زمن هذا الراوي، وهل يثبت الوضع بالبينة؟.
قال الزركشي: يُشبه أن يكون فيه التردد في أنَّ شهادة الزور هل تثبت بالبينة مع القطع بأنَّه لا يُعمل به. انتهى.
قوله: (أَوْ قَرِيْنَةٍ فِي الرَّاوِي)؛ أي: كروايته عمَّن إذا سئل عن مولده ذكر تاريخًا يعلم به وفاة ذلك الشيخ قبله، وهو ممَّا سبق، وكذا كون الراوي رافضيًا والحديث في فضائل آل البيت، كما رُوي عن الزهري؛ عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال: نظر النَّبيُّ ﷺ إلى عليٍّ فقال: «أنت سيد في الدنيا سيد في الآخرة، ومن أحبك فقد أحبني، وحبيبك حبيبي، وحبيبي حبيب الله، وعدوُّك عدوي، وعدوِّي عدوُّ الله، والويل لمن أبغضك بعدي»، وأصله أنَّه كان لمعمَر ابن أخ رافضي، فدسَّ في كتب مَعْمَر هذا الحديث، فحدَّثَ بهِ عبد الرزاق عن معمر عن الزُّهري … إلى آخره، وهو باطل موضوع كما قاله ابن معين، وكذلك إذا رَوَىَ ما يفيد ذمًّا لمن يكرهه أو مدحًا لمن يحبه؛ كما قيل لمأمون بن أحمد الهَرَوي: ألا ترى إلى الشافعي ومن تبعه بخُراسان؟ فقال: حدَّثنا أحمد بن عبد البر: حدَّثنا عبد الله بن مِعدان الأزدي، عن أنس مرفوعًا: «يكون في أمتي رجل يقال له: محمد بن إدريس، أضرُّ على أمتي من إبليس، ويكون في أمتي رجل يقال له: أبو حنيفة هو سراج أمتي، هو سراج أمتي».
قوله: (والمَرْوِي) مَثَّلَ لهُ في «التقريب» بالأحاديث الركيكة اللفظ والمعنى، وقال شيخ الإسلام: والمدار في الرِّكَّةِ على رِكَّةِ المعنى فحيثما وُجدت دَلَّ على الوضع وإن لم ينضم إليها ركة اللفظ؛ لأنَّ هذا الدين كله محاسن، والركة ترجع إلى الرداءة، قال: أمَّا ركة اللفظ فقط فلا تدلُّ على ذلك لاحتمال أن يكون رواه بالمعنى فغيَّرَ ألفاظه بغير فصيحٍ، نعم إن صرَّح بأنَّه من لفظ النَّبيِّ ﷺ فكاذب. انتهى.
ومن قرائنِ حال المروي: أن يكون مُخالفًا للعقل بحيث لا يقبلُ التأويل، كما رواه ابن الجوزي من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: «أن سفينة نوح طافت بالبيت سبعًا وصلت عند المقام ركعتين».
ومن قرائن ذلك أيضًا: تضمنه لما تتوفر الدواعي على نقله، أو كونه أصلًا في الدين ولم يتواتر كالنص الذي تَزْعم الرافضة أنَّه دلَّ على إمامة علي.
وأن لا يوجد ذلك الحديث في صدور الرواة ولا بطون الكتب بعد استيعابها بحيث لا يبقى ديوان ولا راو إلَّا وقد كشف منه في جميع الأقطار، وهذا متعسر أو متعذر.
ويلحق بذلك ما يدفعهُ الحسُّ والمشاهدة، أو يكون منافيًا لدلالة الكتاب القطعية أو السنة المتواترة أو الإجماع القطعي، أما المعارضة مع إمكان الجمع فلا.
ومنها: الإفراط بالوعيد الشديد على الأمر الصغير كقوله: «من أكل الثوم ليلة الجمعة فليهو في النار سبعين خريفًا»، وكذا الوعد العظيم على فعل الشيء الحقير، كقوله: «لقمة في بطن جائع أفضل من بناء ألف جامع» وهذا كثير في أحاديث القصاص.
تنبيه: ما ذكرهُ ابن الجوزي في كتابه في «الموضوعات» أدخل فيه كثيرًا ممَّا لا دليلَ على وضعه، بل بمجردِ كلام بعض الناس في أحدِ رُواتها، كقوله: فلانٌ ضعيف أو ليس بالقوي أو لين، وقد يكون ذلك في حديث لا يشهد العقل ببطلانه ولا فيه مخالفةٌ لكتابٍ ولا سنة ولا إجماع ولا حجة بأنَّه
موضوع سوى كلام ذلك الرجل في راويه، وفيه الحَسن بل والصحيح.
قال الذهبي: ربما ذكر ابن الجوزي في «الموضوعات» أحاديث حسانًا قوية.
وقال شيخ الإسلام: غالب ما في كتاب ابن الجوزي موضوع، والذي يُنْتَقَدُ عليه بالنسبة إلى ما لا يُنْتَقَدُ قليل، ومن الضرر أنْ يُظنَّ ما ليس بموضوع موضوعًا كما يظنُّ ما ليس بصحيح صحيحًا. انتهى.
ومن العجب منه أنَّه ذكر فيه حديثًا أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إن طَالَتْ بِكَ مُدَّةٌ أَوْشَكَ أَنْ تَرَى قَوْمًا يَغْدُونَ في سَخَطِ اللَّهِ وَيَرُوحُونَ في لَعْنَتِهِ، في أَيْدِيهِمْ مِثْلُ أَذْنَابِ الْبَقَرِ».
قال شيخ الإسلام: لم أقفْ في كتاب «الموضوعات» على شيءٍ حكم عليه بالوضع وهو في أحد الصحيحين غير هذا الحديث وإنها لغفلة شديدة، ثم تكلم عليه وعلى شواهده.
قوله: (وَظُلْمَةً كَظُلْمَةِ اللَّيْلِ) قال ابن الجوزي: الحديث المُنكر يقشعر له جلدُ الطالب للعلم، ويَنفُر قلبه منه في الغالب. انتهى.
ومرادهُ بالمنكر الموضوع.
قوله: (وَالمَقْلُوْب)؛ أي: الحديث المقلوب، والقلب: هو تبديل شيء بآخر على الوجه الآتي، ثم هو إما أن يكون عمدًا أو سهوًا، والعمد قسمان وكل منهما في السند وهما اللذان ذكرهما الشارح، والسَّهو قسمان أيضًا لكن أحدهما في السند والآخر في المتن، فالأقسام أربعة كما ستعرفه، وتعريفه العام للأقسام كلِّها هو ما سلف، وأما الخاص ببعض
[ ٥٣ ]
مشهورٌ براوٍ كـ «سالمٍ»، أُبدِل بواحدٍ من الرُّواة نظيره في الطَّبقة كـ «نافع»؛ ليُرغَب فيه؛ لغرابته، أو قلب سندٍ لمتنٍ آخر مرويّ بسند آخر؛ بقصد امتحان حفظ المحدِّث، كقلب أهل بغداد على البخاريِّ رحمه الله تعالى مئة حديثٍ امتحانًا، فردَّها على وجوهها، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- في ترجمته.
الأقسام، وهو ما عدا قلب المتن سهوًا فهو تبديل مَن يعرف برواية الحديث بغيره، ثم المقلوب من أقسام الضعيف، والقلب من حيث هو حرام إلَّا بقصدِ الاختبار.
قال العراقي: وفي جوازه نظرٌ. انتهى.
قوله: (مَشْهُوْرٌ بِرَاوٍ)؛ أي: أَي راوٍ كانَ من الرواة يُبَدَّل بنظيره في الطبقة من الرواة.
وقوله: (كَسَالِمٍ)؛ أي: وكعُبيد الله بن عمر أُبْدِلَ بمالكٍ، وممَّن كان يفعل ذلك من الوضاعين: حمَّاد بن عمرو النصيبي، وبهلول بن عبيد الكندي؛ لقصد الإغراب، كما قاله الشارح للرغبة في حديثه.
قال ابن دقيق العيد: وهذا الذي يُطلق على راويه أنَّه يسرق الحديث. انتهى.
وهذا هو القسم الأول من قسمي القلب عمدًا في السند.
قال العراقي: مثاله ما رُوي عن حماد بن عمرو، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، مرفوعًا: «إِذَا لَقِيتُمُ الْمُشْرِكِينَ في طَرِيقٍ فَلَا تبدؤوهم بِالسَّلَامِ وَاضْطَرُّوهُمْ إلى أَضْيَقِهَا»، فهذا حديثٌ مقلوبٌ قلبه حماد أحد المتروكين، فجعله عن الأعمش ليُغرب به وإنَّما هو معروفٌ بسهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة كما في مسلم، ولا يُعرف عن الأعمش، ولهذا كره أهل الحديث تتبع الغرائب فإنَّه قلَّمَا يصحُّ منها.
قوله: (أَوْ قَلْبُ سَنَدٍ لِمَتْن …) إلى آخره، هذا هو الثاني من قِسمي القلب عمدًا في السند؛ وذلك أن يُجْعَلَ سندُ متن لمتن آخر مروي بسند آخر، ويُجْعَلَ هذا المتن لسند آخر لقصد امتحان حفظِ المُحدث واختباره هل اختلطَ أو لا؟ وهل يقبلُ التلقين أو لا؟
(قلت): جعلوا ذلك من قبيل القلب في السند، ولم يجعلوه من قبيل قلب المتن، مع أن فيه قلب سند لمتنٍ، ومتنٍ لسند، ولا يظهر له غير الاصطلاح وجه إلَّا أن يكون المقصود بالقلب هو الإسناد، لكنه يقتضي أنَّه لو كان الغرض المتن سُمي قلب متن؛ فَلْيُنْظَر.
والقسم الثالث: وهو القلب سهوًا في السند ما رواه جرير بن حازم، عن ثابت البناني، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فلا تَقُومُوا حتى تَرَوْنِي» فهذا حديثٌ انقلبَ سندُهُ سهوًا على جرير بن حازم، وإنَّما هو مشهور بيحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قَتادة، عن أبيه، عن النَّبيِّ ﷺ كما عند مسلم والنسائي، لكنَّ جريرًا لمَّا سمعه من أبي عثمان الصَّواف يُحدث به في مجلسِ ثابت البَنَّاني ظنَّه عن ثابت عن أنس فرواه كذلك.
وقد بَيَّنَ ذلكَ حمادُ بن زيد فيما رواه أبو داود في «المراسيل» عن أحمد بن صالح، عن يحيى بن حسان، عنه قال: كنت أنا وجرير عند ثابت فحدَّث أبو عثمان، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله ابن أبي قتادة، عن أبيه، فظنَّ جرير أنَّه إنَّما حدث به عن ثابت عن أنس.
والقسم الرابع: وهو القلب سهوًا في المتن ويُعرف بأنَّه إعطاء أحد الشيئين ما اشتهر للآخر، مثاله حديث أبي هريرة في السبعة الذين يظلهم الله في ظل عرشه يوم القيامة، ففيه: «رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تَعْلَم يمينه ما تنفق شماله»، فهذا مما انقلب على أحد الرواة سهوًا وإنَّما هو: «حَتَّىَ لَاْ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِيْنُهُ»، كما في الصحيحين.
قال البُلقيني: ويمكن أن يُسمى هذا بالمعكوس فيفردُ بنوع، ولم أَرَ من تعرضَّ لذلك. انتهى.
أقول: لينظر حينئذ وجه تسمية هذا بالمعكوس وذلك بالمقلوب، ولعله للفرق بين ما في السند وما في المتن على ما فيه.
ومثَّلَ شيخ الإسلام في «شرح النخبة» القلب في الإسناد بنحو كعب بن مرة ومرة بن كعب، قلت: وهو ظاهر، فلو خصَّ مثل ذلك باسم القلب مطلقًا، وما بُدل فيه راو بآخر أو جُعل فيه سند متن لآخر والعكس باسم العكس لكان أروح للقلب، ولكن القوم أدرى باصطلاحهم ولا مشاحَّةَ.
قوله: (كَمَا سَيَأْتِي) حاصله أنَّه لما قَدِم بغداد وسمعَ به أصحاب الحديث اجتمعوا، وعمدوا إلى مئة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها، وجعلوا متن هذا الإسناد لإسناد آخر، وإسناد هذا المتن لمتن آخر، ودفعوها إلى عشرة أنفس، كل رجل عشرة، وأمروهم إذا حضروا المجلس يُلقون ذلك على البخاري، وحضر المجلس جماعة من أصحاب الحديث البغداديين والغُرباء من أهل خراسان وغيرهم، فلما اطمَأَنَّ المجلسُ بأهله انْتُدِبَ إليه رجلٌ من العشرة فسأله عن حديث من تلك الأحاديث فقال البخاري: لا أعرفه، فسأله عن آخر، فقال: لا أعرفه، فما زال يُلقي عليه واحدًا واحدًا حتى فرغَ من عشرته والبُخَاري يقول: لا أعرفه، فكان بعض الفهماء ممَّن حضرَ المجلس يلتفتُ بعضهم لبعض، ويقول: فهم الرجل، ومَن كان منهم غير ذلك يحكم عليه بالعجز عن ردِّ الجواب لتقصيرهِ في العلم ثم انْتُدِبَ إليه الثاني، وهكذا واحدًا بعد واحد حتى فرغوا من المئة المقلوبة، والبُخاري لا يزيدهم على قوله: لا أعرفه، ثم التفت إلى الأول منهم وقال له: أما حديثك الأول
[ ٥٤ ]