الفصل الأول: في علوم متن الحديث من حيث قائله
١ - الحديث القدسي:
الحديث القدسي: هو ما أضيف إلى رسول الله ﷺ وأسنده إلى ربه ﷿. مثل: "قال رسول الله ﷺ وأسنده إلى ربه ﷿: مثل: "قال رسول الله ﷺ فيما يروى عن ربه"، أو"قال الله تعالى فيما رواه عنه رسول الله ﷺ". ويقال له أيضا: الحديث الإلهي، أو الرباني.
ومناسبة تسميته "قدسيا" هي التكريم لهذه الأحاديث من حيث إضافتها إلى الله تعالى، كما أنها واردة في تقديس الذات الإلهية، قلما تتعرض لأحكام الحلال والحرام، إنما هي من علوم الروح في الحق ﷾.
ومن أمثلة الحديث القدسي:
حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: قال
[ ٣٢٣ ]
الله ﵎: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه". أخرجه مسلم وابن ماجه (١).
وحديث معاذ بن جبل سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قال الله ﷿: وجبت محبتي للمتحابين في، والمتجالسين في، والمتباذلين في، والمتزاورين في". أخرجه أحمد والحاكم وابن حبان والبيهقي (٢).
وحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "يقول الله ﷿: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب مني شبرا تقربت إليه ذراعا، وإن تقرب إلي ذراعا تقربت منه باعا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة". أخرجه مسلم (٣).
الفرق بين الحديث القدسي وبين القرآن:
والفرق بين الحديث القدسي وبين القرآن وقع فيه خلاف كبير بين العلماء، ومن أقوى المذاهب في هذا ما ذهب إليه أبو البقاء العكبري والطيبي.
قال أبو البقاء: "إن القرآن ما كان لفظه ومعناه من عند الله بوحي جلي، وأما الحديث القدسي فهو ما كان لفظه من عند الرسول ومعناه من عند الله بالإلهام أو بالمنام".
_________________
(١) الاتحافات السنية رقم ٥٨ - ٥٩، ومسلم: ٨: ٢٢٣. وابن ماجه رقم ٤٢٠٢.
(٢) الاتحافات السنية رقم ١٥٩. وانظر المسند: ٥: ٢٣٣. ومجمع الزوائد: ١٠: ٢٧٩ وقال: رجاله رجال الصحيح. وموارد الظمأن: ٦٢٢.
(٣) في الذكر والدعاء: ٨: ٦٢.
[ ٣٢٤ ]
وقال الطيبي: "القرآن هو اللفظ المنزل به جبريل على النبي ﷺ، والحديث القدسي إخبار الله معناه بالإلهام أو بالمنام، فأخبر النبي أمته بعبارة نفسه، وسائر الأحاديث لم يضفها إلى الله تعالى ولم يروها عنه تعالى" (١).
ويختص القرآن بخصال ليست في الحديث القدسي أهما:
١ - أن القرآن معجز.
٢ - أننا تعبدنا بلفظ القرآن، ولا يجوز لمسه لمحدث ولا قراءته للجنب.
٣ - تواتر القرآن، وعدم تواتر الأحاديث القدسية بل فيها ما يضعف (٢).
وقد عني العلماء بجمع الأحاديث القدسية في مؤلفات خاصة، من أهمها كتاب "الاتحافات السنية في الأحاديث القدسية" للمنادي (٣) جمع فيه (٢٧٢) حديثا قدسيا.
٢ - الحديث المرفوع:
الحديث المرفوع: هو ما أضيف إلى النبي ﷺ خاصة من قول أو فعل أو تقرير أو وصف.
_________________
(١) قواعد التحديث: ٦٦.
(٢) انظر المنهج الحديث قسم التاريخ: ٣١ - ٣٢.
(٣) الرسالة المستطرفة: ٦١.
[ ٣٢٥ ]
هذا هو المشهور في تعريف المرفوع (١). ويدخل فيه المتصل والمنقطع، ومنه الصحيح والحسن، والضعيف، والموضوع، بحسب استيفائه شروط القبول أو اختلالها فيه.
قال ابن الصلاح: "ومن جعل من أهل الحديث المرفوع في مقابلة المرسل فقد عنى بالمرفوع المتصل".
٣ - الموقوف:
وهو ما أضيف إلى الصحابة رضوان الله عليهم. ولم يتجاوز به إلى رسول الله ﷺ.
سمي موقوفا لأنه وقف به عند الصحابي، ولم يرتفع إلى النبي ﷺ.
قال ابن الصلاح والعلماء: ثم إن منه ما يتصل الإسناد فيه إلى الصحابي فيكون من الموقوف الموصول، ومنه ما لا يتصل إسناده فيكون من الموقوف غير الموصول على حسب ما عرف مثله في المرفوع إلى رسول الله ﷺ".
"وما ذكرناه من تخصيصه بالصحابي فذلك إذا ذكر الموقوف مطلقا، يعني إذا قيل: حديث موقوف، أو وقفه فلان.
_________________
(١) قارن بما سبق في ص ٢٨ - ٢٩.
[ ٣٢٦ ]
وقد يستعمل مقيدا في غير الصحابي، فيقال: حديث كذا وكذا وقفه فلان على عطاء أو على طاووس أو نحو هذا.
وبعض العلماء يطلقون على الموقوف اسم "الأثر" (١).
٤ - المقطوع:
هو: ما أضيف إلى التابعي: ويقال في جمعه: المقاطع"، و"المقاطيع".
وهذا غير المنقطع الآتي (٢). وهذا النوع كسائر الأنواع الثلاثة السابقة ينقسم إلى صحيح وحسن وضعيف وإلى كافة الأقسام الآتية في أبحاث الكتاب.
ومن مصادر الحديث الموقوف والمقطوع المصنفات، لأنها تجمع كل ما ورد في الباب، ومن أهمها: مصنف عبد الرزاق بن همام الصنعاني المتوفى (٢١١) هـ. ومصنف أبي بكر بن أبي شيبة " (٢٣٥) هـ".
كذلك كتب التفسير بالمأثور، كتفسير ابن جرير الطبري " (٣١٠) هـ". لأنها تعني بأقوال الصحابة والتابعين في تفسير الآيات الكريمة.
_________________
(١) كما سبق في ص ٢٨ - ٢٩.
(٢) برقم ٦٢ ص ٣٦٧ - ٣٦٩، وقال ابن الصلاح "وقد وجدت التعبير بالمقطوع عن المنقطع غير الموصول في كلام الشافعي وأبي القاسم الطبراني وغيرهما".
[ ٣٢٧ ]
مسائل تتعلق بالموقوف والمقطوع:
المسألة الأولى:
اختلف العلماء في الاحتجاج بما ثبت عن الصحابة من الموقوفات في إثبات الأحكام الشرعية. فذهب الرازي من الحنفية وفخر الإسلام والسرخسي والمتأخرون منهم ومالك وأحمد في أحدى روايتيه إلى أنه حجة، لما أن حال الصحابة كان العمل بالسنة وتبليغ الشريعة.
وذهب بعض الحنفية والشافعي إلى أنه ليس بحجة لاحتمال أن يكون من اجتهاد الصحابي الخاص، أو أن يكون سمعه من غير رسول الله ﷺ (١).
المسألة الثانية: ما له حكم الرفع
إذا احتف الحديث الموقوف بقرائن معنوية أو لفظية تدل على رفعه فإنه يكون له حكم المرفوع ويحتج به.
وذلك في عدة صور بينها العلماء وهي:
الصورة الأولى: أن يكون مما لا مجال فيه للرأي والقياس.
فإن هذا يحكم برفعه. كالمواقيت، والمقادير الشرعية، وأحوال الآخرة، وقصص الماضين، ونحو ذلك من الصحابي الذي لم يأخذ عن أهل الكتاب، وذلك لأن الظاهر فيه النقل عن صاحب الشرع.
ومن ذلك التفسير الذي يتعلق بسبب نزول آية، فإنه من الصحابي الذي عاين التنزيل وعاصره في حكم المرفوع، لا التفسير الوارد عن الصحابة مما هو محل الاجتهاد.
_________________
(١) التقرير والتحبير: ٢: ٣١٠ - ٣١١ - وانظر الرسالة: ٥٩٨.
[ ٣٢٨ ]
قال الحاكم النيسابوري: "فأما ما نقول في تفسير الصحابي: مسند، فإنما نقوله في غير هذا النوع -يعني تفسير الصحابة الذي هو محل الاجتهاد-. فإنه كما أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي ثنا إسماعيل بن أبي أويس حدثني مالك بن أنس عن محمد بن المنكدر عن جابر قال: كانت اليهود تقول: من أتى امرأته من دبرها في قبلها جاء الولد أحول، فأنزل الله ﷿: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾.
قال الحاكم: "هذا الحديث واشباهه مسندة عن آخرها وليست بمرفوعة، فإن الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل فأخبر عن آية من القرآن أنها نزلت في كذا وكذا فإنه حديث مسند" (١) اهـ.
والمراد بقوله حديث مسند: أنه مرفوع.
الصورة الثانية: ما يحكيه الصحابي من فعل الصحابة أو قولهم مضافا للعهد الماضي. نحو كنا نفعل كذا، أو نقول كذا.
ولهذه الصورة عبارتان:
الأول: عبارة مطلقة لم تضف إلى زمن النبي ﷺ.
الثانية: ما أضيف فيه القول أو الفعل إلى زمنه ﷺ.
أما العبارة التي أطلق فيها القول أو الفعل فاختلف فيها:
ذهب العراقي والحافظ ابن حجر والسيوطي إلى أنه مرفوع، واختاره النووي والرازي والآمدي والأصوليون.
وذهب ابن الصلاح إلى أنه موقوف ليس بمرفوع.
_________________
(١) المعرفة: ٢٠ وانظر الحديث في البخاري في التفسير: ٦: ٢٩، ومسلم في النكاح: ٤: ١٥٦.
[ ٣٢٩ ]
والراجح هو الأول: لأن الظاهر من مثل قول الصحابي "كنا نفعل كذا " أنه يحكي الشرع، حيث إنه كان دأبهم، وهذه عبارة عموم، فتفيد صدور ذلك منهم عن إذن من الشارع، ولذلك اختار النووي هذا المذهب، وقال في شرح المهذب: "وهو قوي من حيث المعنى".
أما العبارة الثانية: التي فيها إضافته لعهد النبي ﷺ فالجمهور من العلماء على أنه مرفوع، لأن ظاهر ذلك مشعر بأن رسول الله ﷺ اطلع على ذلك وأقرهم عليه، لتوفر دواعيهم على سؤالهم عن أمر دينهم، وتقريره ﷺ أحد وجوه السنن المرفوعة.
ومن أمثلة ذلك حديث جابر قال: "كنا نعزل والقرآن ينزل" متفق عليه (١).
الصورة الثالثة: أن يصدر الصحابي حديثه بما يفيد الرفع
كقولهم: أمرنا بكذا، أو نهينا عن كذا، أو من السنة كذا، فهذا ونحوه مرفوع على الصحيح الذي قاله الجمهور، لأن مطلق ذلك ينصرف بظاهره إلى من له الأمر والنهي، ومن يجب اتباع سنته، وهو رسول الله ﷺ.
ومن أمثلة ذلك: حديث أنس بن مالك -﵁- قال: "أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة" أخرجه الترمذي- وقال: حسن صحيح (٢).
_________________
(١) البخاري في النكاح: ٧: ٣٣، ومسلم ٤: ١٦٠.
(٢) "باب ما جاء في إفراد الإقامة": ١: ٣٦٩ - ٣٧٠.
[ ٣٣٠ ]
وكحديث عمران بن حصين -﵁- قال: "نهينا عن الكي" أخرجه الترمذي وقال فيه: "حسن صحيح" (١).
وكحديث علي -﵁- قال: "من السنة أن تخرج إلى العيد ماشيا، وأن تأكل شيئا قبل أن تخرج" أخرجه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن (٢).
الصورة الرابعة: أن يذكر في الحديث عند ذكر الصحابي ما يفيد الرفع. نحو قولهم: يرفعه، أو ينميه أو رواية، فذلك وشبهه مرفوع عند أهل العلم.
ومن ذلك حديث الترمذي عن أبي هريرة رفعه قال: "ضرس الكافر مثل أحد". رواه بسنده ثم قال: هذا حديث حسن (٣).
المسألة الثالثة في الحديث المقطوع:
الحديث المقطوع لا يحتج به في إثبات شيء من الأحكام الشرعية، وإذا احتف بقرائن تفيد رفعه، فإنه عندئذ يكون حكمه حكم المرفوع المرسل (٤)، لسقوط الصحابي منه.
_________________
(١) في الطب "كراهية التداوي بالكي": ٤: ٣٨٩.
(٢) "المشي يوم العيد": ٢: ٤١٠.
(٣) في صفة جهنم "عظم أهل النار": ٤: ٧٠٤.
(٤) الآتي برقم ٦٣ ص ٣٦٩ - ٣٧٣.
[ ٣٣١ ]