وأنواع التَّحمُّل؛ أعلاها: السَّماع من لفظ الشَّيخ، ويقال فيه: حدثنا أو حدَّثني؛ إذا كان منفردًا، وسمعت أعلى من حدثني، ثمَّ القراءة على الشَّيخ سواء قرأ بنفسه
وبالسند المذكور، قال؛ - أي: الشيخ- لنا، فهذا معنى قولهم: وبه قال.
قوله: (وَأَنْوَاعُ التَّحَمُّلِ)؛ أي: التَّلقي للحديث، وهي ثمانيةٌ كما ستعرفه.
قوله: (السَّمَاعُ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ)؛ أي: سواءٌ كانَ إملاءً، وهو التحديث مع التفسير كالجاري الآن، أو تحديثًا من غير إملاءٍ، وسواءٌ كان من حفظ الشيخ أو من كتابه، والإملاء أعلى من غيره وإن استويا في أصلِ الرُّتبة كما قاله الجلال.
قوله: (سَوَاءٌ قَرَأَ بِنَفْسِهِ …) إلى آخره، لا يصحُّ أن يكونَ هذا تعميمًا في السماع من لفظ الشيخ، أما أولًا فإنهُ لا يصحُّ أن يكونَ السماعُ من لفظ الشيخ والقارئ غيره، وأما ثانيًا فإنَّ جميع ما ذكره من هنا إلى قوله: (ثم الإجازة …) إلى آخره، إنَّما يُناسب القراءة على الشيخ وهو نوع ثان على حِدته من أنواع التحملِ خلطَهُ الشارح بالأول الذي هو السماع من لفظ الشيخ؛ قال في «التقريب»: بيانُ أقسام طرق تَحَمُّلِ الحديثِ ومجامعها ثمانية أقسام:
الأول: سماعُ لفظ الشيخ وهو إملاء وغيره، من حفظٍ ومن كتاب، وهو أرفع الأقسام عند الجماهير، قال القاضي عياض: لا خلاف أنَّه يجوز في هذا للسامع أن يقول في روايته: (حدثنا، وأخبرنا، وأنبأنا، وسمعت فلانًا، وقال لنا، وذكر لنا).
قال الخطيب: أرفعها «سمعت» ثمَّ «حدَّثنا» و«حدَّثني»، ثم قال: وكان هذا قبل أن يشيع تخصيص «أخبرنا» بالقراءة على الشيخ.
وقال بعد ذلك: القسم الثاني: القراءةُ على الشيخ، ويُسميها أكثر المحدثين عرضًا سواء قرأت عليه أو قرأ غيرك وأنت تسمع، إلى أن قال: والأحوط في الرواية بها «قرأت على فلان …» إلى آخره، ما ذكر الشارح.
فلو قال بعد قوله: (السماع من لفظ الشيخ) ويقول فيه عند الأداء: (حدَّثنا) أو (حدَّثني)، ثم قال: الثاني القراءة على الشيخ سواءٌ قرأ … إلى آخره، لَمَا خلَّط ولا أوقع في شطط ولوفَّى التقسيمَ حقَّهُ وآتى كلًّا من الأقسام رِزْقَهُ، وقول «التقريب»: ويسميها أكثر المحدثين عرضًا؛ -أي: من حيث إنَّ القارئ يعرض على الشيخ ما يقرؤه كما يُعرض القرآن على المقرئ- لكن قال ابن حجر: القراءة
[ ٢١٣ ]
أو قرأ غيره على الشَّيخ، وهو يسمع ويقول فيه عند الأداء: أخبرنا (^١)،
على الشيخ أعمُّ من العرض؛ لأنَّه عبارةٌ عن عرض الطالب أصل شيخه والقراءة أعم من ذلك، وإذا عرفتَ ذلك فقول الشارح: (سواء قرأ)؛ أي: المقري، فهو تعميمٌ في النوع الثاني وهو القراءة على الشيخ؛ أي: إنَّه يستوي في صحةِ الرواية بالقراءة على الشيخ، القارئ بنفسه عليه والسامع لمن يقرأ عليه، وسواءٌ كانت القراءة من كُلٍّ منهما من كتاب أو حفظ، وعلى كلٍّ من هذه الصور الأربع حَفِظَ الشيخُ ما قُرئ عليه أم لا، إذا أمسك أصله هو أو ثقة غيره.
قال العراقي: وهكذا إن كان ثقةٌ من السامعين يحفظ ما قرئ وهو مستمع غير غافل فذلك كافٍ أيضًا، ورجَّحَ شيخ الإسلام الإمساك في الصور كلها عن الحفظ، قال: لأنَّه خوَّان.
وشرطَ الإمامُ أحمد في القارئ أن يكون ممنْ يعرف ويفهم، وإمام الحرمين في الشيخ أن يكون بحيثُ لو عرض من القارئ تحريفٌ أو تصحيف لرَدَّهُ، وإلا فلا يصح التحمل بها، والصحيح أنَّ السماع من لفظ الشيخ أعلى من القراءة عليه، لكن اختار شيخ الإسلام أنَّ محله إذا استوى الشيخ والطالب أو كان الطالب أعلم؛ لأنَّه أوعى لما يسمع، أما إن كان مفضولًا فقراءته أولى؛ لأنها أضبط له، قال: ولهذا كان السماع من لفظه في الإملاء أرفع الدرجات؛ لما يلزمُ منه من تحريرِ الشيخ والطالب.
قوله: (أَوْ قَرَأَ غَيْرُهُ …) إلى آخره، قال الجلال: صرَّحَ كثيرون بأن القراءة بنفسه أعلى مرتبة من السماع لقراءة غيره. انتهى.
وقال الزركشي: القارئُ والمستمع سواء، أقولُ: الظاهر أخذًا من كلام شيخ الإسلام السابق ما ذكره الجلال، وعليه فتكون هذه المرتبة متفاوتة؛ كما تفاوتت الأولى بالإملاء وغيره على ما سبق عن شيخ الإسلام أيضًا.
قوله: (وَيَقُوْلُ فِيْهِ)؛ أي: في النوع الثاني؛ أي: القراءة على الشيخ الذي أسقطه خلافًا لما يُوهمه صنيعه من أنَّه يقول ذلك؛ أي: (أخبرنا) في الأداء بالسماع من لفظ الشيخ؛ إذ ذلك كما عرفت يقول فيه: (حدَّثنا أو حدَّثني) بناء على الشائعِ بين أهل الحديث من الفرق بينهما وتخصيص الأولى بمادة التحديث والثانية بمادة الإخبار للتمييز بين النوعين، وهو مذهب الشافعي وأصحابه ومسلم والنسائي والجمهور، وجوَّزَ كلًّا في كلٍّ الزُّهري ومالك وأبو حنيفة والبخاري وغيرهم، فلا فرق عندهم بين (حدَّثنا) و(أخبرنا) في الأداء بالسماع والقراءة، فلعلَّ الشارح جرى على هذه الطريقة.
_________________
(١) قوله: ويقال فيه: حدثنا أو حدَّثني؛ إذا كان منفردًا … وهو يسمع ويقول فيه عند الأداء: أخبرنا.
[ ٢١٤ ]
والأحوط الإفصاح فإن قرأ بنفسه؛ قال: قرأتُ على فلانٍ، وإلَّا؛ قال: قُرِئَ على فلانٍ وأنا أسمع.
قوله: (وَالأَحْوَطُ الإِفْصَاحُ …) إلى آخره، قال الحاكم: الذي أختارُه وعهدتُ عليه أكثرَ مشايخي وأئمة عصري أن يقول الراوي فيما سمعه وحده من لفظ الشيخ: (حدَّثني) بالإفراد وفيما سمعه منه مع غيره (حدثنا) بالجمع، وفيما قرأه عليه بنفسه: (أخبرني) وفيما قُرِئَ على المحدِّث بحضرته: (أخبرنا).
قال ابن الصلاح: وهو حسنٌ. انتهى.
فإنْ شكَّ هل كان وحده حالة التحمل؟.
فالأصل عدم غيره فيقول: (حدَّثني أو أخبرني)، أو شك هل قرأ بنفسه أو سمع بقراءة غيره؟ فاستحسن الخطيب أن يقول: (قرأنا)؛ لأنَّه يُستعمل فيما قرأه غيره أيضًا، ثم التفصيل المذكور في ألفاظ الأداء مستحبٌّ باتفاقٍ لا واجبٌ، إنَّما لا يجوز إبدال حدثنا بأخبرنا، أو عكسه في الكُتب المؤلفة.
قوله: (قُرِئَ عَلَى فُلَانٍ) ببناءِ قُرِئَ للمجهول، وعلى فلان جار ومجرور، وفلان كناية عن شيخه.
قال النووي: ويلي ذلك عبارات السماع مُقَيَّدَةً بالقراءةِ لا مُطلقةً، كحدثنا أو أخبرنا بقراءتي أو قراءة عليه. انتهى.
(فائدة): قول الراوي: (أخبرنا سماعًا أو قراءة) هو من باب قولهم: (أتيته سعيًا وكلَّمته مشافهة) وللنُّحاة فيه مذاهب:
أحدها: وهو رأي سيبويه أنها مصادر وقعت موقع فاعل حالًا كما وقع المصدر موقعه نعتًا في (زيدٌ عدل) وأنَّه لا يُستعمل منهما إلَّا ما سُمع لا يقاس، فعلى هذا استعمالُ الصيغة المذكورة في الرواية ممنوعٌ لعدم نُطق العرب بذلك.
الثاني: وهو للمُبرِّد أنها ليست أحوالًا بل مفعولاتٍ لفعل مُضمر من لفظها وذلك المضمور هو الحال؛ أي: فالتقدير: (أخبرني حال كوني قارئًا عليه قراءة أو سامعًا سماعًا)، وعليه تخرَّج الصيغة المذكورة، بل كلام أبي حيان في «تذكرته» يقتضي أنَّ (أخبرنا سماعًا) مسموعٌ، و(أخبرنا قراءة) لم يُسمع، وأنَّه يُقاس على هذا القول الثالث وهو للسِّيرَافي أنَّه من باب (جلست قعودًا) منصوب بالظاهر مصدرًا معنويًا.
[ ٢١٥ ]
ثمَّ الإجازة المقرونة بالمُناوَلَة: بأن يدفع إليه الشَّيخُ أصلَ سماعه أو فرعًا مُقابَلًا عليه،
قوله: (ثُمَّ الإِجَازَةُ المَقْرُوْنَةُ بِالمُنَاوَلَةِ) لو قال: ثمَّ المناولة المقرونة بالإجازة ثم المجرَّدَةُ عنها كما فعل غيره لكان أسبك وأسلك وأجمع وأجمل، فالمناولة التي هي من أقسام التحمل أعمُّ من أن تكون مقرونةً بإجازة أو لا، فهي القسم الثالث من أقسام التحمل المذكورة، والأصل فيها ما عَلَّقَهُ المصنف في العلم: «أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ كَتَبَ لِأَمِيرِ السَّرِيَّةِ كِتَابًا، وقال: لَا تَقْرَأْهُ حتى تَبْلُغَ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا، فلما بَلَغَ ذَلِكَ الْمَكَانَ قَرَأَهُ عَلَى النَّاسِ وَأَخْبَرَهُمْ بِأَمْرِ النَّبِي ﷺ» قال السُّهَيْلي: احتجَّ به البخاري على صحةِ المُناولة، وكذلك العالم إذا ناول التلميذ كتابًا جاز له أن يروي عنه ما فيه، قال: وهو فقهٌ صحيحٌ، وفي «معجم البغوي» عن يزيد الرَّقاشي قال: كُنَّا إذا أكثرنا على أنس بن مالك أتانا بمَخالٍ له فألقاها إلينا، وقال: هذه أحاديثُ سمعتها من رسول الله ﷺ وكتبتها وعرضتها. انتهى.
ثُمَّ هيَ كما علمتَ ضربان:
الأولى: المناولةُ المقرونةُ بالإجازةِ: وهي أعلى أنواع الإجازة مطلقًا، وأعلى صورها كما صَرَّحَ عياض وغيره، ومنه أن يدفعَ الطالب إلى الشيخ سماعه؛ -أي: سماع الشيخ أصلًا أو فرعًا مقابَلًا به- فيتأمله الشيخ وهو عارف متيقظ، ثم يناوله للطالب ويقول له: (هو حديثي أو روايتي عن فلان أو عمَّن ذُكر فيه فاروه عني أو أجزت لك روايته) وهذا سمَّاه غير واحدٍ من أئمة الحديث (عَرْضًا) فهذا عرض المناولة، وما سبق عرضُ القراءة.
قال النووي: وهذه المناولةُ مُنْحَطَّةٌ عن السماع والقراءة على ما ذهب إليه أبو حنيفة والشافعي والمزني وأحمد ابن حنبل وإسحاق بن رَاهُوْيَه، وروي عن مالك.
قال الحاكم: وعليه عهدنا أئمتنا، وإليه نذهب وهو الصحيح، وذهب جماعة كثيرون إلى أنَّها كالسماع في القوة والرتبة، بل نقل ابن الأثير أن بعض أصحاب الحديث جعلها أرفعَ من السماع؛ لأنَّ الثقة بكتاب الشيخ مع إذنه فوق الثقة بالسماع منه وأثبت، لما يدخل من الوهم على السامع والمستمع.
[ ٢١٦ ]
ويقول: هذا سماعي أو روايتي عن فلانٍ، فاروهِ عني، أو أجزت لك روايته.
ثمَّ الإجازة؛ وهي أنواعٌ؛
ومن صور هذا الضرب أن يُناول الشيخُ الطالبَ سماعه ويجيزهُ ثم يُمسكه الشيخ عنده ولا يُبقيه عند الطالب، وهذه دون ما سبقَ لغيبة ما تحمَّله الطالبُ عنه، ويجوزُ روايته عنه إذا وجدَ ذلك الكتاب المناوَلَ له مع غلبة ظنه بسلامته من التغيير، أو وَجَدَ فرعًا مقابلًا به موثوقًا بموافقته ما تناولته الإجازة.
وهذه المناولة في مرتبة الإجازة لمُعيَّن من الكتب الخالية عن المناولة، وستأتي على الصحيح، وبعضهم يجعلُ لها مزيَّةً عليها، ومنها أن يأتيه الطالب بكتابٍ ويقول له: هذا روايتك فناولنيه وأجزني روايته. فيجيبه من غير نظر فيه ولا تحقيق لروايته له فهذا باطل، إلَّا أن يثق بخبرِ الطالب ومعرفته وهو ممَّن يعتمد مثله فتصحُّ الإجازة والمناولة، أو يتبين ولو بعد الإجازة أن ذلك من مروياته فيتبين صحة الإجازة كما استظهره العراقي.
الضرب الثاني: المناولةُ المجردةُ عن الإجازةِ بأنْ يُنَاوله الكتاب كما تقدَّمَ مُقتصرًا على قوله: (هذا سماعي أو من حديثي) ولا يقول له: (اروه عني) ولا (أجزتك) فلا تجوز الرواية بها على الصحيح عند الفقهاء والأصوليين، وذهب جماعة من أهل الحديث إلى جوازها، قال ابن الصلاح: وعندي أن يُقال: إن كانت المناولة جوابًا لسؤالٍ، كأن قال له: ناولني هذا الكتاب لأرويهُ عنك فناوله ولم يُصرِّحْ بالإذن صحتْ، وجازَ لهُ أن يرويه، وكذا إذا قال: حدَّثني بما سمعت من فلان، فقال: هذا سماعي منه، كما وقع من أنس فتصحُّ أيضًا، وما عدا ذلك فلا.
قوله: (عَنْ فُلَانٍ)؛ أي: ويُسميه، وكذا إن لم يُسمه ولكن اسمه مذكور في الكتاب المناول.
قوله: (ثُمَّ الإِجَازَةُ) هي القسم الرابع من أقسام التحمل، وهي مُشتقة من التَّجوز، وهو التعدي فكأنَّ الشيخَ عَدَّى روايتهُ حتى أوصلها للراوي، كما ذكره الشارح في «المنهج»، فعليه إذا قال: (أَجزتُ فلانًا كذا) فهو بمعنى: أجزت له.
قال الشُّمُنيِّ: وهي في الاصطلاح إذنٌ في الرواية لفظًا أو خطًّا، يفيد الإخبار الإجمالي عُرفًا، وأركانها أربعةٌ: المُجيز، والمُجاز، والمجاز به، ولفظ الإجازة.
قوله: (وَهِيَ أَنْوَاعٌ)؛ أي: ثمانية: إجازة لمُعيَّن بمُعيَّن، إجازة لمُعيَّن بغير مُعيَّن،
[ ٢١٧ ]
أعلاها: لمعيَّنٍ، كـ (أجزتُك البخاريَّ) مثلًا، أو أجزتُ فلانًا الفلانيَّ جميع فِهرسْتِي ونحوه، أو أجزته بجميع مسموعاتي أو مرويَّاتي،
إجازة لغير مُعيَّن بوصف العموم، إجازة لمُعيَّن بمجهول من الكتاب، إجازة لمجهول من الناس بمُعيَّن من الكتب، إجازة للمعدوم، إجازة ما لم يتحمله المجيز، إجازة المجاز.
وقد ذكرَ الشارحُ من ذلك ثلاثةً بالأمثلة وجعلها كلها من قبيل الإجازة لمُعيَّن كما سيتضحُ وستعرف البقيةَ.
قوله: (أَعْلَاهَا)؛ أي: أنواع الإجازة، والمراد أنواع الإجازة المجردة عن المناولة كما ذكره النووي.
قوله: (لِمُعَيَّنٍ) تحته نوعان أدمجهما الشارح في كلامه: إجازة بمعين، وأشار له بقوله: كـ (أجزتك البخاري)، وإجازة بغير معين، وأشار له بالمثالين بعده، ثم أدخل في هذا النوع ما ليس منه هو قوله (أَوْ أَجَزْتُ لِلْمُسْلِمِيْنَ …) إلى آخره، إذ هذا ليس لمعيَّنٍ كما لا يخفى، بل نوعٌ آخر وهو الإجازة لغير معيَّن، ففي كلامه من التَّسَاهُلِ ما لا يخفى.
والحق أنَّ الإجازة دون العرض، وقيل: أفضل منه مطلقًا، وقيل: هما سواء، والصحيح الذي قاله الجمهور جواز الرواية والعمل بها؛ أي: بالمروي بها، ومنع بعضهم الرواية بها كشُعبة قال: لو جازت لبَطَلت الرحلةُ، وهو إحدى الروايتين عن مالك والشافعي وأبي حنيفة، وقال بعض الظاهرية: لا يعمل بها كالمرسل، وهو باطل؛ لأنَّه ليس فيها ما يقدح في اتصالِ المنقولِ بها.
قوله: (كَأَجَزْتُكَ)؛ أي: أو أجزتكم.
قوله: (فِهْرِسْتِي) بكسر الفاء والراء وسكون السين المهملة آخره مثناة فوقية، لفظة فارسية معناها جملة العدد للكتب، فالمرادُ جُملة عدد مروياتي، قال صاحب «تثقيف اللسان»: الصوابُ أنَّها بالمثناة الفوقية وقوفًا وإدماجًا، وربما وقف عليها بعضهم بالهاء وهو خطأ.
قوله: (أَوْ أَجَزْتُهُ)؛ أي: فلانًا، ومثله: (أجزتك) أو (أجزتكم) فهذا هو النوع الثاني؛ -أعني: الإجازة لمعيَّن بغير معيَّن- والجمهور على جواز الرواية بها، موجبين العمل بما رُوي بها بشرطه.
[ ٢١٨ ]
أو أجزت للمسلمين، أو لمن أدرك حياتي، أو لأهل الإقليم الفلانيِّ
قوله: (أَوْ أَجَزْتُ لِلْمُسْلِمِيْنَ) هذا هو النوع الثالث، وهو الإجازة لغير معين بوصف العموم، ومنه أجزتُ أهل زماني أو كلَّ واحدٍ، وقد جوَّزَ الرواية بذلك الخطيب وغيره، وصححه النووي في «الروضة» لكنَّ الأحوطَ ترك الرواية بها، قال شيخ الإسلام: إلَّا أنَّ الرواية بها في الجملة أَوْلَى من إيرادِ الحديث مُعْضَلًا. انتهى.
واستدل لها بحديث: «بَلِّغُوا عَنِّي»، فإنْ قَيَّدَهَا بوصفٍ خاصٍ كأجزتُ طلبةَ العلمِ ببلدِ كذا، أو مَنْ أدرك حياتي، أو مَنْ قرأ علي قبل هذا، فقال عياض: ما أظنهم اختلفوا في جواز ذلك؛ لأنَّه محصور بوصفٍ كقوله: لأولاد فلان أو إخوة فلان.
والرابع من أنواع الإجازة: الإجازةُ لمعيَّن بمجهول من الكتب، كأجزتك بعض مسموعاتي.
الخامسة: عكسه، كأجزتُ لمحمد بن أحمد البخاري مثلًا، وهناك جماعة مشتركون في هذا الاسم.
ولم يتضح مراده في الصورتين وهما باطلان، نعم إن اتضحَ بقرينةٍ صحت الإجازةُ، وإذا قال: أجزتُ لمن يشاء فلان، ففيه جهالة وتعليق، فقيل: لا يصح كما لو قال: أجزتُ لبعض الناس قياسًا على تعليق الوكالة، وقيل: يصحُّ؛ لأنَّ الجهالة ترتفع عند وجود المشيئة ويتعين المجاز له بها، واحتج له بقوله ﷺ لما أمَّر زيدًا على غزوة مؤتة: «فَإِنْ قُتِلَ زَيْدٌ فَجَعْفَرٌ، فَإِنْ قُتِلَ جَعْفَرٌ فَابْنُ رَوَاحَةَ»، فعلَّقَ التأمير، وفرَّق الدَّامَغَاني بينها وبين الوكالة بأنَّ الوكيل ينعزل بعزل الموكِّل بخلاف المجاز.
السادسة: الإجازة للمعدوم، كأجزتُ لمن يولد لفلان، وأجازها الخطيب قياسًا على إجازة بعض الأئمة الوقف على المعدوم، والصحيح بطلانها؛ لأنَّ الإجازة في حكم الإخبار جملة بالمجاز فكما لا يصح الإخبار للمعدوم لا تصح الإجازة له، فإن عَطَفَهُ على موجود كأجزتُ لفلان ومَن يولد له، أو لك ولعَقِبك ما تناسلوا جاز قياسًا على الوقف.
وأما الإجازة للطفل فتجوز للمميز قطعًا ولغيره على الصحيح؛ لأنها إباحة المجيز للمجاز أن يروي عنه بعد الأهلية لبقاء الإسناد، والإباحة تصح للعاقل وغيره، وكذا للفاسق والمبتدع، ويؤدون إذا زال المانع.
[ ٢١٩ ]
ويقول المحدِّث بها: أنبأنا أو أنبأني.
ثمَّ المكاتبة: بأن يكتب مسموعه أو مقروءه جميعه أو بعضه، لغائبٍ أو حاضرٍ، بخطِّه أو بإذنه، مقرونًا ذلك بالإجازة أو لا.
وأما الحمل فالذي استظهره أبو زُرعة أنها بعد نفخ الروح فيه تصح، وقبلها مرتبة متوسطة بينها وبين الإجازة للمعدوم فهي أولى بالمنع من الأولى، وبالجواز من الثانية.
السابعة: إجازة ما لم يتحمله المجيز بوجه من سماع أو إجازة ليرويه المجاز له إذا تحمله المجيز، والأصح بطلانها؛ لأنَّها إعطاء لما لم يأخذه، ولأنَّه لا حصر لما لم يروه بخلاف ما رواه فإنَّه دخل في دائرة حصر العلم، فعلى هذا يتعين على مَن أراد أن يرويَ عن شيخٍ أجاز له جميع مسموعاته أن يبحث حتى يعلم أنَّ هذا مما تحمَّله شيخه قبل الإجازة له، وأما قوله: أجزتُ لك ما صحَّ وما يصح عندك من مسموعاتي فصحيحٌ تجوزُ الرواية به لما صحَّ عنده سماعه له قبل الإجازة.
الثامنة: إجازة المجاز به، كأجزتك مجازاتي أو جميع ما أجيز لي روايته، والصحيح جوازها، وعليه العمل، وينبغي للراوي بها تأملها؛ أي: تأمل كيفية إجازة شيخ شيخه لشيخه؛ لئلا يروي بها ما لم يدخل تحتها.
قوله: (وَيَقُوْلُ المُحَدِّثُ بِهَا …) إلى آخره؛ أي: كما اصطلحَ عليه المتأخرونَ، ومنعوا أن يقال: (حدَّثنا) أو (أخبرنا) في شيءٍ من أنواع الإجازة، وجَوَّزَ الزُّهري ومالك وغيرهما إطلاق (حدَّثنا) و(أخبرنا) في الإجازة بالمناولة، وبعضهم في الإجازة المجردة أيضًا، والصحيح المنع وأنها تخصص بعبارة تبين الواقع كـ (حدَّثنا أو أخبرنا إجازة أو مناولة)، وقد اصطلحَ المتأخرونَ على ما ذكره الشارح، ثم المنع من إطلاق (حدَّثنا وأخبرنا) فيما ذُكر لا يزول بإباحة المجيز ذلك؛ لأنَّ إباحة الشيخ لا يغير بها الممنوع في المصطلح، ذكره النووي.
قوله: (ثُمَّ المُكَاتَبَةُ) هذا هو القسم الخامس من أقسام التَّحَمُّلِ.
قوله: (مَقْرُوْنًا ذَلِكَ بِالْإِجَازَةِ أَو لا)؛ أي: فهي ضربان: فالمقرون بالإجازة، كـ (أجزتك ما كتبت لك) أو (ما كتبت به إليك) ونحوه، وهي في الصحة والقوة كالمناولة المقرونة بالإجازة. وأما المجردة عن الإجازة فمنعَ الرواية بها قومٌ منهم الماوردي في «الحاوي» وأجازها الجمهور، وهو الصحيح المشهور بين أهل الحديث؛ إذ يوجد في مصنفاتهم كثيرًا: (كتب إليَّ فلان قال: حدَّثنا …) إلى آخره، والمرادُ به هذا، وهو معمولٌ به عندهم معدودٌ في الموصول لا المنقطع، بل قال السّمْعاني: هي أقوى من الإجازة،
[ ٢٢٠ ]
ثمَّ الإعلام: بأن يقول له: هذا الكتاب رويته أو سمعته، مقتصرًا على ذلك من غير إذنٍ، وهذه جوَّزها كثيرٌ من الفقهاء والأصوليِّين، منهم ابن جريجٍ وابن الصَّبَّاغ.
ثمَّ الوصيَّة: بأن يوصيَ الرَّاوي عند موته أو سفره لشخصٍ بكتابٍ يرويه،
قال النووي: وهو المختارُ بل وأقوى من أكثر صور المناولة. وفي «صحيح البخاري» في «الأيمان والنذور»: كتب إليَّ محمد بن بشار … إلى آخره، وليس فيه بالمكاتبة عن شيوخه غيره.
ويكفي معرفة المكتوب له خطَّ الكاتب، وإن لم تقم البينةُ عليه على المعتمد، وإن كان الكاتب غير الشيخ فلا بدَّ من ثُبوت كونه ثقةً، والصحيحُ أن يقول في الرواية بها: (كتب إليَّ فلان قال: حدثنا فلان) أو يقول: (أخبرنا فلان كتابة، أو حدَّثنا كذلك)، ولا يجوز إطلاق (حدَّثنا وأخبرنا) وجوَّز قومٌ آخرون (أخبرنا) دون (حدَّثنا).
روى البيهقي في «المدخل» عن أبي عِصْمَة قال: كنت في مجلس الجَوْزَقَانيِّ فجرى ذكر (حدَّثنا وأخبرنا)، فقلت: هما سواء، فقال رجلٌ: بينهما فرقٌ؛ ألا ترى محمد بن الحسين قال: إذا قال رجل لعبده: إن أخبرتني بكذا فأنتَ حر، فكتبَ إليه بذلك فصارَ حُرًّا، وإن قال: إن حدثتني، فكتب بذلك لا يُعْتَقُ.
قوله: (ثُمَّ الإِعْلَاْمُ) هذا هو القسم السادس؛ أي: إعلامُ الشيخِ الطالبَ أنَّ هذا الحديث أو الكتاب سمعه من فلان، وسُمي بذلك؛ لأنَّ الشيخَ أعلمَ الطالبَ بما يرويه من دون إذنٍ في روايته عنه، ولا تجوزُ الرواية به على الصحيح.
قوله: (مِنْ غَيْرِ إِذْنٍ)؛ أي: في روايتهِ عنهُ.
قوله: (جَوَّزَهَا كَثِيْرٌ مِنَ الفُقَهَاءِ)؛ أي: الشافعية والمالكية، بل قال بعض الظاهرية: لو قال: هذه روايتي ولا تروها عني أو لا أجيزها لك. كان له روايتها عنه، وعلَّله عياض بأنَّه بذلك قد حدَّثه وهو شيء لا يُرجع فيه، لكن الصحيح أنَّه لا تجوز الرواية بها كما قطع به الغزالي وحكاه النووي عن غير واحد من المحدثين وغيرهم؛ لأنَّه قد لا يجوز روايته مع كونه سماعه؛ لخللٍ يعرفه فيه، لكن مع ذلك يجب العمل به؛ أي: بما أخبره الشيخ أنَّه سمعه إذا صحَّ سنده.
قوله: (ثُمَّ الوَصِيَّةُ) هي القسم السابع.
[ ٢٢١ ]
فجوَّزه محمَّد ابن سيرين، وعلَّله عياضٌ: بأنَّه نوعٌ من الإذن، والصَّحيح: عدم الجواز إلَّا إن كان له من الموصي إجازةٌ، فتكون روايته بها لا بالوصيَّة.
ثمَّ الوجادة: بأن يقف على كتابٍ بخطٍّ يعرفه لشخصٍ عاصره أو لا، فيه أحاديثُ يرويها ذلك الشَّخص ولم يسمعها منه ذلك الواجد، ولا له منه إجازةٌ، فيقول: وجدتُ أو قرأت بخطِّ فلانٍ كذا، ثمَّ يسوق الإسناد والمتن.
قوله: (نَوْعًا مِنَ الإِذْنِ)؛ أي: وشبهًا من العرض والمناولة، قال: وهو قريبٌ من الإعلامِ.
قوله: (وَالصَّحِيْحُ عَدَمُ الجَوَازِ) كذا قال ابن الصلاح، وأنكرَ عليه ذلك ابن أبي الدم وقال: الوصية أرفع رتبة من الوِجَادة بلا خلافٍ، وهي معمولٌ بها عند الشافعي وغيره، فهذه أولى.
قوله: (الوِجَادَةُ) بكسر الواو مصدرٌ لوجد غير مسموعٍ من العرب، قال المُعافَى بن زكريا: فرَّع المولِّدون قولهم: وجادةً فيما أُخِذَ من العلم من صحيفةٍ من غير سماعٍ ولا إجازةٍ ولا مناولةٍ من تفريقِ العرب بين مصادر وجد، للتمييز بين المعاني المختلفة.
قال ابن الصلاح: يعني قولهم: وَجَدَ ضالته وجدانًا ومطلوبه وجودًا، وفي الغضب: موجدة، وفي الغنى: وُجدًا بالضم، وفي الحُبِّ: وَجْدًا بالفتح.
قوله: (عَلَى كِتَابٍ)؛ أي: فيهِ أحاديث.
قوله: (عَاصَرَهُ)؛ أي: ولم يلقه، أو لقيه ولم يسمع منه، أو سمع منه غيرَ ما فيه (^١).
قوله: (فَيَقُوْلُ وَجَدْتُ …) إلى آخره، قال النووي: هذا الذي استقرَّ عليه العمل قديمًا وحديثًا.
قال الجلال: وفي «مسند أحمد» كثير من ذلك من روايةِ ابنه عنه بالوِجادة، وهو من باب المنقطع لكن فيه شائبة اتصالٍ بقوله: وجدتُ بخط فلان، وجازف بعضهم فأطلق فيها حدَّثنا وأخبرنا، ولم يُجِزْ ذلكَ أحدٌ يُعتمد عليه، ووقع في «صحيح مسلم» أحاديث مروية بالوِجادة فانْتُقد عليه بأنَّها من المقطوع؟
وأجيب: بأنَّها مروية عن طُرُقٍ أُخرى له.
قوله: (بِخَطِّ فُلَاْنٍ)؛ أي: إن وَثِقَ بأنَّهُ خطه أو كتابه، وإلَّا قال: بلغني عن فلان، أو وجدت عن فلان، أو ذكرَ أوقال فلانٌ أخبرنا فلان … إلى آخره، وقد تُستعمل الوِجادة مع الإِجازة فيقال: «وجدت
_________________
(١) أي غير ما في الكتاب الذي وجده بخط هذا الشيخ.
[ ٢٢٢ ]
(تنبيهٌ): وشرط صحَّة الإجازة أن تكون من عالمٍ بالمُجَاز، والمُجَازُ له من أهل العلم المُجَازِ به صناعةً، وعن ابن عبد البرِّ: الصَّحيح أنَّ الإجازة لا تُقبَل إلَّا لماهرٍ بالصِّناعة حاذقٍ فيها، يعرف كيف يتناولها، وما لا يشكل إسناده؛ لكونه معروفًا معيَّنًا، وإن لم يكن كذلك لم يُؤمَن أن يحدِّث المُجَاز عن الشَّيخ بما ليس من حديثه، أو ينقص من إسناده الرَّجل والرَّجلين، وقال ابن سيِّد النَّاس: أقلُّ مراتب المجيز:
بخط فلان وأجازهُ لي»، ثم قد اختلف في العمل بالوِجادة فنُقِلَ عن معظمِ المحدثين والمالكيين وغيرهم أنَّه لا يجوز، وعن الشافعي جوازه، وقطعَ بعضُ المحققينَ بوجوب العملِ بها عند حصولِ الثقة به، قال النووي: وهو الصحيح الذي لا يتجه غيره، قال ابن الصلاح: لأنَّهُ لو توقفَ العملُ فيها على الروايةِ لانسدَّ باب العمل بالمنقول لتعذر شروطها، قال البُلقيني: واحتج للعمل بها بحديث: «أَيُّ الْخَلْقِ أَعْجَبُ إِيمَانًا؟ قَالُوْا: الْمَلائِكَةُ. قَالَ: وَكَيْفَ لَاْ يُؤْمِنُوْنَ وَهُمْ عِنْدَ رَبِّهِم. قَالُوْا: الأَنْبِيَاءَ؟ قَالَ: وَكَيْفَ لَاْ يُؤْمِنُوْنَ وَهُمْ يَأْتِيْهُم الوَحْيُ. قَالُوْا: فَنَحْنُ؟ قَالَ: وَكَيْفَ لَاْ تُؤْمِنُوْنَ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُم. قَالُوْا: فَمَنْ يَا رَسُوْلَ اللهِ؟ قَالَ: قَوْمٌ يَأْتُوْنَ مِنْ بَعْدِكُم يَجِدُوْنَ صُحُفًا يُؤْمِنُوْنَ بِمَا فَيْهَا» وهو استنباطٌ حسن. انتهى. قال الجلال: والحديثُ له طرقٌ كثيرة، وفي بعضها: «أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ مِنْكُم أَجْرًا»، وفي بعضها: «فَهَؤُلَاْءِ أَفْضَلُ أَهْلِ الإِيْمَانِ إِيْمَانًا». انتهى.
أقول: ولينظر هذا مع حديث: «لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ جَبَلِ أُحُدٍ ما بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ ولا نَصِيفَهُ»، وحديث: «لَوْ وُزِنَ إِيْمَانُ أَبِي بَكْرٍ بِإِيْمَانِ الأُمَّةِ لَرَجَحَ»، وغير ذلك من فضل الصحابة وأعمالهم وإيمانهم.
قوله: (وَشَرْطُ صِحَّةِ الإِجَازَةِ …) إلى آخره، عبارة «التقريب» و«شرحه» قالوا: إنَّما تستحسنُ الإجازة إذا عَلِمَ المجيزُ ما يجيز، وكان المجاز له من أهل العلم أيضًا؛ لأنَّها توسعٌ وترخيص يتأهلُ له أهل العلم لِمَسِيْسِ حاجتهم إليها. قال عيسى بن مِسْكِين: الإجازةُ رأس مال كبير، واشترطه بعضهم في صحتها فبالغَ، وحُكي عن مالك.
قوله: (بِالْمُجَازِ) بضم الميم؛ أي: المجاز به، وقوله: (وَالمُجَازُ لَهُ) بالرفع؛ أي: وكون المجاز له … إلى آخره، وقوله: (المُجَازِ بِهِ) بالجرِّ صفةٌ للعلمِ، ولو عبَّر بما عبَّر به في «التدريب» لسلم من تلك القلاقة.
قوله: (وَمَا لَاْ يُشْكِلُ)؛ أي: وفيما لا يشكل … إلى آخره؛ أي: في معين لا يُشكل كما صرَّح به الشارح.
[ ٢٢٣ ]
أن يكون عالمًا بمعنى الإجازة العلمَ الإجماليَّ من أنَّه روى شيئًا، وأنَّ معنى إجازته لذلك الغير في رواية ذلك الشَّيء عنه بطريق الإجازة المعهودة، لا العلم التَّفْصيليَّ بما روى، وبما يتعلَّق بأحكام الإجازة. وهذا العلم الإجماليُّ من أنَّه روى شيئًا حاصلٌ فيما رأيناه من عوامِّ الرُّواة، فإن انحطَّ راوٍ في الفهم عن هذه الدَّرجة، ولا إخال أحدًا ينحطُّ عن إدراك هذا إذا عُرِفَ به، فلا أحسبه أهلًا لأنَّ يتحمَّل عنه بإجازةٍ ولا سماعٍ، قال: وهذا الذي أشرت إليه من التَّوسُّع في الإجازة هو طريق الجمهور، قال شيخنا:
قوله: (مِنْ أَنَّهُ …) إلى آخره، بيان للعلم الإجمالي.
قوله: (الْغَيْر) بالنصب، مفعول الإجازة، أو بدل من اسم الإشارة.
وقوله: (فِيْ رِوَايَةِ …) إلى آخره، لعل هنا سَقطًا، والأصل: وأنَّ معنى إجازته لذلك الغير إذنه له في رواية ذلك الشيء … إلى آخره، وإن كان يتبادر من عبارته أنَّ خبر (أن) هو قوله: (بِطَرِيْقِ الإِجَازَةِ) وهو الملائم لسابق كلامه ولاحقه ولا بأس به.
قوله: (لَاْ الْعِلْمَ التَّفْصِيْلِيَّ بِمَا رَوَى)؛ أي: من معرفةِ لفظهِ ومعانيه.
وقوله: (وَبِمَا يَتَعَلَّقُ بِأَحْكَامِ الإِجَازَةِ)؛ أي: معرفة ما يجوز منها وما لا يجوز ومعرفة ألفاظ الأداء المختصة بكل نوعٍ منها ممَّا سبق مفصلًا.
قوله: (وَلَاْ إِخَالُ) بكسر الهمزة، قال ابن هشام في «شرح بانت سعاد»: والكسرُ فصيحٌ استعمالًا، شاذٌّ قياسًا، وفتحها لغةُ أَسَد، وهو بالعكس. انتهى.
وقال المرزوقي في «شرح الحماسة»: الكسر لغة طائية كَثُرَ استعمالُها في ألسنة غيرهم حتى صار الفتح كالمرفوض، وزعم أقوام أنَّ الفتح أفصح. انتهى.
قوله: (فَلَا أحسبه …) إلى آخره، جواب قوله: (فَإِنَّ انحَطَّ …) إلى آخره.
قوله: (قَالَ)؛ أي: ابنُ سيِّدِ النَّاس.
قوله: (شَيْخُنَا)؛ أي: السَّخَاوي.
[ ٢٢٤ ]
وما عداه من التَّشديد فهو منافٍ لما جُوِّزت الإجازة له من بقاء السِّلسلة. نعم؛ لا يُشترَط التَّأهُّل حين التَّحمُّل، ولم يقل أحدٌ بالأداء بدون شرط الرِّواية، وعليه يُحمَل قولهم: أجزت له روايةَ كذا بشرطه، ومنه ثبوت المرويِّ من حديث المجيز، وقال أبو مروان الطُّبنيُّ:
قوله: (بِدُوْنِ شَرْطِ الرِّوَايَةِ)؛ أي: بدون أن تتحقق فيه شروط الرواية للحديث، من عدالة وضبط وغيرهما، ثم مع توفر شروط الأداء هل يجوز بدون تلقٍّ من المشايخ؟.
رُوِيَ عن الحافظ أبي بكر محمد بن خير الأموي قال: اتفق العلماء على أنَّه لا يصحُّ لمسلمٍ أن يقول: قال رسول الله ﷺ كذا حتى يكون عنده ذلك القول مرويًّا ولو على أقلِّ وجوه الروايات.
وتَعَقَّبَهُ الزَّركشي فقال: نقلُ الإجماعِ عجيبٌ، وإنَّما حُكِيَ ذلك عن بعض المحدثين، ثمَّ هو معارضٌ بنقل ابن بُرهان إجماع الفقهاء على الجواز، فقال: ذهبَ الفقهاءُ كافةً إلى أنَّه لا يتوقف العمل بالحديث على سماعه بل إذا صحَّ عنده نُسخةٌ جازَ له العمل بها وإن لم يسمع، وحكى أبو إسحاق الإِسْفَرَايِينِي الإجماعَ على جوازِ النقل من الكتب المعتمدة ولا يشترط اتصال السند إلى مصنفيها وذلك شاملٌ لكتب الحديث والفقه، قال إِلْكِيَا الطَّبَرِي: من وجد حديثًا في كتابٍ صحيح جاز له أن يرويه ويحتج به، وقال قوم: لا يجوزُ؛ لأنَّه لم يسمعه، وهذا غلطٌ، وقال ابن عبد السلام: اتفق العلماء في هذا العصر على جواز الاعتماد على كتب الفقه الصحيحة وكذا في النحو واللغة وسائر العلوم، لحصول الثقة بها وبُعْدِ التدليس، ومَن اعتقدَ أنَّ الناس قد اتفقوا على الخطأ فهو المُخْطِئ، وقد جنحَ الشارعُ إلى قول الأطباء في صورٍ، وليست كتبهم مأخوذة في الأصل إلَّا عن قوم كفار، ولكن لما بَعُدَ التَّدْلِيْسُ فيها اعتُمِدَ عليها كما اعتُمِدَ في اللغة على أشعارِ العرب وهم قوم كفارٌ لِبُعْدِ التَّدْلِيْسِ. انتهى.
قال الحافظ السيوطي: وكُتُبُ الحديثِ أولى بذلك من كتب الفقه وغيرها؛ لاعتنائهم بضبط النسخ وتحريرها، فمن قال: شرط التخريج من كتاب يتوقف على اتصال السند إليه، فقد خرق الإجماع، وغايةُ المُخرِّجِ أن ينقل الحديث من أصل موثوق بصحته وينسبه إلى من رواه.
قوله: (وَعَلَيْهِ) الظاهرُ أنَّ الضمير يعود على العلم الإجمالي المتقدم.
[ ٢٢٥ ]