الأولى: في الاحتجاج بالمراسيل أقوال أُخَرُ غير ما تقدم، حاصلها أنَّه حجةٌ مُطلقًا، غير حُجَّةٍ مطلقًا، حُجَّةٌ إن أرسله سعيد فقط مطلقًا، حُجَّةٌ إن لم يكن في الباب سواه، هو أقوى من المسند، حُجَّةٌ إن أرسله صحابي، وقيل: يُحتج به ندبًا، فالجملة ثمانية أقوال.
الثانية: قال الحاكم في «علوم الحديث»: أكثر ما تُروى المراسيل من أهل المدينة عن ابن المسيَّب، ومن أهل مكة عن عطاء بن رباح، ومن أهل البصرة عن الحسن البصري، ومن أهل الكوفة عن إبراهيم النَّخعي، ومن أهل مصر عن سعيد بن أبي هلال، ومن أهل الشام عن مَكْحُول.
قال: وأصحُّها مراسيل ابن المسيب؛ لأنَّه من أولاد الصحابة، وأدرك العَشرة، وفقيه أهل الحجاز ومفتيهم، وأول الفقهاء السبعة الذين يحتج مالك بإجماعهم، كإجماع كافة الناس، وهذه الشرائط لم توجد في مراسيل غيره. انتهى.
ومنه يُعلم وجه ترجيح الشافعي لمراسيله دون غيره أيضًا زيادة عما سبق.
قوله: (وأَمَّا مُرسَلُ الصَّحَابِي …) إلى آخره، ظاهره أنَّ المعنى أنَّ هذا الخلاف إنَّما هو في مرسل التابعي، أما مرسل الصحابي … إلى آخره، فلا خلاف في الاحتجاج به مطلقًا، وليس كذلك، بل الاحتجاج به أرجح القولين، إذ قيل: إنَّه كغيره لا يحتجُّ به إلَّا إذا تبين أنَّه عن صحابي، ثمَّ المراد الصحابي حقيقة وحكمًا لا من في حكم التابعين السابق؛ فإنَّ مرسله كمراسيلهم.
قوله: (مَا لَمْ يَسْمَعُوْهُ مِنْهُ)؛ أي: كإخبارهم عن شيءٍ فَعَلَهُ النَّبيُّ ﷺ أو نحوه ممَّا عُلِمَ أنهم لم يحضروه؛ لصِغَرِ سِنِّهم وقته، أو تَأَخُّرِ إسلامهم عنه.
وقوله: (فَهُوَ حُجَّةٌ)؛ أي: لصحته عند الجمهور، وفي «البخاري»: منه كثيرٌ؛ وذلك؛ لأنَّ أكثر رواية مثل هذا عن الصحابة، وكلهم عدولٌ، وروايتهم عن غيرهم نادرة، وإذا رووها بيَّنوها، بل قيل: أكثر ما رواه الصحابة عن التابعين ليس من الأحاديث المرفوعة، بل إما إسرائيليات، أو حكايات، أو موقوفات.
قوله: (السَّبِيْعِي) بفتح السين المهملة وكسر الباء الموحدة وبعد التحتية عين مهملة، وسيأتي له ذكرٌ.
قوله: (مُثْبِتٌ)؛ أي: للرفع.
وقوله: (وَلَوْ كَانَ نَافِيًا فَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ)؛ أي: عليه؛ أي: فالساكت أولى.
قوله: (الثِّقَات) الجمع ليس مرادًا، والمراد بزيادة الثقة أن يزيد في روايته عمَّا رواه الجماعة في الحديث كرواية الستة «وِكَاءُ الْعَيْنِ» زاد فيه إبراهيم بن موسى: «فَمَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضَّأ».
قوله: (سَوَاء كَانَتْ …) إلى آخره؛ أي: وسواء تعلَّق بها حكم شرعي أم لا، وسواء غيرت الحكم الثابت أم لا، وكذا الإعراب، كأنْ يروى: «فِيْ أَرْبَعِيْنَ شَاةٌ» ثم يروى «فِي أَرْبَعِيْنَ نِصْفُ شَاةٍ».
قوله: (وَقِيْلَ مَرْدُوْدَةٌ مِنْهُ)؛ أي: ممَّن روى بدونها ثم روى بها.
قوله: (إِن اتَّحَدَ الْمَجْلِسُ …) إلى آخره، فإن اختلف فقال ابن الصباغ: إذا ذكر أنَّه سمع كل واحد من الخبر في مجلسٍ قُبلت وكانا خبرين يُعمل بهما.
قوله: (وَلَمْ يُحْتَمَلْ غَفْلَتُهُ …) إلى آخره؛ أي: بل عُلِمَ أنَّه متذكرٌ لها غير ذاهلٍ عنها.
وقوله: (رُدَّت) عِبَارَةُ غَيْرِهِ وَجَبَ التَّوَقُّفُ فِيْهَا، ولعله للتعارض بين الزيادة والنقص.
وقوله: (وَإِنْ احْتُمِلَ)؛ أي: غفلته عنها، وبالأولى ما لو صرَّح بأنَّه نسيها، وترك الشارح
[ ٣١ ]