وهو مُلْحَقٌ بالمتواتر عندهم؛ لأنَّه يفيد العلمَ النَّظريَّ.
والصَّحيح: ما اتَّصل سندُه بعدولٍ
قال البزَّار في «مسنده»: (لا يصحُّ عن رسول الله ﷺ إلَّا من حديث عمر، ولا عن عمر إلَّا من حديث علقمة، ولا عن علقمة إلَّا من حديث محمَّد، ولا عن محمَّد إلَّا من حديث يحيى).
قوله: (وَهُوَ مُلْحَقٌ بِالمُتَوَاتِرِ)؛ أي: في إفادة العلم ووجوب العمل به.
وقوله: (لأنَّه يفيد العلم النظري)؛ أي: لا الضَّروريَّ كالمتواتر، إذ هو مقطوع بصحَّته وصدقه من غير نظرٍ فيه، وأمَّا هذا فلا يُقطع بصحَّته حتَّى ينظر فيه؛ فإن كان رواته رواة الصَّحيح أو الحسن أُعطي حكمهما، وإلَّا فلا على ما سيأتي تفصيله.
قوله: (والصَّحيح) فعيل بمعنى فاعل من الصِّحة وهي حقيقة في الأجسام واستعمالها في مثل ما هنا مجازًا واستعارة تبعيَّة وهذا بحسب الأصل، أمَّا الآن فقد صار حقيقة عرفيَّة فيما عرَّفه الشَّارح.
قوله: (مَا اتَّصَلَ)؛ أي: متنٌ اتَّصلَ سنده بحيث يكون كلٌّ من رجاله سمعه من شيخه من أوَّل السَّند إلى آخره بأن ينتهي إلى النَّبيِّ ﷺ أو الصَّحابيِّ أو من دونه فيشمل الموقوف، ويخرج المنقطع والمُعضَل والمعلَّق والمُرسَل على رأي من لا يَقْبله.
فالمراد بالصَّحيح الصَّحيح لذاته المُجمع عند المحدِّثين على صحَّة نسبته للنَّبيِّ ﷺ، فلذلك خرج المرسل فإنَّه صحيح عند مالك دون الشَّافعيِّ؛ لعدم اتَّصال سنده، ويخرج أيضًا الصَّحيح لغيره فإنَّه الحسن لذاته كما سيأتي.
قوله: (بِعُدُوْلٍ) جمع عدل، من العدالة وهي لغة: الاستقامة، وأمَّا اصطلاحًا فقد عرَّفها ابن السُّبكيِّ في «جمع الجوامع» بقوله: ملكةٌ تحمِلُ على اجتناب الكبائر وصغائر الخسة والرَّذائل المباحة. انتهى. والكبائر: كلُّ ما فيه وعيدٌ شديد كالزِّنا ونحوه فلا حصر لها على الرَّاجح، وصغائر الخسَّة: كلُّ ما يدلُّ على خسَّة النَّفس كسرقة لقمة والتَّطفيف في الوزن بحبَّة، والرَّذائل جمع رذيلة: وهي ما تُورث الاحتقار كالأكل في السُّوق والمشي حافيًا أو مكشوف الرَّأس لكن هذا جائز دون ما قبله، وعرَّفها الحَمُّويي بقوله: العدالة: المحافظة على التَّقوى والمروءة، والتَّقوى: الاحتراز عما يُذَمُّ شرعًا.
والمُروءة بالضَّمِّ على الأفصح، وقد تُبدل همزته واوًا وتُدغم بمعنى الإنسانية؛ لأنَّها مأخوذة من المرء: وهي تعاطي المرء ما يُستحسن وتجنُّب ما يُسترذل كالحِرَف الدَّنيئة والملابس الخسيسة
[ ٥٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والجلوس في الأسواق، أو صيانة النَّفس عن الأدناس أو ما يُشين عند النَّاس، أو آداب نفسانيَّة تحمل مراعاتها الإنسان على الوقوف عند محاسن الأخلاق وجميل العادات، يقال: مرؤ الإنسان فهو مرئ كقُرُب فهو قريب كما في «المصباح» وكلُّها قريبة المعنى لكنَّها بعيدة المرمى ولله درُّ من قال:
مَرَرْتُ عَلَى المُرُوءةِ وَهِيَ تَبْكِي … فَقُلْتُ عَلَامَ تَنْتَحِبُ الفَتَاةُ
فَقَالَتْ كَيْفَ لَا أَبْكِي وَأَهْلِي … جَمِيْعًا دُوْنَ خَلْقِ الله مَاتُوْا
وقد كان قيل:
ولا بدَّ منْ شكوى إلى ذيْ مروءةٍ … يُوَاسِيْكَ أَوْ يُسليكَ أو يتوجعُ فقلت:
ولا تشكُ منْ خبٍّ ألمَّ إلى فتىً … وكنْ صابرًا فالصَّبرُ للحرِّ أنفعُ
فمَا منْ فتىً تَلقى بهِ مِنْ مروءةٍ … يواسيكَ أو يُسليكَ أو يتوجَّعُ
ثُمَّ المرادُ بالعدل هنا عدل الرِّواية: وهو المسلم البالغ العاقل السَّالم من الفسق بارتكاب كبيرة أو إصرار على صغيرة، لا عدلُ الشهادة فلا يختصُّ بالذَّكَر الحرِّ بل يعمُّ الأنثى ومن فيه رقٌّ، فخرج الفاسق بما ذكر، والمجهول عينًا كحدَّثنا رجل؛ لأنَّه لا يقال عدل إلَّا لمعيَّن إذ هو حكم، والحكم على الشَّيء فرعٌ عن تصوُّره، ما لم يصفه نحو الشَّافعيّ من أئمَّة الحديث الرَّاوي عنه بقوله: الثِّقة، كقول الشَّافعيِّ كثيرًا: أخبرني الثِّقة، وكذا مالك قليلًا أو يقول فيه: مَن لا أتهم، كقوله: أخبرني من لا أتَّهمه، فيُقبل فيهما خلافًا للصَّيرفيِّ، وخَرَجَ أيضًا المجهول حالًا؛ كحدَّثنا زيد، ولا يُعرف منه إلَّا أنَّه ابن عمرو ولم ينصَّ أحدٌ من أهل الحديث على توثيقه أو تجريحه.
تنبيه: ظاهر تعبير الشَّارح بـ «عدول» جمعًا أنَّه لا بدَّ فيه من أن يرويه جماعة ضابطون عن جماعة ضابطين إلى منتهاه، وليس كذلك على الصَّحيح بل الشَّرط أن يرويه عدل ضابط عن مثله إلى منتهاه، كما عبَّرَ به ابن الصَّلاح، والشَّارح نظر إلى مجموع سلسلة السَّند فجَمَعَ.
[ ٥٦ ]
ضابطين بلا شذوذٍ، بألَّا يكون الثِّقة
قوله: (ضَابطِيْن) من الضَّبط وهو قِسمان: ضبطُ صدرٍ: وهو أن يحفظ ما سمعه بحيث يتمكَّن من استحضاره متى شاء، وضبط كتاب: وهو صيانته عنده منذ سمع فيه وصحَّحه إلى أن يؤدي منه ولا يدفعه إلى مَن يمكن أن يغيِّرَ فيه، ومحلُّ هذا في كتاب لم يشتهر ولم يضبط، أمَّا ما كان كذلك كالبخاريِّ ومسلم فلا يشترط صيانة ما سمع فيه عنده حتَّى يُؤدِّي منه بل الشَّرط أنْ يروي من أصل شيخه أو فرع مقابَلٍ عليه أو فرع مقابلٍ على الفرع كما أفاده بعض حواشي شيخ الإسلام، أقول: والظَّاهر أنَّ التَّقييد بشيخه في مثل ما ذكر ليس بلازم لضبط تلك الكتب في ذاتها فالمدار على كون النُّسخة مصحَّحة على أيِّ شيخ أو مقابلةً بأيِّ فرع صحيح.
وأطلق الشَّارحُ الضَّبط ولم يقيِّد بالتَّام مع أنَّه مراتب ثلاثة: عليا ووسطى ودنيا؛ لأنَّه المراد عند الإطلاق فإنَّ اللَّفظ إذا أُطلق انصرف للفرد الكامل وهو التَّامُّ خصوصًا والمقام يقتضيه.
والضَّبط التَّامُّ هو ما لا يختلُّ، فلا يُقال في صاحبه إنَّه يضبط تارة ولا يضبط أخرى، فيخرج الحسن لذاته المُشترط فيه سَمِيُّ الضَّبط فقط، وما نقله مغفَّلٌ كثيرُ الخطأ.
قال في «التَّقريب»: ويُعرف ضبط الرَّاوي بموافقته الثِّقات المتقنين الضَّابطين إذا اعتبر حديثه بحديثهم، فإن وافقهم في روايتهم غالبًا ولو من حيث المعنى فضابط، ولا تضرُّ المخالفة النَّادرة فإنْ كثرت اختلَّ ضبطه ولم يُحتجَّ به في حديث.
قوله: (وَلَا شُذُوْذ) زاد بعضهم: ولا إنكار، ولا حاجة إليه لأنَّ المُنكر أسوأ حالًا من الشَّاذِّ فاشتراط نفي الشُّذوذ يقتضي اشتراط نفيه بالأولى.
قوله: (بِأَنْ (^١) يَكُوْنَ الثِّقَةُ …) إلى آخره، تصوير لعدم الشُّذوذ، فيكون الشُّذوذ هو مخالفة الثِّقة لأرجح منه حفظًا أو عددًا، وهو أحد أقوال في تفسيره.
ثانيها: تفرُّدُ الثِّقة مطلقًا سواء خالف غيره أو لا.
ثالثها: تفرُّدُ الرَّاوي مطلقًا ثقة أو لا، والرَّاجح الأوَّل، وعليه قال شيخ الإسلام: إنَّ انتفاء صحة الحديث بمجرد مخالفةِ أحدِ رواته لمن هو أوثقُ منه مُشكل؛ لأنَّ الإسناد إذا كان متصلًا ورواته كلّهم عدول ضابطون فقد انتفت عنه العلل الظَّاهرة وإذا انتفى كونه معلولًا فما المانع من الحُكم بصحته، فمجرد مخالفة أحد رواته لمن هو أرجح منه لا تستلزمُ الضَّعف بل يكون من باب صحيح وأصح.
_________________
(١) كذا في نسخة الأبياري من «الإرشاد»، وفي نسختنا (بألا يكون).
[ ٥٧ ]
خالف أرجح منه حفظًا أو عددًا مخالفةً لا يمكن الجمع، ولا علَّةٍ
قال: ولم أرَ مع ذلك عن أحد من أئمَّة الحديث اشتراط نفي الشُّذوذ المعبَّر عنه بالمخالفة، وإنَّما الموجود من تصرفاتهم تقديم بعض ذلك على بعض في الصحة، وأمثلة ذلك موجودة في الصَّحيحين وغيرهما.
فمن ذلك أنَّ مسلمًا أخرج حديث مالك عن الزُّهريِّ عن عروة عن عائشة في «الاضْطِّجَاع قَبْلَ رَكْعَتَي الفَجْرِ» وقد خالفَ مالكًا عامَّةُ أصحاب الزُّهريِّ، كمَعْمَر ويونس والأوزاعيِّ وغيرهم عن الزُّهريِّ فذكروا الاضطِّجاع بعد ركعتي الفجر قبل صلاة الصُّبح، ورَجَّحَ جمعٌ من الحفَّاظ روايتهم على رواية مالك، ومع ذلك فلم يتأخَّر أصحاب الصَّحيح عن إخراج حديث مالك في كتبهم، قال: فإن قيل: يلزم أن يسمَّى الحديث صحيحًا ولا يُعمل به، قلت: لا مانع من ذلك إذ ليس كل صحيحٍ يُعمل به بدليل المنسوخ.
قوله: (ولا عِلَّةَ) عطفٌ على شذوذ، والعلَّة: عبارة عن أمر قادح في الحديث؛ -أي: مؤثر في ردِّه- تظهر للنُّقَّاد عند جَمْع طُرق الحديث والبحث والتفتيش فيها؛ وذلك كإرسال الحديث الموصول إمَّا إرسالًا خفيًّا بأنْ يرويه عمَّن عاصره بلفظ (عن) ولم يسمع منه شيئًا، أو ظاهرًا بأن ينقل عن شيخ عُرف عند النَّاس عدم اجتماعه به والحال أنَّه لم يسمع عنه شيئًا أيضًا، فالإرسال هنا غير ما يأتي في تعريف المرسل من الأنواع فإنَّ صُورته أنَّه لم يوصل سنده، ولذلك قيَّدنا هنا بقولنا الموصول، وأيضًا فإنَّه لا فرقَ في كون الإرسال بهذا المعنى علَّةً قادحةً بين أن يكون ظاهرًا أو خفيًّا، ويسمَّى الأوَّل علَّة ظاهرة والثَّاني علَّة خفية، وكلٌّ منهما قادحٌ في صحَّة الحديث؛ لأنَّ الخفيَّة إذا أثَّرت مع خفائها فالظَّاهرة أولى، بخلاف الإرسال بالمعنى الآتي فلا يقدح منه إلَّا الخفيّ فقط، وذلك كإرسال سند متَّصل أو وقف سند مرفوع حيثُ لم يتعدَّد السَّند ولم يقوَ الاتِّصال أو الرَّفع على مقابله من الإرسال في الأوَّل والوقف في الثَّاني بكون راويه أضبط أو أكثر عددًا.
أما الظَّاهرة فهي كإرسال ووقف إذا قويا على مقابلهما بما ذكر وكان يقع اختلاف في تعيين ثقة من ثقتين كحديث: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ ما لم يَتَفَرَّقَا»، فإنَّ بعضهم رواه عن عمرو بن دينار، وبعضهم عن عبد الله بن دينار، وكلٌّ منهما ثقة، وإن كان الصَّواب أنَّه مرويٌّ عن عبد الله بن دينار فليست هذه قادحةٌ، ولا يُسمَّى الحديث المشتمل عليها معلَّلًا اصطلاحًا، كما لا يُعلُّ الحديث بكل قادحٍ ظاهر من فسق راويه أو غفلته أو سوء حفظه وإن أعلَّ بعضهم الحديث بذلك.
[ ٥٨ ]
خفيَّةٍ قادحةٍ
والحاصلُ: أنَّ الإرسال بالمعنى الأوَّل بقسميه في مرتبة الخفيِّ منه بالمعنى الثَّاني، وأنَّ المعلَّل الآتي الَّذي هو نوع من أنواع الضَّعيف هو ما احترز عنه هنا في تعريف الصِّحة بقوله ولا علة … إلى آخره.
قوله: (قَادِحَةٍ)؛ أي: في صحَّةِ الحديث مع أن الظَّاهر سلامته منها، وهذا القيد؛ لبيان الواقع إذ لا يكون علَّة إلَّا القادحة عند الجمهور، وأطلق بعضهم العلَّة على كلِّ مخالف ولو لم يقدح في صحَّة الحديث كإرسال ما وَصَلهُ الثِّقةُ الضَّابط ممَّن لم يرجح عنه حتَّى قيل في الصَّحيح: صحيح معلَّل، وعليه فيكون هذا القيد للاحتراز عن غير القادحة فلا تضرُّ في كونه صحيحًا كما في المثال المذكور، وكأنْ يروي العدل الضَّابط عن تابعيٍّ عن صحابيٍّ حديثًا فيرويه ثقة آخر عن هذا التَّابعيِّ بعينه عن صحابيٍّ آخر غير الأوَّل، فهذه علَّة غير قادحة أيضًا في صحَّة الحديث؛ لجواز أن يكون ذلك التَّابعيُّ سمعه من كلا الصَّحابيَّين، وفي الصَّحيحين من ذلك كثير.
وتُدرك العلة بقرائن تُنبِّه العارف على وهمٍ وقع بإرسال في الموصول أو وقفٍ في المرفوع أو دخولِ حديثٍ في آخر أو نحو ذلك بحيث يغلب على ظنه فيحكم بعدم صحَّة الحديث أو يتردَّد فيتوقَّف.
وتقع في الإسناد كالإرسال والوقف وتغيير راوٍ بآخر كما سَلَفَ، وفي المتن كحديث الوليد بن مسلم عن أنس في «نفي البسملة من الفاتحة» الآتي فإنَّه معلولٌ بمخالفة العدد الكثير إذ رووه ولم يذكروا الزيادة الَّتي فيها نفي البسملة.
تنبيهان:
الأوَّل: أورد على التَّعريف المذكور أنَّ الحسن إذا رُوي من غير وجهٍ ارتقى من درجة الحسن إلى منزلة الصَّحيح وهو غير داخل في هذا الحدِّ، وكذا ما اعتضد بتلقِّي العلماء له بالقبول فإنَّه يحكم له بالصِّحة وإن لم يكن إسناد صحيح؟
وأجيب: إنَّ هذا تعريف للصَّحيح لذاته لا لغيره، وما أورد من قبيل الثَّاني.
الثَّاني: ما ذكره الشَّارح من شروط الصَّحيح في هذا الحدِّ هو المُجْمع عليه وبقي شروط أُخر مختلف فيها: منها ما ذكره الحاكم أن يكون راويه مشهورًا بالطَّلب، قال عبد الرَّحمن بن عوف: لا يؤخذ العلم إلَّا عمَّن شُهد له بالطَّلب، وعن أبي الزِّناد: أَدركنا بالمدينة مئةً كُلُّهم مأمون لا يؤخذ عنهم الحديث، يقال: ليس من أهله.
قال شيخ الإسلام: ويمكن أن يُقال: اشتراط الضَّبط يغني عن ذلك إذ المقصود بالشُّهرة بالطَّلب أن يكون له مزيد اعتناء بالرِّواية؛ لتركن النَّفس إلى كونه ضبط ما روى.
[ ٥٩ ]
مُجمَعٍ عليها، أي: إسناده صحيح،
ومنها اشتراط علم الراوي بمعاني الحديث حيث يروي بالمعنى، وهو شرط لا بدَّ منه لكنَّه داخل في الضَّبط.
ومنها اشتراط البخاريِّ ثبوت السَّماع لكلِّ راوٍ من شيخه ولم يكتف بإمكان اللِّقاء والمعاصرة.
ومنها أنَّ بعضهم اشترط العدد في الرِّواية كالشَّهادة، وبه جزم ابن الأثير، وقال الجبَّائيُّ: لا يقبل الخبر إذا رواه العدل الواحد إلَّا إذا انضمَّ إليه خبر عدل آخر أو عضده موافقة الكتاب أو يكون منتشرًا بين الصَّحابة أو عمل به بعضهم. واشترط بعضهم أن يرويه ثلاثة عن ثلاثة إلى منتهاه وبعضهم أربعة عن أربعة وبعضهم خمسة عن خمسة وبعضهم سبعة عن سبعة، وللمعتزلة في ردِّ خبر الواحد حجج منها «قصَّة ذي اليدين» وكونه ﷺ توقَّف في خبره حتَّى تابعه عليه غيره، وأجيب: بأنَّه إنَّما حصل التَّوقُّف في خبره؛ لأنَّه أخبره عن فعله ﷺ في الصَّلاة، وأَمْر الصَّلاة لا يرجع المصلِّي فيه إلى خبر غيره بل ولو بلغ حدَّ التَّواتر، وإنَّما تذكَّر ﷺ عند إخبار غيره، وقد بَعث ﷺ واحدًا واحدًا إلى الملوك ووفد عليه الآحاد من القبائل فصار يُرسل كلَّ واحد إلى قبيلته، وكانت الحجَّة قائمة بإخباره عنه، وقد استدلَّ البيهقيُّ على ثبوت الخبر بالواحد بحديث «نضَّر الله امرأ سمع مقالتي» الحديثَ، وبحديث «بَيْنَمَا النَّاس في صَلَاةِ الصُّبْحِ بِقُبَاءٍ إِذْ أَتَاهُمْ آتٍ فقال: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قد أُنْزِلَ عليه اللَّيْلَةَ قُرْآن وقد أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ فَاسْتَقْبِلُوهَا وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إلى الشَّأم فَاسْتَدَارُوا إلى الْقِبْلَةِ الكعبة» [خ¦٤٤٩٤]، قال الشَّافعيُّ: فقد تركوا قبلة كانوا عليها بخبر واحد ولم يُنكر عليهم ﷺ وغير ذلك.
قوله: (مُجْمَعٍ عَلَيْهَا) خرجَ ما اخْتُلف فيه كإرسال ما وَصَلَهُ الثِّقة الضَّابط فإنَّ ذلك لا يقدح في صحَّة الحديث، لكنَّ بعضهم سمَّى ذلك علَّةً وإن كانت غير قادحة كما سلفَ بل شدَّدَ بعضهم فردَّ بكلِّ علَّةٍ ولو غير قادحة.
قوله: (أَيْ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ) (^١) كذا في النُّسخ وهو بيان للمراد من الصَّحيح وفيه سقطٌ لا بدَّ منه
_________________
(١) كذا وقع هنا في نسخة الشارح الأبياري، ولذلك شرح عليها، وفي النسخ المتقنة ما أثبتناه في ضمن الكتاب من قوله: «إسناده صحيح».
[ ٦٠ ]
لا أنَّه مقطوعٌ به في نفس الأمر؛ لجواز خطأ الضَّابط الثِّقة ونسيانه، نعم؛ يُقطَع به إذا تواتر، فإن لم يتَّصل بأن حُذِف من أوَّل سنده أو جميعه لا وسطه؛ فمعلَّقٌ، وهو في «صحيح البخاريِّ» يكون مرفوعًا وموقوفًا،
وهو لفظ ليس، والأصل؛ أي: ليس إسناده ضعيفًا؛ أي: أنَّ معنى كون الحديث صحيحًا أنَّ إسناده ليس بضعيف بقانون الصِّناعة الحديثيَّة، وإن كان قد يكون غير صحيح في نفس الأمر كما قال الشَّارح: لا أنَّه مقطوع به … إلى آخره.
قوله: (لا أَنَّهُ مَقْطُوْعٌ بِهِ)؛ أي: خلافًا لمن قال: إنَّ خبر الواحد يوجب القطع. كما حُكي عن أحمد ومالك وداود، وحُكي عن بعض الشَّافعية بشرطِ أن يكون في إسناده إمام كمالك وأحمد وسفيان وإلَّا فلا يوجبه.
قوله: (إِذَا تَوَاتَرَ)؛ أي: أو احتَفَّت به قرائن، قال في «شرح النُّخبة»: الخبر المُحتفُّ بالقرائن يفيد العلم خلافًا لمن أبى ذلك، قال: وهو أنواع منها ما أخرجه الشَّيخان ممَّا لم يبلغ عدد التَّواتر فإنَّه احتفَّ به قرائن منها جلالتهما وتقدُّمهما في تمييز الصَّحيح على غيرهما وتلقِّي العلماء لكتابيهما بالقبول، ومنها المشهور إذا كان له طرق متباينة سالمة من ضعف الرُّواة والعلل وممَّن صرَّح بإفادته العلم أبو منصور البغداديُّ، ومنها المسلسل بالأئمَّة الحفَّاظ حيث لا يكون غريبًا كحديث يرويه أحمد مثلًا ويشاركه فيه غيره عن الشَّافعي ويشاركه فيه غيره عن مالك فإنَّه يفيد العلم عند سامعه بالاستدلال من جهة جلالة رواته، قال: وهذه الأنواع الَّتي ذكرناها لا يحصل العلم فيها إلَّا للمُتَبَحِّر في الحديث العارف بأحوال الرُّواة والعلل.
قوله: (فمُعَلَّق)؛ أي: لكونه بحذف أوَّل سنده صار كالجدار المعلَّق، ويُطلق عليه أنَّه غير صحيح بمعنى أنَّه لم يصحَّ إسناده بالشُّروط المذكورة لا أنّه كذب في نفس الأمر؛ لجواز صدق الكاذب وإصابة من هو كثير الخطأ.
وقوله: (وَهُوَ فِي صَحِيْحِ البُخَاريِّ) سيأتي أنَّه إنَّما يفعل ذلك؛ اعتمادًا على شهرة الحديث وسنده أو في المتابعات والشَّواهد لا في الأصول.
قوله: (يَكُوْنُ مَرْفُوْعًا) هو كما سيأتي ما أضيف إلى النَّبيِّ ﷺ من قول أو فعل … إلى آخره.
وقوله: (أَوْ (^١) مَوْقُوْفًا) هو المقصور على الصَّحابيِّ كما ستعرفه.
_________________
(١) في متن «الإرشاد» المعتمد عندنا (وموقوفًا).
[ ٦١ ]
يأتي البحث فيه -إن شاء الله تعالى- في الفصل التَّالي، والمختار: لا يُجزم
قوله: (والمُخْتَار …) إلى آخره، مقابله أنَّه لا يجزم بذلك مطلقًا، وأنَّه يجزم به مطلقًا تَقيَّد بمخصوص أو لا، والقائلون بذلك اختلفوا، فقال بعضهم:
أصحُّها: مطلقًا ما رواه أبو بكر محمَّد بن مسلم عن عبيد الله بن عبد الله الزُّهريِّ عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه، وهو مذهب الإمام أحمد وإسحاق بن رَاهُوْيَه.
وقيل: أصحُّها محمَّد بن سيرين عن عَبيدة عن عليٍّ، وهو مذهب ابن المدينيِّ وقيل غير ذلك.
ما جرى عليه الشَّارح هو ما اختاره الحاكم، قال: ينبغي تخصيص القول في أصحِّ الأسانيد بصحابيٍّ، أو بلد مخصوص بأن يقال: أصحُّ إسناد فلان أو فلانيين كذا؛ -أي: كالبصريِّين- ولا يُعَمِّم، ثمَّ قال: (فأصحُّ أَسَانِيْدِ الصِّدِيْق …) إلى آخره، ما ذكرهُ الشَّارح.
قال الخطيب: وأصحُّ طرق السُّنن ما يرويه أهل الحرمين مكَّة والمدينة فإنَّ التَّدليس عنهم قليل والكذب والوضعُ عندهم عزيز، ولأهل البصرة من السُّنن الثَّابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، والكوفيون لا تخلو روايتهم من دَغلٍ وغلل، وحديث الشَّاميين أكثرهُ مراسيل ومقاطيع وما اتَّصل منه فإنَّه صالحٌ، وأما العراقيُّون فقال هشام: إذا حدَّثك عراقيٌّ بألف حديثٍ فاطرح تسعمئة وتسعين وكنْ من الباقي في شكٍّ. انتهى.
[ ٦٢ ]
في سندٍ بأنَّه أصحُّ الأسانيد مطلقًا غير مقيَّدٍ بصحابيِّ تلك التَّرجمة لعسر الإطلاق؛ إذ يتوقَّف على وجود درجات القبول في كلِّ فردٍ فردٍ من رواة السَّند المحكوم له، فإن قُيِّد بصاحبها ساغ فيُقال مثلًا: أصحُّ أسانيد أهل البيت:
قوله: (فِي سَنَدٍ)؛ أي: أو حديثٍ، قال العلائيُّ: أمَّا الإسناد فقد صرَّح جماعة بذلك، وأمَّا الحديث فلا يُحفظ عن أحد من أئمَّته أنَّه قال: حديث كذا أصحُّ الأحاديث على الإطلاق؛ لأنَّه لا يلزم من كون الإسناد أصحَّ من غيره أن يكون المتن كذلك، فلذلك لم يخصَّ الأئمَّة إلَّا في الحكم على الإسناد. انتهى. لكنَّ شيخ الإسلام سيأتي إنَّ من لازم ما قاله بعضهم من أنَّ أصحَّ الأسانيد ما رواه أحمد عن الشَّافعي عن مالك عن نافع … إلى آخره أن يكون أصحُّ الأحاديث الحديث الَّذي رواه أحمد بهذا الإسناد. انتهى.
قال الحافظ السُّيوطيُّ: وقد جزمَ بذلك العلائيُّ نفسه في عوالي مالك فقال في الحديث المذكور: إنَّه أصحُّ حديثٍ في الدنيا.
قوله: (بِصَحَابِي تِلْكَ التَّرْجَمَةِ)؛ أي: أو بجهة محصورة كأهل البيت الآتية في الشَّارح أو البصريِّين أو المدنيِّين.
قوله: (على وُجُوْدِ دَرَجَاتِ القَبُوْلِ)؛ أي: المرتفعةُ عن سائر الأسانيد؛ فإنَّ الإطلاع على سائر الأسانيد ومعرفة أنَّ هذا أصحُّها متعسّرٌ بل متعذّر.
تنبيه: يُستفاد من كلام الشَّارح أنَّ الصَّحيح يتفاوت، وهو كذلك فله مراتب مختلفة متنًا وسندًا بحسب تفاوت الأوصاف المقتضية لهما، وإن كان الجميع مشتملًا على الشُّروط المذكورة.
فمن المرتبة العليا سندًا ما ذكره الشَّارح، ومن المرتبة العليا متنًا ما اتَّفق على إخراجه البخاريُّ ومسلم، ثمَّ ما انفرد به البخاريُّ، ثمَّ مسلم، ثمَّ ما كان على شرطهما ولم يخرِّجاه بل خرَّجه غيرهما، ثمَّ ما كان على شرط البخاريِّ، ثمَّ ما كان على شرط مسلم، ثمَّ ما كان على شرط غيرهما كباقي الكتب السِّتَّة.
وسيأتي في الشَّارح الكلام على شرط الشَّيخين، وحاصله أنَّه ليس لهما شرط موجود في كتابيهما فاختلف النَّاس فيه، قيل: والأسلم ما قاله النَّوويُّ: أنَّ المراد بالشَّرط الرِّجال الرَّاوون للحديث،
[ ٦٣ ]
جعفر بن محمَّدٍ عن أبيه عن جدِّه عن عليٍّ ﵃، إذا كان الرَّاوي عن جعفرٍ ثقةً، وأصحُّ أسانيد الصِّدِّيق ﵁: إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازمٍ عن أبي بكرٍ، وأصحُّ أسانيد عمر ﵁: الزُّهريُّ عن سالمٍ عن أبيه عن جدِّه، وأصحُّ أسانيد أبي هريرة ﵁: الزُّهريُّ عن سعيدِ بن المسيَّب عن أبي هريرة، وأصحُّ أسانيد ابن عمر: مالكٌ عن نافعٍ عن ابن عمر، وأصحُّ أسانيد عائشة: عبيد الله بن عمر عن القاسم عن عائشة ﵂ وعنهم أجمعين.
ويُحكَم بتصحيح نحو جزءٍ نَصَّ على صحَّته مَنْ يُعتَمد عليه من الحفَّاظ النُّقَّاد،
فإذا قيل هذا الحديث على شرط البخاريِّ أو شرط مسلم فمعناه أنَّ الرَّاوين له كرواة البخاريِّ أو مسلم أو منهما، واعلم أنَّ ما أخرجه المؤلِّفون بعد الشَّيخين كالسُّنن لأبي داود إذا قالوا فيها: أخرجه البخاريُّ أو مسلم فلا يَعْنون بذلك أكثر من أنَّ البخاريَّ أو مسلمًا أخرج أصل ذلك الحديث، فعلى هذا ليس لك أن تنقل حديثًا منها وتقول هو على هذا الوجه من كتاب البخاريِّ أو مسلم إلَّا أن تقابل لفظه، أو يقول الَّذي خرَّجه: أخرجه البخاري بهذا اللَّفظ، كذا في «الملخّص»، ومثل ذلك يقال فيما يخرجه الحافظ السُّيوطيُّ في «الجامع الصَّغير» عن الشَّيخين أو أحدهما؛ فتَفَطَّن.
قوله: (جَعْفَرُ بنُ مُحَمَّد)؛ أي: ابن عليِّ بن الحسين بن عليِّ ﵃.
وقوله: (عن أَبِيْهِ عَنْ جَدِّهِ) هذه عبارةُ الحاكم ونُظر فيها بأنَّ الضَّمير في جدِّه إن عاد لجعفر فجدُّه عليٌّ لم يسمع من عليِّ بن أبي طالب أو إلى محمَّد فهو لم يسمع من الحسين.
قوله: (مَالِك عَن نَافِع) مالك هو ابن أنس الإمام، ونافع هو مولى ابن عمر، قال البخاريُّ: وهذا أصحُّ الأسانيد، قال السُّيوطيُّ: وهو أمر تميلُ إليه النُّفوس وتنجذب له القلوب، قال النَّوويُّ: وعلى هذا فأجلُّ الأسانيد الشَّافعيُّ عن مالك عن نافع عن ابن عمر؛ أي: لإجماع أهل الحديث على أنَّه لم يكن في الرُّواة عن مالك أجلُّ من الشَّافعيِّ، وبَنى بعض المتأخِّرين على ذلك أن أجلَّها رواية أحمد ابن حنبل عن الشَّافعيِّ عن مالك؛ لاتفاق أهل الحديث على أنَّه لم يرو عن الشَّافعي أجلُّ من أحمد، وتسمَّى هذه التَّرجمة سلسلة الذَّهب.
قوله: (نَحْوَ جُزْءٍ)؛ أي: ككتاب من المصنَّفات المشهورة.
[ ٦٤ ]
فإن لم ينصَّ على صحَّته معتَمدٌ فالظَّاهرُ جوازُ تصحيحه لمن تمكَّنت معرفتُه وقويَ إدراكُه، كما ذهب إليه ابن القطَّان والمنذريُّ والدِّمياطيُّ والسُّبكيُّ وغيرهم؛ خلافًا لابن الصَّلاح، حيث مَنَعَ لضعف أهل هذه الأزمان.
قوله: (أَوْ لَمْ يَنُصَّ) كان الأظهر: فإن لم ينصَّ … إلى آخره.
قوله: (جَوَازُ تَصْحِيْحِهِ) قال العراقيُّ: وهو الَّذي عليه عمل أهل الحديث، فقد صحَّح جماعة من المتأخِّرين أحاديث لم نجد لمن تقدَّمهم فيها تصحيحًا.
وقوله: (كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ابْنُ القَّطَانِ) بالقاف وهو أبو الحسن عليُّ بن محمد بن عبد الملك بن القطَّان صاحب كتاب «الوهم والإيهام»، فصحَّحَ في كتابه المذكور حديث ابن عمر: «أنَّه كان يتوضَّأ ونعلاه في رجليه ويمسح عليهما ويقول: كذلك كَانَ رسول الله ﷺ يَفْعَلُ».
وقوله: (والمُنْذِرِيُّ) هو الحافظ زكيُّ الدِّين، فصَحَّحَ حديثَ بحر بن نصر عن ابن وهب عن مالك ويونس عن الزُّهريِّ عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة في «غُفْرَان مَا تقدَّمَ منْ ذنبهِ وما تأخَّرَ».
وقوله: (وَالدِّمْيَاطِيُّ) هو الحافظ شرف الدِّين من الطَّبقة الَّتي تلي طبقة ابن القطَّان والمنذريِّ،
فصحَّحَ حديث جابر «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ».
وقوله: (والسُّبْكِيُّ) هو تقيُّ الدِّين من الطَّبقة الَّتي بعد طبقة الدّمياطيِّ فصَحَّحَ حديث ابن عمر في «الزِّيارة».
قوله: (حَيْثُ مَنَعَ …) إلى آخره، قال: لا يُحكم بصحَّته؛ لضعف أهل هذه الأزمان وما من إسناد من ذلك إلَّا ونجدُ في رجاله من اعتمد في روايته على ما في كتابه عَرِيًّا عما يُشترط في التَّصحيح من الحفظ والضَّبط والإتقان، قال في «المنهل»: مع غلبة الظَّنِّ أنَّه لو صحَّ لما أهمله أئمَّة الأعصار المتقدِّمة؛ لشدَّة فحصهم واجتهادهم. انتهى.
قال الحافظ السُّيوطيُّ: والأحوط في مثل ذلك أن يعبَّر عنه بصحيح الإسناد، ولا يطلق التَّصحيح؛ لاحتمال علَّة للحديث خفيت عليه، وقد رأيت من يعبِّر؛ خشية من ذلك بقوله: صحيح إن شاء الله.
[ ٦٥ ]