، وقولنا "وإسناه إلى من عزي إليه". أي نسبته إلى قائله، فلو تحدث بالحديث ولم ينسبه إلى قائله لم يكن ذلك رواية. المنهج الحديث: قسم الرواية: ٢٩.
[ ١٨٨ ]
ويشتمل الباب على خمسة أنواع من علوم الحديث هي:
١ - آداب طالب الحديث.
٢ - آداب المحدث.
٣ - كيفية سماع الحديث وتحمله وضبطه.
٤ - صفة رواية الحديث وشرط أدائه.
٥ - كتابة الحديث وكيفية ضبطة.
وفي الباب فروع كثيرة عديدة، سنسلك في عرضها طريق الاختصار والاقتصار على ما يتعلق بالمقصود.
١ - آداب طالب الحديث:
وهي آداب كل طالب علم تبين له كيف ينهج في تحصيل العلم لكن عين بها المحدثون وخصوا بها طالب الحديث لأهمية شأن علمه وإليك تلخيصها فيما يلي:
١ - الإخلاص لله تعالى:
وهو أول ما يجب عليه، فليجعل اشتغاله بالتحصيل خالصا لابتغاء مرضاة الله تعالى ولما أعده من جزيل الأجر. ففي الحديث المتواتر عنه ﷺ قال: "نضر الله امرًأ سمع مقالتي فبلغها" (١)
_________________
(١) انظر ما سبق ٣٨، وتدريب الراوي: ٣٧٤، وكشف الخفاء: ٢: ٣١٩.
[ ١٨٩ ]
وقال سفيان الثوري ﵁: "ما أعلم عملا هو أفضل من طلب الحديث لم أراد الله به".
وليحذر طالب العلم، وطالب الحديث خاصة من أن يتخذه وصلة إلى شيء من الأغراض الدنيوية، وقد صح في الحديث عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال في أول الناس يقضي يوم القيامة عليه: " ورجل تعلم العلم وعلمه، وقرأ القرآن، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها. قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن. قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى كب في النار". أخرجه مسلم (١).
وفي الحديث عنه ﷺ قال: "من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة". يعني ريحها. أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه (٢).
وقال حماد بن سلمة -وكان من الأبدال ﵁-: "من طلب الحديث لغير الله مكر به".
قال ابن الصلاح: "ومن أقرب الوجوه في إصلاح النية فيه ما روينا عن أبي عمرو إسماعيل بن نجيد أنه سأل أبا جعفر أحمد بن حمدان وكانا عبدين صالحين: فقال له: "بأي نية أكتب الحديث؟ "
_________________
(١) في الإمارة: ٦: ٤٧.
(٢) أبو داود بلفظه في العلم عن أبي هريرة: ٣: ٣٢٣، والترمذي بنحوه عن ابن عمر: وحسنه: ٥: ٣٣ وابن ماجه بمثل أبي داود رقم ٢٥٢. وانظر تهذيب السنن: ٥: ٢٥٥.
[ ١٩٠ ]
فقال: "ألستم تروون أن عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة؟ " قال: "نعم" قال: "فرسول الله ﷺ رأس الصالحين".
وليسأل الله تعالى التيسير والتأييد، والتوفيق، والتسديد، وليأخذ بالأخلاق الزكية، والآداب المرضية، كما قال أبو عاصم النبيل: "من طلب هذا الحديث فقد طلب أعلى أمور الدين، فيجب أن يكون خير الناس".
٢ - الجد في الأخذ عن العلماء:
فإنه يجب على طالب الحديث أن يشمر عن ساق جده واجتهاده في التلقي عن المشهورين بالعلم والدين والورع، ولو كانوا في غير معهده العلمي، وقد كان طلبة العلم يرحلون من أجل ذلك على الرغم من وعورة الطرق وصعوبة المركب، حتى قالوا في طلب الحديث الذي لا يرحل: "لا تأنس منه رشدا".
٣ - العمل بالعلم:
وقد ضرب القرآن لمن لم يعمل بعلمه أسوأ المثل، وجعله عبرة إلى الأبد في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾.
وقال وكيع بن الجراح شيخ الإمام الشافعي: "إذا أردت أن تحفظ الحديث فاعمل به".
٤ - احترام الأساتذة وتوقيرهم:
يجب على الطالب أن يوقر شيوخه وأساتذته، ومن يتلقى عنه فذلك من إجلال الحديث والعلم، وأن يحفظ أستاذه شاهدا وغائبا، ولا يطلبن عثرته، وليكن ذلك كله لله.
[ ١٩١ ]
ولا يكن ممن يمنعه الخجل أو يحجبه الكبر عن طلب العلم والسؤال، فقد قال مجاهد ﵁: "لا يتعلم العلم مستحي ولا مستكبر". حتى لو كانت الفائدة عند من هو دونه، فقد قال وكيع بن الجراح: "لا ينبل الرجل من أصحاب الحديث حتى يكتب عمن هو فوقه وعمن هو مثله، وعمن هو دونه".
٥ - بذل الفائدة لزملائه الطلاب:
وذلك من أول فائدة طلب الحديث والعلم، ومن كتم عن إخواته شيئا من الفوائد لينفرد بها عنهم كان جديرا بأن لا ينتفع به كما ذكر العلماء.
وقال مالك ﵁ "من بركة الحديث إفادة بعضهم بعضا".
٦ - اتباع منهج علمي متدرج في طلب الحديث:
وهذا أمر في غاية الأهمية كثيرا ما ساء لنا عنه طلبة العلم، وقد لخصنا للراغب في ذلك أصول هذا المنهج مما يتعلق بدراسة المراجع:
فأهم كتب الحديث رواية: ما صنف في عصر التدوين، وهي المراجع الأصلية لرواية الحديث، وعلى رأسها الموطأ للإمام مالك، فإنه أيسر لاختصاره، وقصر أسانيده، وحسن انتقاء أحاديثه، والصحيحان، ثم يعتني بسنن أبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، ضبطا لمشكلها وفهما لخفي معانيها.
ومن المسانيد بعد ذلك: المسند للإمام أحمد بن حنبل، ومسند أبي يعلى الموصلي، فقد قيل: "المسانيد كالأنهار ومسد أبي يعلى كالبحر".
ثم يعتني بالكتب الجامعة التي تجمع أحاديث عدة كتب، وبمراجع التخريج التي صنفت لتخريج أحاديث كتاب معين.
[ ١٩٢ ]
وسنفصل الكلام عليها، وعلى أنواع المصنفات في الحديث النبوي، في النوع التالي إن شاء الله تعالى.
وليعتن بالشروح الحديثية، وأهمها "فتح الباري بشرح صحيح البخاري" للحافظ ابن حجر، و"المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج" للإمام النووي.
وكتاب "النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير، فإنه يعتني بالإيضاح التام لمفردات الأحاديث، ولغة النبوة، حتى كأنه شرح مختصر لكل الحديث النبوي.
وأهم ما يحرص عليه طالب العلم أنه كلما مر به حديث لا يعرفه بحث عنه ودرسه، وكذا إذا مر به اسم أو كلمة مشكلة أو مسألة في العلم بحث عنها ودرسها، وأودع ذلك سويداء قلبه، فإنه يجتمع له بذلك علم كثير في سهولة ويسر.
٧ - العناية بمصطلح الحديث:
فإنه لا غنى بطالب الحديث عنه مهما أكثر من حفظ الحديث ورواياته، لأنه يستفيد منه بدونه، لأن فن علوم الحديث يفصح عن أصول الحديث، وفروعه، ويشرح مصطلحات أهله ومقاصدهم ومهماتهم، ينقص المحدث بالجهل به نقصانا فاحشا، ويتعطل بحرمانه منه استكمال الفائدة من تراث السنة العظيم.
[ ١٩٣ ]
٢ - آداب المحدث:
وهي آداب يحتاج إليها كل من يتصدر مجالس العلم، أو يتصدى للتدريس، نبه عليها المحدثون وحضوا عليها من يتصدى للتحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلمن نلخصها فيما يلي:
١ - الإخلاص وتصحيح النية:
والإخلاص روح الأعمال، ولبها، أمر به جميع الأنبياء، وبعثوا بالدعوة إليه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾. وعالم الحديث ينبغي أن يكون أبعد الناس عن الرياء وحب الدنيا، ليفوز بنفحات النبوة من حديث رسول الله ﷺ.
٢ - التحلي بالفضائل:
فإن علوم الشريعة علوم شريفة تناسب مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم، وتقتضي استقامة الأمر والسلوك. وعلم الحديث من أولى هذه العلوم بذلك، فجدير بالمحثد أن يفوق غيره في ذلك كما كان سلفه من علماء الحديث. ليكون جديرا بالنسب، كما قال القائل:
أهل الحديث هم آل النبي وإن لم يصحبوا نفسه أنفاسه صحبوا
٣ - مراعاة الأهلية للتحديث:
معنى مراعاة الأهلية أن لا يجلس للتحديث إلا إذا كان أهلا لذلك، سواء كان في سن مبكرة أو متأخرة.
[ ١٩٤ ]
وقد أنشد بعض البغداديين:
إن الحداثة لا تقصر بالفتى المرزوق ذهنا
لكن تذكي قلبه فيفوق أكبر منه سنا
وضابط ذلك ما قاله ابن الصلاح: "إنه متى احتيج إلى ما عنده استحب له التصدي لروايته ونشره في أي سن كان" (١).
فإذا ما توفر فيه ذلك فليحرص على إفادة علم الحديث ونشره ما وسعه ذلك.
٤ - التقاعد متى خاف الغلط:
وهذا موضوع طريف جدا، يدل على انتظام الأمور في ظل الحضارة الإسلامية، إذ سبق العلماء إلى تحديد ما تسميه قوانين الموظفين "سن التقاعد".
وبالنظر لما امتن الله به المحدثين من طول العمر فقد جعلوا سن التقاعد هو الثمانين لأن الغالب على من بلغ هذا السن اختلال الجسم والذكر، وضعف الحال، وتغير الفهم. وإلا فإنه ينبغي للعالم الإمساك عن التحديث وعن عقد دروس العلم متى خالف التخليط ولو كان دون هذه السن (٢).
٥ - توقير من هو أولى منه:
وهذا من أخلاق العلماء الكملة، إذ يحذرون التقدم على من هو أولى منهم لكبر السن، أو فضل في العلم.
_________________
(١) علوم الحديث ٢١٣. وقد حدد الرامهرمزي في المحدث الفاصل ق ٤٣ آالأهلية بسن الخمسين وناقشه في ذلك القاضي عياض نقاشا قيما في الإلماع: ٢٠٠ - ٢٠٤ فانظرها.
(٢) انظر المحدث الفاصل: ٣٥٤. والالماع: ٢٠٤ - ٢٠٩.
[ ١٩٥ ]
"وكان إبراهيم النخعي والشعبي إذا اجتمعا لم يتكلم إبراهيم بشيء" كما ينبغي للعالم إذا التمس منه ما يعلمه عند غيره أعلى منه أو أرجع أن يعلم الطالب به، ويرشده إليه، فإن الدين النصحية.
٦ - توقير الحديث والتأهب لمجلس التحديث:
فإن الحديث كلام رسول الله ﷺ، فينبغي أن يكون في نفس المحدث استشعار توقيره، وذلك بأن يتأهب للمجلس من حيث الثياب والطهارة، وينبغي أن يعني بأسلوب الألقاء فإنه أمر ضروري، ومن الواجب أن يراجع المحدث أو المدرس المادة العلمية، ويعد في نفسه طريقة أداء كل قسم، وينوع الأسلوب، فتارة يخبرهم، وتارة يلقي عليهم المسألة سؤالا، وهكذا ليشوقهم ويشركهم في المجلس.
وينبغي له مع أهل مجلسه العلمي ما قال حبيب بن أبي ثابت "إن من السنة إذا حدث الرجل القوم أن يقبل عليهم جميعا".
وليعمد للوسائل والأساليب المفهمة الموضحة التي تساعد على رسوخ الكلام في الذهن، على نحو ما سبق أن ذكرناه (١) م سنة النبي ﷺ في تحديث أصحابه الكرام ﵃.
٧ - الاشتغال بالتصنيف والانتاج العلمي:
لمن توفرت فيه الأهلية لذلك، فإنه يفتح له من مغاليق العلم، ويوسع أمامه من مجاله ما لم يكن بحسبانه، كما أن كل عصر له شأن خاص يحتاج إلى تجديد في الأسلوب وفي الموضوعات والأفكار، بحسب ما يتطلبه حال الناس من الناحية الفكرية والأخلاقية والعلمية وقد حجر واسعا من قال: "ما ترك الأول للآخر". ومن تأمل ومارس قال: كم ترك الأول للآخر! .
_________________
(١) : ٣٨ - ٣٩.
[ ١٩٦ ]
وينبغي لم يتصدى للتصنيف:
أن يخلط في عمله فائدة جديدة، إما باشتغال مصنفه على ابتكار فكرة أو نظرية جديدة، توصل إليها باجتهاده، أو حسن ترتيب وتنسيق. أو حل لمشكل وإيضاح لغامض، أو تجديد أسلوب يقدم به المادة العلمية في ثوب يناسب عصره. كذلك ينبغي له أن لا يتعرض للتصنيف فيما لا يحسن من الفنون، اغترارا بعدم اكتشاف الناس لأمره، أو طلبا للسمعة بكثرة المؤلفات وتنوعها، ومن فعل ذلك تقع له السقطات، وتكثر منه الهنات.
وحسن التصنيف أمنية عظيمة، وموهبة إلهية، نرجو الله أن يتفضل بها علينا، ويجعل عملنا في ذلك خالصا لوجهه الكريم، مقبولا عنده، نافعا لعباده.
[ ١٩٧ ]