حصر العلماء طرق الأخذ للحديث وتلقيه عن الرواة بثماني طرق، توسعوا في دراستها وبيان أحكامها، نخلص لك أصولها فيما يلي:
١ - السماع:
وهو الوسيلة التي تلقى الحديث بواسطتها رعيل المحدثين الأوائل عن النبي ﷺ. ثم رووه بها للناس أيضا. فلا غرو أن يعتبر أعلى مراتب التلقي للحديث، و"أرفع درجات أنواع الرواية عند الأكثرين" (١) من المحدثين وغيرهم.
والعمدة في هذا القسم على سماع لفظ الشيخ. وذلك قد يكون بمجرد سرده للحديث، وقد يكون إملاء، سواء كان من حفظه أو بالقراءة من كتابه. فكل ذلك سماع عند المحدثين.
٢ - العرض:
سلك المحدثون هذا الطريق بعد أن انتشر التدوين، وأصبحت كتابة الحديث أمرا شائعا. ومعنى العرض عندهم:
القراءة على الشيخ من حفظ القارئ، أو من كتاب بين يديه. وهو طريق صحيحة في تلقي الحديث، والرواية به سائغة بالإجماع.
لكن اختلفوا هل هو مثل السماع في المرتبة أو دونه أو فوقه.
ويمكن أن نوفق فنقول برجحان العرض فيما إذا كان الطالب ممن يستطيع إدراك الخطأ فيما يقرأ والشيخ حافظ غاية الحفظ، أما إذا لم يكن الأمر كذلك فالسماع أرجح.
_________________
(١) الإلماع: ٦٩. ونحوه قاله ابن الصلاح: ١٢٢، وغيره.
[ ٢١٤ ]
وقد وجدنا -بعد تقريرنا لذلك- الحافظ ابن عبد البر (١) أخرج عن مالك أنه سئل: "أفيعرض عليك الرجل أحب إليك أو تحدثه؟ " قال: "بل يعرض إذا كان يثبت في قراءته، فربما غلط الذي يحدث أو ينسى".
وهذا يفيد أنه إذا لم يبلغ هذه المرتبة لا يفضل على السماع.
٣ - الإجازة:
والإجازة هي إذان المحدث للطالب أن يروي عنه حديثا أو كتابا أو كتبا من غير أن يسمع ذلك منه أو يقرأه عليه، كأن يقول له: أجزتك أو أجزت لك أن تروي عني صحيح البخاري، أو كتاب الإيمان من صحيح مسلم. فيروي عنه بموجب ذلك من غير أن يسمعه منه أو يقرأه عليه.
وقد أجاز الرواية بها جمهور العلماء، من أهل الحديث وغيرهم (٢). وقد وجد المصنفون في هذا الفن غموضا في الاستدلال لجواز الإجازة (٣)، لكنا نوضحه لك فنقول:
إن العلماء اعتمدوا على الإجازة بعدما دون الحديث وكتب في الصحف وجمع في التصانيف، ونقلت تلك التصانيف والصحف عن أصحابها بالسند الموثوق الذي ينتهي بقراءة النسخة على المؤلف أو مقابلتها بنسخته، فأصبح من العسير على العالم كلما أتاه طالب من طلاب الحديث أن يقرأ الكتاب، فلجئوا إلى الإجازة.
فالإجازة فيها إخبار على سبيل الإجمال بهذا الكتاب أو الكتب
_________________
(١) في جامع بيان العلم وفضله: ٢: ١٧٨. وفي النسخة "إن تحدثه". وهو تصحيف مطبعي. وانظر تفصيل كلمة مالك هذه الإلماع: ٧٤. وانظر للتوسع المحدث الفاصل: ٤٢٠ والكفاية: ٢٧٤ وما بعد.
(٢) انظر الإلماع: ٨٩ واختصار علوم الحديث: ١١٩.
(٣) علوم الحديث: ١٣٥ - ١٣٦.
[ ٢١٥ ]
أنه من روايته. فتنزل منزلة إخباره بكل الكتاب نظرا لوجود النسخ، فإن دولة الوراقين قد قامت بنشر الكتب بمثل ما تفعله المطابع الآن. ولهذا لا يجوز لمن حمل بالإجازة أن يروي بها إلا بعد أن يصحح نسخته على نسخة المؤلف، أو على نسخة صحيحة مقابلة على نسخة المؤلف، أو نحو ذلك مما نسخ وصحح على النسخ المقابلة المصححة.
وقد ذكروا للإجازة أنواعا كثيرة، اعتنى القاضي عياض بها في الإلماع، وتقصاها بما لم يسبق إليه، وذكر لها ستة أنواع، ثم جاء ابن الصلاح ولخص كلامه وزاد عليها نوعا وادا فبلغت سبعة أنواع (١)، وأعلاها: أن يجيز الشيخ لشخص معين كتابا معينا أو كتبا معينة حال كونهما عالمين بهذا الكتاب. وهذا النوع يتحقق فيه معنى الأخبار الذي شرحناه كاملا قويا عاليا. لذلك قال العلماء:
"إنما تستحسن الإجازة إذا كان المجيز عالما بما يجيز: والمجاز له من أهل العلم، لأنه توسع وترخيص يتأهل له أهل العلم لمسيس حاجتهم إليها" (٢).
_________________
(١) نوجزها فيما يلي: آ- أن يجيز الشيخ لشخص معين أو أشخاص بأعيانهم كتابا يسميه أو كتبا يسميها لهم وهي جائزة عند الجمهور. ب- الإجازة من معين في غير معين مثل أن يقول: "أجزت لك أن تروى عني ما أرويه، وهي مما يجوزه الجمهور. جـ- الإجازة العامة كان يقول، أجزت للمسلمين أو للموجودين. د- الإجازة للمجهول أو بالمجهول، وهي فاسدة. هـ- الإجازة للمعدوم كالإجازة للحمل في بطن أمه وهي غير صحيحة أيضا. وإجازة ما لم يسمعه المجيز كأن يقول: أجزت لك أن تروي عني ما ساسمعه والصحيح بطلانها، كما نص القاضي عياض وابن الصلاح وغيرهما. ز- إجازة المجاز مثل أن يقول: أجزت لك إجازاتي، وهي جائزة. انتهى ملخصا بإيجاز شديد من علوم الحديث: ١٣٤ - ١٤٤. وانظر التفصيل الوافي في كتاب الإلماع: ٨٧ - ١٧٠.
(٢) علوم الحديث: ١٤٥، وهذا أقره المصنفون كافة.
[ ٢١٦ ]
وقد قوّى ذلك ابن عبد البر فقال في جامع بيان العلم وفضله (١): "تلخيص هذا الباب أن الإجازة لا تجوز إلا لماهر بالصناعة حاذق بها، يعرف كيف يتناولها، ويكون في شيء معين معروف لا يشكل إسناده فهذا هو الصحيح من القول في ذلك".
٤ - المناولة:
ومعنى المناولة عند المحدثين أن يعطي الشيخ للتلميذ كتابا أو صحيفة ليرويه عنه.
والأصل فيها ما علقه البخاري في كتاب العلم أن رسول الله ﷺ كتب لأمير السرية كتابا، وقال: لا تقرأه حتى تبلغ مكان كذا وكذا، فلما بلغ ذلك المكان قرأه على الناس وأخبرهم بأمر النبي ﷺ" وصله البيهقي والطبراني بسند حسن، واحتج به البخاري (٢) على صحة المناولة " وهو فقه صحيح" كما قال السهيلي (٣).
والمنأولة ثلاثة أنواع:
النوع الأول: المناولة المقرونة بالإجازة مع التمكين من النسخة. وهي أعلى أنواع الإجازة على الإطلاق. مثل: أن يدفع الشيخ كتابه الذي رواه أو نسخة منه، وقد صححها، أو أحاديث من أحاديثه وقد انتهبا وكتبها بخطه، أو كتبت عنه فعرفها، فيقول للطالب: هذه روايتي فاروها عني ويدفعها إليه، أو يقول له خذها فانسخها، وقابل بها، ثم اصرفها إلي، وقد أجزت لك أن تحدث بها عني، أو أروها عني. أو يأتيه الطالب بنسخة صحيحة من رواية الشيخ أو بجزء منه
_________________
(١) : ٢: ١٨٠.
(٢) التدريب: ٢٦٨ وانظر البخاري: ١: ١٩. والإلماع: ٨١.
(٣) في الروض الآنف ٢: ٥٩. وانظر إرشاد الساري: ١: ٢١٧.
[ ٢١٧ ]
حديثه فيقف عليه الشيخ ويعرفه ويحقق صحته ويجيزه له. فهذا كله عند مالك وجماعة من العلماء بمنزلة السماع (١). وقال عياض: "وهي رواية صحيحة عند معظم الأئمة والمحدثين وهو قول كافة أهل النقل والأداء والتحقيق من أهل النظر".
النوع الثاني: المناولة المقرونة بالإجازة من غير تمكين من النسخة: وهذا لا يمتاز في ظاهره عن الإجازة، لكن المشايخ من أهل الحديث يرون له مزية على الإجازة (٢).
ووجه هذه المزية فيما نرى أن في المناولة تأكيدا لمعنى الأخبار الذي اشتملت عليه الإجازة وتقوية لأمره.
النوع الثالث: المناولة المجردة عن الإجازة.
وصورة هذا النوع: أن يناوله الكتاب ويقتصر على قوله: "هذا من حديثي أو من سماعاتي". ولا يقول له أروه عني أو أجزت لك روياته عني، أو نحو ذلك.
وهذه مناولة مختلة لا تجوز الرواية بها عند كثير من المحدثين. وذهب البعض إلى جواز الرواية بها لما سيأتي في قسم الأعلام إن شاء الله (٣).
٥ - المكاتبة:
وهي أن يكتب المحدث إلى الطالب شيئا من حديثه ويبعثه إليه، وهي على نوعين:
النوع الأول: المكاتبة المقرونة بالإجازة.
_________________
(١) الإلماع: ٧٩.
(٢) الإلماع: ٨٣.
(٣) في الصفحة التالية.
[ ٢١٨ ]
وهي في الصحة والقوة شبيهة بالمناولة المقرونة بالإجازة.
النوع الثاني: المكاتبة المجردة من الإجازة.
والصحيح المشهور بين أهل الحديث هو تجويز الرواية بها، فإنها لا تقل عن الإجازة في إفادة العلم، "وقد استمر عمل السلف فمن بعدهم من المشايخ بالحديث بقولهم: كتب إلي فلان قال: أخبرنا فلان، وأجمعوا على مقتضى هذا التحديث، وعدوه في المسند بغير خلاف يعرف في ذلك. وهو موجود في الأسانيد كثير (١) ".
٦ - الإعلام:
وهو إعلام الراوي للطالب أن هذا الحديث أو هذا الكتاب سماعه من فلان. من غير أن يأذن له في روايته عنه. أي من غير أن يقول: اروه عني، أو أذنت لك في روايته". أو نحو ذلك.
وقد ذهب بعض أئمة الأصول، واختاره ابن الصلاح إلى أنه لا تجوز الرواية بذلك (٢). لأنه يجوز أن يكون فيه خلل يمنع من روايته عنه.
وذهب كثير من المحدثين والفقهاء والأصوليين إلى جواز الرواية لما تحمله بالإعلام من غير إجازة، ورجحه الرامهرمزي، وقال عياض فيه "صحيح لا يقتضي النظر سواه، لأنه منعه أن لا يحدث بما حدثه لا لعلة ولا ريبة في الحديث لا يؤثر؛ لإنه قد حدثه فهو شيء لا يرجع فيه (٣) ".
ووجه هذا: أن التحمل قد صح بالإجازة لما فيها من إخبار على
_________________
(١) الإلماع: ٨٦. وانظر الكفاية: ٣٤٥.
(٢) علوم الحديث: ١٥٦. والإلماع. ١١٠.
(٣) الإلماع: ١١٠. وانظر الكفاية: ٣٤٨. والتدريب: ٢٧٩ - ٢٨٠.
[ ٢١٩ ]
سبيل الإجمال. والإعلام فيه نفس المعنى، بل هو أقوى، حيث أشار إلى الكتاب بعينه وقال: هذا سماعي من فلان.
٧ - الوصية:
الوصية وسيلة ضعيفة من طرق التحمل، وهي: أن يوصي المحدث لشخص أن تدفع له كتبه عند موته أو سفره.
وقد رخص بعض العلماء من السلف للموصى له أن يرويه عن الموصي بموجب تلك الوصية، لأن في دفعها له نوعا من الإذن وشبها من العرض والمناولة، وهو قريب من الإعلام (١).
لكن خالف في ذلك ابن الصلاح، وباعد جدا بين الوصية وبين الإعلام، وأنكر ذلك على من قاله، وقال (٢): "هذا بعيد، وهو إما زلة عالم أو متأول على أنه أراد الرواية على سبيل الوجادة التي يأتي شرحها".
وهو -فيما نرى- قول سديد قوي، فإن الوصية إنما تفيد تمليك النسخةن فهي كالبيع، وذلك أمر آخر غير الأخبار بمضمونها.
٨ - الوجادة:
الوجادة (٣) هي: أن يجد لمرء حديثا أو كتابا بخط شخص بإسناده. فله أن يروي عنهعلى سبيل الحكاية فيقول: "وجدت فلان حدثنا فلان ". وله أن يقول: قال فلان" إذا لم يكن فيه تدليس يوهم اللقي.
أما روايته بـ"حدثنا" أو "أخبرنا" أو نحو ذلك مما يدل على اتصال
_________________
(١) الإلماع: ١١٥. وانظر فتح المغيث: ٢٣٢.
(٢) علوم الحديث: ١٥٧.
(٣) الوجادة مصدر لـ"وجد يجد" مولد غير مسموع من العرب.
[ ٢٢٠ ]
السند فلا يجوز إطلاقا، ولا يعلم عن أحد يقتدى به من أهل العلم فعل ذلك، ولا يمن يعده معد المسند، أي المتصل الإسناد.
ثم اختلف أئمة الحديث والفقه والأصول بما وجد من الحديث بالخط المحقق لإمام، أو أصل من أصول ثقة مع اتفاقهم على منع النقل والرواية بحدثنا أو أخبرنا أو نحوهما:
فمعظم المحدثين والفقهاء من المالكية وغيرهم لا يرون العمل به. وحكي عن الشافعي جواز العمل به، وقالت به طائفة من نظار أصحابه ومن أرباب التحقيق (١). وهذا هو الراجح الذي يدل عليه الدليل، لأننا مكلفون شرعا أن نعمل بما يثبت لدينا صحته، وإذا ثبتت صحة الكتاب الذي وجدناه وجب العمل به، لا سيما وقد أصبتحت الضرورة تحتم ذلك، و"في الأعصار المتأخرة، فإنه لو توقف العمل فيها على الرواية لا نسد باب العمل بالمنقول، لتعذر شرط الرواية فيها".
وفي هذه المسألة طرافة يجب التنبه إليها، وهي الفرق بين صحة الرواية وبين وجوب العمل، فلا تصح الرواية بالوجادة للكتاب أي لا يصح أن يقول: أخبرني فلان، أو حدثني أو غير ذلك لعدم وجود طريقة التحمل التي تسمح بذلك، لكن يجب العمل بمضمونه عند حصول الثقة بنسبة الكتاب إلى صاحبه، لأن ذلك هو الذي يوجب العمل
وقد قال بمثل ذلك من منع الرواية بالإعلام.
ومن هنا فإننا نستطيع القول بأن الدكتور الفاضل صبحي الصالح قد تسامح حيث قال (٢): "بل لقد أمسى المتأخرون لا يجدون حاجة
_________________
(١) الإلماع: ١١٧. وفتح المغيث: ٢٣٥. وتوضيح الأفكار: ٢: ٣٤٨ وغيرها.
(٢) في كتاب علوم الحديث ومصطلحه: ٨٧.
[ ٢٢١ ]
للرحلة ولا لتحمل مشاقها مذ أصبح حقا لهم ولغيرهم أن يرووا كل ما يجدون من الكتب والمخطوطات سواء ألقوا أصحابها أم لم يلقوهم"، فهذا القول بإطلاقه لم يحرر حكم الإجادة، لأن الرواية بها كما علمت لا تعتبر صحيحة متصلة السند إلى أصحابها. لكن يجب العمل بمضمونها إذا حصلت الثقة به، وذلك بملاحظة توفر الشروط المقررة في تحقيق المخطوطات.
٤ - صفة رواية الحديث وشرط أدائه:
أداء الحديث: هو تبليغه وإلقاؤه للطالب بصورة من صور الأداء.
وصور الأداء فرع مطابق لصور التحمل التي سبق درسها، فيحق لمن تحمل الحديث بأي قسم من أقسام التحمل أن يؤديه بأي قسم منها أيضا، ولا يشترط أن يكو أداؤه على نفس القسم من أقسام التحمل الذي تلقى به الحديث.
وقد تعرض العلماء في معرفة هذا النوع إلى فروع كثيرة، ترجع إلى أصل أساسي هو ركن أداء الحديث. نحدده لك فنقول:
ركن أداء الحديث:
هو روايته وتبليغه بصورة من صور الأداء، بصيغة تدل على كيفية تحمله.
وهو إما أن يكون من حفظ الراوي أو من كتابه، وقد احتاط المحدثون جدا في الأداء بهما. ولم يجوزوا للراوي أن يحدث إلا بما تحقق أنه الصواب، "فمتى كان بخلاف هذا أو دخله ريب أو شك لم
[ ٢٢٢ ]
يجز له الحديث بذلك، إذ الكل مجمعون على أنه لا يحدث إلا بما حقق، وإذا ارتاب في شيء فقد حدث بما لم يحقق أنه من قول النبي ﷺ ويخشى أن يكونوا مغيرا، فيدخل في وعيد من حدث عنه بالكذب، وصار حديثه في الظن، والظن أكذب الحديث" (١).
"وقد شدد قوم في الرواية -كما قال ابن الصلاح (٢) - فأفرطوا، وتساهل فيها آخرون ففرطوا: ومن مذاهب التشديد مذهب من قال: لا حجة إلا فيما رواه الراوي من حفظه وتذكره، وذلك مروي عن مالك وأبي حنيفة ﵄".
"والصواب ما عليه الجمهور، وهو التوسط بين الأفراط والتفريط، فإذا قام الراوي في الأخذ والتحمل بالشرط الذي تقدم شرحه، وقابل كتابه، وضبط سماعه على الوجه الذي سبق ذكره جازت له الرواية منه وإن أعاره وغاب عنه إذا كان الغالب من أمره سلامته من التبديل والتغيير، لا سيما إذا كان ممن لا يخفى عليه في الغالب -لو غير شيء منه وبدل- تغييره وتبديله".
ونسوق لك أهم ما ذكروا من المسائل في هذا الباب:
أولا- العبارة عن النقل بوجوه التحمل:
استعمال لفظ من ألفاظ الأداء ينبغي أن يكون على مطابقة اللفظ للصفة التي تحمل بها الراوي حديثه الذي يرويه، وقد ذكروا للك طريقة من طرق التحمل صيغا خاصة بها في الأداء تعبر عنها وتنبئ بها، نوضحها لك فيما يلي:
_________________
(١) الإلماع: ١٣٥.
(٢) علوم الحديث: ١٨٥.
[ ٢٢٣ ]
١ - العبارة عن التحمل بالسماع:
يسوغ فيه كل ألفاظ الأداء مثل حدثنا، وأخبرنا، وخبرنا، وأنبأنا، وعن، وقال، وحكى، وإن فلانا قال، فإنها تطلق على إفادة السماع من المحدث، كما صرح بذلك القاضي عياض (١) وغيره.
وقد درج على هذا الاطلاق أكثر رواة الحديث المتقدمين. ثم وجد النقاد بعد انتشار التدوين والتلقي بالإجازة ونحوها وجدوا فيه توسعا يؤدي إلى اشتباه السماع بغيره، لذلك رجحوا الأداء بلفظ يدل على السماع في استعمال المحدثين. وأرفع الألفاظ: سمعت، ثم حدثنا، وحدثني، كما ذكر الخطيب في الكفاية (٢).
٢ - العبارة عن التمل بالعرض:
أسلم العبارات في ذلك أن يقول: "قران على فلان، أو قرئ على فلان وأنا أسمع"، ثم أن يقول "حثدنا فلان قراءة عليه"، ونحو ذلك.
أما إطلاق حدثنا وأخبرنا في هذا فقد ذهب إلى جواز استعمالهما في العرض الإمام البخاري والزهري ومعظم الحجازيين، والكوفيين. وذهب الشافعي والإمام مسلم وأهل المشرق إلى التمييز بينهما والمنع من إطلاق "حدثنا" واختيار "أخبرنا".
وكل من "حدثنا" و"أخبرنا" من حيث لسان العرب بمعنى واحد، إنما أصطلح المحدثون على التمييز بينهما في الاستعمال، ثم صار التفريق بينهما هو الشائع الغالب على أهل الحديث.
_________________
(١) الإلماع: ١٣٥.
(٢) ٢٨٤. وانظر علوم الحديث: ١١٩ - ١٢١.
[ ٢٢٤ ]
٣، ٤ - العبارة عن التحمل بالإجازة أو المناولة:
اصطلح المتأخرون على إطلاق "أنبأنا" في الإجازة، وكان هذا اللفظ عند المتقدمين بمنزلة "أخبرنا"، فإن قال: "أنبأنا إجازة أو مناولة" فهو أحسن، ومما عبر به كثير من الرواة المتقدمين والمتأخرين قولهم: أخبرنا فلان إذنا. أو فيما أذن لي فيه، أو فيما أطلق لي الحديث به عنه، أو فيما أجاز فيه، وهي عبارات حسنة تفصل الإجازة والمناولة عن السماع والعرض.
وكان الأوزاعي يخصص الإجازة بقوله: "خبرنا" بالتشديد (١).
٥ - العبارة عن التحمل بالمكاتبة:
جوز الليث بن سعد وغير واحد من علماء المحدثين إطلاق "حدثنا" و"أخبرنا" في الرواية بالمكاتبة، والأولى قول من يقول فيهاك "كتب إلي فلان قال: حدثنا فلان"، أو "أخبرني فلان مكاتبة أو كتابة".
٦، ٧ - العبارة عن الإعلام أو الوصية:
وذلك على القول بتسويغ الرواية والأداء لمن تحمل بهما، وهو على هذا القول جار مجرى الإجازة، فنرى أن يراعى فيه ما ذكرنا في الإجازة. أما على القول بفساد الرواية بهما. فإنهما يلحقان بالوجادة في صيغ الأداء.
٨ - العبارة عن الوجادة:
يجوز لمن تحمل بالوجادة أن يرويه على سبيل الحكاية فيقول: "وجدت بخط فلان: حدثنا فلان".
_________________
(١) الإلماع: ١٢٨ - ١٣٢، وعلوم الحديث: ١٥٠ - ١٥٢ واختصاره: ١٢٤.
[ ٢٢٥ ]
ويقع هذا في مسند الإمام أحمد، يقول ابنه عبد الله "وجدت بخط أبي حدثنا فلان". وله أن يقول: "قال فلان"، وكذا: "ذكر فلان"، و"بلغني عن فلان".
أهمية اصطلاحات الأداء:
هذه اصطلاحات المحدثين في العبارة عن وجوه التحمل لخصنا القول فيها وحررناه.
ونود أن ننبه إلى أن قضية هذه الاصطلاحات، ليست مجرد ألفاظ تشرح، وقد مضى زمانها كما يتوهم، حتى إن بعض الناس قد يغفلها ويتركها في زواية الاهمال، بل إن لهذه الاصطلاحات صلة قوية بالهدف الأساسي لهذا العلم أي معرفة المقبول والمردود، ومن أوجه ذلك.
١ - أنها تعرفنا الطريقة التي حمل بها الراوي حديثه الذي نبحثه، فنعلم هل هي صحيحة، أو فاسدة، وإذا كانت فقد اختل أحد شروط القبول في الحديث.
٢ - أن الراوي إذا تحمل الحديث بطريقة دنيا من طرق التحمل ثم استعمل فيه عبارة أعلى كأن يستعمل فيها تحمله بالإجازة: حدثنا أو أخبرنا كان مدلسا، وربما أتهمه بعض العلماء بالكذب بسبب ذلك.
مثالهك أحمد بن محمد بن إبراهيم السمرقندي: اتهم في أحاديثه الكثيرة عن محمد بن نصر المروزي، وإنما هو تدليس، حصل على إجازة منه وصار يستعمل صيغة حدثنا ونحوها، وهذا تدليس.
وكذا إسحاق بن راشد الجزري كان يطلق حدثنا في الوجادة، فسلكوه في عداد المدلسين (١).
_________________
(١) تعريف أهل التقديس: ٤. وانظر الإلماع: ١١٩.
[ ٢٢٦ ]
ثانيا: الرواية بالمعنى
وهي من أهم مسائل علوم الرواية الحديث، لما وقع فيها من الخلاف والالتباس، وما أثير حولها من الشبهات:
لا خلاف بين العلماء في أن الجاهل والمبتدئ ومن لم يمهر في العلم، ولا تقدم في معرفة تقديم الألفاظ وترتيب الجمل، وفهم المعاني يجب عليه ألا يروي ولا يحكي حديثا إلا على اللفظ الذي سمعه، وأنه حرام عليه التعبير بغير لفظه المسموع، إذ جميع ما يفعله من ذلك تحكم بالجهالة وتصرف على غير حقيقة في أصول الشريعة، وتقول على الله ورسوله.
ثم اختلف السلف وأرباب الحديث والفقه والأصول في تسويغ الرواية بالمعنى لأهل العلم بمعاني الألفاظ ومواقع الخطاب:
فشدد كثير من السلف وأهل التحري من المحدثين والفقهاء فمنعوا الرواية بالمعنى، ولم يجيزوا لأحد الأتيان بالحديث إلى على لفظه نفسه.
وذهب جمهور العلماء ومنهم الأئمة الأربعة إلى جواز الرواية بالمعنى من مشتغل بالعلم ناقد لوجوه تصرف الألفاظ إذا انضم لاتصافه بذلك أمران: أن لا يكون الحديث متعبدا بلفظه، ولا يكون من جوامع كلمه ﷺ (١).
وهذا هو الصحيح المعتمد، لأن الحديث إذا كان بهذه المثابة كانت
_________________
(١) انظر في هذا الموضوع الإلماع: ١٧٤ - ١٧٨ وكشف الأسرار: ٧٧٤٠٧٧٩ وشروح التوضيح: ٢: ١٣، وفواتح الرحموت: ٢: ١٦٧، وشرح التحرير لابن أمير حاج: ٢: ٢٨٥ - ٢٨٨. وشرح العضد على مختصر ابن الحاجب: ٢: ٧٠ - ٧١ وشروح جمع الجوامع: ٢: ١٠٦ - ١٠٧.
[ ٢٢٧ ]
العمدة فيه على المعنى لا اللفظ، فإذا رواه العالم على المعنى فقد أدى المطلوب المقصود منه.
يدل على ذلك اتفاق الأمة على أنه يجوز للعالم بخبر النبي ﷺ أن ينقل معنى خبره بغير لفظه وغير اللغة العربية (١).
وأيضا فإن ذلك كما هو ظاهر "هو الذي تشهد به أحوال الصحابة والسلف الأولين، كثيرا ما كانوا ينقلون معنى واحدا في أمر واحد بألفاظ مختلفة، وما ذلك إلا لأن معولهم كان على المعنى دون اللفظ".
تنبيهان:
١ - ثمة أمر هام يجدر التنبه إليه، والتيقظ له، وهو أن هذا الخلاف في الرواية بالمعنى إنما كان في عصور الرواية قبل تدوين الحديث، أما بعد تدوين الحديث في المصنفات والكتب فقد زال الخلاف ووجب اتباع اللفظ، لزوال الحاجة إلى قبول الرواية على المعنى، "وقد استقر القول في العصور الأخيرة على منع الرواية بالمعنى عملا. وإن أخذ بعض العلماء بالجواز نظرا" (٢).
فلا يسوغ لأحد الآن رواية الحديث بالمعنى، إلى على سبيل التذكير بمعانيه في المجالس للوعظ ونحوه، فأما إيراده على سبيل الاحتجاج أو الرواية في المؤلفات فلا يجوز إلا باللفظ.
وقد غفل عن هذا بعض من تصدر للحديث من العصريين حيث عزا
_________________
(١) انظر للتوسع الكفاية: ١٩٨ - ٢٠٣. والمراجع الأصولية السابقة وتوجيه النظر للعلامة الشيخ طاهر الجزائري: ٢٩٨ - ٣١٢ فقد استوفى الأقوال وأدلتها وناقش الموضوع مناقشة جيدة. وراجع قواعد التحديث للقاسمي: ٢٢٢ - ٢٢٥.
(٢) انظر التنبيه على ذلك في علوم الحديث: ١٩١ وشرح الألفية: ٢: ٥ والباعث الحثيث: ١٤٣ وغيرها.
[ ٢٢٨ ]
أحاديث كثيرة إلى مصادرها بغير لفظها، زاعما أنها "ليست قرآنا نتعبد بلفظه ! ".
٢ - ينبغي لمن يروي حديثا بالمعنى أن يراعي جانب الاحتياط وذلك بأن يتبعه بعبارة: "أو كما قال" أو"نحو هذا" وما أشبه ذلك من الألفاظ، فعل ذلك ابن مسعود، وأنس وأبو الدرداء، وغيرهم ﵃ (١).
عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه حدث حديثا فقال: "سمعت رسول الله ﷺ". ثم أرعد وأرعدت ثيابه فقال: "أو شبيه ذا أو نحو ذا".
وعن أبي الدرداء أنه كان إذا حدث الحديث عن رسول الله ﷺ ثم فرغ منه قال: "اللهم إن لا هكذا فكشكله".
وكان أنس إذا فرغ من الحديث قال: "أو كما قال رسول الله ﷺ" (٢).
شبهة حول الرواية بالمعنى:
هذا ما جرى عليه كثير من الرواة من الأخذ برخصة الرواية بالمعنى والعمل بموجبها لئلا يتعطل العمل بجملة كثيرة من الأحاديث، تعلم صحة مضمونها، ويؤدي اشتراط نقلها باللفظ إلى عسر يصعب على الرواة تخطيه أوالتغلب عليه.
ثم جاء بعض المستغربين يضرب على وتر أساتذة المستشرقين بالمزاعم والأوهام يثيرونها حول الحديث من وراء الرواية بالمعنى زاعمين أنه
_________________
(١) علوم الحديث المكان السابق.
(٢) انظر الروايات عن الصحابة وغيرهم في كتاب الكفاية: ٢٠٥ - ٢٠٦.
[ ٢٢٩ ]
"إذا جاز للراوي تبديل لفظ الرسول بلفظ نفسه فذلك يقتضي سقوط الكلام الأول، لأن التعبير بالمعنى لا ينفك عن تفاوت، فإن توالت المتفاوتات كان التفاوت الأخير تفاوتا فاحشا بحيث لا يبقى بين الكلام الأخير وبين الأول نوع مناسبة".
وهذا الطعن يعتمد أصحابه على إثارة الوساوس في النفوس، بطريق المغالطة والتغافل العنيد عن الشروط التي أحاطها العلماء حول صحة الحديث والرواية بالمعنى، وهي شروط تجعل الناظر في تصرف المحدثين يطمئن إلى أن النقل بالمعنى لم يفوت جوهرالحديث، وإنما وضع مفردات موضع مفردات أخرى في نفس المعنى.
ونوجز لك بيان ذلك من وجهين (١).
١ - إن الرواية بالمعنى لم تجز إلا لعالم باللغة، لا يحيل المعاني عن وجهها، وهذا بالنسبة للصحابة متوفر، فهم أرباب الفصاحة وأبناء بجدة اللغة في ما أوتوا من قوة الحفظ، وما توفر من أسبابه التي ذكرنا منها طرفا، ثم من جاء بعدهم يعرض على الاختبار، ولم يقبل العلماء إلا من توفر فيه هذا الشرط.
٢ - هب أن الراوي بالمعنى قد أخطأ الفهم وروى الحديث على الخطأ. أفيذهب الخطأ على العلماء؟ ! . هذا مالا يمكن! ! فإنهم يشترطون في الحديث الصحيح والحسن انتفاء الشذوذ والعلة منه، أي أن حديث الثقة لا يقبل حتى يعرض على روايات الثقات، ويتبين أنه موافق لها، سالم من القوادح الخفية.
وبذلك يجتنب ما قد يطرأ على الحديث نتيجة تناقله بين رجال السند، ولا يبقى لتوهم إخلال الراوي بالحديث أي صنع.
_________________
(١) وسنفصل بحث الرواية بالمعنى مع المناقشة حول هذه الشبهة في كتال الجرح والتعديل إن شاء الله.
[ ٢٣٠ ]
ثالثا- اختصار الحديث:
وذلك بأن يروي المحدث بعض الحديث ويحذف البعض الآخر، بشرط أن لا يكون متعلقا به. منع منه بعض العلماء ممن منع الرواية بالمعنى، لكن جمهور المحدثين قديما وحديثا ذهبوا إلى جواز ذلك، وهذا هو الصحيح، بشرط أن يكون ما "تركه متميزا عما نقله غير متعلق به بحيث لا يختل البيان، لا تختلف الدلالة فيما نقله بترك ما تركه، لأن الذي نقله والذي تركه -والحال هذه- بمنزلة خبرين منفصلين، في أمرين لا تعلق لأحدهما بالآخر" (١).
وقد درج على ذلك واشتهر به الإمام البخاري، فإنه يروي الحديث الواحد في مواضع كثيرة بحسب ما يستبط من الحديث من الفوائد والأحكام، ويروي في كل مناسبة الجملة التي تلائمها من متن الحديث، ويذكره بتمامه في بعض المواضع ليعلمه القارئ كله.
رابعا -مراعاة القواعد العربية:
قرر العلماء واتفقوا على أنه ينبغي لطالب الحديث أن يكون عارفا بالعربية. فعن الأصمعي أنه قال: "إن أخوف ما أخاف على طالب العلم إذا لم يعرف النحو أن يدخل في جملة قول النبي ﷺ: "من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار"، لأنه ﷺ لم يكن يلحن، فمهما رويت عنه ولحنت فيه كذبت عليه".
وقال حماد بن سلمة ﵁: "مثل الذي يطلب الحديث ولا يعرف النحو مثل الحمار عليه مخلاة لا شعير فيها".
فالعجب بعد هذا من أناس لا يعلم أحدهم من العربية والنحو إلا
_________________
(١) علوم الحديث: ١٩٣. وقارن بكتابنا الإمام الترمذي: ١٠٢.
[ ٢٣١ ]
الاسم، بل إنه لا يقيم الكلام المضبوط بالشكل على الصواب، ثم يتسورون أصعب المراقين فيدعي أحدهم الاجتهاد في الحديث والاجتهاد في الفقه ويقابل كل مخالف لأهوائه بالشتم والسباب. ينصر بذلك السنة والدين، في زعمه الفاسد وخياله الغريب.
خامسا -مراعاة المحذوف في الخط:
وذلك كما ذكر ابن الصلاح وسائر العلماء: أنه "جرت العادة بحذف "قال" و"أن" ونحوهما فيما بين رجال الإسناد خطًا، ولا بد من ذكره في حالة القراءة لفظا، مثل: حدثنا أبو داود ثنا الحسن بن علي عن شبابة قال ". تقرأ هكذا: "حدثنا أبو داود قال: حدثنا الحسن بن علي عن شبابة أنه قال ".
٥ - كتاب الحديث وصفة ضبطه:
هذا البحث يبرز العناية التي تفرد بها المحدثون في كتابة الحديث، حتى أصبحوا قدوة الطوائف الأخرى من العلماء، لكن الناظر في مراجع هذا الفن قد يتوهم بادي الرأي أن هذا البحث مجرد وصف تاريخي لكتابة الحديث لا علاقة له بموضوع علم الحديث، وهو النظر في سند الحديث ومتنه من حيث القبول أو الرد.
وهذا وهم خاطئ لا يلبث أن يتبدد إذا ما عرفنا أن الكتابة غدت منذ انتشار التدوين عنصرا هاما وركنا مكينا اعتمد عليه العلماء في حفظ
[ ٢٣٢ ]
الحديث وضبطه، بعد أن طالت الأسانيد وتشعبت وكثرت فنون العلم، حتى عز على الذاكرة أحتواؤها دون مساعدة الكتاب، وقام الكتاب بدور كبير في الرواية يشبه دور الراوي كما أسلفنا (١).
وقد استن المحدثون للكتابة آدابا تحقق الضبط الكامل لما يكتب على الصحف، ووضعوا تبعا لذلك مصطلحات ساروا عليها، أصبح من الواجب على الكاتب بمقتضى ذلك أن يسير على خطة دقيقة في الكتابة لكي يكون كتابه مقبولا معتبرا.
كذلك يجب على طالب الحديث أن يعرف مصطلحاتهم في الكتابة ليكون أخذه سليما، فلا يأخذ من النسخ السقيمة، فيكون كمن حمل عن المخططين، ولا يخطئ في فهم مصطحاتهم فلا يستطيع الانتفاع بما خلفوه لنا من التراث الذي لا زال كثير منه مخطوطا لم يطبع. وكثير مما طبع منه لم يستوف شرط التحقيق العلمي الكامل! !
آداب كتاب الحديث:
وأهمها هذه الأمور التي تتوقف عليها صحة النسخة والانتفاع بها:
١ - يجب على كتبة الحديث وطلبته صرف الهمة إلى ضبط ما يكتبونه أو يحصلونه بخط الغير من مروياتهم على الوجه الذي رووه شكلا ونقطا يؤمن معهما الالتباس، وكثيرا ما يتهاون بذلك الواثق بذهنه وتيقظه، وذلك وخيم العاقبة، فإن الإنسان معرض للنسيان، وأول ناس أول الناس.
وينبغي أن يكون اعتناء الكاتب بضبط الملتبس من الأسماء أكثر من عنايته بضبط غيره من الأمور المتبسة، فإن الأسماء لا تدرك بالمعنى، ولا يستدل عليها بسياق الكلام.
_________________
(١) في بحث الإجازة: ٢١٥ - ٢١٦.
[ ٢٣٣ ]
٢ - استحبوا في الألفاظ المشكلة أن يكرر ضبطها، يعني أن تضبط في متن الكتاب ثم يكتبها الكاتب مقابل ذلك في الحاشية ويضبطها، وكثيرا ما وجدناهم يكتبون بإزائها كلمة "بيان" لئلا تظن إلحاقا.
٣ - ينبغي على طالب وطالب الحديث خاصة. أن يحافظ على كتبة الصلاة والتسليم على رسول الله ﷺ عند ذكره، ولا يسأم من تكرير ذلك عند تكرره، فإن ذلك من أكبر الفوائد التي يتعجلها طلبة الحديث وكتبته، ومن أغفل ذلك حرم حظا عظيما، وكان بخيلا محروما.
ثم ليتجتب في إثباتها أمرين:
أحدهما: أن يرمز إليها بحرف مثل "ص" أو "صلعم" أو غير ذلك.
والثاني: أن يقتصر على كتابة الصلاة دون السلام دون السلام أو العكس.
٤ - على الطالب مقابلة كتابه بالأصل الذي أسمعهم الشيخ منه، أو بنسخة الشيخ الذي يرويه عنه، وإن كان إجازة، ولا يحل للمسلم التقي الرواية ما لم يقابل بأصل شيخه، أو نسخة تحقق ووثق بمقابلتها بالأصل.
عن عروة بن الزبير ﵁ أنه قال لابنه هشام: كتبت؟ قال: نعم. قال: عرضت كتابك؟ قال: لا. قال: لم يكتب؟
وعن الأخفش قال: "إذا نسخ الكتاب ولم يعارض ثم نسخ ولم يعارض خرج أعجميا".
اصطلاحات كتاب الحديث:
ونكتفي بإيراد أهمها مما يتوقف عليه حسن الانتفاع بالكتب الحديثية المخطوطة وسلامة الأخذ منها:
[ ٢٣٤ ]
١ - ضبط الحروف المهملة: ضبط كثير من العلماء الحروف المهملة بعلامة تدل على عدم إعجامها أي عدم نقطها، واختلفت اصطلاحاتهم في ذلك مما يوجب التيقظ، والحذر من الوقوع في الخطأ. فمنهم من يقلب النقط، أي يجعل النقط الذي فوق المعجمات تحت ما يشابهها من المهملات. فينقط نقطة تحت الراء، والصاد، والطاء، والعين، ونحوها من المهملات هكذا: ر، ص، ط، ء
ومن أهل هذا المذهب من ذكر ان النقط التي تحت السين المهملة تكون مبسوطة صفا، هكذا يبين، والتي فوق الشين المعجمة تكون كالأثافي، أي هكذا.
ومن الناس من يجعل علامة الاهمال فوق الحروف المهملة كعلامة الظفر مضجعة على قفاها هكذا س، ر
ومنهم من يجعل تحت الحرف المهمل رسما مصغرا لنفس الحرف مفردا، كالحاء، والدال، والطاء، والصاد وسائر الحروف الملتبسة.
٢ - الدائرة التي تفصل بين كل حديثين، أو بين كل فقرتين، هي علامة وضعوها للفصل والتمييز بين أحد الحديثين عن الآخر. واستحب الخطيب البغدادي أن تكون الدارات غفلا. فإذا قابل النسخة فكل حديث يفرغ من مقابلته ينقط في الدائرة التي تليه نقطة، أو يخط في وسطها خطًا.
٣ - التخريج: أي إثبات شيء ساقط من الكتاب في حواشيه، وصورته أن يخط من موضع سقوطه من السطر خطا صاعدا إلى فوق، ثم يحنيه بين السطرين إلى جهة الحاشية التي يكتب فيها اللحق هكذا، أو ويبدأ في الحاشية بكتبة الكلام الساقط مقابلا للخط المنحني، ثم يكتب في آخره كلمة "صح".
[ ٢٣٥ ]
٤ - الحواشي: ما يكتب في الطرر والحواشي من تنبيه أوتفسير أو اختلاف ضبط، فلا يخرج له خط لئلا يشتبه باللحق، ويظن ظان أنه من نفس الأصل، لكن ربما جعل على الوضع المقصود بالحاشية علامة كالضبة أو التصحيح. وهذا اختيار القاضي عياض في الإلماع (١).
واختار ابن الصلاح أن يخرج لها خط يشبه الخط المنحني الذي يوضع للحق، لكن يفترق عنه بأن خط التخريج للحق يقع بين الكلمتين اللتين سقط بينهما الساقط، وخط التخريج للحاشية يقع على نفس الكلمة التي من أجلها كتبت الحاشية.
ووجدت كثيرا من العلماء يجعلون للتعليق في الحاشية علامة على هيئة الحاء التي في أول الكلمة متصلا بخط عليه نقط كالشين هكذا حشـ. وهذه الاصطلاحات ينبغي التنبه لها لئلا يشتبه ما يكتب في الحاشية من التعليقات باللحق الذي هو من أصل الكتاب.
٥ - التصحيح: هو كتابة "صح" على الكلام، أو عنده، وذلك إذا كان الكلام صحيحا رواية ومعنى غير أنه عرضة للشك أو الخلاف، فيكتب عليه "صح" ليعرف أنه لم يغفل عنه، وأنه قد ضبط وصح على ذلك الوجه.
٦ - التضبيب: ويسمى أيضا التمريض، ويجعل على الكلام الذي صح وروده كذلك من جهة النقل غير أنه فاسد لفظا أو معنى، أو ضعيف، أو ناقص، مثل أن يكون غير جائز من حيث العربية أو يكون شاذا وما أشبه ذلك. فيمد على مثل هذا الكلام خط أوله مثل الصاد، ولا يلزق بالكلمة المعلم عليها كيلا يظن ضربا وصورته هكذا صـ.
_________________
(١) ١٦٤.
[ ٢٣٦ ]
وينبغي التنبه إلى أن بعض النسخ استعمل فيها علامة التصحيح مختصرة على الحرف الأول، وقد يشتبه بالضبة، فلا بد في ذلك من التيقظ، "والفطنة" من خير ما أوتيه الإنسان".
٧ - الضرب: وهو خط يمد على الكلام الغلط الذي يراد نفيه وإلغاؤه من الكتاب.
وقد اختلفت اصطلاحتهم في كيفية الإلغاء بهذا الخط:
فالإمام الرامهرمزي يقول (١): "أجود الضرب أن لا يلمس المضروب عليه، بل يخط من فوقه خطا جيدا بينا يدل على إبطاله، ويقرأ من تحته ما خط عليه".
ويقول القاضي عياض في اصطلاحات المحدثين في ذلك (٢): " أكثرهم على ما تقدم من مد الخط عليه، لكن يكون هذا الخط مختلطا بالكلمات المضروب عليها، وهوالذي يسمى الضرب، والشق، ومنهم من لا يخلطه، ويثبته فوقه، لكنه يعطف طرف الخط على أول المبطل، وآخره ليميزه من غيره.
ومنهم من يستقبح هذا ويراه تسويدا وتطليسا في الكتاب، بل يحوق على الكلام المضروب عليه بنصف دائرة، وكذلك في آخره، وإن كثر فربما فعل ذلك في أول كل سطر وآخره من المضروب عليه للبيان، وربما اكتفى بالتحويق على أول الكلام وآخره.
وربما يكتب عليه "لا" في أوله، و"إلى" في آخره. ومثل هذا يصلح فيما يصح في بعض الروايات وسقط من بعض حديث أو من كلام، وقد يكتفى بمثل هذا بعلامة من ثبتت له فقط، أو بإثبات "لا"
_________________
(١) في المحدث الفاصل: ٦٠٦ وانظر مهمات في كتاب الحديث: ٦٠٥ - ٦٠٩.
(٢) في الإلماع: ١٧١ بعد أن نقل كلام المحدث الفاصل السابق.
[ ٢٣٧ ]
و"إلى" فقط. وأماما هو خطأ محض فالتحويق التام عليه أو حكه أولى". انتهى.
ومن المحدثين من اكتفى بوضع دائرة صغيرة في أول الكلام الزائد ودائرة صغيرة في آخره، وسماها صفرا، لاشعارها بخلو ما بينهما من الصحة.
٨ - الرمز للألفاظ المكررة في الإسناد: غلب على كتبة الحديث الاقتصار على الرمز في قولهم: "حدثنا" و"أخبرنا" شعاع ذلك وظهر جدا، أما حدثنا فيكتب شطرها الأخير وهو "ثنا" وربما اقتصر على الضمير منها "نا" وأما أخبرنا فيكتب الضمير مع الألف هكذا "أنا" ومنهم من يرمز إليها هكذا "أنبا".
وإذا كان للحديث إسنادان أو أثر فإنهم يكتبون عند الانتقال من إسناد إلى إسناد ما صورته "ح" وهي حاء مفردة مهملة، للإشارة إلى التحويل من سند إلى آخر، ومنهم من كتب بدلا عنها "صح". والمختار لقارئ الحديث إذا صادف هذه الحاء أن يقرأها كما هي "حا"، ثم يمر إلى الكلام بعدها.
مصادر علوم الرواية:
وقد عني علماء المحدثين بتفاصيل أصول الرواية في التحمل والأداء وكتابة الحديث ع ناية كبيرة جدا، وخصوها بالتآليف الكبيرة التي تتناول شؤونها التفصيلية وفروعها الجزئية الدقيقة، أهمها:
١ - "المحدث الفاصل بين الراوي والواعي" ألفه القاضي أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهزي "٣٦٠".
٢ - "الكفاية في علم الرواية" للخطيب البغدادي "٤٦٣".
٣ - "الإلماع في أصول الرواية وتقييد السماع" للقاضي عياض بن موسى اليحصبي "٥٥٤".
[ ٢٣٨ ]