والفرد: يكون مطلقًا؛ بأن ينفرد الرَّاوي الواحد عَنْ كلِّ واحدٍ من الثِّقات وغيرهم، ويكون
قوله: (الفَرْد …) إلى آخره، وجهُ التسمية فيه ظاهرٌ.
قوله: (يَكُوْنُ مُطْلَقًا …) إلى آخره؛ أي: إنَّه ينقسم إلى قسمين: فردٌ مُطلقٌ؛ بأن ينفردَ بهِ راوٍ واحد عن كلِّ أحدٍ، وفردٌ نسبي؛ أي: بالنسبة إلى جهة خاصة وهو أقسام ثلاثة: الأول: المُقيَّد بالثقة، وإليه الإشارة بقوله (مَا قُيِّدَ بِثِقَةً).
الثاني: المُقَيَّدُ بأهلِ بلدٍ مخصوصٍ كمكة، وإليه الإشارة بقوله (أَوْ بِبَلَدٍ مُعَيَّنٍ).
الثالث: ما يُقيد براوٍ مخصوص … إلى آخره.
وعلى كلٍّ فلا يُعتبر فيه المُخالفة لما رواه الغير بل المدار فيه على التفرد؛ بأن يروي ما لم يروه غيره سواءٌ خالفَ غيره؛ -أي: في الحكم- أو لا، بخلاف الشاذ فيعتبر فيه مع التَّفرد المخالفة، ثم الظاهر تقسيمه -كالغريب والشاذ- إلى مُفرد في السند وإلى مفرد في المتن.
مثاله في السند: ما رواه التِّرمذي والنَّسائي من طريق ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عَوْسَجَة، عن ابن عباس: «أَنَّ رَجُلًا تُوُفِّيَ على عَهْدِ رسول اللهِ ﷺ وَلَمْ يَدَعْ وَارِثًا إِلَّاْ مَوْلًى هُوَ أَعْتَقَهُ»، فإنَّ حمَّاد بن زيد رواه عن عمرو، عن عوسجة، ولم يذكر ابن عباس، لكن تابع ابن عيينة على وَصْلِهِ [ابن] (^١) جُرَيج وغيره.
ومثاله في المتن زيادة يوم عرفة في حديث: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ» فإنَّه من جميع طرقه بدونها، وإنَّما جاء بها موسى بن عُلي -بالتصغير- بن رباح، عن أبيه، عن عُقبة بن عامر، وصحَّحَهُ ابن حبَّان والحاكم وقال: على شرط مسلم.
قوله: (عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ)؛ أي: من رُواة هذا الحديث، وحُكْمُ هذا القسم على ما ذكره ابن الصلاح أنَّ الرَّاوي المنفرد المذكور إذا لم يخالف غيره وكان ذا ضبطٍ تامٍّ ففردهُ صحيحٌ مقبولٌ، كحديثِ النَّهي عن بيع الولاء وهِبَتِهِ؛ فإنَّه لم يصحَّ إلَّا من رواية عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، وإذا كان قريبًا من الضبط التام ففردُهُ حسنٌ مقبولٌ، كحديث إسرائيل، عن يوسف بن أبي بردة، عن أبيه، عن عائشة قالت: «كَانَ رَسُوْلُ الله ﷺ إِذَا خَرَجَ من الْخَلَاءِ قَالَ: غُفْرَانَكَ» فقدْ قال فيه الترمذي: (حسن غريب لا نعرفه إلَّا من حديث إسرائيل، عن يوسف بن أبي بردة)، وإذا كان بعيدًا عن الضبط فشاذٌّ مردودٌ كحديث أبي
_________________
(١) زيادة لا بدَّ منها. انتهى.
[ ١٢٤ ]
بالنِّسبة إلى صفةٍ خاصَّةٍ، وهو أنواعٌ:
ما قُيِّد بثقةٍ؛ كقول القائل في حديث قراءته ﷺ في الأضحى والفطر بـ «ق» و«اقتربت»، لم يروِه ثقةٌ إلَّا ضَمرة بن سعيدٍ، فقد انفرد به عن عبيد الله بن عبد الله عن أبي
زُكير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة مرفوعًا: «كُلُوا الْبَلَحَ بِالتَّمْرِ؛ فَإِنَّ ابْنَ آدَمَ إِذَا أَكَلَهُ غَضِبَ الشَّيْطَانَ»، قال النَّسائي: هذا حديثٌ تفرَّدَ به أبو زُكير وهو لم يبلغ مبلغ مَن يُحتمل تفرُّدُهُ، بل ضعَّفه القوم، وقال العُقيلي: (لا يُتابع على حديثه)، فَتَحَصَّلَ أنَّ الفردَ المخالف والفرد الذي ليس في روايته من الضبط والتوثق ما يَجبر تفرده من النَّكارة والضعف؛ مردودان، والثالث مقبول.
فائدة: قال ابن دقيق العيد: إذا قيلَ حديثٌ تفرَّدَ به فلان عن فلان احتمل أن يكون تفرُّدًا مُطلقًا، وأن يكون تَفَرَّدَ بِهِ عن هذا المُعين خاصةً، ويكون مرويًا عن غير ذلك المعين فتنبَّه لَهُ.
قوله: (وَهُوَ أَنْوَاعٌ) الضمير لهذا القسم الذي هو (الفرد النسبي) أقول: الظاهر أنَّ الفردَ يُغاير الغريب بالنظر لهذا القسم بأنواعه فهو أعمُّ منه. وقوله: (أنواع)؛ أي: ثلاثة كما علمت وحكمه بأنواعه قريب من حكم الفرد المطلق؛ فينظر فيه هل بلغ رتبة الضبط التام أو قاربَ منه أو لا؟.
قوله: (مَا قُيِّدَ بِثِقَةٍ)؛ أي: بروايته إياه عن غيره، كقولهم: لم يروه ثقة إلَّا فلان.
قوله: (كَقَوْلِ القَائِلِ)؛ أي: الذي اطَّلَعَ على طُرُقِ الحَدِيْثِ فرأى ذلك التفرد.
قوله: (لَمْ يَرْوِهِ ثِقَةٌ …) إلى آخره؛ أي: وأمَّا من غيرِ الثِّقات فرواهُ ابنُ لَهِيْعَةَ وهو ضعيفٌ عند
[ ١٢٥ ]
واقدٍ الليثيِّ صحابِيِّهِ. أو ببلدٍ معيَّنٍ؛ كمكَّة والبصرة والكوفة؛ كقول القائل في حديث أبي سعيد الخدريِّ المرويِّ عند أبي داود في كتابَيْه «السُّنن»، و«التَّفرُّد»، عن أبي الوليد الطَّيالسيِّ عن هَمَّام عن قتادة عن أبي نضرة عنه، قال: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسَّر». لم يروِ هذا الحديث غير أهل البصرة. قال الحاكم: إنَّهم تفرَّدوا بذكر الأمر فيه من صفة وضوء النَّبيِّ ﷺ: إنَّ قولَه: «ومسح رأسه بماءٍ غير فضلِ يده»، سنَّةٌ غريبةٌ تفرَّد بها أوَّل الإسناد إلى آخره، ولم يَشْرَكْهم في لفظه سواهم. وكذا قال في حديث عبد الله بن زيدٍ في أهل مصر لم يَشرَكْهم
الجمهور، عن خالد بن زيد، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، عن أَبي واقد، بالقاف بعد الألف.
وقوله: (صَحَابِيِّهِ) بدل منه، ولعل ضميره للحديث؛ أي: صحابي ذلك الحديث الذي رواه عن النَّبيِّ ﷺ، ولينظر ما فائدة هذا الإبدال، سيما وهو مرويٌّ عن عائشة أيضًا -كما تقدم- فليس له صحابي واحد.
قوله: (السُّنَنِ) بالجر بدلٌ من (كتابَيْه)، و(التفرد) عطفٌ على السنن، وهو اسم كتاب له أيضًا.
قوله: (عَنْ أَبِي نَضْرَةَ) بفتح النون وسكون الضاد المعجمة: وهو المنذر بن مالك العبدي، تابعي.
قوله: (عَنْهُ)؛ أي: عن أبي سعيد المُتقدِّم في قوله في حديث أبي سعيد.
[ ١٢٦ ]
أحدٌ، ولا يقتضي شيءٌ من ذلك ضعفَه، إلَّا أن يراد تفرُّدُ واحدٍ من أهل البصرة، فيكون من الفرد المطلق. والثَّالث: ما قُيِّد براوٍ مخصوصٍ حيث لم يروه عن فلانٍ إلَّا فلانٌ، كقول أبي الفضل بن طاهرٍ عقب الحديث المرويِّ في «السُّنن الأربعة» من طريق سفيان بن عيينة عن وائل بن داود عن ولده بكر بن وائل عن الزُّهريِّ عن أنسٍ: (أنَّ النَّبيَّ ﷺ أَوْلَمَ على صفيَّة بسويقٍ وتمرٍ)، لم يروِه عن بكرٍ إلَّا وائلٌ، ولم يروِه عن وائلٍ غيرُ ابن عُيينة، فهو غريبٌ؛ ولذا قال التِّرمذيُّ: إنَّه حسنٌ غريبٌ، قال: وقد رواه غير واحدٍ عن ابن عُيينة عن الزُّهريِّ؛ يعني: بدون وائلٍ وولده، قال: وكان ابن عُيينة
قوله: (وَلَاْ يَقْتَضِي شَيءٌ مِنْ ذَلِكَ)؛ أي: من أنواع القسم الثاني، أعني: التَّفرد النسبي.
وقوله: (ضَعْفَهُ)؛ أي: الحديث المتفرد به من ذُكِرَ؛ أي: من حيث كونه فردًا.
وقوله: (إِلَّا أَنْ يُرَادَ)؛ أي: بقوله: (تفرَّد به أهل البصرة مثلًا)، وقوله: (تفرد واحد)؛ أي: تجوزًا، ومثل ما ذكر قولهم: (لم يروه ثقة إلَّا فلان)، كما في «شرح التقريب» ثمَّ يصحُّ أن يُقرأَ (واحد) بالجر على الإضافة، وبالرفع على الفاعلية.
قوله: (فَيَكُوْنُ مِنَ الفَرْدِ المُطْلَقِ)؛ أي: فحُكْمُهُ كحُكْمِهِ؛ لأنَّ روايةَ غيرِ الثِّقة كَلَا رواية، فيُنظر في المنفرد به: هل بلغ رتبة مَن يُحتجُّ بتفرده أو لا؟ وفي غير الثقة: هل بلغ رتبة مَن يُعتبر بحديثه أو لا؟
قوله: (مَا قُيِّدَ بِرَاوٍ مَخْصُوْصٍ)؛ أي: بكونه عن راوٍ مخصوصٍ؛ أي: تقيَّدَ بكونِ المُنفرد به إنَّما تفردَ بهِ من حيثيةِ روايته إياهُ عن فلان، وإن كان مرويًا من وجوه أُخَرَ عنْ غيره.
قوله: (غَيْرُ وَاحِدٍ) كمحمد بن الصَّلت التَّوَّزِي -بتشديد الواو المفتوحة بالزاي المعجمة- عنه،
[ ١٢٧ ]
ربَّما دلَّسهما، والحكمُ بالتفرُّد يكون بعد تتبُّع طرق الحديث الذي يُظَنُّ أنَّه فردٌ، هل شارك راويه آخر أم لا؟ فإن وُجِدَ بعد كونه فردًا أنَّ راويًا آخر ممَّن يَصلُح أن يُخرج حديثه للاعتبار والاستشهاد به وافقه؛ فإن كان التَّوافق باللَّفظ سُمِّي متابعًا، وإن كان بالمعنى سُمِّي شاهدًا،
عن زياد بن سعد عن الزهري.
قوله: (دَلَّسَهُمَا)؛ أي: أسقطهما؛ أي: وائلًا وأباه، تدليسًا لإيهام أنَّه رَوى عن الزهري بلا واسطة.
قوله: (بَعْدَ كَوْنِهِ فَرْدًا)؛ أي: بحسب الظاهر قبل النظر والبحث.
قوله: (مِمَّنْ يَصْلُحُ أَنْ يُخْرَجَ حَدِيْثُهُ للاعْتِبَارِ)؛ أي: بأنْ لمْ يكنْ ضعيفًا، أو كان لكنه غيرُ شديدِ الضعفِ؛ فإنَّه لا انحصارَ للمتابعات والشواهد في الثقة بل يدخلُ فيها الضعفاء، لكن ليس كل ضعيف يصلح لذلك، كما سيُنَبه عليه الشارح، بل ضعيف الضعف فقط.
والاعتبار هو: أن تَعْمَدَ إلى الحديثِ الذي تراهُ فردًا فتعتبره وتعتني به وتبحث وتفتش في طرقه فتنظر هل رواه راو آخر بلفظه أو معناه أو لا؟ فإن وُجِدَ عُلِمَ أنَّ له أصلًا يُرجع إليه، ثم إنْ كان بمعناه فهو الشاهد: فهو متنٌ بمعنى الحديث الفرد عن رواية صحابي آخر، أو بلفظه فهي المتابعة: فهي وجدانُ راوٍ مشاركٍ لما روى منفردًا فيما رواه بلفظه؛ وهي إمَّا أن تكون لنفس الراوي بأن روى هذا الحديث عن الشيخ الراوي الأول نفسه، أو لشيخه، أو لشيخ شيخه وهكذا إلى آخر الإسناد.
فالأولى متابعة تامة وما عداها متابعة قاصرة، وهي بأقسامها تُكسب قوةً في الفرد، وإن كانت الأولى أعلى، ويليها ما بعدها وهكذا إلى الآخر، وسيأتي التمثيل لكلٍّ من الاعتبار والمتابعة والاستشهاد في كلام الشارح.
قوله: (وَافَقَهُ)؛ أي: وافق ذلك الراوي الذي روى الفرد.
قوله: (سُمِّيَ مُتَابِعًا)؛ أي: فتختصُّ المتابعةُ بما كان باللفظِ سواءً كان من رواية ذلك الصحابي أم لا؟
[ ١٢٨ ]
وإن لم يوجد من وجهٍ بلفظه أو بمعناه؛ فإنَّه يتحقَّق فيه التفرُّد المطلق حينئذٍ. ومظنَّة معرفة الطُّرق التي تحصل بها المتابعات والشَّواهد، وتنتفي بها الفرديَّة الكتب المصنَّفة في «الأطراف»، وقد مثَّل ابن حبَّان لكيفيَّة الاعتبار؛ بأن يروي حمَّاد بن سلمة حديثًا لم يُتابَع عليه عن أيُّوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النَّبيِّ ﷺ، فينظر هل روى ذلك ثقةٌ غير أيُّوب عن ابن سيرين؟ (^١)، فإن وُجِد عُلِمَ به أنَّ للحديث أصلًا يُرجَع إليه، وإن لم يُوجَد ذلك فثقةٌ غير ابن سيرين رواه عن أبي هريرة، وإلَّا فصحابيٌّ غير أبي هريرة رواه عن النَّبيِّ ﷺ، فأيُّ ذلك وُجِدَ عُلِمَ به أنَّ للحديث أصلًا يُرجَع إليه، وإلا فلا. وكما أنَّه لا انحصار للمتابعات في الثِّقة كذلك الشَّواهد،
والشاهد أعمُّ، وقيل: هو مخصوصٌ بما كان بالمعنى، وقال شيخ الإسلام: يُسمى الشاهد متابعة أيضًا.
قوله: (وَإِنْ لَمْ يُوْجَدُ مِنْ وَجْهٍ)؛ أي: كالحديث الذي رواه الترمذي من طريق حمَّاد، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة أراه رفعه: «أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا …» الحديث، قال الترمذي: غريب لا نعرفه بهذا الإسناد إلَّا من هذا الوجه.
قوله: (فِيْ الأَطْرَافِ)؛ أي: أطراف الأحاديث وطُرُقِهَا، أو أطراف الدنيا.
قوله: (لَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ)؛ أي: في بادئ الرأي قبل النظر فيه كما تقدمت الإشارة إليه، لا قطعًا.
قوله: (فَيُنْظَر …) إلى آخره، هذه هي كيفية الاعتبار؛ لأنَّك تعتبر هذا الفرد برواياتِ غيره من الرواة، وسَبْرِ طُرُقِ الحديث.
قوله: (غَيْرُ أَيُّوْب عَنْ ابْنِ سِيْرِيْن) وهذه متابعة تامة، وهي الموافقة لنفس الراوي في الرواية عن شيخ.
وقوله: (وَإِنْ لَمْ يُوْجَدْ ذَلِكَ)؛ أي: رواية أحد غير أيوب، عن ابن سيرين.
وقوله: (فَثِقَةٌ غَيْرُ ابنِ سِيْرِين) وهذه متابعة قاصرة.
قوله: (فَأَيُّ ذَلِكَ وُجِدَ …) إلى آخره؛ أي: كما سيأتي للشارح في رواية الشافعي، عن مالك، عن عبد الله ابن دينار في حديث: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُوْنَ».
_________________
(١) سقط من (ص) قوله: «عن أبي هريرة عن النَّبيِّ ﷺ، فينظر هل روى ذلك ثقةٌ غير أيُّوب عن ابن سيرين؟».
[ ١٢٩ ]
فيدخل فيهما رواية من لا يُحتَجُّ بحديثه وحده، بل يكون معدودًا في الضُّعفاء، وفي «البخاريِّ» و«مسلمٍ» جماعةٌ من الضُّعفاء ذَكَرَاهم في المتابعات والشَّواهد، وليس كلُّ ضعيفٍ يصلح لذلك. ولذا قال الدَّارقطنيُّ: فلانٌ يعتبر به وفلانٌ لا يُعتبَر به. وقال النَّوويُّ في «شرح مسلمٍ»: وإنَّما يُدخِلون الضُّعفاء لكون التَّابع لا اعتماد عليه، وإنَّما الاعتماد على من قبله. انتهى.
قال شيخنا: ولا انحصار له في هذا، بل قد يكون كلٌّ (^١) من المتابَع والمتابِع لا اعتماد عليه، فباجتماعهما تحصل القوَّة، ومثال المتابع والشَّاهد: ما رواه الشَّافعيُّ في «الأمِّ» عن مالكٍ عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر ﵄: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «الشَّهر تسعٌ وعشرون، فلا تصوموا حتَّى تَرَوُا الهلال، ولا تفطروا حتَّى تَرَوْهُ، فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العدَّةَ ثلاثين»، فإنَّه في جميع «الموطَّآت» عن مالكٍ بهذا السَّند بلفظ: «فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له». وأشار
قوله: (فَيَدْخُلُ فِيْهَا)؛ أي: في الشواهد كما يدخل في المتابعات.
قوله: (وَلَيْسَ كُلُّ ضَعِيْفٍ يَصْلُحُ لِذَلِكَ)؛ أي: للمتابعة والاستشهاد بحديثهِ، بل ذلك خاصٌ بمن لم يشتدَّ ضعفه، ولذا قال الدَّارَقُطني: لا تُعتبرُ متابعة ولا استشهاد كل ضعيف.
قوله: (قَالَ شَيْخُنَا) هو أبو الخير السَّخَاوي شارح «ألفية العراقي».
قوله: (مِنَ المُتَابَع والمُتَابِع) بفتح الموحدة في أحدهما وكسرها في الآخر.
(وَمِثَالُ المُتَابِعِ وَالشَّاهِدِ)؛ أي: فقد اجتمعا في هذا الحديث.
قوله: (فِيْ جَمِيْعِ المُوَطَّآتِ)؛ أي: روايات مالك في الموطأ.
_________________
(١) «كلٌّ»: ليس في (م).
[ ١٣٠ ]
البيهقيُّ إلى أنَّ الشَّافعيَّ تفرَّد بهذا اللَّفظ عن مالكٍ، فنظرنا، فإذا البخاريُّ روى الحديث في «صحيحه»، فقال: حدَّثنا عبد الله بن مسلمة القعنبيُّ، حدَّثنا مالكٌ به بلفظ الشَّافعيِّ سواءٌ، فهذه متابعةٌ تامَّةٌ في غاية الصِّحَّة لرواية الشَّافعيِّ، ودلَّ هذا على أنَّ مالكًا رواه عن عبد الله بن دينارٍ باللَّفظين معًا، وقد تُوبِع فيه عبد الله بن دينار من وجهين عن ابن عمر؛ أحدهما: أخرجه مسلم من طريق أبي أسامة عن عبيد (^١) الله بن عمر عن نافعٍ، فذكر الحديث، وفي آخره:
قوله: (تَفَرَّدَ بِهَذَا اللَّفْظِ)؛ أي: قوله: («فَأَكْمِلُوْا العِدَّةَ …» إلى آخره)، ولذا عُدَّ من غرائب الشافعي؛ لأنَّ أصحاب مالك رووه عنه بهذا الإسناد بلفظ: «فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ ثَلَاثِينَ» لكن وجدنا للشافعي متابِعًا، وهو عبد الله بن مسلمة القَعنبي، فإنَّه رواه عن مالك بلفظ الشافعي، وهذه متابعة تامة كما قال الشارح لمتابعة القَعْنَبِي للشَّافعي في شيخه مالك واللفظُ واحدٌ.
قوله: (لِرِوَايَةِ الشَّافِعِيِّ) متعلقٌ بمتابعةٍ.
قوله: (وَقَدْ تُوْبِعَ فِيْهِ عَبْدُ اللهِ بنُ دِيْنَارٍ)؛ أي: فتكونُ متابعةً قاصرةً للشافعي، لكن كون الوجه الأول؛ -أعني: ما أخرجه مسلم- متابعةً لا يتجهُ على ما قدَّمه الشارح من أنَّ المتابعة هي الموافقة في اللفظ، إذ (^٢) اللفظ في الروايتين متغايرٌ فيكون شاهدًا لا متابعًا، نعم يتجه على ما قدمناه عن شيخ الإسلام مِن أنَّ الشَّاهد يُسمى متابعة، وكذا الوجه الثاني؛ -أعني: ما رواه ابن خزيمة- فإن لفظ «العدة» ساقط منه، فقوله فيه: (فهذه متابعةٌ) ممنوع على ما قدمَّه، صحيحٌ على ما ذكره شيخ الإسلام، ويكون حينئذ متابعة ناقصة.
_________________
(١) في (ص) و(م): «عبد»، وهو تحريفٌ.
(٢) في المطبوع: (إذا).
[ ١٣١ ]
«فإن غُمَّ عليكم فاقدروا ثلاثين». والثَّاني: أخرجه ابن خزيمة في «صحيحه» من طريق عاصم بن محمَّد بن زيد عن أبيه عن جدِّه ابن عمر بلفظ: «فإن غُمَّ عليكم فكمِّلوا ثلاثين». فهذه متابعةٌ، لكنَّها ناقصةٌ، وله شاهدان؛ أحدهما: من حديث أبي هريرة رواه البخاريُّ [خ¦١٩٠٩] عن آدم عن شعبةَ عن محمَّد بن زيادٍ عن أبي هريرة بلفظ: «فإن غُمَّ عليكم فأكملوا عدَّة شعبان ثلاثين». وثانيهما: من حديث ابن عبَّاسٍ، أخرجه النَّسائيُّ من رواية عمرو بن دينارٍ عن محمَّد بن حُنينٍ عن ابن عبَّاسٍ (^١) بلفظ: حديث ابن دينار عن ابن عمر سواءٌ، وإنَّما أَطَلْتُ الكلام
قوله: (وَلَهُ شَاهِدَانِ)؛ أي: أحدهما موافق باللفظ، وهو ما أخرجه النسائي إذا كان بلفظ حديث ابن دينار عن ابن عمر الذي رواه الشافعي من قوله: «فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ»، والثاني وهو ما أخرجه البخاري موافق بالمعنى إذ فيه: «فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ»، ولفظُ الشافعي: «فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ»، لكن هذا إنَّما يتمشى على رأي الجمهور أنَّ الشاهدَ شاملٌ لكلا الموافقتين، أمَّا على ما جرى عليه الشارح من أنَّ الشاهد هو الموافق في المعنى فقط فلا يظهر إلَّا في الأول لا في الثاني، فتأمل.
قوله: (بِلَفْظِ حَدِيْثِ ابْنِ دِيْنَار)؛ أي: فاقدروا له.
_________________
(١) سقط من (ص) قوله: «أخرجه النَّسائيُّ من رواية عمرو بن دينارٍ عن محمَّد بن حنينٍ عن ابن عبَّاسٍ».
[ ١٣٢ ]