ويمتد من منتصف القرن الرابع إلى أوائل القرن السابع:
أكب العلماء في هذه الفترة على تصانيف السابقين التي كانت تجربة أولى في التدوين فجمعوا ما تفرق في مؤلفات الفن الواحد، واستدركوا ما فات السابقين، معتمدين في كل ذلك على نقل المعلومات عن العلماء بالسند إليهم كما فعل سابقوهم، ثم التعليق عليها والاستنباط منها.
فوجدت كتب في علوم الحديث لا تزال مراجع لا يغني عنها غيرها، ومن أهمها:
١ - "المحدث الفاصل بين الراوي والواعي" ألفه القاضي أبو محمد الرامهرمزي الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد المتوفى سنة ٣٦٠.
وهو أكبر كتاب وضع في علوم الحديث حتى ذلك العصر، استوفى فيه مؤلفه البحث في آداب الراوي والمحدث وطرق التحمل والأداء واجتهاد المحدثين في حمل العلم وما يتعلق بهذا الفن من الأمور. فهو في الحقيقة من كتب علوم الحديث بمعناه الإضافي لا باعتبار كونه اسما ولقبا للعلم الخاص المعروف.
٢ - "الكفاية في علم الرواية" للخطيب البغدادي أبي بكر أحمد بن علي المتوفى سنة ٤٦٣ هـ استوفى فيه البحث في قوانين الرواية
[ ٦٣ ]
وإبان فيه عن أصولها وقواعدها الكلية، ومذاهب العلماء فيما اختلفت آراؤهم فيه، ولا يزال حتى يومنا أعظم كتاب في هذا الباب.
٣ - "الإلماع في أصول الرواية والسماع"، للقاضي عياض بن موسى اليحصبي المتوفى سنة ٥٤٤ هـ وهو كتاب مفيد جدا.
فهذه المراجع وسواها مما صنف في ذلك العصر في كل نوع من أنواع علوم الحديث أصبحت المراجع الأصلية في هذه الفنون، بنى عليها اللاحقون بأن حذفوا أسانيدها وتلافوا أوهاما يسيرة فيها، أو استدركوا زيادات أضافوها إليها.
وفي هذا الدور وضعت التآليف الجامعة لأنواع الحديث ونما التدوين في فن "علوم الحديث". ومن أهم ما صنف فيه إذ ذاك:
١ - "معرفة علوم الحديث" للحاكم أبي عبد الله محمد بن عبد الله النيسابوري المتوفى سنة ٤٠٥ هـ بحث فيه اثنين وخمسين نوعا من علوم الحديث. وقد طبع في مصر سنة ١٩٣٧.
٢ - "المستخرج" لأبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني المتوفى سنة ٤٣٠ هـ زاد فيه على الحاكم أشياء فاتته، لذلك سماه مستخرجا. ومع ذلك فقد تركا أشياء للمتعقب.
٣ - "ما لا يسع المحدث جهله" للميانجي أبي حفص عمر بن عبد المجيد المتوفى سنة ٥٨٠ هـ وهو رسالة مختصرة.
وكان من أبرز الأعلام الذين شيدوا بنيان علوم الحديث في هذا الدور واعتمد عليهم من جاء بعدهم: الحاكم النيسابوري والخطيب البغدادي.
أما الحاكم فقد شق الطريق لمن بعده، بوضع كتابه المذكور: قال ابن خلدون: "ومن فحول علمائه -يعني علوم الحديث- وأئمتهم
[ ٦٤ ]
أبو عبد الله الحاكم وتآليفه فيه مشهورة، وهو الذي هذبه وأظهر محاسنه" (١).
وقال الشيخ طاهر الجزائري "فيه فوائد مهمة رائعة ينبغي لمطالعي هذا الفن الوقوف عليها" (٢).
وأم الخطيب فإنه قد صنف في كل فن من فنون الحديث كتابا مفردا جامعا مستوفيا، حتى أضحت كتبه ملاذ الأئمة في فنون الحديث، كما قال الحافظ أبو بكر بن نقطة: "كل من أنصف علم أن المحدثين بعد الخطيب عيال على كتبه" (٣).
وكان طابع الجمع في هذه التآليف بارزا ظاهرا، فقد عمد المصنفون إلى نقل أقوال أئمة الفن في كل مسألة بأسانيدهم، ووضعوا لكل مجموعة منه عنوانا يدل على مضمونها معتمدين على القارئ في فهمها وإدراك مراميها، سوى شيء يسير من الإيضاح أو المناقشة، إلا أن الحاكم قصد ضبط القواعد، لكن فاته كما ذكر العلماء: أمران: استيعاب أنواع الحديث، وتهذيب العبارات وضبطها حتى يتضح المراد من التعريف (٤).
_________________
(١) مقدمة ابن خلدون: ٣٧١.
(٢) توجيه النظر: ١٦٣.
(٣) انظر إحصاء تصانيفه في كتاب "الخطيب البغدادي مؤرخ بغداد ومحدثها، للدكتور يوسف العش ١٢٠ - ١٣٧ وعددها /١٤٠/.
(٤) انظر بعد هذا العرض ما قاله الدكتور يوسف العش في كتابه "الخطيب البغدادي" ص ١٦٧ - ١٧٠ في وضع قواعد الحديث والتدوين فيها متأملا ناقدا.
[ ٦٥ ]