لقد ذكر السخاوي أنه لم يكن راضيا عن شيء من تصانيفه سوى الفتح، ومقدمته، والمشتبه، والتهذيب، واللسان، ثم ذكر السخاوي أنه رأى الحافظ –في موضع آخر - أثنى على شرح البخاري، والتغليق، والنخبة (١) .
يُضاف إلى هذا –مما يُبيّن مكانتَها- كونُها قُرئت عليه في حياته (٢)، وبعضهم قرأها عليه قراءة بحث (٣)، وقراءةُ البحث - عند العُلماء المُحقّقين- منَ الأهمّيّةِ بمكانٍ؛ حيث نجد الحافظ نفسه، ﵀ نوّه بها، في مُناسبة تكلّم فيها على شرحها (٤)، فكتب على نُسخةٍ لأحد طُلاّبه أنه قرأ عليه كذلك؛ ووصفها بقوله: (قراءةً حرّرها وأجاد، وقرّرها فأفاد؛ كما استفاد، وقد أَذِنْتُ له أن يَرويها عني ويُفيدها لمن أراد منه تَقريبَ معانِيها مِمّن يُعانيها؛ يُوضّحُها، حتى يدري - من لم يَطَّلعْ على مُرادي - ما الذي أعني) .
وهذا المتن مع كونه احتوتْهُ - لاختصاره - كراسةٌ، إلا أنه جمع فيه مقاصدَ الأنواع التى عند ابن الصلاح، وزاد عليها أنواعًا لم يذكرها، فاحتوى
_________________
(١) الجواهر والدرر ٢/٦٥٩.
(٢) الجواهر والدرر ١/٣١٢، وانظر ما يأتي في ص (٢٠) .
(٣) المجمع المؤسس ٣/٦٦٣، ويُضاف لما سبقت أن أحلت عليه في كتاب الجواهر والدرر: ٣/١١٧٤ وانظر فيه: ١/٤٧٧ و١٢١٣.
(٤) الجواهر والدرر ٣/١٩٥-١٠٩٦، وانظر ٣/١١٣٦.
[ ١٣٥ ]
على أكثر من مائة نوع من أنواع علوم الحديث، كما قال السخاوي (١) .
وقد أثنى عليها العلامة ابن الوزير نثرا ونظما - ونقله عنه الصنعاني (٢) - مُتمثّلا بالبيتين القائلين:
أَبْلَغُ العِلْمِ وأَشْفَاهُ (م) لأَدْوَاءِ الْفُؤَادْ
اِخْتِصَارٌ في جِلاءٍ وَّبُلُوغٌ في مُرَادْ (٣)
ومن ذلك قول الصنعاني في منظومته للنخبة (٤):
وَبَعْدُ: فَـ (النُّخْبَةُ) في عِلْمِ (الأَثَرْ) مُخْتَصَرٌ يَّا حَبَّذَا مِن مُّخْتَصَرْ
وللعلامة شمس الدين أبي عبد الله محمد الشُّحروري؛ الشهير بـ (ابن
_________________
(١) الجواهر والدرر ٢/٦٧٧، ونبّه السخاوي على سبق ابن واصل لنحو هذه التسمية؛ لكن اسم كتابه (نخبة الفكر في علم النظر)، واعتذر للحافظ بأنه لعلّه: ما استحضره حين التسمية به، وابنُ واصل هو: محمد بن سالم بن نصر الله بن سالم ابن واصل المازني، وانظر الأعلام ٦/١٣٣ فقد ذكر أنه صنف رسالته الأنبرورية في المنطق في جزيرة صقلية، وأنها تُسمى (نخبة الفكر) .
(٢) مختصر في علم الحديث، ل (١٢١ أ» ضمن مجموع، وإسبال المطر ص (١٩و٢٠) .
(٣) وقد تمثّل ابن الوزير بهذين البيتين - أيضا- مُقتبسا لهما في شعر أثنى به على كتاب العلامة تقي الدين الفاسي: العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين؛ ونقلها الفاسي فيه في أثناء ترجمته لنفسه -١/٣٥٨- وأوّلها: يا تقي الدين أحسنتَ (م) قِرَى أُمِّ البلادْ في اثني عشر بيتا ختمها بالبيتين المذكورين، وللعلامة ابن الوزير ترجمة أفردها من المعاصرين: القاضي إسماعيل بن علي الأكوع؛ بعنوان: (الإمام محمد بن إبراهيم بن الوزير وكتابه العواصم والقواصم)، (ت:٨٤٠؟)، والترجمة مكتوبة في الأصل: لتكون مقدمةً للكتاب المذكور.
(٤) إسبال المطر ص (١٧) .
[ ١٣٦ ]
الشُّحرور) (١) أبيات أربعة في الثناء على (النخبة) وعلى (النّزهة) (٢)، وقد خَتَمْتُ بها عِدّةَ عشرةِ أبياتٍ قلتها للثناء على مُصنّفها - ورحمهم الله جميعا- وعلى مؤلفاته، وهي:
مَا أَطْيَبَ الْعِلْمَ في وِرْدٍ وَّمُصْتَدَر (٣) يَغْدُو، يَرُوحُ، يُعَاني خِدْمَةَ (الأَثَرِ)
فَانْظُرْ لآثَارِهِ كَمْ شُرِّفَتْ قَدَمٌ سَعَتْ لَهُ.. فَأَفَادَتْ خَيْرَ مُدَّخَرِ
عِلْمُ الْكِتَابِ - لَهُ- تَاجٌ يُّكَلِّلُهُ وَسُنَّةُ المُصْطَفَى المُخْتَارِ مِن مُّضَرِ
كَمْ عَالِمٍ فِيهِ؛ أَعْلَى اللهُ مَنْزلَهُ فَوْقَ السُّهَا (٤) وَالثُّرَيَّا طَاهِرَ السِّيَرِ
وَالعَسْقَلانِيُّ نَجْمٌ.. في تَأَلُّقِهِ (فَتْحٌ) لَّهُ قَدْ أَتَى مِنْ (بَارِئِ) الصُّوَرِ
كَم مِّنْ تَوَالِيفَ أبْدَى في الْعُلُومِ لَهَا نَفْعٌ جَلِيلٌ يُّحلِّي الجِيدَ بالدُّررِ
إن رُّمْتَ تَبْغِي سَبِيلَ الرُّشْدِ في الأَثَرِ فَاشْفِ الْغَلِيلَ بما في (نخبة الْفِكَر)
(واكْحُلْ بِـ"تَوْضِيحِهَا" عَيْنَ الْبَصِيرَةِ كَيْ تَحظَى بما رُمْتَهُ مِن "نزهَةِ النَّظَرِ")
_________________
(١) محمد بن عمر بن عثمان، الشمس المصري الحنفي، نزيل حلب، ويُعرف بابن الشحرور، ولد بعد (٧٦٠؟)، ومات بدمشق سنة (٨٥٨؟)، وله نظم، هكذا ترجم له السخاوي في طبقات الحنفية (ل: ٢٧١) بترجمة مختصرة، ولم أقف على غيرها.
(٢) أوردها الشيخ إبراهيم الّلقاني في (قضاء الوطر) ل (٣) مصورة عن مكتبة الشيخ حماد الأنصاري ﵀، ووردت على طُرّة مخطوطة أصلية لنزهة النظر؛ محفوظة بمكتبة الحرم المكي برقم (٧٧٧) نُسخت في عام ١٢٦٣؟ بالطائف.
(٣) مصدر ميمي منقول لباب الافتعال.
(٤) السُّهَا: كُويكب صغير خفيّ الضوء والناس يمتحنون به أبصارهم، كما في لسان العرب (س؟ ا) ١٤/٤٠٨.
[ ١٣٧ ]
(للهِ دَرُّ الَّذِي أَنْشَا حَدَائِقَها فَكَمْ رَأَتْ مِن شَذَاهَا الْعُمْيُ بِالْبَصَرِ)
(لا زَالَ يُبْلي ثِيَابَ المجْدِ (١) مَا طَلَعَتْ شمْسٌ وَّغرَّدَ شُحْرُورٌ (٢) عَلَى الشَّجَرِ)
أما تاريخ تأليفها: فإن الحافظ -﵀- ألف (نخبة الفكر) وهو مقيم في بلاده بمصر، وذلك في عام ٨١٢؟ كما أرّخ تلميذه السخاوي (٣) .
وهذا القول يُعكّر عليه ما اشتهر من أنه ألفها وهو مُسافر، وسبب الشهرة مُستند إلى بيت جاء في نظم النخبة للأمير الصنعاني هو:
أَلَّفَهَا الحَافِظُ في حَالِ السَّفَرْ وَهْوَ الشِّهَابُ بْنُ عَلِيِّ بْنُ حَجَرْ
وفي نسخة: (ألّفها الحافظ ثاقب النظر) (٤) وهي أصوب، ولو كان الشأن راجعا لاختلاف النسخ لهان الأمر، إلا أن الإمام الصنعاني -﵀- لما شرح هذه المنظومة التي سمّاها (قصب السكر) بشرحه الذي سمّاه (إسبال المطر)، نقل عن العلامة ابن الوزير -﵀، وكان عصري الحافظ- خبرا لم أقف على من وافقه عليه، وبدا لي فيه نظر على ضوء ما جاء عند المترجمين للحافظ ولحياته
_________________
(١) في فتح الباري ١٠/٢٨٠ قول الحافظ ﵀: (العرب تُطلق ذلك وتُريد الدعاءَ بِطُولِ البقاء لِلمُخاطبِ بِذلك)؛ وذلك في شرحه لدعائه ﷺ للطفلة (أَمَة) المُكنّاة (أم خالد): «أَبْلِي وَأَخْلِقِي»؛ قال: (أي أنها تطول حياتها حتى يبلى الثوب ويخلَق)، والشاعر يدعو للحافظ - والله يرحمهما- بدوام مجده وعزّه.
(٢) الشُّحْرُور في الأصل: طائر أسود فُوَيق العصفور يُصوّت أصواتا، لسان العرب (ش ح ر) ٤/٣٩٨، وكأنّ ناظمها بدا له ربطُ أبياته هذه باسم شُهرته.
(٣) الجواهر والدرر ٢/٦٧٧.
(٤) كما في شرح المنظومة للشيخ عبد الكريم مراد ص (١٩) .
[ ١٣٨ ]
العلمية، ولتواريخ رحلاته؛ اللاتي وجدتها شغلت ثلاث فترات من حياته –أولى ووسطى وأخيرة - ولمؤلفاته.
والخبر هو ما جاء في قول ابن الوزير عن الحافظ: (كتب - في سفره إلى مكة، سنة سبع عشرة وثمانمائة- مختصرا بديعا في علوم الحديث) (١)، ففي السفر المذكور، وفي هذا التاريخ نظر من وجهين:
أولهما: أن الحافظ كان في الفترة من عام (٨٠٧ هـ) إلى عام (٨١٤هـ) مُستقرًّا بمصر غير مُرتحل، والتاريخ الصحيح لتأليف (النخبة) واقع ضمن هذه الفترة كما سبق نقله عن السخاوي، وأكّده السخاوي بقوله - أكثر من مرة - بأنها قُرئت على الحافظ قبل التاريخ الذي ذكره ابن الوزير، وذلك سنة (٨١٥هـ) (٢)، ثم إن الحافظ شرح (النخبة) بكتابه (نزهة النظر) شرحا مُدمَجا فيه متنُ النخبة، لكنّ شرحه لها كان في أواخر عام (٨١٨ هـ) وفرغ منه في مُستهلّ ذي الحجة من هذا العام (٣)، فلو قُدّر أن ابن الوزير يقصد هذا الشرح فالتاريخ الذي عنده لا ينطبق على هذا، وقد نقل عن كتاب (نزهة النظر) في (العواصم والقواصم)؛ (ويُسمّيه: علوم الحديث) (٤) .
ثانيهما: أنّ رحلات الحافظ في فِئاتها الثلاثِ كما يلي (٥):
_________________
(١) مختصر في علم الحديث، لابن الوزير، ل (١٢١أ) ضمن مجموع، وإسبال المطر ص (١٩)، ونقل الشيخ عبد الكريم مراد هذا في شرحه للمنظومة ص (١٩)، ولم يُنبّه على ما فيه.
(٢) تكرّر ذكر هذا في الجواهر والدرر، انظر: ١/٣١٢ و٣/١١٠٧ و١١٠٩ و١١٢٨ و١١٣١ و١١٦٥ و١١٥٧ و١١٦٥.
(٣) الجواهر والدرر ٢/٦٧٧.
(٤) مقدمة تحقيق (الروض الباسم) ١/٥٩، وأحال على (العواصم والقواصم) ٩/١٢٧، ٢٦٠، وهو كما ذكر.
(٥) تتبّعت- مؤخّرا- المواضع التي ذكر أرقام صفحاتها د. يوسف المرعشلي في مجلّد (الفهارس الفنّيّة) لكتاب (المجمع المؤسس) ص (٤٤١-٤٤٢)، واقتصرت في الإحالة على ما كان منها صريحا في ذِكر الموضع والسنة.
[ ١٣٩ ]
أ- الأولى: الفترة الواقعة مدتها ما بين عام (٧٧٥هـ) إلى عام (٧٩٩هـ):
فقد زار بيت المقدس سنة (٧٧٥هـ) بصحبة والده (١)، كما ذكر سماعه لصحيح البخاري بمكة سنة (٧٨٥هـ) (٢)؛ وذلك حين جاور في هذا العام في صُحبة وصيّه وحجّ معه (٣)، وذكر السخاوي أنه حج وجاور مع وصيه عام (٧٨٦هـ)؛ (وهو مُراهق، وقبلها وهو طفل مع والده) (٤)، وتعلّم الخط بمكة في السنة المذكورة (٥) .
أما رحلاته العلمية -التي أنشأ سفرها- فكانت أوّلها عام (٧٩٣هـ)، وكان نطاقها - إلى الغاية المذكورة: عام (٧٩٩هـ) - في بلدان مصر: قوص (٦) وبعض بلدان الصعيد عام (٧٩٣هـ، ثم الإسكندرية في أواخر عام ٧٩٧هـ، ولم يَعُدْ منها إلا بعد أشهُر من عام ٧٩٨هـ (٧) .
_________________
(١) المجمع المؤسس ١/٣٥٤.
(٢) المجمع المؤسس ٣/٧٦.
(٣) المجمع المؤسس ٣/٩٦، وانظر: ٣/٢٦٧ و٢٦٩.
(٤) الجواهر والدرر ١/١٥٠.
(٥) المجمع المؤسس ٣/١٨٥.
(٦) قوص: من مدن جنوب مصر؛ تبعد عن القاهرة بنحو (٦٥٠) كيلا، كما في (أطلس) طرق مصر، الخارطة ص (٢١)، وفي معجم البلدان –٤/٤١٣- أنها مدينة كبيرة؛ وهي قصبة صعيد مصر؛ وأنها كانت مركزا تجاريا مهمًا، أما (الأطلس) المذكور آنفا فإن العلامات الإرشادية في خارطته تفيد أنها اليوم مدينة صغيرة لم يَعُدْ لها ما كان سابقا من أهمية، والطرق الموصلة إليها ثانوية.
(٧) الجواهر والدرر ١/١٤٢و١٤٥-١٤٦.
[ ١٤٠ ]
ب- الثانية: من الفترة الواقعة ما بين أواخر عام (٧٩٩ هـ) إلى عام (٨١٥هـ)، فبعد عودته من الإسكندرية أقام حتى توجّه في شهر شوال من عام (٧٩٩ هـ) قاصدا للحجاز عن طريق البحر، ووافق جمعا من الفضلاء بالطور قاصدين اليمن، فرافقهم في رحلتهم مرورا بينبع ثم جدة (١)، وكانت تلك أولى رحلتيه إلى اليمن حيث وصلها في ربيع الأول من عام (٨٠٠ هـ) (٢)، وتنقّل عامه ذاك بين بلدانها (٣)، ثم في أواخر عامه ذاك خرج قاصدا للحج، ليؤدّي حجة الإسلام، بصحبة موكب للحج جهّزه الملك الأشرف (٤)، ثم إنه عاد بعد حجة الفريضة إلى مصر، وتنقّل بها تنقُّلاتٍ وَصَفَ السخاوي فيها ما كان من الحافظ بأنه: (أشرف على الاستيفاء وحصول الاستيعاب لما أمكن بالديار
_________________
(١) في المجمع المؤسس ٣/١١١ تحت ترجمة (خليل بن محمد الأقفهسي) ذكر الحافظ مُرافقته له إلى مكة من البحر في سنة (٧٩٩ هـ) وأنه طلع من جدة إلى مكة، وتوجّه الحافظ إلى اليمن، ثم جاور الأقفهسي سنة (٨٠٠ هـ)، وأن الحافظ لما قدم لحج هذا العام من اليمن لقيه بمكة، كذلك ذكر أن الأقفهسي رحل إلى دمشق ودخلها عام (٨٠٢ هـ)، وأن الحافظ نفسه رحل إليها في العام ذاته فلقيه بها، ثم قدم معه إلى القاهرة؛ فأقام الأقفهسي إلى أن سافر للحج عام (٨٠٤هـ)، وأن الحافظ حج عام (٨٠٥هـ) فلقيه بمكة على ما كان عَهِدَهُ عليه سابقا، وذكرت هذا المقطع لما فيه من تفصيلات؛ بحسبما اشترطتُهُ.
(٢) المجمع المؤسس ٢/٥٥٠ والجواهر والدرر ١/١٤٧.
(٣) الجواهر والدرر ١/١٤٦-١٤٩.
(٤) الملك الأشرف اسمه (إسماعيل الغساني) مؤلف كتاب (العسجد المسبوك في طبقات الخلفاء والملوك)؛ (ت:٨٠٣هـ)، قدّم عنه د. شاكر محمود عبد المنعم دراسة مُستفيضة مع تحقيق قسم كبير من كتابه المذكور، انظر: الحافظ ابن حجر ودراسة مُصنفاته ١/١١٩؛ حاشية (١)، والخبر في الجواهر والدرر ١/١٥٠، وانظر الحافظ ابن حجر ودراسة مصنفاته: ١/١٢٤.
[ ١٤١ ]
المصرية) (١)، حتى رحل منها إلى الشام، في شعبان من عام (٨٠٢هـ) (٢) .
وكان رَافَقَهُ تقيُّ الدين الفاسي في رحلته لدمشق (٣)، وما زال مُتَنَقِّلًا بين بلدان الشام، وأرّخ مروره بنابلس في سنة (٨٠٣هـ) (٤)، وفيها رجع إلى مصر؛ وفي صُحبته تقي الدين الفاسي (٥) .
وحجّ الحافظ في عام (٨٠٥ هـ) وجاور بعض السنة التي تليها، ثم رحل من مكة إلى اليمن عن طريق البحر، وهي رحلته الثانية (٦)، وغرقت السفينة،
_________________
(١) الجواهر والدرر ١/١٥٦، وجاء فيها قبل صفحة: ١/١٥٥ قول السخاوي: (لما رجع من حجة الإسلام إلى بلده - في سنة إحدى وثمانمائة- جدّ في استكمال ما بقي عليه من مسموع القاهرة ومصر)، وجاء معنى هذا عند د. شكر محمود عبد المنعم -في كتابه (الحافظ ابن حجر ودراسة مصنفاته) ١/١٢٧- إلا أنه أوهم أن ذلك كان بعد سنة (٨٠٧هـ)، وممّا يُفيده هذا الخبر: أن الحافظ ﵀ توقف عن الأسفار في بلدان مصر عند هذا الحد؛ قبل سفره للشام في شعبان سنة (٨٠٢هـ) لكونه استوفى ما فيها كما ذكر السخاوي هنا، أما وقت تأليف الحافظ للنخبة عام (٨١٢ هـ) فلم أقف على خبر يذكر سفره بداخل مصر ولا خارجها بعد عام (٨٠٧ هـ) إلى أن خرج منها للحج في عام (٨١٥هـ)؛ فمجموع هذا يُفيد ما ذكرته من كون الحافظ لم يُؤلّفها في حال السفر، بل في الحضر، وفي مصر؛ لا في سفر له إلى مكة، والله أعلم.
(٢) المجمع المؤسس ١/٣٥٤ وانظر: ١/٣٨٠ و٢/٣٦٥ و٤٩٩ و٥٧٢ و٥٨١، والجواهر والدرر: ١/١٥٦.
(٣) وهو مؤلف (العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين)، ذكر هذا في كتابه: (ذيل التقييد) ١/٣٥٢-٣٥٧.
(٤) المجمع المؤسس ١/٢١١.
(٥) (ذيل التقييد) ١/٤٥٤، و(العقد الثمين) ١/٣٧٧.
(٦) أشار الحافظ إلى رحلتيه لليمن سنة (٨٠٠هـ) وسنة (٨٠٦ هـ): في كتابه المجمع المؤسس ٣/٨٥-٨٦ في ترجمة إسماعيل بن إبراهيم الجحافي التعزّي.
[ ١٤٢ ]
وأنقذه الله وأَكْثَرَ كُتُبِهِ التي اصطحبها وبعضها بخطه (١)، ولم أقف على خبر يُحدّد تاريخ عودته من اليمن في هذه المرّة (٢)، وقد حج عام (٨٠٦هـ) كما ذكر هو عن نفسه في ترجمة (أحمد بن إبراهيم القوصي)؛ حيث قال: (حج معنا سنة ست وثمانمائة) (٣)، أما السخاوي فجزم بأن الحافظ كان في جدة في المحرم من عام (٨٠٧ هـ)، وأما الحج فلم يجزم به بل ظنّه، وكأنه لم يقف على قول شيخه هذا، ثم ذكر السخاوي أنه عاد من جدة إلى بلده (٤) .
هذا ولم أقف بعدها على رحلة للحافظ بمصر ولا خارجها (٥)، حتى حجّ
_________________
(١) (الجواهر والدرر) ١/١٥١-١٥٢، ووصف الحافظ - بعض ما لاقاه في رحلته- للملك الأشرف باليمن؛ أحمد بن إسماعيل، في قصيدة نظمها له، انظر (الحافظ ابن حجر ودراسة مصنفاته) ١/١٢٥-١٢٧؛ وأحال على المطبوع من الديوان (٤٧) .
(٢) جاء في آخر (المعجم الأوّل) من المجمع المؤسس: قول الحافظ: (يتلوه المعجم الثاني، وكان الشروع في جمعه بمدينة عدن سنة ست وثمانمائة)، فلعلّ الحافظ بقي مُتنقلًا بين بلدان اليمن في أثناء عام (٨٠٦ هـ)، ثم إنه رحل عنها في عامه نفسه إلى مكة المكرمة.
(٣) المجمع المؤسس ٣/٢١، وقال الحافظ في ترجمة شيخه العراقي - في المجمع المؤسس ٢/١٨٨ -: (لازمته من شهر رمضان سنة ست وتسعين - يعني: ٧٩٦هـ - إلى أن حججت في شوال سنة خمس وثمانمائة، سوى ما تخلّل ذلك من سفر إلى الشام وغيرها، ومات وهو في غيبتي في الحجاز)، وأرّخ وفاته عام (٨٠٦هـ) .
(٤) الجواهر والدرر ١/١٥٢، وفي (العقد الثمين) ١/٣٤٤ أن الحافظ وولي الدين أبي زرعة -ابن الحافظ العراقي- وقفا بالقاهرة عام (٨٠٧هـ) على مختصر للفاسي في تاريخ مكة اختصره نفسه من كتاب له؛ وسبق اختصاره له مرتين، وكتب كل منهما ثناء عليه وعلى مؤلفه.
(٥) في سنة (٨١٣هـ) - في شهر ربيع الآخر منه- كتب الحافظ تقريظا لكتاب الفاسي الذي سمّاه: (تحفة الكرام بأخبار البلد الحرام)، وفي التاريخ نفسه قرّظه الحافظ أبو زرعة أحمد بن الحافظ العراقي، ولم يُذكر الموضع الذي كتبا فيه، والظاهر أنه بالقاهرة التي صُرّح بها في التقريظ التالي لتقريظيهما، وفي الجواهر والدرر ١/١٦٢ أنه ختم صحيح مسلم بمصر في أواخر هذا العام.
[ ١٤٣ ]
في سنة (٨١٥هـ)، ولم يذكر السخاوي بعدها إلا خروجه من مصر لحجته الأخيرة (١)، ورحلته الشامية، كما سيأتي.
ج- الثالثة: من سنة (٨٢٤هـ) إلى أوائل سنة (٨٣٧هـ):
حجّ الحافظ حجته الأخيرة في عام (٨٢٤هـ) (٢)، ورحل- في صحبة السلطان الأشرف (٣) -إلى حلب، سنة (٨٣٦هـ) (٤)؛ ومَرُّوا بدمشق (٥)، وصاموا رمضان وهم في بعض بلدان الشام، وذكر الحافظ توجُّهه - بعد استئذان السلطان، ثم أدائه صلاة عيد الفطر- إلى جهة حلب (٦)، ثم إنهم مكثوا إلى آخر ذلك العام، ثم عادوا إلى مصر فكان وصولهم إليها في المحرم من سنة (٨٣٧هـ) (٧)، وبعدها لم أقف على رحلة للحافظ، على كثرة الأماكن التي رحل
_________________
(١) الجواهر والدرر ١/١٥٢-١٥٣.
(٢) المجمع المؤسس ٢/١٧١، والجواهر والدرر ١/١٥٣.
(٣) ذكر الحافظ صُحبته له في المجمع المؤسس ٣/١٥، وذكر تفاصيل الرحلة في كتابه إنباء الغمر ٣/٤٩٢ في حوادث سنة (٨٣٦هـ)، وترجم للأشرف في: ٤/٧٨ وهو: الملك برسباي سلطان مصر؛ تولى عام (٨٢٥؟) وتوفي عام (٨٤١هـ)، وانظر التعليق رقم (٢) في المجمع المؤسس ٣/١٥، وانظر: ٢/٣١٧.
(٤) يُضاف لما سبق: الجواهر والدرر ١/١٧٦.
(٥) المجمع المؤسس ٣/٦ و١٥ و٢١١.
(٦) إنباء الغمر: ٣/٤٩٦-٤٩٧.
(٧) الجواهر والدرر ١/١٩٠.
[ ١٤٤ ]
إليها (١)؛ إلى العام الذي توفي فيه - ﵀- بمصر عام (٨٥٢هـ) (٢) .
والخلاصة ممّا تقدم - مّما ذكره السخاوي من حجات الحافظ ورحلاته (٣)، ومّما ذكره غيره- لم أقف له رحلة في سنة اثنتي عشرة، ولا في سبع عشرة، ومن ذلك ما نجده عند تقي الدين الفاسي –وكان قد رافق الحافظ في بعض أسفاره وترجم له- فإنا لا نجده يذكر شيئا من هذا (٤) .
فأخلص من هذا إلى ما سبق أن قرّرته أن الحافظ ألّف (نخبة الفكر) وهو مقيم في بلاده بمصر، في عام (٨١٢هـ) (٥)، والله أعلم.
_________________
(١) الجواهر والدرر ١/١٩٢-١٩٥ سرد فيها ما يُقارب خمسين موضعا.
(٢) الجواهر والدرر ٣/١١٨٥ وما بعدها.
(٣) الجواهر والدرر ١/١٤٢- ١٩٢.
(٤) ذيل التقييد ١/٣٥٢- ٣٥٧.
(٥) وتاريخ شرحه لها في (نزهة النظر) هو عام (٨١٨هـ) - كما سبق - وقد ذكرت الباحثة الفاضلة / سُهيلة الحريري - في مقدمة تحقيقها لشرح (بهجة النظر) (ص ١٨٦-١٨٧) تاريخي تأليف النخبة والنّزهة، وأردفته بالتاريخ الذي ذكره ابن الوزير بأنّه (قيل غير ذلك ) فذكرته معزوًّا إليه؛ مُكتفية بتمريضه.
[ ١٤٥ ]