وَالْأُنْثَى وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ من الْمُسْلِمِينَ» حيثُ قيل فيه: إن مالكًا تفرَّدَ عن سائرِ رواته بقوله: «مِنَ الْمُسْلِمِينَ».
قوله: (عَمَّنْ يُجْمَعُ حَدِيْثُهُ)؛ أي: من الأئمة؛ -أي: شأنه ذلك؛ لجلالته كالزهري وقتادة ونحوهما- والجار والمجرور متعلق بقوله: (بِرِوَايَتِهِ أَوْ بِرِوَايَةِ زِيَادَةٍ) لا بقوله (انْفَرَدَ) كما تُوُهِّمَ؛ لاقتضائه أن الشرط الانفراد، وعَدَمُ موافقةِ أحدٍ من الأئمةِ المذكورينَ أعمُّ من أن يوافقه غيرهم أم لا، وذلك لا يصح؛ لأنَّه في صورة موافقة غيرهم لا يكون غريبًا كذلك.
ثم التقييد بكون الرواية عمَّن ذكر من الأئمة ليس بقيد إلَّا عند ابن منده وهو ضعيف، والجمهور لا يشترطون ذلك بل يدخل فيه ما انفرد به راوٍ مطلقًا ولو لم يكن عن إمام شأنه ذلك، كما في «شرح التقريب».
قوله: (فِي الْمَتْنِ أَوْ السَّنَدِ) متعلقٌ بـ (زيادةٍ)؛ أيْ: أو انفردَ برواية زيادة في متنه أو سنده أحد الحفاظ فلم يذكرها غيره كما عرفت.
قوله: (وَهُوَ الغَالِبُ …) إلى آخره، ولذا قال الإمام أحمد: لا تكتبوا هذه الأحاديث الغرايب؛ فإنها مناكير وعامتها عن الضعفاء.
قال مالك: شرُّ العلم الغريب، وخيرُ العلم الظاهر الذي رواه الناس.
ورُوي عن الزهري قال: حَدَّثتُ علي بن الحسين بحديثٍ فلما فرغتُ قال: أحسنت بارك الله فيك هكذا حُدِّثنا، قلت: ما أراني إلَّا حدثتك بحديث أنت أعلمُ به مني، قال: لا تقلْ ذلك فليس من العلم ما لا يُعرف، إنَّما العلم ما عُرف وتواطأت عليه الألسن.
وعن أبي يوسف: من طلب الدين بالكلام تزندق، ومَن طلب غريب الحديث كذب، ومن طلب المال بالكيمياء أفلس.
قوله: (وَالعَزِيْزُ …) إلى آخره، سُمِّيَ بذلكَ لقلةِ وجوده، من عزَّ يعِزُّ بكسر عين المضارع، أو لكونه قوي بمجيئه من طريق آخر، من عَزَّ يَعَزُّ بفتحها، ومنه قوله تعالى: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس: ١٤].
قوله: (اثْنَان أَوْ ثَلَاْثَة)؛ أي: من طبقةٍ واحدةٍ من طبقاته، وخرج بالتقييد بالاثنين الغريب، والثلاثة المشهور، وهذا على ما ذهب إليه ابن منده إذ قال: إذا انفرد عن الزهري وشبهه من الأئمة ممَّن يسمع حديثه رجل بحديثٍ يُسمى غريبًا، وإن انفردَ عنهم اثنان أو ثلاثة يُسمى عزيزًا وإن رواه عنهم جماعة يُسمى مشهورًا. انتهى.
وهو مردودٌ، فالأولى بل الصواب إسقاط قوله: (أو ثلاثة) والمعوَّلُ عليهِ ما في «النخبة» من تخصيص الثلاثة فما فوقها بالمشهور، والاثنين بالعزيز، فالغريب ما رواه عن الإمام واحد فقط، والعزيز ما رواه عنه اثنان فقط، والمشهور ما رواه عنه ثلاثة فأكثر، ثُمَّ مَا رواهُ الواحدُ كذلك غريب ولو رواه بعد ذلك مئة عن هذا الواحد.
وكذا يُقال في العزيز غايتهُ أن يُحْدَثَ للحديث اسمٌ آخر باعتبار الرواة قلة وكثرة بعد ذلك؛ فقد يكون الحديث الواحد غريبًا عزيزًا مشهورًا، بأن يرويه عن الإمام أولًا واحد، ثم يرويه عن هذا الواحد الواحد اثنان، ثم يرويه عنهما ثلاثة فأكثر فيُسمى بالأسماء الثلاثة بهذه الاعتبارات الثلاثة، والإمام يصدق به ﷺ اصطلاحًا.
تنبيه: ليس العزيز من حيثُ تعددُ رواته شرطًا للصحيحِ، بلْ يكون الغريب المروي من طريق واحد صحيحًا خلافًا للجبائي المعتزلي وللقاضي ابن عربي في شرح البخاري؛ فإنَّه صَرَّحَ أنَّه شرطٌ للبخاري.
قال ابن رُشَيد -بالتصغير- كان يكفي القاضي في بطلان دعواه أول حديث مذكور في صحيح البخاري؛ -يعني: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» - فإنَّه تفردَ به عن عمر بن الخطاب علقمة.
تكلُّفُ القاضي الجواب عن هذا بأن عمر بن الخطاب قد خطبَ به على المنبر بحضرةِ الصحابة، ولولا أنهم يعرفونه بسماعهم له من غير عمر لأنكروه مردودٌ بأنَّه عندهم ثقةٌ، لو حدَّثهم بما لم يسمعوه قط لم ينكروه عليه، والحاصلُ أنَّ الحديث الصحيح لا يُشترط فيه تعدد الرواة بخلاف العزيز.
قوله: (وَالْمُعَلَّل) قال في «شرح التقريب»: هذا النوع من أجلِّ أنواعِ علومِ الحديثِ وأَشْرَفِهَا وأدقها، وإنَّما يتمكن منه أهل الحفظ والخبرة والفهم الثاقب.
قال ابن مهدي: لأنْ أعرفَ علَّة حديث واحدٍ أحب إلي من أن أكتب عشرين حديثًا ليست عندي. انتهى.
قال الحاكم: وإنَّما يُعلَّل الحديث عندنا من أوجهٍ ليس للجرح فيها مدخلٌ، والحجة في التعليل بالحفظ والفهم والمعرفة لا غير. انتهى.
وسيأتي بقول الشارح (وهذا من أغمض …) إلى آخره؛ أي: هذا النوع من أغمض … إلى آخره، وكان الأحسن تقديمه؛ أي: هذا الكلام هنا؛ أي: في أول ترجمة هذا النوع.
قوله: (وَلَاْ يُقَالُ: المَعْلُوْلُ)؛ أي: لأنَّ معلولًا مفعول من عَلَّهُ بالشراب إذا سقاهُ مرةً بعد أخرى، وهو ثلاثي وليس مما نحن فيه إذ هو من أَعَلَّهُ الله أصابه بعلة، وهو رباعي وقياس اسم المفعول منه مُعَلٌّ وأصله مُعلَّل كمُكرَّم ومُرسل، ولذا كان التعبير بمعلول لَحْنًا، وإن عَبَّرَ بهِ كثيرٌ من الفقهاء والمحدثين، قال ابن الصلاح: إنه مردود عربيةً ولغة. انتهى.
والمُعلل
[ ٤٢ ]
خبرٌ ظاهره السَّلامة؛ لجمعه شروط الصِّحَّة، لكن فيه علَّةٌ خفيَّةٌ فيها غموضٌ، تظهر للنُّقَّاد أطبَّاءِ السُّنَّةِ الحاذقين بعللها عند جمع طرق الحديث والفحص عنها؛ كمخالفة راوي ذلك الحديث لغيره ممَّن هو أحفظ وأضبط وأكثر عددًا، وتفرُّده وعدم المتابعة عليه، مع قرائنَ تنبِّه على وهمه في وصل مُرسَلٍ، أو رفع موقوفٍ، أو إدراج حديثٍ في حديثٍ، أو لفظةٍ أو جملةٍ ليست من الحديث أدرجها فيه، أو وهمٍ بإبدال راوٍ ضعيفٍ بثقةٍ، ويقع في الإسناد والمتن: فالأوَّل: كحديث يعلى بن عبيدٍ عن الثَّوريِّ عن عمرو بن دينارٍ: «البيِّعان بالخيار» صرَّح النُّقَّاد بأنَّ «يعلى» غَلِطَ، إنَّما هو عبد الله بن دينار لا عمرو بن دينارٍ، وشذّ بذلك عن سائر أصحاب الثَّوريِّ، وسبب الاشتباه: اتِّفاقهما في اسم الأب، وفي غير واحدٍ من الشُّيوخ،
من عَلَّلَهُ يُعَلِّلُهُ تَعْلِيْلًا: شَغَلَهُ، وألهاهُ فهوَ مُعلل، ومنه تعليل الصبي بالطعام ونحوه، ولا يخفى أنَّه ليس مما نحن فيه أيضًا، إذ هو من باب التعليل بمعنى ذِكْر العلة المؤثرة، ولذا قال القرافي: الأجودُ بل الصواب فيما هنا المُعَلُّ كما هو قياس اسم المفعول من أَعَلَّ. انتهى.
إنْ قُلت: هذا أيضًا ليس مما نحن فيه؟
أُجيب: بأنَّه وإن لم يكن منه حقيقةً هو منه مجازًا، وصحَّح بعضهم التعبير بالمُعلَّل بطريق التجوز أيضًا لكن بمعنى مطلق التسامح لا بمعنى المصطلح عليه كما فيما قبله.
هذا، وما ذكره الشارح من أنَّه لا يَقال: معلول، وقول ابن الصلاح: إنَّه مردود لغة وعربيةً، رَدَّهُ ابن هشام في «شرح بانت سعاد»، ونُقل عن الجوهري وغيره أنَّه يقال: أَعَلَّهُ فهو مَعْلُوْلٌ. إلَّا أنَّه قليلٌ، وقال ابن حجر: إِنَّهُ الأولى لوقوعه في عبارات أهل الفن مع ثُبوته لغةً، ومن حَفِظَ حُجَّةٌ.
وقال في «نسيم الرياض»: إنَّهم استغنوا بمفعول عن مُفعل كما قالوا: «أحمد الله» فهو محمود، قال: وقد صرَّحَ به سِيْبَوْيه ونقله ابن سِيْدَه في «المحكم». انتهى.
وأوضح ذلك ابن الطيب في «شرح نظم الفصيح» وغيره فتلخصَّ أنَّه يصح أن يقال فيما هنا: مُعَل ومُعَلَّل ومَعْلُول خلافًا لمن منعَ في الأخيرين.
قوله: (ظَاهِرُهُ السَّلَاْمَة)؛ أي: من العِلَلِ القادحة في قبوله.
وقوله: (لِجَمْعِهِ) في نسخ (بجمعه) بالموحدة، فالباء للسببية.
وقوله: (شُرُوْطَ الصِّحَّةِ) تقدم أنَّها اتصالُ سندهِ بعدولٍ ضابطين إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة قادحة.
قوله: (لَكِنْ فِيْهِ عِلَّةً)؛ أي: طرأت عليه فأثرت فيه، بأن اطُّلع فيه بعد البحث والتفتيش في طرقه على عِلَّةٍ قادحةٍ كما أوضحه الشارح.
وقوله: (فِيْهَا غُمُوْضٌ) بيانٌ وتفسيرٌ لقوله (خفية)، وقد مَثَّلَ الشارح للخفية بقوله: (كَمُخَالَفَةِ رَاوٍ …) إلى آخره، فخرجَ بالخفيةِ الظاهرة؛ كإرسالِ الموصول ووقف المرفوع إذا كان راوي الإرسال والوقف أضبط أو أكثر عددًا من راوي الوصل أو الرفع فلا يُسمى الحديث بذلك معللًا اصطلاحًا، كإعلاله بكلِّ قدحٍ ظاهرٍ من فِسق في راويه أو غَفلة منه أو سوء حفظ أو نحو ذلك من أسباب ضعف الحديث، إذ الإرسال الجلي والوقف الجلي وكذا القطع الجلي والإدراج وغيرها لا يُطلق عليها في الاصطلاح المشهور اسم العلة، وإنَّما يُطلق على ما كان منها خفيًّا إذ لا يكون الحديث معلولًا عند الجمهور إلَّا إذا كانت العلة قادحة فيه وهي الخفية؛ كإبدال راوٍ بآخر، أو زيادة كلمة فيه لم يذكرها الجمهور، أو إعلال الموصول بالإرسال أو الوقف إذا كان راويهما أضبط أو أكثر عددًا، وأعلَّ الخليلي بغيرِ القادحةِ توسعًا كما إذا كان رواة الوقف أو الإرسال غير أضبط أو أكثر عددًا، أو كانت العِلَّة في السَّند لا في المتن على ما يأتي حتى قال: من أقسام الصحيح صحيح معلول ممثِّلًا له بحديث مالك في الموطأ أنَّه بلغه أن أبا هريرة قال: «لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ» حيثُ وَصَلَهُ مالك في غير الموطأ فرواهُ عن محمد بن عَجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة. قال: فقد صار الحديث بتبين الإسناد صحيحًا يعتمد عليه، ونقل عنه أنَّه شدَّد فردَّ بكل علة ولو غير قادحة.
قوله: (كَمُخَالَفَةِ رَاوِي ذَلِكَ الحَدِيْثِ …) إلى آخره؛ أي: كما في حديث يَعلى بن عبيد الآتي، فإنَّه رواه عن عمرو بن دينار، وغيره إنَّما رواه عن أخيه عبد الله بن دينار.
وقوله: (وتفرده …) إلى آخره؛ أي: كما في حديث مسلم الذي ساقه الشارح أيضًا من جهة الأوزاعي المشتمل على التصريح بنفي الافتتاح بالبسملة؛ فإنَّ هذه الزيادة انفرد بها الراوي ولم يتابعه أحدٌ عليها.
قوله: (علَى وَهَمِه) بفتح الهاء؛ أي: غَلَطِهُ في تلك المخالفة، من وصلِ المرسل أو غير ذلك مما ذكره الشارح.
وعبارة «التقريب وشرحه»: وتُدرك العلةُ بتفردِ الراوي وبمخالفة غيره له مع قرائن تنضم إلى ذلك تُنَبِّهُ العارفَ بهذا الشأنِ على وهمٍ وقع؛ بإرسالٍ في الموصول أو وقفٍ في المرفوع أو دخولِ حديث في حديث أو غير ذلك بحيث يغلب ذلك على ظنه فيحكم بعدم صحة الحديث أو يتردد فيتوقف فيه. انتهى.
ثمَّ قال: والطريق إلى معرفته جمع طرق الحديث، والنظر في اختلاف رواته وضبطهم وإتقانهم، قال ابن المديني: البابُ إذا لم تُجمع طُرقه لم يتبين خطؤه، وكَثُرَ التعليلُ بالإرسال للموصول بأن تكون رواته أقوى ممن وصل. انتهى.
قوله: (وَيَقَعُ فِي الْإِسْنَادِ …) إلى آخره؛ أي: تقعُ العلة في الإسناد والمتن، قال الجلال: ووقوعها في الإسناد أكثر. انتهى.
وذلك بأن يختلف السند عن راوٍ واحدٍ فيرويه كلٌّ من الجماعة على وجهٍ مخالفٍ للآخر في وصله وإرساله أو في إثبات راوٍ وحذفه أو غير ذلك، وإذا وقعت في الإسناد فقد تقدح فيه وفي المتن أيضًا، كإرسال سند متصل، أو وقف مرفوع، أو إدراج أو غير ذلك ولم يقوَ الاتصال أو الرفع على الإرسال أو الوقف، وقد لا تقدحُ فيه بأن يتعدد السند أو يقوى الاتصال ونحوه، أو يكون الذي وقع
[ ٤٣ ]
وتقاربهما في الوفاة.
وأمَّا علَّة المتن فكحديث مسلمٍ من جهة الأوزاعيِّ عن قتادة: أنَّه كتب إليه يخبره عن أنسٍ أنَّه حدَّثه أنَّه قال: «صلَّيت خلفَ النَّبيِّ ﷺ وأبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ، فكانوا يستفتحون بـ: الحمد لله ربِّ العالمين، لا يذكرون ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ في أوَّل قراءةٍ ولا في آخرها»، فقد أعلَّ الشَّافعيُّ ﵁ وغيره هذه الزِّيادة التي فيها عدم البسملة، بأنَّ سبعةً أو ثمانيةً خالفوا في ذلك، واتَّفقوا على الاستفتاح بـ «الحمد لله رب العالمين»، ولم يذكروا البسملة والمعنى: أنَّهم يبدؤون بقراءة أمِّ القرآن قبل ما يُقرَأ بعدها، ولا يعني أنَّهم يتركون البسملة. وحينئذٍ فكأنَّ بعض رواته فَهِمَ من الاستفتاح نفيَ البسملة، فصرَّح بما فهمه، وهو مخطئٌ في ذلك، ويتأيَّد بما صحَّ عن أنسٍ أنَّه سُئِل: «أكان النبي ﷺ يستفتح بـ ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أو بـ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾؟ فقال للسَّائل: إنَّك لتسألني عن شيءٍ ما أحفظُه، وما سألني عنه أحدٌ قبلَك»، على أنَّ قتادة وُلِدَ أكمه، وكاتبه لم يعرف، وهذا أهمُّ في التَّعليل، وهذا من أغمض أنواع علوم الحديث وأدقِّها، ولا يقوم به إلَّا ذو فهمٍ ثاقبٍ، وحفظٍ واسعٍ، ومعرفةٍ تامَّةٍ بمراتب الرُّواة، ومَلَكَةٍ قويَّةٍ بالأسانيد والمتون، وقد تقصرُ عبارةُ المعلِّل عن إقامة الحجَّة على دعواه؛ كالصَّيرفيِّ في نقد الدِّينار والدِّرهم.