التعريف بأول شروح النخبة المسمى (نتيجة النظر) للكمال الشمني، (ت:٨٢١هـ) .
اخترت كتاب نتيجة النظر في نخبة الفكر للكمال الشمني (١) للتعريف به في هذا المبحث لكونه أوّل شروح النخبة، فقد ذكر السخاوي أنه فرغ منه في رمضان سنة (٨١٧ هـ) بينما فرغ الحافظ ابن حجر من شرحه على النخبة المسمى بالنّزهة في مستهل ذي الحجة سنة (٨١٨هـ) (٢)، ثم لأنه جاء برغبةٍ من الحافظ نفسه إلى الشمنّي أن يُّؤلّفه، كما سبق، وقد نُسب تأليفه إلى ابن الحافظ ابن حجر: (محمد)؛ في (الرسالة المُستطرفة) (٣)، ونبّه د. شاكر محمود عبد المنعم (٤)
_________________
(١) هو كمال الدين محمد بن محمد بن حسن بن علي التميمي الداري الشُّمُنِّي - بضم المعجمة والميم وتشديد النون - المغربي القاهري المالكي، من أقران ابن حجر، مولده بالقاهرة سنة (٧٦٦هـ)، طلب العلم ببلده وأخذ عن البدر الزركشي والزين العراقي، ومهر في فنون وتميز في الحديث وصنف فيه، ودرّس الحديث بالمدرسة الجمالية، وصفه ابن حجر بالشيخ الإمام العلامة المحدث المكثر المفيد، مات بالجامع الأزهر سنة (٨٢١ هـ)، انظر ترجمته في المجمع المؤسس ٣/٣٠١-٣٠٢، وإنباء الغمر ٧/٣٣٩-٣٤٠، وذيل الدرر الكامنة ص٢٦٨-٢٦٩، والضوء اللامع ٩/٧٤-٧٥، والجواهر والدرر ٣/١١٥٧-١١٥٨.
(٢) الجواهر والدرر ٢/٦٧٨.
(٣) ص (٢١٦) .
(٤) ابن حجر العسقلاني ودراسة مُصنّفاته ، ١/٢٩٤.
[ ١٧٣ ]
على أنّ لبسًا ربما حصل في ذلك؛ وأنّه لم يقف على ما يُؤيّده.
* مخطوطاته:
لا يزال هذا الكتاب مخطوطا فيما علمت، وقد وقفت له على مصورة عن النسخة الخطية المحفوظة بمكتبة مديرية الأوقاف العامة ببغداد برقم: (٣٧٨٥)، وتقع هذه النسخة في (٨٤) ورقة، كل ورقة تتكون من وجهين، كل وجه يحتوي على٢٥ سطرا، كل سطر يضم ما يقارب سبع كلمات، وهي منسوخة بخط مشرقي جيد على يد أحمد بن ملا محمد عربي زاده المدرس بالمرجانية المنورة سنة (١١٥٤هـ) .
كما أن له ثلاث نسخ أخرى غير هذه النسخة لم أستطع الوصول إليها وهي كالآتي:
١- نسخة خطية محفوظة بالمكتبة القادرية ببغداد برقم: (١٧٠) وتقع في (٧٤) ورقة، وتاريخ نسخها سنة (٩٣٧هـ) .
٢- نسخة خطية محفوظة بمكتبة الشعب بإلمالي - تركيا، وتقع في (٩٤) ورقة.
٣- نسخة خطية محفوظة بمكتبة لا له لي بإستانبول - تركيا برقم:٣٧٠ مكرر (١) .
* التعريف بشرح الشمني هذا:
لقد وُجد هذا الشرح عند طلبٍ من المصنف الحافظ نفسه؛ ورغبته إلى
_________________
(١) انظر الفهرس الشامل للتراث العربي الإسلامي المخطوط/الحديث النبوي الشريف وعلومه ورجاله (٣/١٦٦٠) .
[ ١٧٤ ]
الشمني بصنعه، فاحتفى بهذا الطلب وسارع إلى تلبية رغبة الحافظ، ثم أطلع الشارح الحافظ عليه بعد إنجازه، وحيث إن المصنف الحافظ ذكر ذلك عن الشارح وأنه أراه إياه بخطه (١)، فإن الحافظ بهذا بدا شاكرًا للشارح صنيعه، لا سيما أنه أثنى على علمه في مناسبة أخرى، كما سأذكره، وأنابه في التدريس عنه، كما سيأتي.
لكنّ الحافظ مع هذا - فيما يبدو- لم ير الشرح متوجها إلى ما يريده، وربما جرى له حديث في نفسه - والله أعلم- أن يتولى هو شرحه لو سنحت له الفرصة، وكان الشمني قد انتهى من شرحه في رمضان عام (٨١٧ هـ)، ولم يصح للحافظ عزم على الشرح إلا في أواخر العام التالي - فيما يظهر- حين طلب منه ذلك أحد أصحابه ففرغ من شرحه لها الذي سمّاه (نزهة النظر) في مُستهلّ ذي الحجة من عام (٨١٨هـ) (٢) .
ويظهر لي من تسمية الحافظ هذه لشرحه ما لعلّه يُؤيد قول السخاوي -في حديثه عنه وتقديمه لشرحه (نزهة النظر) -: «أشار بقوله في خطبته: (صاحب البيت أدرى بالذي فيه) إلى العلامة كمال الدين الشمنّي، فإنه كان شرحها وسمّاه (٣) (نتيجة النظر في نخبة الفكر)، وهو أكبر من شرح المصنف» (٤) .
ووجه التأييد من حيث إن (النظر) في تسمية الشمنّي كأنه اعتراه معنى التعقب، وليس كذلك هو في تسمية الحافظ - لشرحه- التي جعلها (نزهة)
_________________
(١) المجمع المؤسس ٣/٣٠٢.
(٢) الجواهر والدرر ٢/٦٧٨.
(٣) أي الشرح.
(٤) الجواهر والدرر ٢/٦٧٨ و٣/١١٥٧.
[ ١٧٥ ]
للنظر، وشتان ما بين النظر والنظر، ثم مع الثناء العاطر المستفيض - من الشمني على النخبة - نجده وصف متنها بأنه: «ألفاظه ضاقت بمعانيه صدرا، وعلت عن فهم المبتدئين قدرا» إلى أن قال: «لا جرم أن المُشتغل به يحتاج إلى فك رمزه، ورفع المانع من الوصول إلى كنْزه» (١)، فلعلّ هذه المعاني التي دندن حولها الشمني في مقدمته جعلت الحافظ يقول ما قال -مِمّا ذكره السخاوي- ويتّجه بشرحه لها إلى أقصر عبارة وأبلغ إشارة، ولم يُفِض فيه كإفاضات الشمني، ولم يستطرد استطراداته، وقد يُقارن الناظر خلال تأمّل سريع فيرى بونا بينهما، ولا يلبث أن يستقرّ في نفسه انطباع مضمونه أنه لا نسبة بين شرح علاّمة جامع لعلوم كالشمني وربما غلب عليه علم العربية، مع كونه محدثا مشهورا، وبين محدث آخر هو جِهبذ في الباب، ويصدُق عليه ما يُعرف اليوم بصاحب التخصّص الدقيق، ويرى (نزهة النظر) شرحا لصاحب المتن نفسه (نخبة الفكر) فلا يتردّد في أن يقول مع الحافظ قولته - عن حق-: (صاحب البيت أدرى بما فيه)، هذا ما بدا لي بالنظرة العَجلى، والله أعلم بالصواب.
* أبرز سمات منهجه في الكتاب:
من خلال النظر في هذا الشرح يمكن تلخيص منهج العلامة الشمني في النقاط الآتية:
١- رمز لكلام ابن حجر في النخبة بحرف (ص)، ورمز للشرح بحرف (ش) .
٢- عنايته بذكر الأمثلة لبعض أنواع علوم الحديث.
_________________
(١) نتيجة النظر ل ١أ، والجواهر والدرر ١/٢٨٠.
[ ١٧٦ ]
٣- توسعه في عرض الخلاف الواقع في بعض المسائل، ومن أمثلة ذلك الخلاف في مسألة قبول المرسل، وزيادة الثقة، ورواية المجهول، ومسألة خبر الواحد.
٤- بسطه لبعض المسائل وتوسعه في مناقشتها مع الإفصاح أحيانا عن آرائه واختياراته وترجيحاته.
٥- عنايته بذكر أهم المصنفات في الأنواع التي يرد ذكرها في النخبة.
٦- تذييله بعض الأنواع والمسائل بذكر جملة من التنبيهات والفوائد.
٧- عنايته بحسن الترتيب والتقسيم.
٨- عنايته بضبط الألفاظ والأسماء والأنساب.
٩- سهولة تقريره للمسائل وعرضه للقضايا في شرحه، فأسلوبه واضح متين بعيد عن الإلغاز والتعقيد.
١٠- عنايته عند ذكره للأحاديث بعزوها وتخريجها.
١١- يذكر أحيانا بعض الأحاديث بسنده إلى النبي ﷺ.
* موارده:
اعتمد الكمال الشمني في شرحه للنخبة على مصادر عديدة ومتنوعة، أبرزها معرفة علوم الحديث للحاكم، والتقييد والإيضاح للعراقي، ومعرفة أنواع علم الحديث لابن الصلاح، ومن المصادر التي نقل عنها الاقتراح لابن دقيق العيد، ومحاسن الاصطلاح للبلقيني، والجامع لأخلاق الراوي للخطيب، وبيان الوهم والإيهام لابن القطان، وقواطع الأدلة لابن السمعاني، والمستخرج لابن منده، والاعتبار للحازمي، والأباطيل للجوزقاني وغيرها.
[ ١٧٧ ]
لكن المصدر الذي أكثر النقل عنه: هو (شرح التبصرة والتذكرة) لشيخه العراقي، ومما ينبغي ذكره هنا أنه أحيانا لا يصرح بمصادره.
[ ١٧٨ ]