الفصل الأوّل
في فضيلة أهل الحديث وشرفهم في القديم والحديث
أقول مستمدًّا من الله تعالى الإعانة على التَّوفيق للإيضاح والإبانة:
قال ﵀: (الفصل الأول): يُطلق الفصلُ في اللُّغة على معانٍ منها الحاجز بين الشَّيئين كما في القاموس، والمصنِّفون يترجمون به أثناء الكتب؛ إمَّا لأنَّه نوعٌ من المسائل مفصولٌ عن غيره، أو لأنَّه ترجمةٌ فاصلةٌ بينه وبين غيره فهو بمعنى مفعول أو فاعل.
قوله: (أهل الحديث) سيأتي أنَّه في الاصطلاح: ما أضيف إلى النَّبيِّ ﷺ قولًا أو فعلًا أو تقريرًا، وبينه وبين الحديث التَّالي الجناس التَّام، ووقع منه في القرآن كثير، وإن قال بعضهم لم يقع منه فيه إلَّا موضعان: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الرُّوم: ٥٥]، ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ. يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُوْلِي الْأَبْصَارِ﴾ [النُّور: ٤٣ - ٤٤] إذ الأوَّلُ جمعُ «بصرٍ» والثَّاني جمعُ «بصيرةٍ»، فقد بُنيت سورة النَّاس عليه كما بيَّنه المفسرون، ووقع في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ﴾ الآية [آل عمران: ٧٨]، على ما ذكره بعض المفسِّرين من أنَّ المراد بالأوَّل المكتوب في التَّوراة وبالثَّاني نفس التَّوراة وبالثَّالث جنس الكتب الإلهيَّة وغير ذلك كما فصَّلناه في غير ما هنا (^١).
قوله: (في القَدِيْمِ والْحَدِيْثِ)؛ أي: الزَّمن السَّابق واللَّاحق (والإِبَانَةُ) مصدرُ أَبَنْتُهُ، بمعنى أوضحته فهو بمعنى ما قبله. وفي «القاموس»: بَيَّنْتُهُ وتَبَيَّنْتُهُ وأَبَنْتُهُ واسْتَبَنْتُهُ: أوضحْتُهُ وعَرِفْتُهُ فبَانَ، وبَيَّنَ وتَبَيَّنَ وأَبَانَ واسْتَبَانَ كُلُّهَا لازمةٌ ومتعدِّيةٌ، والتِّبْيَانُ، ويفتح: مصدرٌ شاذٌ. انتهى.
فقوله: (لازِمَةٌ ومُتَعَدِّيَةٌ)؛ يعني: أنَّ هذه الأوزان الخمسة تُسْتَعْمَلُ لازمةً ومتعدِّيةً؛ فيُقال: بَانَ الشَّيءُ وبِنْتُهُ، وأَبَانَ الشَّيءَ وأَبَنْتُهُ، وتَبَيَّنَ وتَبَيَّنْتُهُ، وبَيَّنَ الشَّيءَ وبَيَّنْتُهُ، واسْتَبَانَ الشيءَ واسْتَبَنْتُهُ.
وقوله: (والتِّبْيَان، ويفتحٍ مصدرٌ شاذٌ)؛ أي: مصدر لبَيَّنَ وهو بالكسر وفيه الفتحُ، ومجيءُ المصدرِ منهُ على هذا الوزنِ؛ -أي: التِّفعال- بالكسر شاذٌّ؛ فإنَّ المصادر إنَّما تجيء على التَّفْعَال بالفتح، قال في «الصّحاح»: ولم يجئ بالكسر إلَّا التِّبيان والتِّلقاء. انتهى.
وانْحصار تِفعال بالكسر في هذين اللَّفظين به جزم الجماهير من أئمَّة اللُّغة والصَّرف.
_________________
(١) هذه المقدمة ليست في مخطوطتي الكتاب، وإنَّما أثبتناها من الطبعة الحجرية.
[ ١٣ ]
رُوِّينا عن ابن مسعودٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «نضَّر اللهُ امرءًا سمع مقالتي، فحفظها ووعاها وأدَّاها، فَرُبَّ حامل فقهٍ إلى مَنْ هو أفقه منه» رواه الشَّافعيُّ والبيهقيُّ،
قوله: (نَضَّرَ اللهُ امْرءًا) امرؤ مُنَكَّرُ المرءِ؛ فإنَّه إذا دخل عليه الألف واللَّام سقطت الهمزة الَّتي كانت في أوله قبل دخولهما، قال ابن الطَّيّب: لأنَّ ألف الوصل إنَّما تدخل في (مرء) و(مرأة) إذا كانتا نَكِرَتين، وسُكِّن أوَّلهما من أجل حركة الإتْباع عند اجتماع السَّاكنين، وإذا عُرِّفَا بالألف واللَّام رُدَّا إلى الأصل فحُرِّك أوَّلُهُمَا واستُغني عن ألف الوصل فيهما وسقطت حركة الإتْباع من وَسَطِهِما؛ لذهابِ السَّاكنين كما يُفعل بالبنين والبنات، قال ابن دَرَسْتُوَيه: هكذا الاستعمال في المرء والمرأة؛ لأنَّهما اسمان صحيحان، فأمَّا سائر الأسماء الَّتي في أوَّلها ألف الوصل كابن وابنة فإنَّ التَّعريف يدخل عليها مع تسكين أوَّلها؛ لأنَّها معتلَّةٌ محذوفة الأواخر. انتهى.
قال القزَّاز: ومن العرب من يقول هذا الامرء الصَّالح، وهذه الامرأة. انتهى.
ثمَّ هو لا يُطلق على الأنثى إلَّا مجازًا، وما نقله ابن الأعرابيِّ أنَّه يُقال للأنثى «امرؤ» صريح بغرابته ونُدرته في «المُحكم» وغيره، ولا يجمع من لفظه لا جمعَ سلامة ولا جمع تكسير، وإنَّما يُثَنَّى فيقال: «مرآن» بإسقاط الألف أوَّله كما نبَّه عليه الجوهريُّ، وقال في «الفصيح»: وتقول: هو امرؤ وامرآن وقوم وامرأة ونسوة، قال شرَّاحه: يعني: أنَّ امرأً وامرأةً لا يُجمعان بلفظهما ولكن يستغنى عن ذلك بقوم ونسوةٍ، وهكذا استعمال العرب وهو خلاف القياس؛ لأنَّ امرأً وامرأةً اسمان بمنزلة ابن وابنة أولهما مسكن وألف الوصل داخل عليهما ومع ذلك جمعوهما على لفظهما فقالوا: أبناء وبنون ولكن تُرِك القياس فيهما. انتهى.
وقيل: سُمع جمع «المرء» على «مرؤون»؛ إلحاقًا له بجمع المذكَّر السَّالم، كأنَّهم اعتبروا فيه معنى الوصفيَّة بالمروءة من قال ذلك قال في المرأة أيضًا: «مَرَات» بحذف ألف الوصل وفتح الميم على الأصل، وقيل: في «المرأة» أيضًا «مَرَة» بحذف الهمزة ونقل حركتها إلى الرَّاء، والامرأة بدخول (ال) على امرأة المقرون بهمزة الوصل لكنَّها لغة ضعيفة، ومَرْأَةٌ كفتاةٌ كما في «إصلاح المنطق» وامراةٌ بألف بعد الرَّاء غير مهموز كما في «شرح الفصيح».
وإذا صُغِّرَ المرء والمرأة سقطت منهما ألف الوصل فقيل مُرَيْء ومريئة، قال الشَّاعر:
تَعَرَّضَتْ مُرَيْئَةُ الحَيَّاكِ … لناشئٍ دَمَكْمَكٍ نَيَّاكِ
[ ١٤ ]
وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ بلفظ: «نضَّر اللهُ امرءًا سمع منَّا شيئًا فبلَّغه كما سمعه، فَرُبَّ مُبلَّغٍ أوعى من سامعٍ»، وقال التِّرمذيُّ: حسنٌ صحيحٌ، وعن أبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال في حجَّة الوداع: «نضَّر اللهُ امرءًا سمع مقالتي فوعاها، فَرُبَّ حامل فقهٍ ليس بفقيهٍ …» الحديثَ، رواه البزَّار بإسنادٍ حسنٍ، وابن حبَّان في «صحيحه» من حديث زيد بن ثابتٍ ﵁، وكذا رُوِي من حديث معاذ بن جبلٍ والنُّعمان بن بشيرٍ وجُبير بن مُطعمٍ وأبي الدَّرداء وأبي قِرصافة، وغيرهم من الصَّحابة ﵃، وبعض أسانيدهم صحيحٌ، كما قاله المنذريُّ، وقوله: «نضَّر الله» بتشديد الضَّاد المُعجمَة وتُخفَّف، والنُّضْرة: الحُسْن والرَّونق.
والنسبة إليه «مَرَئي» بفتح الراء -كما قاله الجوهريّ- وكذا النِّسبة إلى امرئ القيس ممن لُقِّبَ بذلك من الصَّحابة والشُّعراء جميعًا إلَّا ابن حُجْر الملك الضَّليل الشَّاعر الشَّهير فالنسبة إليه مرقسيّ كما نصَّ عليه في «القاموس» في باب السِّين، فاغتنم هذه الفوائد فإنَّها من ذخائر الفرائد.
قوله: (وَوَعَاهَا) في «القاموس»: وَعَى الشَّيءَ: حفظه وجمعه. انتهى.
فيُحتمل أن يكون ما هنا من الأوّل ويكون المراد بأحد الحفظين الاستحضار عن ظهر قلب وبالآخر عدم التَّفريط فيه، وأن يكون من الثَّاني ويكون المراد جمعُ ما تفرَّقَ منها أو جمعُ معانيها.
وقوله: (وَأَدَّاهَا)؛ أي: ألقاها إلى غيره وبلَّغها إياه.
قوله: (كَمَا سَمِعَهَا)؛ أي: من غيرِ تغييرٍ ولا زيادة ولا نقص لا في اللَّفظ ولا في المعنى، وهذا ممَّا اسْتُدِلَّ به على عدم جواز الرِّواية بالمعنى، وسيأتي بسط ذلك إن شاء الله تعالى.
قوله: (فَرُبَّ مُبَلَّغٍ) بفتح اللَّام: اسم مفعول.
وقوله: (أوعى)؛ أي: أحفظْ؛ أي: رُبَّ شخصٍ بلَّغه غيرُه الحديثَ يكون أحفظ ممَّن بلَّغه فينتفع هو ويُبلِّغ غيره وهكذا.
قوله: (والنُّضْرَة الحُسَن)؛ أي: ونَضَّرَ: مشتقٌ منه، فمعناه حسَّن الله … إلى آخره، والفعل منه كنَصَر
وكَرُمَ وفَرِحَ، ويُقال: نَضَّرهُ الله، ونَضَرَهُ، مُخفَّفًا ومشَّددًا، كما في «القاموس».
[ ١٥ ]
والمعنى: خصَّه الله تعالى بالبهجة والسُّرور؛ لأنَّه سعى في نَضارة العلم وتجديد السُّنَّة، فجازاه في دعائه له بما يُناسب حالَه في المُعامَلة. وأيضًا: فإنَّ مَنْ حفظ ما سمعه وأدَّاه كما سمعه من غير تغييرٍ كأنَّه جعل المعنى غضًّا طريًّا، وخُصَّ الفقه بالذِّكر دون العلم؛ إيذانًا بأنَّ الحامل غيرُ عارٍ عن العلم، إذ الفقه علمٌ بدقائق العلوم المُستنبَطة من الأقيسة، ولو قال: غير عالم لَزِم جهله،
قوله: (والمعنى: خَصَّهُ اللهُ بِالْبَهْجَةِ …) إلى آخره، أقولُ: لا بهجةَ في وجه التَّخصيص بل لا وجه له إلَّا لو قال: وخصَّ النَّبيُّ ﷺ هذا المرء بالدُّعاء، وبخصوص الدُّعاء بالنَّضرة … إلى آخره، والبهجةُ هي: الحسنُ والفرحُ، والفعل منه بمعنى الأول بَهُجَ -كَكَرُمَ- بهاجةً فهو بهيجٌ، وبمعنى الثَّاني -كفعله- فهو بهيج وبهج، وأما بَهَجَ -كمَنَعَ- فمعناه: أَفْرَحَ وسرَّ، والابتهاج: السُّرور، كما في «القاموس».
قوله: (فَجَازَاهُ في دِعَائِهِ …) إلى آخره، وقد أجاب الله دعاء نبيِّه ﷺ، قال سفيان بن عيينة: ليس من أهل الحديث أحدٌ إلَّا وفي وجههِ نضرة؛ لهذا الحديث. انتهى.
وإذا كان هذا في الدُّنيا فما بالك في الآخرة، وقد رُوي أنَّه: «يُوْضَعُ لَهُم مَنَابِرُ مِنْ نُوْرٍ يُحَدِّثُوْنَ عَلَيْهَا يَوْمَ القِيَامَةِ»، وقيل في تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١]: ليس لأهل الحديث مَنْقَبَةٌ أشرفُ من ذلك؛ لأنَّه لا إمام لهم غيره ﷺ، وناهيك بأنَّه العِلْمُ الموصل إلى الله تعالى والباحث عن تصحيح أقواله ﷺ وأفعاله والذَّابُّ عنه أن يُنْسَبَ إليه ما لم يقله، وسائر العلوم محتاجةٌ إليه، أمَّا الفقه فواضحٌ، وأمَّا التَّفسير فلأنَّ أولى ما فُسِّرَ به كلام الله تعالى ما ثبتَ عن نبيِّه ﷺ وأصحابه ﵃.
قوله: (غَضًّا) بفتح الغين وتشديد الضَّاد المعجمتين بمعنى طريًّا، قال في «القاموس»: والغضيض: الطَّري، والطَّلع النَّاعم كالغضِّ فيهما. انتهى.
قوله: (إذ الفِقْهُ عِلْمٌ بِدَقَائِقِ الأُمُوْرِ)؛ أي: بالأمور الدَّقيقة؛ -أي: الخفيَّة- لا بمطلق الأشياء، فلا يُقال مثلًا: فَقِهْتُ السَّماءَ والأرض، بخلاف العلم فأعمُّ، وهذا ما جرى عليه جماعة من اللُّغويِّين، إلَّا أنَّ التَّقييد بكون تلك الدَّقائق مستنبطة من الأقيسة كما ذكره الشَّارح لم أره لأحد منهم وكأنَّه سرى له من معناه الشَّرعيِّ، وقيل: الفقه هو العلم بالشيء مع الفهم له بخلاف العلم فأعمُّ، وقيل: هو شدَّة الفهم بخلاف العلم فمطلق الفهم، وعلى كلٍّ من هذه الأقوال فليس الفقه مرادفًا للعلم بلْ أخصُّ منه، فكلُّ فقيهٍ عالمٌ ولا عَكْسَ.
[ ١٦ ]
وقوله: «رُبَّ» وُضِعَت للتَّقليل، فاستُعيرَت في الحديث للتَّكثير، وقوله: «إلى من هو أفقه منه»
والظَّاهرُ أنَّ الفقه في الحديث مصدرٌ بمعنى اسم المفعول؛ أي: علمٌ مَفْقُوهٌ ومفهومٌ، وحينئذٍ فيكون معنى الرِّواية الأولى: رُبَّ حَامِلِ عِلْمٍ قَد فهمه فهمًا ما، يؤدِّيه إلى من هو أفقه وأفهم منه، فيفهم بذهنه الرَّائق وفكره الفائق من ذلك العلم معاني وأحكامًا قَصُرَ عنها مَن بَلَّغَهُ فيَعلمها هو وغيره، فتكثرُ الفائدة وتحصل الثَّمرة المقصودة من الحديث الشريف، وحينئذٍ فوجه التَّعبير بالفقه دون العلم ما قاله الشَّارح من الإيذان بأنَّ الحامل غير عارٍ عن العلم؛ أي: أنَّ حقَّه أن يكون كذلك، فهو حثٌّ له على التَّفقُّه فيما حمل ولا يكون كمثل الحمار يحمل أسفارًا، ولو قال: رُبَّ حامل علم إلى مَن هو أعلم منه، لم يكن مؤذنًا بذلك كما لا يخفى، وأما الرِّواية الثَّانية فالمعنى فيها: ربَّ حامل علم عظيم قد اشتمل على معان كثيرة يفقه ويفهم منه نوعًا ما من الفهم إلَّا أنَّه قاصر الفهم ليس بكثير الفقه بحيث لا يتوصل إلى فهم جميع ما اشتمل عليه ما حمله، وإذا اقتصر على نفسه ضاع ذلك الفقه فليبلِّغه فرُبَّمَا بلَّغَهُ إلى مَن هو أفقه منه فآثر التَّعبير بالفقه أيضًا؛ إيذانًا بما ذكر، ولو عَبَّر بالعلم بأن قال: ربَّ حامل علم ليس بعالم، لفات ذلك المعنى بل تبادر التَّناقض من هذا المبنى إذ يصير الكلام رُبَّ عالمٍ ليس بعالم، هذا توضيح ما أشار إليه الشارح، وربما عَنَّ لك أن تقول: كان يتأدَّى ذلك لو قال في الرِّواية: الأولى: رُبَّ حامل علم إلى من هو أفقه منه، وفي الثَّانية: رُبَّ حامل علم ليس بفقيه؛ فإنَّ التَّفضيل في الأولى والمبالغة في الثَّانية يؤذنان بأنَّ الحامل له نوعٌ من الفقه والفهم لِمَا علمه فيظهر في الجواب أنَّه عبَّر بذلك ليُفيد تلك النُّكتة المقصودة، أعني: حثُّ حاملِ العلمِ على فهم ما حمل من أول وَهْلَةٍ؛ اهتمامًا بها مع ما فيه من حُسن التَّجانس دون ذاك.
هذا وذهب بعض اللُّغويين إلى أنَّ الفقه أَنْزَلُ من العلم كما نقله ابن الطَّيِّب في حواشي القاموس، وعليه فيظهر أنَّ وجه إيثاره على العلم حينئذٍ الإيذان بطلب نشر مُطلَق العلم النَّافع لا بقيد كونه على وجه مخصوص، فليُتأمَّل.
قوله: (وُضِعَت لِلتَّقْلِيلِ) هو أحد قولين، والمشهور أنَّها للتَّكثير، وقال الشَّارح نفسه في «كتاب العلم» ما نَصُّهُ: ورُبَّ حرفُ جرٍ يُفيد التَّقليل لكنَّه كَثُرَ في الاستعمال للتكثير بحيث غلب حتَّى صار كأنَّه حقيقة فيه. انتهى.
ولذا قيل:
خَلِيْلِي لِلْتَّكْثِيْرِ رُبَّ كَثِيْرَةٌ … وَجَاءَتْ لَتَقْلِيْلٍ وَلَكِنَّهُ يَقِلْ
وكذا ذكر الأشمونيُّ إذ قال: هي للتَّكثير كثيرًا وللتَّقليل قليلًا، فالأوَّل كقوله ﷺ: «يا رُبَّ
[ ١٧ ]
صفةٌ لمدخول «رُبَّ» استُغنِي بها عن جوابها، أي: رُبَّ حامل فقهٍ أدَّاه إلى مَنْ هو أفقه منه
كَاسِيَةٍ في الدُّنْيَا عَارِيَةٌ في الْآخِرَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»؛ أي: لأنَّ الحديث مسوق للتَّخويف، والتَّقليل لا يُناسبه، والثَّاني كقوله:
أَلَا رُبَّ مَوْلُوْدٍ وَلَيْسَ لَهُ أَبٌ … … …
وعلى هذا لا استعارة في الحديث، وقيل: موضوعةٌ لهما سواء، وقيل: للتَّقليل مجازًا والتَّكثير حقيقة، وقيل: للتَّكثير في موضع المباهاة والتَّقليل فيما عداه، وقال في «القاموس»: لم تُوضع لتقليلٍ ولا لتكثيرٍ بل يُستفادان من سياق الكلام. انتهى.
قوله: (عَنْ جَوَابِهَا) المرادُ به: خبر المبتدأ الَّذي دخلت عليه رُبَّ، وكأنَّه سمَّاه جوابًا؛ تشبيهًا لرُبَّ
[ ١٨ ]
لا يفقه ما يفقهه المحمول إليه، وعن ابن عبَّاس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «اللهمَّ ارحم خلفائي»، قلنا: يا رسول الله، ومَنْ خلفاؤك؟ قال: «الذين يروون أحاديثي ويعلِّمونها النَّاس»، رواه الطَّبرانيُّ في «الأوسط»، ولا ريبَ أنَّ أداء السُّنن إلى المسلمين نصيحةً لهم مِن وظائف الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فمَنْ قام بذلك كان خليفةً لمن يبلِّغ عنه، وكما لا يليق بالأنبياء ﵈ أن يهملوا أعاديهم ولا ينصحوهم، كذلك لا يحسن بطالب الحديث وناقل السُّنن أن يمنحها صديقه ويمنعها عدوَّه، فعلى العالم بالسُّنَّة أن يجعل أكبرَ همِّه نشرَ الحديث، فقد أمر النَّبيُّ ﷺ بالتَّبليغ عنه، حيث قال: «بلِّغوا عنِّي ولو آيةً» الحديثَ، رواه البخاريُّ ﵀، قال المُظْهِريُّ: أي: بلِّغوا عنِّي أحاديثي ولو كانت قليلةً. قال البيضاويُّ ﵀: قال: «ولو آيةً» ولم يقل: ولو حديثًا؛ لأنَّ الأمر بتبليغِ الحديثِ يُفهَم منه بطريق الأولويَّة، فإنَّ الآياتِ مع انتشارها وكثرةِ حَمَلَتِها، تكفَّل الله تعالى بحفظها وصونها عن الضَّياع والتَّحريف. انتهىَ.
وقال إمام الأئمَّة مالكٌ رحمه الله تعالى: بلغني أنَّ العلماء يُسأَلون يوم القيامة عن تبليغهم العلم كما يُسألُ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وقال سفيان الثَّوريُّ: لا أعلم عملًا أفضل من علم (^١) الحديث لمن
وخبر مدخولها بالشَّرط وجوابه لتوقف معناها عليه تَوَقُّفَ المبتدأ على الخبر، وتقدير الشَّارح المحذوف (أدَّاه) لا يضره كونه خاصًّا والعامل الخاصُّ لا يُحذف؛ إذ محله ما لم تدلَّ عليه قرينةٌ، إلَّا أنَّ كون ذلك صفة مستغنى بها عن الجواب الظَّاهر أنَّه غير متعيَّن بل يصحُّ أن يكون هو الجواب.
قوله: (خُلَفَائِي)؛ أي: الَّذين يخلفوني في الدِّين: جمع خليفة.
قوله: (الَّذِيْنَ يَرْوونَ أَحَادِيْثِي)؛ أي: فَهُم الخلفاء حقيقةً، ولذا كان المحدِّث في العصر الأولي يُلقَّب
_________________
(١) في (د) و(م): «طلب».
[ ١٩ ]
أراد به وجه الله تعالى، إنَّ النَّاس يحتاجون إليه حتَّى في طعامهم وشرابهم، فهو أفضل من التَّطوُّع بالصَّلاة والصِّيام؛ لأنَّه فرض كفايةٍ، وفي حديث أسامة بن زيدٍ ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «يَحملُ هذا العلمَ من كلِّ خَلَفٍ عُدُولُه، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين» (^١)
بأمير المؤمنين؛ أخذًا من هذا الحديث، وممَّن لُقِّبَ بذلك سفيان وابن رَاهُوْيَه والبخاريُّ وغيرهم.
قوله: (فَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ التَّطَوعِ بِالصَّلاةِ) بل قال أبو سعيد الخُدريُّ: مذاكرةُ الحديث أفضل من قراءة القرآن. ورُوي عن ابن عباس ﵄ قال: مذاكرةُ الحديث ساعةٌ خيرٌ من إحياءِ ليلةٍ.
قوله: (مِنْ كُلِّ خَلَفٍ) بفتح اللَّام فيما يُخلَف في الخير، وسكونها فيما يخلف في الشَّرِّ، قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ الآية [مريم: ٥٩].
وقوله: (عُدُوْلُهُ) بالرَّفع فاعل يحمل.
قوله: (الغَالِيْنَ) بالغين المعجمة؛ أي: الَّذين يغلون في الدِّين؛ أي: يتجاوزون الحدَّ.
قوله: (وانْتِحَالَ …) إلى آخره، بالحاء المهملة، يُقَالُ: انْتَحَلَ الشَّيء وتَنَحَّلَهُ ادَّعاهُ لنفسه وهو لغيره؛ وأُريدَ به هنا الدَّعوى الكاذبة، والانتحال والتَّأويل والغلوُّ ترجعُ كلُّها لمعنى واحد، وهو تغيير لفظ الحديث أو معناه؛ لغرض من الأغراض الفاسدة.
_________________
(١) «تعالى» زيادة من (د).
[ ٢٠ ]
وهذا الحديث رواه من الصَّحابة عليٌّ وابن عمر وابن عمرٍو وابن مسعودٍ وابن عبَّاسٍ وجابر بن سَمُرة ومعاذٌ وأبو أُمامة وأبو هريرة ﵃، وأورده ابن عديٍّ من طرقٍ كثيرةٍ كلُّها ضعيفةٌ، كما صرَّح به الدَّارقطنيُّ وأبو نُعيمٍ وابن عبد البرِّ، لكن يمكن أن يتقوَّى بتعدُّد طرقه، ويكون حسنًا كما جزم به ابن كيكلدي العلائيُّ، وفيه تخصيص حملة السُّنَّة بهذه المَنْقَبَة العليَّة، وتعظيمٌ لهذه الأمَّة المحمَّديَّة، وبيانٌ لجلالة قدر المحدِّثين، وعلوِّ مرتبتهم في العالَمين؛ لأنَّهم يحمون مشارع الشَّريعة ومتون الرِّوايات من تحريف الغالين وتأويل الجاهلين؛ بنقل النُّصوص المُحكَمة لردِّ المتشابه إليها.
وقال النَّوويُّ في أوَّل «تهذيبه»: هذا إخبارٌ منه ﷺ بصيانة هذا العلم وحفظه وعدالة ناقليه، وأنَّ الله تعالى يوفِّق له في كلِّ عصرٍ خَلَفًا من العُدُول يحملونه، وينفون عنه التَّحريف فلا يضيع، وهذا تصريحٌ بعدالة حامليه في كلِّ عصرٍ. وهكذا وقع ولله الحمد، وهو من أعلام النُّبوَّة، ولا يضرُّ كون
قوله: (وَيَكُوْنُ حَسَنًا)؛ أي: ولذا استدلَّ به ابن عبد البرِّ، ووافقه ابن الموَّاق من المتأخِّرين على أنَّ حامل كل علمٍ معروفُ العناية به فهو عدلٌ محمول في أمره أبدًا على العدالة حتَّى يتبيَّن جرحه.
[ ٢١ ]
بعض الفسَّاق يعرف شيئًا من علم الحديث؛ فإنَّ الحديث إنَّما هو إخبارٌ بأنَّ العدول يحملونه، لا أنَّ غيرهم لا يعرف شيئًا منه. انتهىَ.
على أنَّه قد يُقال: ما يعرفه الفسَّاق من العلم ليس بعلمٍ حقيقةً؛ لعدم عملهم، كما أشار إليه المولى سعد الدِّين التَّفتازانيُّ في تقرير قول «التَّلخيص»: وقد يُنزَّل العالم منزلة الجاهل، وصرَّح به الإمام الشَّافعيُّ في قوله: ولا العلم إلَّا مع التُّقى، ولا العقل إلَّا مع الأدب.
ولَعَمْري
قوله: (إِنَّمَا هُوَ إِخْبَارٌ) رَدَّهُ العراقيُّ فقال: لا يصحُّ حمله على الخبر؛ لوجود من يحمل العلم وهو غير عدل وغير ثقة فلم يبقَ له محمل إلَّا على الأمر، ومعناه: أنَّه أمر للثقات بحمل العلم؛ لأنَّ العلم إنَّما يُقبل عنهم، والدَّليل على ذلك أنَّ في بعض طرقه عند ابن أبي حَاتِم: «ليَحملْ هذا العلم» بلام الأمر. انتهى.
وهذا يَرُدُّ ما ذهب إليه ابنُ عبد البَرِّ.
قوله: (لَيْسَ بِعِلْمٍ حَقِيْقَةً) ليس المراد بالحقيقة الحقيقة اللَّفظيَّة بل المعنويَّة، فإنَّ الحقيقة والمجاز كما يأتيان في الألفاظ كذلك يَرِدَانِ في المعاني كما نقلته في «الفواكه الجنوية»، كما يقالُ في الحياة الحقيقية هي الأخروية لا الدنيوية ونحو ذلك.
وذكر ابن الصَّلاح في «فوائد رحلته» أنَّ بعضهم ضبط الحديث بضمِّ الياء وفتح الميم مبنيًّا للمفعول ورفع «العلم»، وفتح العين واللام من «عَدُولَة» وآخره تاء فوقية -فعلة بمعنى فاعل-؛ أي: كامل في عدالته؛ والمعنى أنَّ هذا العلم يُحمل؛ -أي: يُؤخذ- عن كلِّ خلفٍ عدلٍ فهو أمر بأخذ العلم عن العدول، قال: والمعروف في ضبطه فتح ياء «يَحْمِلُ» مبنيًا للفاعل ونصب «العلمَ» مفعوله والفاعل «عدوله» جمع عدل. انتهى.
قوله: (وَلَعَمْرِي) اللام قسمية، و(العمر) في «القاموس»: بالفتح وبالضَّمِّ، وبضمتين: الحياة وجمعه أعمار. انتهى.
وفي «كليَّات أبي البقاء»: الفتح غالب في القسم ولا يجوز فيه الضَّمُّ. انتهى.
لكن في «شرح أدب الكاتب»: أنَّه سُمع نادرًا (لعُمرك) بضم العين.
وفي «نسيم الرِّياض»: العَمر بالفتح مصدر (عَمَّر) المشدَّد، وأصلُهُ (التَّعمير) فحُذفت زوائده؛ وله معنيان: تعمير الله إياك أو قلبك، وهو على هذا صفة من صفاته تعالى فيصحُّ القَسَم به حقيقة، وهذا ما جنح له الحنفيَّة والنُّحاة.
و(العُمر) بضمِّ العين؛ مخصوص بالإنسان وهو مدَّة وجوده في الدُّنيا فلا يصحُّ القَسم به شرعًا،
[ ٢٢ ]
إنَّ هذا الشَّأن من أقوى أركان الدِّين، وأوثق عُرى اليقين، لا يَرْغَبُ في نشره إلَّا صادقٌ تقيٌّ، ولا يَزْهَدُه إلَّا كلُّ منافقٍ شقيٍّ، قال ابن القطَّان: ليس في الدُّنيا مبتدعٌ إلَّا وهو يُبغض أهل الحديث، وقال الحاكم: لولا كثرة طائفة المحدِّثين على حفظ الأسانيد لَدرس منار الإسلام، ولتمكَّن أهل الإلحاد والمبتدعة من وضع الأحاديث وقلب الأسانيد.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «العلم ثلاثةٌ: آيةٌ مُحكمَةٌ أو سُنَّةٌ قائمةٌ، أو فريضةٌ عادلةٌ، وما سوى ذلك فهو فضلٌ» رواه أبو داود وابن ماجه، قال في «شرح المشكاة»: والتَّعريف في «العلم» للعهد، وهو ما عُلِمَ من الشَّارع، وهو العلم النَّافع في الدِّين، وحينئذٍ العلم مطلقٌ، فينبغي تقييده بما يُفهَم منه المقصود، فيُقال: علم الشَّريعة معرفة ثلاثة أشياء، والتَّقسيم حاصرٌ، وبيانه: أن قوله: «آيةٌ محكمةٌ» يشتمل على معرفة كتاب الله تعالى وما يتوقَّف عليه معرفته؛ لأنَّ المُحكَمة هي التي أُحكِمت عبارتُها،
لكنَّ الله أَقسم به في قوله: ﴿لَعُمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢] على قراءة ضمِّ العين، ولله أن يُقسم بما شاء، فأصله الضمُّ؛ لاختصاصه به في غير القسم فإذا أريد بالمفتوح هذا لا بأس أن يُقال إنَّه من قبيل معناه أو معدول به عنه، وإن لم يَرد هذا المعنى في قَسَمِ النَّاس صحَّ أن يقال إنَّه كناية؛ لتوقفه على النِّيَّة كالمشترك. انتهى.
وفي «القاموس»: في الحديث النَّهي عن قول لعمر الله.
قوله: (إنَّ هَذَا الشَأْنَ) (^١)؛ أي: علمَ الحديث.
قوله: (عُرَى) بضم العين المهملة جمع عروة.
قوله: (إِلَّا وَهُوَ يُبْغِضُ أَهْلَ الْحَدِيْثِ)؛ أي: لمعارضة حديثه لما ينتحله في ترويج بدعته.
قوله: (مِنْ وَضْعِ الأَحَادِيثِ)؛ أي: مع اشتباهها بالصَّحيح وإضلال النَّاس بالعمل بها، وإلَّا فقد وضع كثيرون منهم كثيرًا منها، أو المراد أكثر ممَّا وضعوا.
قوله: (فَهُوَ فَضْلٌ)؛ أي: زائدٌ غير محتاج إليه.
قوله: (وَمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مَعْرِفَتُهُ)؛ أي: من العلوم كالنَّحو واللُّغة والبيان.
_________________
(١) في المطبوع: «لشأن».
[ ٢٣ ]
بأن حُفِظت من الاحتمال والاشتباه، فكانت أمَّ الكتاب، فتُحمَل المتشابهات عليها وتُردُّ إليها، ولا يتمُّ ذلك إلَّا للماهر الحاذق في علم التَّفسير والتَّأويل، الحاوي لمقدِّماتٍ يُفتقَر إليها من الأصلين وأقسام العربيَّة، وقوله: «سُنَّةٌ قائمةٌ» معنى قيامها: ثَباتُها ودوامُها بالمُحافَظَة عليها، مِنْ «قامت السُّوق» إذا نَفَقَت؛ لأنَّها إذا حُوفِظ عليها كانت كالشَّيء النَّافق الذي تتوجَّه إليه الرَّغبات، ويتنافس فيه المحصِّلون بالطَّلِبات، ودوامُها: إمَّا أن يكون بحفظ أسانيدها من معرفة أسماء الرِّجال والجرح والتعديل، ومعرفة الأقسام مِنَ الصَّحيح والحسن والضَّعيف المتشعِّب منه أنواعٌ كثيرةٌ، وما يتَّصل بها من المتمِّمات ممَّا يُسمَّى علمَ الاصطلاح، ممَّا يأتي في الفصل الثَّالث إن شاء الله تعالى، وإما أن يكون بحفظ متونها من التَّغيير والتَّبديل؛ بالإتقان وتفهُّم معانيها واستنباط العلوم منها، كما سيأتي إن شاء الله تعالى (^١) في هذا الشَّرح بعون الله سبحانه؛ لأنَّ جُلَّها بل كلَّها من جوامع كَلِمِهِ التي اختُصَّ بها، لا سيَّما هذه الكلمة الفاذَّة الجامعة -مع قِصَر متنها وقُرْب طرقها- علومَ الأوَّلين والآخرين، وقوله: «أو فريضةٌ عادلةٌ» أي: مستقيمةٌ مُستَنبَطَةٌ من الكتاب والسُّنَّة والإجماع، وقوله: «وما سوى ذلك فهو فضلٌ» أي: لا مدخل له في أصل علوم الدِّين، بل ربَّما يُستعاذ منه حينًا، كقوله: «أعوذ بك من علمٍ لا ينفع»، ولله دَرُّ أبي بكرٍ حميدٍ القرطبيِّ، فلقد أحسن وأجاد حيث قال ﵀:
قوله: (من الأَصْلَيْن)؛ أي: التَّوحيدَ وأصولَ الفقهِ.
قوله: (الفَاذَّة) بالفاء والذَّال المعجمة المشدَّدة؛ أي: المنفردة.
_________________
(١) سقط من (ص) قوله: «منها، كما سيأتي إن شاء الله تعالى».
[ ٢٤ ]
نور الحديث مُبينٌ فَادْنُ واقتبسِ … واحْدُ الرِّكابَ له نحو الرِّضى النَّدِسِ
واطلُبْهُ بالصِّين فهْو العلم إن رُفِعَتْ … أعلامُه بِرُباها يا بن أندلسِ
فلا تُضِعْ في سوى تقييد شارِدِه … عُمْرًا يفوتك بين اللَّحْظ والنَّفَسِ
قوله: (فَادْنُ) أمرٌ من الدُّنوِّ وهو القُرب.
وقوله: (واقْتَبِسْ) أمرٌ من الاقتباس، وهو من النَّار الأخذ، ومن العلم الاستفادة.
قوله: (وَاحْدُ الرِّكَابِ) أُحْدُ أمرٌ من الحدو، يقال: حدا الإبل يحدوها وبها حدوًا: زجرها وساقها، فدال (احدُ) مضمومة، و(الرِّكاب) -ككتاب- الإبل كما في «القاموس»، قال: واحدتها راحلة. انتهى.
أي: لا واحد له من لفظه، وقيل واحده: ركوبة، وهي كالرَّكوب بالفتح: النَّاقة المعدَّة للحمل والرَّكوب كما في «العناية»، يقال: ما له ركوبة ولا حمولة ولا حلوبة؛ أي: ما يركبه ويحمل عليه ويحلبه.
وقوله: (نَحْوَ الرِّضى)؛ أي: جهة الرجل الرَّضيِّ؛ أي: المرضيِّ الأخلاق والأطوار.
وقوله: (النَّدس) بضم الدال المهملة وكسرها، وفيه السُّكون أيضًا بعد النُّون المفتوحة: وهو الرَّجل السَّريع الفهم، وفعله كفرح، كما في «القاموس»؛ وهو كناية عن التَّعب في تحصيله وأخذه عن الثِّقات ولو بتحمُّل المشاقِّ العديدة بالأسفار البعيدة وقد نوَّره بما بعده.
قوله: (وَاطْلُبْهُ) المأمور (ابن الأندلس) في قوله: يا ابن أندلس (بالصِّين) ولو بَعُدَت الشِّقة وعظمت المشقَّة (فهو العلم)؛ أي: النَّافع الَّذي لا ينبغي الجدُّ والاجتهاد في غيره (إن رفعت أعلامه) كنايةً عن العمل به وإظهاره ونشره للنَّاس، و(الرُّبى) بضم الراء جمع رَبْوة، مثَّلث الرَّاء كالرُّباوة: ما ارتفع من الأرض والضمير في (رُبَاها) للأَعْلَامِ جمع عَلَمَ بالتَّحريك وهو الرَّاية.
قوله: (فَلَا تُضِعْ) بضمِّ الفوقيَّة من الإضاعةِ، ومفعوله قوله: (عمر …) إلى آخره، وقوله: (شَارِدَةٌ) بإضافةِ شاردٍ إلى الضَّمير العائد على علم الحديث؛ أي: ما شَرَدَ وتَفَرَّقَ منه.
[ ٢٥ ]
وَخَلِّ سمْعَك عن بلوى أخي جَدِلٍ … شُغْلُ اللَّبيبِ بها ضَرْبٌ من الهَوَسِ
ما إنْ سَمَتْ بأبي بكرٍ ولا عمرٍ … ولا أتتْ عن أبي هِرٍّ ولا أَنَسِ
إلَّا هوًى وخصوماتٍ ملفَّقةٍ … ليست برطْبٍ إذا عُدَّتْ ولا يَبَسِ
فلا يغرَّك من أربابها هَذَرٌ … أجْدى وجدِّك منها نَغْمة الجَرَسِ
قوله: (وخَلِّ سَمْعَكَ …) إلى آخره؛ أي: أفرغ سمعك، والمراد عدم السَّماع رأسًا.
وقوله: (عَنْ بَلْوَى أَخِي جَدَلٌ) هو بالجيم والدَّال محرَّكًا: اللّدد في الخصومة والقدرة عليها، كما في «القاموس»؛ أي: عمَّا ابتُلي به صاحب الشِّدَّة في الخصومة والمجادلة.
وقوله: (شُغْلُ اللَّبِيْبِ) مبتدأٌ و(بها) متعلق به، والضمير للبلوى، و(ضربٌ)؛ أي: نوع (من الهوس) خبره، والجملة صفة لبلوى، والهوس بالتَّحريك: طرفٌ من الجنون واسم المفعول منه مُهْوَس، كمعظم، كما في «القاموس».
قوله: (مَا إِنْ سَمَتْ …) إلى آخره، ما نافية، وإن زائدة، وسمت بمعنى علت، وضميره للبلوى المذكورة، فالجملة صفةٌ لها أيضًا، ويصحُّ أن يكون استئنافًا بيانيًّا؛ علَّة لعدم سماعها والاشتغال بها كأنَّه قال: لأنَّها لم تَسْمُ من السُّمو (بأبي بكر …) إلى آخره، و(أبو هر) بكسر الهاء هو أبو هريرة ﵁؛ أي: لم تُسند إليهما أصلًا؛ لعدم وقوعها منهما ولو كان فيها خير لسبقانا إليها، فهي مجرد بدعة مذمومة ولو فرض أنَّهما تلبَّسا بهما إذ لا يتلبسان إلَّا بحَسن.
قوله: (لَيْسَت بِرَطْبٍ) بفتح الراء؛ أي: بشيء رطب. وقوله: (إذا عُدَّتَ) بضمِّ العين وتشديد الدَّال المهملتين، مبني للمجهول من العدِّ معترض بين المتعاطفين، و(اليبس) بالفتح والكسر الَّذي كان رطبًا فجفَّ، والمعنى: ليست شيئًا من الأشياء رطبها أو يابسها، فنزَّلها منزلةَ العدم.
قوله: (هَذَرٌ) بتحريك المعجمة؛ وهو سقط الكلام، أو الكثير الرَّديء، يٌقال: هَذِرَ كلامه كَفَرِحَ يهذر، ويهذر بالكسر والضم هذرًا كَثُر في الخطأ والباطل.
[ ٢٦ ]
أَعِرْهُمُ أُذُنًا صُمًّا إذا نطقوا … وكُنْ إذا سألوا تُعزَى إلى خَرَسِ (^١)
ما العلم إلَّا كتاب الله أو أَثَرٌ … يَجْلُو بنور هُدَاه كلَّ ملتبِسِ
نورٌ لُمقتبِسٍ، خيرٌ لُملتمِسٍ … حِمًى لمُحترِسٍ، نُعْمَى لمُبْتَئِسِ
فاعكُف ببابِهما على طِلابِهما … تَمْحُ العَمَى بهما عن كلِّ ملتمِسِ (^٢)
وقوله: (أَجْدَى) بالجيم السَّاكنة أفعل تفضيل من الجِدَّةِ؛ أي: أنفع منها، وهو مبتدأ خبره (نغمة الجرس) بفتح النُّون وسكون الغين المعجمة، والجَرَس بالجيم والرَّاء المفتوحتين الَّذي يُعلَّق في عنق البعير ويضرب به أيضًا، وما بينهما قسمٌ بحياة الجدِّ معترض بينهما؛ يعني: أنَّ سماع صوت هذا الجرس أنفع من سماع الجدليَّات المذكورة.
قوله: (أَعِرْهُم) بفتح الهمزة وكسر العين المهملة أمرٌ من العارية، والضَّمير في (هم) لأهل الجدل؛ أي: إذا أفضى بك الحال إلى سماعهم فسدَّ أذنك وأعطها إيَّاهم عارية، وهو كناية عن عدم الإصغاء إليهم بالكلِّيَّة.
وقوله: (وَكُنْ إِذَا سَأَلَوا تُعزى إلى خَرَسٍ)؛ أي: تُنسب إلى عدم النُّطق؛ أي: إذا سألوك وأرادوا خطابك فأَرِهم أنَّك أخرس لا تطيق الكلام، والمعنى لا تَسمع لقولهم ولا تخاطبهم أصلًا.
قوله: (أو أَثَرٍ)؛ أي: حديثٍ، وقوله: (يَجْلُو) بالجيم؛ أي: يُزيل، والمُلْتَبِس بكسر الموحدة: المُشتبه.
قوله: (نورٌ لمُقْتَبَسٍ) خبرٌ لمبتدأ محذوف، أي هما؛ أي: كتاب الله والأثر نورٌ … إلى آخره، والمُلْتَمس: الطَّالب للشَّيء، والحِمَى: ما يُحمى عن الغير، والمُحْتَرِس: المتحفِّظ.
وقوله: (نُعْمَى) بضم النون وسكون العين المهملة؛ أي: نعيم.
وقوله: (لِمُبْتَئِسِ) بسكون الموحَّدة وفتح الفوقيَّة بعدها همزة مكسورة آخره مهملة؛ أي: فقير.
قوله: (فاعْكُف) بضمِّ الكاف؛ أي: أَقِم.
وقوله: (بِبَابِهِمَا)؛ أي: باب أربابهما.
وقوله: (عَلَى طِلَابِهِمَا) متعلقٌ بـ (اعكف) والطِّلاب كالمطالبة: طلب الإنسان حقّه.
_________________
(١) سقط من (ص) قوله: «أَعِرْهُمُ أُذُنًا … تُعزَى إلى خَرَسِ».
(٢) سقط من (ص) قوله: «فاعكف … عن كلِّ ملتمِسِ».
[ ٢٧ ]
وَرِدْ بقلبك عَذْبًا من حياضه … ماتَغْسِل بماء الهدى ما فيه من دنَسِ
واقْفُ النَّبيَّ وأتباع النَّبيِّ وكُنْ … من هديهم أبدًا تدنو إلى قَبَسِ
والزم مَجالسَهم واحفظ محاسنهم … واندُب مدارسَهم بالأربُع الدُّرُسِ
واسلك طريقهمُ واتْبعْ فريقهمُ … تكن رفيقهمُ في حَضْرةِ القُدُسِ
تِلكَ السَّعادةُ إن تُلْمِم بساحتها … فَحُطَّ رَحْلكَ قد عُوفِيت من تَعَسِ
وقوله: (تَمْحُ الْعَمَى) مجازٌ عن الضَّلالة والجهل. وقوله: (عَنْ كُلِ مُلْتَمِسٍ)؛ أي: طالب محو عماه.
قوله: (وَرِدْ) بكسر الرَّاء أمر من الورود، والدَّنس محرَّكًا: الوسخ، يُقال: دنس الثَّوب والعِرض والخُلِق كفرح، دَنَسًا ودَنَاسة فهو دَنِسٌ: اتَّسخ ودَنِسَ ثوبه وعرضه تدنيسًا: فُعِلَ به ما يشينه.
قوله: (واقْفُ النَّبيَّ) بضمِّ الفاء أمرٌ من القفو وهو التَّتبُّع، يقال: قَفَوْتَهُ قَفْوًا وقُفُوًّا بفتحٍ فسكون، وبضمَّتين وشدِّ الواو: تبعته كتقفَّيته واقتفيته.
قوله: (إِلَى قَبَسٍ) مجازٌ عن النُّور، وهو بفتح القاف والموحَّدة.
قوله: (والْزَمْ مَجَالِسَهُم) بفتح الميم جمع مجلس، والثَّاني بضمِّها بمعنى: الَّذي يُجالسهم.
قوله: (وانْدُبْ مَدَارِسَهُم) أمرٌ من النُّدْبَةِ بالضَّمِّ، وهي بكاء الميت وعدُّ محاسنه، والمدارس جمع مدرسة، وهي محل دراسة العلوم.
وقوله: (بالأربُع)؛ أي: مع الأربع بضمِّ الموحَّدة، جمع رَبْع -بفتح الرَّاء وسكون الموحَّدة-: الدَّار حيث كانت، وجمعه أَرْبُع ورِبَاع ورُبُوع، والدُّرس بضمِّ الدَّال والرَّاء؛ أي: الدِّراسة الذَّاهبة من قولهم: دَرَسَ الرَّسمُ، كذهب وزنًا ومعنىً كنايةً عن التَّأسُّف على مَن فاتك منهم.
قوله: (فِيْ حَضْرَةِ القُدُسِ) بضمَّتين من إضافة الموصوف لصفته؛ أي: في الحضرة المقدَّسة؛ أي: المُطهَّرة من النَّقائص، وهي حضرة ذي الجلال والإكرام.
قوله: (تِلْكَ السَّعَادَة)؛ أي: هذه الخصال المذكورة من العكوف على بابهما … إلى آخره، هي السَّعادة؛ أي: أسباب السَّعادة، أو: هي مبالغة على حدِّ: زيدٌ عدلٌ.
وقوله: (إِنْ تُلْمَم) بضمِّ الفوقيَّة مِن ألمَّ بالمكان نزل به؛ أي: متى جئت إلى تلك السَّاحة (فحطَّ
[ ٢٨ ]
ومن شرف أهل الحديث ما رويناه من حديث عبد الله بن مسعودٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ أولى النَّاس بي يوم القيامة أكثرُهم عليَّ صلاةً»، قال التِّرمذيُّ: حديثٌ (^١) حسنٌ غريبٌ، وفي سنده موسى بن يعقوب الزَّمعيُّ، قال الدَّارقطنيُّ: إنَّه تفرَّد به، وقال ابن حِبَّان في «صحيحه»: في هذا الحديث بيانٌ صحيحٌ على أنَّ أولى النَّاس برسول الله ﷺ في القيامة أصحابُ الحديث؛ إذ ليس من هذه الأمَّة قومٌ أكثر صلاةً عليه منهم. وقال غيره: المخصوص بهذا الحديث نَقَلَة الأخبار الذين يكتبون الأحاديث، ويذبُّون عنها الكذب آناء اللَّيل وأطراف النَّهار، وقال الخطيب في كتابه «شرف أصحاب الحديث»: قال لنا أبو نُعيمٍ: هذه مَنقَبةٌ شريفةٌ يختصّ بها رواة الآثار ونَقَلتُها؛ لأنَّه لا يُعرَف لِعصابةٍ من العلماء من الصَّلاة على رسول الله ﷺ أكثر ما يُعرَف لهذه العِصابة نسخًا وذكرًا، وقال أبو اليُمْن بن عساكرَ:
رحلك) يُكنَى به عن الإقامة، والمراد قد أوتيت سؤلك وصادفت حاجتك وسعادتك الحقيقية فالزمها، فإذا ألزمتها فـ (قد عوفيت من تَعْسٍ) بالفوقيَّة والعين المهملة محرَّكًا؛ أي: خيبة.
قوله: (الزَّمْعِي) بفتح الزَّاي وسكون الميم وبالعين المهملة، نسبة لجده وهب بن زمعة القرشيِّ، كما في «اللُّباب».
قوله: (نَسْخًا)؛ أي: كتابة، وقد ورد: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ فِي كِتَابٍ لَمْ تَزَل الْمَلَائِكَةُ تَسْتَغْفِرُ لَهُ مَا دَامَ اسْمِي فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ»، وهذا الحديث وإن كان ضعيفًا فهو ممَّا يَحسن إيراده في ذلك المعنى، قال الحافظ السُّيوطيُّ: ولا يلتَفَتُ إلى ذكر ابن الجوزي له في «الموضوعات» فإنَّ له طُرقًا تُخرجه عن الوضع وتقتضي أنَّ له أصلًا في الجملة، فأخرجه الطَّبرانيُّ من حديث أبي هريرة وأبو الشَّيخ والدَّيلميُّ من طريق أخرى عنه، وابن عديٍّ من حديث أبي بكر الصِّدِّيق، الأصبهانيُّ في «ترغيبه» من حديث ابن عبَّاس، وأبو نُعيم من حديث عائشة ﵂، وقد روي من طريق صحيح (^٢) عن أنس يرفعه: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ جَاءَ أَصْحَابُ الْحَدِيْثِ وَبِأَيْدِيْهِم الْمَحَابِرُ فَيُرْسِلُ الله إِلَيْهِمْ جِبْرِيْلَ
_________________
(١) «حديث»: مثبتٌ من (ص).
(٢) قال الخطيب: (تاريخ بغداد ٤/ ٦٤٨): هذا الحديث موضوع، والحمل فيه على الرقي. والرقي هو محمد بن يوسف بن يعقوب أبو بكر الرقي قال عنه الذهبي (ميزان الاعتدال ٤/ ٧٢): وضع على الطبراني حديثًا باطلًا في حشر العلماء بالمحابر.
[ ٢٩ ]
لِيُهْنَ أهل الحديث كثَّرهم الله تعالى هذه البشرى، فقد أتمَّ الله تعالى نِعَمَه عليهم بهذه الفضيلة الكبرى، فإنَّهم أولى النَّاس بنبيِّهم ﷺ، وأقربهم -إن شاء الله تعالى- وسيلةً يوم القيامة إلى رسول الله ﷺ، فإنَّهم يخلِّدون ذكره في طروسهم (^١)، ويجدِّدون الصَّلاة والتَّسليم عليه في معظم الأوقات في مجالس مذاكرتهم وتحديثهم ودروسهم، فهم إن شاء الله تعالى الفِرقةُ النَّاجية، جعلنا الله تعالى منهم، وحشرنا في زمرتهم، آمين.
فَيَسْأَلُهُمْ مَنْ أَنْتُم؟ وَهُوَ أَعْلَمُ، فَيَقُوْلُوْنَ: أَصْحَابَ الْحَدِيْثِ. فَيَقُوْلُ: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ طَالَمَا كنْتُم تُصَلُّوْنَ عَلَى نَبِيِّي فِي دَارِ الدُّنْيَا».
تنبيه: ينبغي أن يَجمعَ عند ذكره ﷺ بين الصَّلاة عليه ببنانه ولسانه ولو لم تكن مكتوبة في الأصل كما سبق فيكتبها ويتلفَّظ بها مطلقًا، قال ابن عبَّاس العنبريُّ وابن المدينيُّ: ما تركنا الصَّلاة على النَّبيِّ ﷺ في كلِّ حديث سمعناه وربَّما عَجَّلنا فَنُبَيِّضُ الكتاب في كل حديث حتَّى نرجعَ إليه.
قوله: (لِيَُهَن أهلَ الْحَدِيْثَ …) إلى آخره، يهن بضم الياء، وأهل الحديث بالنَّصب مفعول مقدَّم، و(هذه البُشْرَى) بالرَّفع فاعل مؤخَّر، و(كَثَّرَهُم الله) جملة دعائية؛ أي: لتكن هذه البشرى مهنئة لهم؛ والمراد: ليكونوا مهنئين بها.
_________________
(١) الطرس: الكتاب أو الصحيفة التي محيت ثم كتب فيها.
[ ٣٠ ]