وهي أنفع لكبار السن، ولمن لم يؤت موهبة الحفظ: وتتلخص في إدمان مجالسة كتب السنة، وإدامة القراءة فيها، والجلد في ذلك والصبر عليه، مع الإكثار من النسخ والكتابة، وتعويد اليد على ذلك.
_________________
(١) انظر: الحث على حفظ العلم لابن الجوزي (٥٠) .
[ ٣٨ ]
ولذلك لما قيل للإمام البخاري: ما البلاذر؟ وهو دواء كانوا يظنون قديمًا أنه يقوي الذاكرة وينشط الذهن على الحفظ، فأجاب الإمام البخاري، صارفًا لهم إلى البلاذر حقًا، حيث قال: "هو إدامة النظر في الكتب" (١) .
وقال عبد الله بن المبارك: "من أحب أن يستفيد، فلينظر في كتبه" (٢) .
وقال الحافظ أبو مسعود أحمد بن الفرات (ت ٢٥٨هـ): "لم نزل نسمع شيوخنا يذكرون أشياء في الحفظ، فأجمعوا أنه ليس شيء أبلغ فيه من كثرة النظر" (٣) .
وأما الكتابة وأثرها في الحفظ، فقد سبق أن ذكرنا أن المحفوظ كلما اشترك فيه أكثر من حاسة، كلما كان ذلك أقوى له وراسخ. فإذا نظر القارىء، وجهر بالقراءة، ثم كتب؛ فإنه - على حد تعبير والد الزبير ابن بكار - يكون له ما أدى بصره إلى قلبه، وما أدى سمعة إلى قلبه، وما أدت يده إلى قلبه؛ فلا ينسى بإذن الله تعالى، لأنه اشترك في تحفظه ثلاث حواس.
وقد قال الحسن بن علي - ﵄ - لبنيه وبني أخيه:
"تعلموا العلم، فإنكم صغار قوم، يوشك أن تكونوا كبارهم غدًا، فمن لم يحفظ منكم فليكتب" (٤) .
وقال الخليل بن أحمد الفراهيدي: " ما سمعت شيئًا إلا كتبته، ولا كتبته إلا حفظته، ولا حفظته إلا نفعني " (٥) .
ولهذه الطريقة في الحفظ مميزات وعيوب:
فمن مميزاتها: أن صاحبها بطيىء النسيان لمحفوظه، لأن طريقة حفظه تتضمن التعهد معها، بل هو إنما حفظ بالتعهد الكبير!!
ومن مميزاتها: أن صاحبها أوسع استحضارًا من صاحب الطريقة السابقة، لأنه أوسع اطلاعًا.
_________________
(١) جامع بيان العلم لابن عبد البر (رقم٢٤١٤) .
(٢) الجامع للخطيب (رقم١٨١٣) .
(٣) الجامع للخطيب (رقم١٨٧٣) .
(٤) جامع بيان العلم لابن عبد البر (رقم٤٨٤)، والمدخل إلى السنن للبيهقي (رقم ٦٣٢،٧٧٢) .
(٥) جامع بيان العلم لابن عبد البر (رقم ٤٤٧) .
[ ٣٩ ]
ومن عيوبها: أن صاحبها لا يستطيع الجزم بأنه يحفظ كتابًا ما، خاصة المطولات. وأيضًا لا يستطيع في كثير من الأحيان أن يؤدي ما حفظ باللفظ، وإنما يؤديه بالمعنى؛ وللرواية بالمعنى شروط، وتحوم حولها أخطار.
ومن عيوبها: أنها تستلزم وقتًا طويلًا للحفظ، وجلدًا وصبرًا، وانقطاعًا كاملًا؛ إذا أراد صاحبها أن ينافس صاحب الطريقة الأولى.
وأما من جمع بين طريقتي الحفظ هاتين فهو الحافظ الكامل، الذي جمع بين محاسن الحفظ، ونجا من عيوبه كلها.