الْقسم الثَّانِي
دراسة نقدية لمنهج الْبَيْهَقِيّ فِي موارد " السّنَن الْكُبْرَى"
من أبرز ملامح هَذِه الْمَوَارِد أَنَّهَا جَاءَت بمجموعها مُسندَة. وَقد درج الْبَيْهَقِيّ على الاقتباس مِنْهَا بِاسْتِعْمَال الطَّرِيق الشَّرْعِيّ إِلَيْهَا، وَهُوَ الْإِسْنَاد١. وَإِن مُعظم أَسَانِيد هَذِه الْمَوَارِد مدونة عِنْدِي بسلسلتها الَّتِي ترْبط الْبَيْهَقِيّ بأصحابها.
وَقد يسْتَعْمل الْبَيْهَقِيّ أَكثر من طَرِيق ليؤدي مَا تحمله من هَذِه الْمَوَارِد بِالطَّرِيقِ الْمسند.
فبالنسبة لسنن أبي دَاوُد السجسْتانِي فَإِنَّهُ اقتبس مِنْهُ بِوَاسِطَة ثَلَاثَة طرق، وَهِي:
طَرِيق أبي بكر بن داسة. وَهُوَ الطَّرِيق الَّذِي اعْتمد عَلَيْهِ الْبَيْهَقِيّ، واعتنى بِهِ، واقتبس مِنْهُ فِي السّنَن ألفي رِوَايَة إِلَّا قَلِيلا، وَهِي الرِّوَايَة الْمَشْهُورَة فِي بِلَاد الْمغرب. ثمَّ طَرِيق أبي عَليّ اللؤْلُؤِي، وَهُوَ الطَّرِيق الَّذِي طبعت السّنَن على أساسه، وَهِي آخر مَا أملاه أَبُو دَاوُد من نسخ كِتَابه، وَهِي الرِّوَايَة الْمَعْرُوفَة بالمشرق. وَهِي تقَارب رِوَايَة ابْن داسة، وَلَيْسَ بَينهمَا اخْتِلَاف إِلَّا من حَيْثُ التَّرْتِيب، وَالثَّالِثَة طَرِيق أبي سعيد بن الْأَعرَابِي، وَهَذِه لم يرو عَنْهَا الْبَيْهَقِيّ إِلَّا نَادرا وَذَلِكَ لنقصها عَن سَائِر الرِّوَايَات٢. وعَلى الْعُمُوم فإنَّ الإِمَام الْبَيْهَقِيّ قد اسْتعْمل هَذِه الطّرق الثَّلَاثَة فِي اقتباسه من "سنَن أبي دَاوُد". وَكَذَا صنع فِي"مُسْند عبد الله بن وهب"، و"سنَن الدَّارَقُطْنِيّ".
وَقد يسْتَعْمل أَكثر من ذَلِك، كَمَا صنع فِي"الْمسند الْكَبِير" للدارمي فَإِنَّهُ رَوَاهُ من خَمْسَة طرق. بل بلغ عدد طرقه الَّتِي استعملها فِي الاقتباس من "مُسْند الصفار" سِتَّة طرق، وَهِي:
أ- رِوَايَته عَن أبي الْحسن بن عَبْدَانِ- عَنهُ٣.
ب- رِوَايَته عَن أبي الْحسن بن بَشرَان- عَنهُ٤.
_________________
(١) ١ اسْتَقر النقاد من الْمُحدثين على اعْتِبَار الْإِسْنَاد شرطا فِي قبُول الرِّوَايَة. شريطة أَن يكون إِسْنَادًا مَقْبُولًا. وَكَانَ الْبَعْض يشْتَرط الْبَيِّنَة مَعَ الْإِسْنَاد ليؤكد سَمَاعه ويثبته، وَلِهَذَا وَقع التَّمْيِيز عِنْدهم بَين المسموعات والوجادات، أما فِي الْقُرُون الْمُتَأَخِّرَة فقد مضى عصر الرِّوَايَة، وَاسْتقر الأَصْل على جَوَاز الْأَخْذ من الْكتب الموثقة مُبَاشرَة، والتحديث بهَا، بِاعْتِبَار أَن التخوف من الدخيل والخلط والغلط قد ذهب وَزَالَ بِحِفْظ الْأُصُول. ٢ انْظُر: مُقَدّمَة سنَن أبي دَاوُد للأستاذ مُحَمَّد مُحي الدّين عبد الحميد ١/٩. ٣ انْظُر: الْبَيْهَقِيّ السّنَن الْكُبْرَى ٧/٢٨٣، ٣٣٦، ٤٠٦. ٤ انْظُر: الْمصدر السَّابِق: ٧/٣٧٠، ٠٢٩٠، ٤١١.
[ ٨٣ ]
جـ- رِوَايَته عَن أبي الْحُسَيْن الْقطَّان - عَنهُ١.
د- رِوَايَته عَن أبي عَليّ الرُّوذَبَارِي - عَنهُ٢.
هـ- رِوَايَته عَن أبي مُحَمَّد السكرِي - عَنهُ٣.
ورِوَايَته عَن الْحَاكِم – عَنهُ٤.
وَقد بلغت عنايته بِبَعْض مصَادر الْجرْح وَالتَّعْدِيل أَن اسْتعْمل للاقتباس مِنْهَا ثَمَانِيَة طرق، كَمَا حصل هَذَا فِي تَارِيخ يحيى بن معِين فِي نقد الروَاة. فَإِنَّهُ اسْتعْمل فِي الرِّوَايَة عَنهُ الطّرق التالية:
أ- الْحَاكِم عَن الْأَصَم عَن الدوري عَنهُ٥.
- أَبُو طَاهِر الْفَقِيه وَأَبُو سعيد الصَّيْرَفِي عَن الأصبم عَن الدوري عَنهُ٦. وَهَذِه طرق رِوَايَة الدوري.
ب- الْحَاكِم والسلمي والأشناني كلهم عَن أبي الْحسن الطرائفي عَن الدَّارمِيّ عَنهُ٧.
- وَالْحَاكِم عَن أبي النَّضر الْفَقِيه عَن الدَّارمِيّ عَنهُ٨.
- وَالْحَاكِم عَن أبي الْحسن بن عَبدُوس عَن الدَّارمِيّ عَنهُ٩. وَهَذِه طرق رِوَايَة الدَّارمِيّ.
ج- أَبُو سعيد بن عَبدُوس عَن أبي مُحَمَّد يحيى بن مَنْصُور عَن الْحسن بن سُفْيَان عَنهُ١٠. وَهَذِه رِوَايَة الْحسن ابْن سُفْيَان.
د- الْحَاكِم عَن الْمُزَكي عَن أبي سعيد مُحَمَّد بن هَارُون عَن جَعْفَر الطَّيَالِسِيّ عَنهُ١١.
وَهَذِه رِوَايَة جَعْفَر الطَّيَالِسِيّ.
_________________
(١) ١ انْظُر الْمصدر السَّابِق: ٧/٢٧٦. ٢ انْظُر الْمصدر السَّابِق: ٧/٣٠٦، ٣٧٠، ٤٢١. ٣ انْظُر الْمصدر السَّابِق: ٧/٣٢٥، ٤١٧، ٤١٨، ٤٤٠، ٨/٧٠. ٤ انْظُر الْمصدر السَّابِق: ٧/ ١٦٦، ٢١١،٣٠٤،٣١٦، ٣٦٦. ٥ انْظُر الْمصدر السَّابِق: ٧/١٠٧، ٢٤١، ٣٦٩، ٤٤٤، ٨/٧٦. ٦ انْظُر الْمصدر السَّابِق: ٣/٣٠١. ٧ انْظُر الْبَيْهَقِيّ السّنَن الْكُبْرَى: ٧/١٠٥، ١٠٨، ٣٣٤. ٨ انْظُر الْمصدر السَّابِق: ٧/١٣٠. ٩ انْظُر الْمصدر السَّابِق: ٧/١٨٢. ١٠ انْظُر الْمصدر السَّابِق: ٧/١١٠. ١١ انْظُر الْمصدر السَّابِق: ٧/١٠٦.
[ ٨٤ ]
هـ- الْحَاكِم عَن أبي الْحسن الكشاني عَن عمر بن مُحَمَّد بن بجير عَن الْعَبَّاس الْخلال عَنهُ١. وَهَذَا الطَّرِيق من أَسَانِيد الْبَيْهَقِيّ الْعَالِيَة٢.
وَقد يستمل نسختين خطيتين أَو أَكثر من هَذِه الْمَوَارِد فيقابل بَينهمَا، ويختار النّسخ الموثقة مِنْهَا. كَمَا صنع ذَلِك فِي "الْمسند الْكَبِير" للصفار٣ و"مُسْند أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ"٤، و"سنَن أبي دَاوُد السجسْتانِي"٥.
وَظَهَرت وفرة موارده فِي سَائِر الْمسَائِل الَّتِي بحثها فِي كِتَابه فنراه مثلا ينْقل عَن "تَارِيخ ابْن معِين" رِوَايَتَيْنِ مهمتين، وهما رِوَايَة "الدّوري" و"الدَّارمِيّ"، ويقتبس من "سُؤَالَات" أبي حَاتِم الرَّازِيّ لِأَحْمَد بن حَنْبَل، و"الْكَامِل" لِابْنِ عدي، كل ذَلِك فِي معالجة حَدِيث وَاحِد٦.
أما من حَيْثُ قيمَة هَذِه الْمَوَارِد، وَمِقْدَار أصالتها فَهُوَ أَمر ظَاهر يلحظه الدارس من خلال هَذِه الْقَائِمَة الَّتِي اشْتَمَلت على أُمَّهَات كتب السّنة، وَمَا يلْتَحق بهَا. وَالَّتِي يغلب عَلَيْهَا طَابع الْأَصَالَة والتخصص، فإنّ معظمها وضع فِي الْقرن الثَّالِث الهجري، ومصنف فِي قَائِمَة الْأُمَّهَات من كتب الحَدِيث.
وإنّ من أبرز مَا تَأَكد لدي - من خلال هَذِه الدراسة - حُضُور التكامل المعرفي فِي عمل الْبَيْهَقِيّ، فقد تمكن من اسْتِيعَاب الْكثير من الْموَاد العلمية الَّتِي دوّنها السَّابِقُونَ لَهُ من الْأَئِمَّة فِي مصنفاتهم، أَو تناقلوها بَينهم بِالسَّمَاعِ الشفوي من غير تدوين فِي كتاب مُصَنف. وَمن شَوَاهِد ذَلِك مَا وَجَدْنَاهُ فِي وفرة موارده الحديثية الَّتِي تنتظم رقْعَة وَاسِعَة من الزَّمن وَمَا أنتج فِيهِ من الْآثَار العلمية وتبدأ من منتصف الْقرن الثَّانِي إِلَى الرّبع الأول من الْقرن الْخَامِس الهجري.
وَقد تميز أسلوب الْبَيْهَقِيّ فِي التَّعَامُل مَعَ هَذِه الْمَوَارِد بالإِضافة المعرفية، فقد حرص على أَن يَجْعَل كِتَابه مُشْتَمِلًا على إضافات هَامة فِي ميدان "السّنَن" ثمَّ منْ حَيْثُ الكَمّ والكيف على السوَاء. فجَاء "سنَنه الْكَبِير" موسوعة جَامِعَة لكثير مِمَّا تقدم من الْأَخْبَار والْآثَار الصَّالِحَة للاحتجاج. وَكَانَ من ثمار هَذَا التكامل فِي الْعَمَل والحرص على مَنْهَج الْإِضَافَة المعرفية أَن
_________________
(١) ١ الْمصدر السَّابِق: ٢/ ٤٦٩. ٢ انْظُر الْمصدر السَّابِق: ٢/٥٧٧. وَانْظُر الذَّهَبِيّ سير النبلاء: ١٨/١٦٥. ٣ انْظُر: الْبَيْهَقِيّ السّنَن الْكُبْرَى: ٩/٢٢٨. ٤ انْظُر الْمصدر السَّابِق: ٣/٢٩٢. ٥ انْظُر الْمصدر السَّابِق: ٢/ ٤٧١، ٣/٣٥٥، ٧/١٠٩. ٦ انْظُر الْمصدر السَّابِق: ٧/ ١٠٥-١٠٧، وَانْظُر أَيْضا: ١/١٦٧-١٦٨.
[ ٨٥ ]
احتفظت لنا هَذِه "السّنَن الْكُبْرَى" بمجموعة هَامة من المصنفات الَّتِي تعْتَبر الْيَوْم فِي حكم الضائع الْمَفْقُود من تراثنا الْوَاسِع. وَمن جملَة هَذِه التصانيف كتاب "الْفَرَائِض" لزيد بن ثَابت (ت ٤٤ هـ) الَّذِي اعْتمد عَلَيْهِ الإمامان مَالك وَالشَّافِعِيّ فِيمَا كتباه من الْفَرَائِض. فقد احتفظ لنا الْبَيْهَقِيّ فِي "السّنَن"بأخبار كَثِيرَة مِنْهُ.
وأفرد قسما خَاصّا لزيد بن ثَابت ومكانته الممتازة، وَكتابه الْفَرَائِض. ويتضح من الْأَخْبَار أنَّ هَذِه الرسَالَة عدت عِنْد التَّابِعين مصدرا لَا غنى عَنهُ فِي مَوْضُوع الْمَوَارِيث. وتدلنا الْقطع الْبَاقِيَة عِنْد الْبَيْهَقِيّ على أنَّ أَبَا الزِّنَاد كَانَ يملك كتاب الْفَرَائِض لزيد بن ثَابت بِرِوَايَة خَارِجَة بن زيد. انْظُر: "السّنَن" ٦/٢١٣، ٢٢٥، ٢٢٦، ٢٢٧، ٢٢٩، ٢٣١، ٢٣٢، ولاسيما الصفحات ٢٣٤، ٢٣٦، ٢٣٨،٢٤٥، ٢٥٠. وَإِلَى جَانب تِلْكَ الْمَوَاضِع يَبْدُو أَنَّ الْبَيْهَقِيّ احتفظ أَيْضا بنصوص أُخْرَى من كتاب الْفَرَائِض لزيد. وَقد روى خَارِجَة بن زيد إِلَى جَانب هَذَا رِسَالَة أَبِيه فِي الْمِيرَاث، وهِي تِلْكَ الرسَالَة الَّتِي وجهت إِلَى مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان، ووصلت إِلَيْنَا قطع مِنْهَا- أَيْضا- عِنْد الْبَيْهَقِيّ: الصفحات: ٢٤٧، ٢٤٨، ٢٤٩١.
وَقد صنع مثل ذَلِك فِي "كتاب الْخراج" ليحيى بن آدم٢، وَهُوَ من الْكتب الهامة٣. فاقتبس مِنْهُ (١٩) رِوَايَة بِصُورَة متتابعة، وَفِي مَوضِع وَاحِد، أخرجهَا جَمِيعًا فِي "بَاب السوَاد"٤.
كَمَا احتفظ لنا الْبَيْهَقِيّ بنصوص من "تَفْسِير السّديّ"إِسْمَاعِيل بن عبد الرَّحْمَن (ت ١٢٨هـ) الْمَفْقُود٥، ومقتبسات من أَقْوَال عَليّ بن الْمَدِينِيّ (ت ٢٣٤ هـ) فِي الْجرْح وَالتَّعْدِيل، وَأبي حَاتِم الرَّازِيّ (ت ٢٧٧ هـ) . وَهُنَاكَ قطع كَبِيرَة من مقتبساته فِي مَادَّة العقيدة٦، ونوادر الْعلمَاء وأخطاء تأويلاتهم٧، والقراءات٨، وَأُخْرَى فِي تَارِيخ تدوين
_________________
(١) ١ د. سزكين تَارِيخ التراث: ٣/٦-٧ وَانْظُر أَيْضا: ٣/١٦. ٢ انْظُر بيانات عَن مادته العلمية عِنْد أ. د. الْعمريّ موارد الْخَطِيب: ٢١٨. ٣ انْظُر د. سزكين تَارِيخ التراث: ٣/٢٥٠-٢٥١. وَقد حَقَّقَهُ الشَّيْخ أَحْمد شَاكر، وطبع بِالْقَاهِرَةِ سنة ١٣٤٧هـ، وَترْجم إِلَى اللُّغَة الإنجليزية. ٤ انْظُر الْبَيْهَقِيّ السّنَن الْكُبْرَى: ٩/١٣٣-١٣٥. ٥ انْظُر د. سزكين تَارِيخ التراث: ١/٧٧. ٦ انْظُر الْبَيْهَقِيّ السّنَن الْكُبْرَى: ٣/٢-٣، ٣/١٧، ١٠/٢٠٢-٢٠٩ وخصوصًا ٢٠٦، ٢٠٧. ٧ انْظُر الْمصدر السَّابِق: ١٠/٢١١. ٨ انْظُر الْمصدر السَّابِق: ٢/٣٦٣-٣٨٥.
[ ٨٦ ]
السّنة وتطور ذَلِك، وَهِي نُصُوص هَامة فِي هَذَا الْمَوْضُوع لقدمها ودلالاتها١.
وَقد حفظ لنا البيهقيُّ نصوصًا هَامة أُخْرَى عَن طَرِيق السماع الشخصي من كبار مشايخه، فسجَّل لنا جملَة مِنْهَا، قد لَا نجدها فِي مصنَّف مدوَّن٢.
وَمن مظَاهر التَّوَسُّع المعرفي وَالْإِضَافَة إِلَيْهَا اسْتِيعَاب الْبَيْهَقِيّ لمواد جملَة كَبِيرَة من موارده الهامة مَعَ الْقيام بنقدها، وإلحاق الشواهد والمتابعات بهَا - إنْ كَانَت هَذِه الْمَوَارِد قد اشْترطت الصِّحَّة فِي منهجها كالصحيحين والمستخرجات عَلَيْهِمَا - وَإِن لم تشْتَرط ذَلِك قَامَ بِإِضَافَة التقويمات النقدية الْمُنَاسبَة لكل نَص من نصوصها فِي الْغَالِب الْأَعَمّ من منهجه. فنراه قد اقتبس من الصَّحِيحَيْنِ مَا يَرْبُو على (٧٠٠٠) حَدِيث من طَرِيقه وَأَسَانِيده الْخَاصَّة بِهِ، أَي إِنَّه استوفى مَجْمُوع متون الصَّحِيحَيْنِ فِي كِتَابه. وَكَذَا بِالنِّسْبَةِ لسنن أبي دَاوُد الَّذِي اقتبس مِنْهُ مَا يقرب من ألفي حَدِيث، ومسند ابْن وهب الَّذِي اقتبس مِنْهُ (١٣١٣) رِوَايَة، واقتبس من "سنَن الدَّارَقُطْنِيّ" (٧٥٨) رِوَايَة، وموطأ مَالك (٣٨٦) رِوَايَة، وَسنَن ابْن الْأَعرَابِي (٦٤٢) رِوَايَة، ومسند الصفار (١٤٠٧) من الرِّوَايَات، وَسنَن الشَّافِعِي وَغَيرهَا من مصنفاته (١٧٠٤) من الرِّوَايَات، والكامل لِابْنِ عدي (٣٤٨) اقتباسًا، وَغير ذَلِك من الاقتباسات الْكَثِيرَة، وَهَذِه الأرقام لَا تعْتَبر نهائية فِي مِقْدَار مَا اقتبس الْبَيْهَقِيّ من هَذِه الْمَوَارِد فِي حُدُود "السّنَن الْكُبْرَى" فَإِنَّمَا ذكرتُ حصيلة مَا رَوَاهُ عَن شيخ وَاحِد مِمَّن أَكثر عَنهُ فِي الاقتباس من أحد هَذِه الْمَوَارِد، وَهُنَاكَ الْكثير مِنْهَا قد تلقَّاه عَن أَكثر من طَرِيق، وَلَو جَمعنَا هَذِه الطّرق لقفز الْعدَد الْجملِي إِلَى أَكثر من ذَلِك بِكَثِير.
أما اسْتِعْمَال الْمنْهَج النقدي فِي التَّعَامُل مَعَ هَذِه الْمَوَارِد فَهُوَ من الوفرة والوضوح بِحَيْثُ يَجعله من أساسيات مَنْهَج الْبَيْهَقِيّ فِي التَّعَامُل مَعَ موارده. وَقد أثمر ذَلِك الآلاف من الملاحظات وَالْأَحْكَام النقدية فِي الْمُتُون والأسانيد، وَلَا حَاجَة إِلَى إِعَادَة مَا ذَكرْنَاهُ فِي مَوَاضِع أُخْرَى من هَذِه الدراسة، فقد تحدثنا عَنهُ فِي المبحث السَّابِق٣ كَمَا أفردنا بَابا مُسْتقِلّا لدراسة صناعته النقدية أشبعنا فِيهِ الحَدِيث عَن هَذَا الْجَانِب الْهَام٤. كَمَا أَن الانطباع تمثلت فِي كَثْرَة كتب الْجرْح وَالتَّعْدِيل، وتواريخ الرِّجَال، وسؤالات الْمُحدثين لكبار النقاد عَن مَرَاتِب الروَاة. الَّذِي يتكوّن عِنْد الدارس من خلال نظره فِي قَائِمَة الْمَوَارِد هُوَ مِقْدَار عناية الْبَيْهَقِيّ بموارد النَّقْد، الَّتِي
_________________
(١) ١ انْظُر الْمصدر السَّابِق: ٤/٨٦ ٥/٨٥، ٨٩، ٩٣، ١٣٤، ٩/٣٤٣، ٣٥٧، ١٠/ ٢٨١. ٢ انْظُر الْبَيْهَقِيّ السّنَن الْكُبْرَى: ٢/٧٤، ٣٦٨. ٣ انْظُر مَنْهَج السّنَن وخصائصها. ٤ انْظُر. الْبَاب الرَّابِع، وَنقد الْمَوَارِد فِي الملحق الثَّانِي من هَذِه الدراسة.
[ ٨٧ ]
تمثلت فِي كَثْرَة كتب الْجرْح وَالتَّعْدِيل، وتواريخ الرِّجَال، وسؤالات الْمُحدثين لكبار النقاد عَن مَرَاتِب الروَاة.
وَالْبَيْهَقِيّ بشكل عَام يقارن بَين موارده، ويرجح الْأَقْوَى مِنْهَا١ وَلَا يُتَابع أحدا مهما عظم شَأْنه إِلَّا بعد التَّوَثُّق وَالْيَقِين٢، فَهُوَ الَّذِي أفرد بَابا مُسْتقِلّا فِي "مدْخل السّنَن" ينصح فِيهِ بترك تَقْلِيد أَمْثَاله من أهل الْعلم حَتَّى يعلم علمهمْ٣. وَهُوَ يتحوّط من خطأ الثِّقَات لخطورته، كتحوّطه من الضُّعَفَاء، فَإِنَّهُ يَقُول مُحَذِّراَ: "فقد يزل الصدوق. وَقد يزل الْقَلَم، ويخطئ السّمع، ويخون الْحِفْظ"٤.
وامتاز عمك الْبَيْهَقِيّ فِي الاقتباس من "الْمَوَارِد" بالدقة فِي النَّقْل، فَكَانَ لَا يُورد نصًّا إِلَّا مشفوعًا بِإِسْنَادِهِ، وَبِهَذَا جَاءَت جَمِيع اقتباساته مُمَيزَة محددة، مَعْرُوفَة بدايتها ونهايتها من غير تدَاخل بَين الاقتباسات.
وَقد اسْتعْمل صيغًا علمية محدّده عِنْد الْأَدَاء والاقتباس "كحدثنا وَأخْبرنَا" فِي حَالَة السماع، فَإِذا تحمَّلَ قسما من الْكتاب بِالسَّمَاعِ وتحمَّل مَا تبقّى بطريقة أُخْرَى نبّه على ذَلِك، وغاير بَين الصيغتين فَيَقُول فِي الأولى: "حَدثنَا"، وَيَقُول فِي الثَّانِيَة مثلا: "أنبأنيه شَيخنَا أَبُو عبد الله الْحَافِظ فِي (الْمُسْتَدْرك) - فِيمَا لم يُقْرأ عَلَيْهِ- إجَازَة"٥. أَو يَقُول فِي الْمُكَاتبَة: "أنبأني أَبُو نصر بن قَتَادَة، وَكتبه لي بِخَطِّهِ"٦. وَفِي حَالَة التَّحَمُّل بالوجَادة يُمَيّز ذَلِك بقوله: "وَرَأَيْت فِي (كتاب الْعِلَل) لأبي عِيسَى التِّرْمِذِيّ"٧. أَو يَقُول: "قَال أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيّ فِي (كتاب الْعِلَل) "٨، وَهَذَا هُوَ التَّعْبِير الَّذِي يكثر من اسْتِعْمَاله فِي الاقتباس من الْمَوَارِد الَّتِي أَخذهَا بالوجادة، وَأَحْيَانا يَقُول فِي التَّعْبِير عَنْهَا: "بَلغنِي"٩.
وَمِمَّا تجدر الْإِشَارَة إِلَيْهِ مَا ذكره الإِمَام الذَّهَبِيّ فِي معرض حَدِيثه عَن موارد الْبَيْهَقِيّ
_________________
(١) ١ انْظُر الْبَيْهَقِيّ السّنَن الْكُبْرَى: ٢/٤٣٩، ٣/٣٤، ٢٨٣. ٢ انْظُر الْمصدر السَّابِق: ١/١٥٨،-١٥٩، ١٠/٥٦. ٣ انْظُر الْبَيْهَقِيّ الْمدْخل إِلَى السّنَن الْكُبْرَى: ٢٠٧-٢١١. ٤ الْبَيْهَقِيّ معرفَة السّنَن والْآثَار: ١/٤١. ٥ الْبَيْهَقِيّ السّنَن الْكُبْرَى: ١٠/١٢ وَمثلهَا فِي ١٠/٤٠، ١٩٣. ٦ الْمصدر السَّابِق: ١٠/١٦٧. ٧ الْمصدر السَّابِق: ٥/٣٢٤- ٣٢٣. ٨ الْمصدر السَّابِق: ١/٤٣، ١٦١، ٢٧٦، ٤٥٦، ٤/٨٨، ١٢٦، ٢٨٠، ٥/١٢، ٤٣، ٢٣٩، ٦/١٤، ٧/١٨٨، ٢١٢، ٨/٤٣، ٢٣٩، ٩/٢٣٦، ١٠/٢٠٨، ٢٨٩، ٢٩٣، ٣٢٠. ٩ الْمصدر السَّابِق: ١/٨٩، ١٣٠، ١٥٨.
[ ٨٨ ]
بشكل عَام فَقَالَ: "وبورك لَهُ فِي علمه، وصنف التصانيف النافعة، وَلم يكن عِنْده (سنَن النَّسَائِيّ) وَلَا (سنَن ابْن ماجة)، وَلَا (جَامع أبي عِيسَى)، بلَى عِنْده عَن الْحَاكِم وقر بعير أَو نَحْو ذَلِك، وَعِنْده (سنَن أبي دَاوُد) عَالِيا"١. وَقد تَابع الذهبيَّ جمعٌ من المؤرخين فِي ترديد هَذِه الْمَسْأَلَة، مِنْهُم السبكيُّ٢ والصفدي٣، وَزَاد الصَّفَدِي: "بأنَّ دائرته فِي الحَدِيث لَيست كَبِيرَة".
وَهَذِه الْمقَالة غَرِيبَة جدا، والأغرب مِنْهَا صدورها عَن الْحَافِظ الْمُحَقق الإِمام الذَّهَبِيّ، الَّذِي هُوَ أدرى النَّاس بموارد الْبَيْهَقِيّ وسعتها بِاعْتِبَارِهِ قَامَ بتهذيب السّنَن الْكُبْرَى وَغَيرهَا من كتب الْبَيْهَقِيّ. وَلَكِن لَا بَأْس من أَن نناقشها بِالدَّلِيلِ والمنطق فلعلّ الذَّهَبِيّ قد قَالَهَا قَدِيما وَذَلِكَ قبل أَن يعرف موارد الْبَيْهَقِيّ بشكل دَقِيق.
وأحبُّ أنْ أقولَ أَولا: إنَّ عدم توفر بضع كتب من الْأُمَّهَات لَا يقْدَح فِي سَعَة دائرته، وَكَثْرَة موارده، فقد تكون مواد هَذِه الْكتب قد توفرت لَدَيْهِ من طرق أُخْرَى فِي مصنفات مُخْتَلفَة وبأسانيد أَعلَى فيستعيض بهَا عَن تِلْكَ. وَهَذَا الْكَلَام ينطبق تَمامًا على قَضِيَّتنَا، فقد توفر للبيهقي صَحِيح البُخَارِيّ، وَمُسلم، وصحيح أَحْمد بن سَلمَة، وَابْن خُزَيْمَة، وَأبي عوَانَة، وَأبي بكر الْإِسْمَاعِيلِيّ، وَسنَن أبي دَاوُد السجسْتانِي، وَسنَن ابْن جريج، والوليد بن مُسلم الْأمَوِي، وَسَعِيد بن مَنْصُور، وحرملة الْمصْرِيّ، والكَجي، ويوسف الْبَغْدَادِيّ، وَعلي الْمصْرِيّ، وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَعِشْرُونَ مُسْندًا من المسانيد الجامعة الحافلة٤ وَغير ذَلِك من المعاجم والمصنفات. إِلَّا أنني ذكرت هَذِه الصِّحَاح وَالسّنَن بأسمائها باعتبارها مرتبَة على نظام الْكتاب وَالْبَاب.
وَلَو أننا استثنينا "سنَن ابْن ماجة" لِقِلَّةِ خطورته، وَضعف العديد من أَحَادِيثه. أَقُول: لَو أننا استثنينا هَذِه السّنَن لبقيت الشُّبْهَة محصورة فِي حُدُود كتابين هامين من الْكتب السِّتَّة وهما: "سنَن النَّسَائِيّ" و"جَامع التِّرْمِذِيّ". فَإِن هذَيْن الْكِتَابَيْنِ لم يحصل الْبَيْهَقِيّ على حق الرِّوَايَة والتحديث عَنْهُمَا لأسباب نجهلها، ولعلّه لم يتَمَكَّن من سماعهما بِإِسْنَاد عَال فعَدَلَ عَنْهُمَا لوُجُود مادتهما فِي بَقِيَّة الْكتب الموسَّعة الَّتِي تربو على الْمِائَة، وَالَّتِي يملك حق رِوَايَتهَا بِصُورَة شَرْعِيَّة. وَلَيْسَ معنى ذَلِك أَن نقُول كَمَا قَالَ الإمامُ الذهبيُّ: "وَلم يكن عِنْده "سنَن
_________________
(١) ١ الذَّهَبِيّ سير النبلاء: ١٨/ ١٦٥، وَانْظُر تذكرة الْحفاظ: ٣/١١٣٢. ٢ انْظُر السُّبْكِيّ طَبَقَات الشَّافِعِيَّة: ٣/٣. ٣ انْظُر الصَّفَدِي الوافي بالوفيات: ٥/٣٥٤. ٤ انْظُر قَائِمَة الْمَوَارِد.
[ ٨٩ ]
النَّسَائِيّ"، وَلَا"سنَن ٠٠٠"١ إِلَّا إِذا قصدنا بذلك أَنه لَا يملك حق رِوَايَة هَذِه الْكتب لعدم سَمَاعه لَهَا من حَمَلَتها. وَالسَّبَب فِي ذَلِك أَن هذَيْن الْكِتَابَيْنِ "سنَن النَّسَائِيّ" و"جامِع التِّرْمِذِيّ" موجودان عِنْده بِالْفِعْلِ. وَكَانَ يستعملها بطرِيق "الوجادة" غَالِبا، وَأَحْيَانا يرْوى عَنْهُمَا بِالْإِسْنَادِ الْمُتَّصِل. وهاك أَدِلَّة ذَلِك:
١-سنَن النَّسَائِيّ:
- قَالَ الْبَيْهَقِيّ: "لفظ حَدِيث ابْن نَاجِية. وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ"٢.
- وَقَالَ:"وَبَلغنِي عَن أبي عبد الرَّحْمَن النَّسَائِيّ أَنه قَالَ: هَذَا حَدِيث "٣.
- وَقَالَ: "وَأخرجه أَبُو عبد الرَّحْمَن النَّسَائِيّ فِي (كتاب السّنَن) من حَدِيث سُفْيَان بن عُيَيْنَة هَكَذَا فِي (مسح الرَّأْس مرَّتَيْنِ) "٤ وَهنا ذكر عزوه إِلَى السّنَن صَرَاحَة.
- وَقَالَ: "وَرَوَاهُ أَبُو عبد الرَّحْمَن النَّسَائِيّ عَن عبيد الله بن سعيد عَن عبد الله بن الْحَارِث المَخْزُومِي، فَقَالَ فِي الأول: (وَالْعشَاء حِين غَابَ الشَّفق) . وَقَالَ فِي الثَّانِي: قَالَ عبد الله بن الْحَارِث، ثمَّ قَالَ (فِي الْعشَاء أرى إِلَى ثلث اللّيل) "٥.
وبالرغم من صَرَاحَة هَذِه الشواهد فِي دُخُول "سنَن النَّسَائِيّ" فِي جملَة موارد الْبَيْهَقِيّ إِلَّا أَنه من الضَّرُورِيّ أنّ أنبّه هُنَا إِلَى أَنَّ الإِمَام الْبَيْهَقِيّ قد تحمل قسما من هَذِه السّنَن عَن طَرِيق شَيْخه أبي عبد الله الْحَاكِم، وَاسْتعْمل بَعْضًا من هَذِه المرويات بِإِسْنَادِهِ عَن الْحَاكِم إِلَى النَّسَائِيّ فِي "سنَنه" وهاك شَوَاهِد ذَلِك:
- قَالَ الْبَيْهَقِيّ: "أخبرنَا أَبُو عبد الله الْحَافِظ، أَخْبرنِي أَبُو عَليّ الْحُسَيْن بن عَليّ الْحَافِظ، أَنبأَنَا أَبُو عبد الرَّحْمَن أَحْمد بن شُعَيْب الْفَقِيه بِمصْر" وسَاق الحَدِيث٦.
وَهَذِه صور إِسْنَاد الْبَيْهَقِيّ إِلَى "سنَن النَّسَائِيّ":
أ- الْحَاكِم عَن أبي عَليّ الْحُسَيْن بن عَليّ الْحَافِظ عَنهُ٧.
_________________
(١) ١ الذَّهَبِيّ سير النبلاء: ١٨/ ١٦٥. ٢ الْبَيْهَقِيّ السّنَن الْكُبْرَى: ٧/١٨٣. ٣ الْمصدر السَّابِق: ٨/٢٩٨. وَقد تبين لي من خلال دراسة مَنْهَج الْبَيْهَقِيّ فِي الْأَدَاء أَنه يسْتَعْمل صِيغَة "بَلغنِي فِي الوِجادات وَبِهَذَا يكون سنَن النَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ كِلَاهُمَا موجدان عِنْده بيد أَنه لم يتَمَكَّن من سماعهما أَو أَنه عدل لأسباب تحدثنا عَنْهَا آنِفا". ٤ الْمصدر السَّابِق: ١/ ٦٣. ٥ الْمصدر السَّابِق: ١/ ٣٧٣. ٦ الْمصدر السَّابِق: ٤/ ٣٥٤. ٧ الْمصدر السَّابِق: ٤/٢٦، ٥/ ٣٢٤، ٧/ ١٨٣.
[ ٩٠ ]
ب- الْحَاكِم عَن أبي مُحَمَّد جَعْفَر بن مُحَمَّد بن الْحَارِث عَنهُ١.
ج- الْحَاكِم عَن عبد الله بن جَعْفَر الْفَارِسِي عَنهُ٢.
٢- جَامع أبي عِيسَى التِّرْمِذِيّ:
- قَالَ الْبَيْهَقِيّ: " رَوَاهُ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيّ فِي (كِتَابه) "٣.
- وَقَالَ: "رَوَاهُ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيّ عَن وَقَالَ فِي الحَدِيث: "ثمَّ تَوَضَّأ ونضح فرجه بِالْمَاءِ"٤.
- وَقَالَ: "وَقَالَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيّ - فِيمَا بَلغنِي عَنهُ -: هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب، وَهَذَا أصح من حَدِيث إِسْرَائِيل عَن عبد الْأَعْلَى"٥.
وَقد يخرج الْبَيْهَقِيّ الحَدِيث عَن طَرِيق التِّرْمِذِيّ بالضبط إِلَّا أَنه يصرّ على رِوَايَته من طَرِيقه الْخَاص٦، فَإِنَّهُ فِي حَدِيث "لَا وَصِيَّة لوَارث" أخرجه من ثَلَاثَة طرق بأسانيده الْخَاصَّة، وَقد أخرجه التِّرْمِذِيّ وَابْن ماجة من طريقيهما، بيد أنّ الْبَيْهَقِيّ استقلّ بِرِوَايَة هَذِه الْأَسَانِيد من طَرِيقه المتميّز٧.
وَمَا ذَكرْنَاهُ آنِفا بِالنِّسْبَةِ لسنن النَّسَائِيّ يصلح أَيْضا لجامع التِّرْمِذِيّ، فقد تحمَّل الْبَيْهَقِيّ قسما من كتاب التِّرْمِذِيّ عَن طَرِيق شَيْخه الْحَاكِم، وَصُورَة إِسْنَاده إِلَى التِّرْمِذِيّ مَا يَلِي:
- الْحَاكِم عَن أبي الْعَبَّاس المحبوبي عَنهُ٨.
وَمن الجدير بِالذكر أنَّ الإِمَام الْبَيْهَقِيّ حدَّث عَن شَيْخه الْحَاكِم فِي كتاب "السّنَن الْكُبْرَى" وَحده (٨٤٩١) رِوَايَة، فأمكنه عَن طَرِيق الْحَاكِم أَن يتَحَمَّل العديد من أُمَّهَات كتب السّنة بأسانيد عالية.
_________________
(١) ١ الْمصدر السَّابِق: ٧/١٨٣. ٢ الْمصدر السَّابِق: ٤/٢٦، ٦/ ٣٧٠. ٣ الْمصدر السَّابِق: ٤/٣٨. ٤ الْمصدر السَّابِق:١٠/١٦١ وَشَاهد آخر فِي٩/٢٥٦. ٥ الْمصدر السَّابِق: ١٠/١٠٠. ٦ الْمصدر السَّابِق: ٤/٥، ٧/١٨٤. ٧ الْمصدر السَّابِق: ٦/٢٦٤-٢٦٥. ٨ الْبَيْهَقِيّ السّنَن الْكُبْرَى: ٢/ ٣٨٠.
[ ٩١ ]
وَفِي ختام هَذِه المناقشة نقُول: لقد كَانَ عِنْد الْبَيْهَقِيّ سنَن النَّسَائِيّ وجامع التِّرْمِذِيّ خلافًا لمن نفى ذَلِك من الْعلمَاء. وَأَن كتاب "السّنَن الْكُبْرَى" من خلال مَا رَأينَا يعْتَبر موسوعة جَامِعَة فِي الحَدِيث الشريف، وآثار الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ، وَيصدق عَلَيْهِ الْمثل الْعَرَبِيّ الْقَدِيم: "كُلُّ الصَّيْدِ فِي حَوْفِ الْفَرَا"١.
_________________
(١) ١ أَبُو عبيد كتاب الْأَمْثَال: ٣٥، العسكري جمهرة الْأَمْثَال: ٢/١٦٢، الزَّمَخْشَرِيّ: المستقصى فِي أَمْثَال الْعَرَب، الميداني مجمع الْأَمْثَال: ٢/ ٢٢٤.
[ ٩٢ ]