في ذكر أوَّل مَن دوَّن الحديث والسُّنن ومَن تلاه في ذلك سالكًا أَحْسَنَ السُّنن
(الفصل الثاني)
قوله: (مَنْ دَوَّنَ الأَحَادِيْثَ) بفتح الدَّال والواو المشدَّدة؛ أي: ذكرها في الدَّواوين، أو: جعلها دواوين جمع ديوان؛ وهو الكتاب، وأصله: ما تعلَّق بحقوق السَّلطنة في الأعمال والأموال ومَن يقوم بها من الجيوش والعمَّال كما في الباب الثَّاني عشر من «الأحكام السُّلطانيَّة» للماورديِّ، ثمَّ أُطلق على الدفتر ثم قيل لكل كتابٍ، وقد يخص بشعرِ شاعرٍ معين مجازًا، وشاع حتى صار حقيقة فيه، فمعانيه خمسة كما في «الشِّفاء»: الكَتَبَة، ومحلهم، والدَّفتر، وكلُّ كتاب، ومجموع الشِّعر.
وهل هو عربيٌّ أو معرَّب من الفارسيِّ؟ خلافٌ مشهور.
والأحاديث جمع حَدِيث، وهو لغة ضدُّ القديم، واصطلاحًا: ما أضيف إلى النَّبيِّ ﷺ قولًا أو فعلًا أو تقريرًا؛ -أي: عدم إنكار لما فُعِل بحضرته ﵊ أو في غيبته وبَلَغه- أو هَمًّا؛ -أي: عزمًا كقوله ﷺ: «وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ رَجُلًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ» - أو وَصْفًا خَلقيًّا -بفتح الخاء ككونه ﵊ ليس بالطَّويل ولا بالقصير- أو خُلُقيًّا -بضمَّتين؛ أي: متعلِّقًا بخُلُقه وطبعه الشَّريف ككونه أحسن النَّاس خُلقًا وكونه كان لا يُواجه أحدًا بمكروه وغير ذلك-.
قوله: (وَالسُّنَن) جمع سُنَّة وهي لغةً: الطَّريق، وأمَّا اصطلاحًا فقيل: إنَّها مرادفة للحديث بمعناه الاصطلاحيِّ، وقيل: الحديث خاصٌّ بفعله وقوله ﵊، والسنَّة أعمُّ منهما.
قوله: (وَمَنْ تَلَاهُ)؛ أي: تَبِعَهُ؛ أي: من دَوَّنَ.
وقوله: (فِيْ ذَلِكَ)؛ أي: التَّدوين.
وقوله: (أَحْسَنَ السُّنَنِ) بالضَّمِّ جمع سُنَّة بمعنى الطَّريقة، فالمراد بها هنا المعنى اللُّغويُّ وفي الأوَّل المعنى الاصطلاحيُّ، وهو أحسنُ من قراءته بفتحتين بمعنى الطريق.
[ ٣١ ]
اعلم أنَّه لم يَزَلِ الحديث النَّبويُّ -والإسلامُ غضٌّ طريٌّ، والدِّين مُحكَمُ الأساسِ قويٌّ- أشرفَ العلوم وأجلَّها لدى الصَّحابة والتَّابعين وأتباعهم خلفًا بعد سلفٍ، لا يشرُف بينهم أحدٌ بعد حفظ التَّنزيل إلَّا بقدر ما يحفظ منه، ولا يعظم في النُّفوس إلَّا بحسب ما سُمِعَ من الحديث عنه، فتوفَّرت الرَّغبات فيه، وانقطعت الهمم على تعلُّمه، حتَّى رحلوا المراحل ذوات العدد، وأفنَوا الأموال والعُدَد، وقطعوا الفيافي في طلبه، وجابوا البلاد شرقًا وغربًا بسببه،
قوله: (والْإِسْلَامُ غَضٌّ …) إلى آخره، جملة حالية معترضة بين اسم (زال) وخبرها وهو أشرف العلوم.
قوله: (لا يَشْرُفُ) بفتح أوَّله وضمِّ ثالثه؛ أي: لا يصير شريفًا.
قوله: (بَعْدَ حِفْظِ التَّنْزِيْلِ)؛ أي: القرآن.
قوله: (إِلَّا بِحَسَبِ مَا سُمِعُ مِنَ الحَدِيْثِ عَنْهُ)؛ أي: إلَّا بحسب ما يُروى عنه من الأحاديث كَثْرَةً وقلَّة وصحَّةً وضعفًا؛ فكلَّما أكثر من الحديث تحمُّلًا وأداءً وعُني بمعرفة رجاله ومتنه كان أجلَّ عندهم وأشرفَ وبالعكس.
قوله: (وانْقَطَعَت الهِمَمُ …) إلى آخره، لعلَّه ضمَّنَهُ معنى قصرت فعَدَّاهُ بعَلَى، وإلَّا فكان حقُّهُ التَّعدية باللَّام.
قوله: (ذَوَاتِ العَدَدِ) بفتح العين؛ أي: المعدودة؛ والمراد الكثيرة وإن كان ذلك كناية عن القلَّة بإشارة قوله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ [يوسف: ٢٠]، وقوله: (والعُدد) بضمِّ العين جمع عُدَّة بضمِّها وفتح الدَّال مشدَّدة، وهي ما يعِدُّه الإنسان للأمر من مال وغيره.
قوله: (وَقَطَعُوا الفَيَافِي) بفاءين جمع فيفاء بالمد ويُقصر، كما في «القاموس» وهي: المفازةُ لا ماءَ فيها كالفيفاة، ويُجمع أيضًا على أفياف وفيوف.
قوله: (وَجَابُوا)؛ أي: قطعوا بمسيرهم.
[ ٣٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والأصل في الرِّحلة ما رواه البيهقيُّ والخطيب عن عبد الله بن محمَّد بن عقيل عن جابر بن عبد الله قال: بلغني حديث عن رسول الله ﷺ لم أسمعه فابتعت بعيرًا فشددت عليه رحلي وسرت شهرًا حتَّى قَدِمتُ الشَّام، فأتيت عبد الله بن أُنَيس فقلت للبوَّاب: قل له: جابر على الباب، فأتاه فقال: جابر بن عبد الله؟! فأتاني فقال لي فقلت: نعم، فرجع فأخبره، فقام يطأُ ثوبه حتَّى لقيني، فاعتنقني واعتنقته، فقلت: حديث بلغني عنك سمعته من رسول الله ﷺ في القصاص لم أسمعه فخشيتُ أن تموت أو أموت قبل أن أسمعه، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يَحْشُرُ اللهُ الْعِبَادَ، أو قال: النَّاس عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا، قُلْنَا: ما بُهْمًا؟ قال: ليس مَعَهُمْ شيء، ثُمَّ يُنَادِيهِمْ رَبُّهُم بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ كَمَا يَسْمَعُهُ من قَرُبَ: أنا الْمَلِكُ أنا الدَّيَّانُ لَا ينبغي لأَحَدٍ من أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ وَلأَحَدٍ من أَهْلِ النَّارِ عِندَهُ مَظْلَمَةٌ حتى أَقُصَّها مِنْهُ حَتَّى اللَّطْمَةُ، قُلْنَا: كَيْفَ وإِنَّمَا نَأْتِي اللَّهَ عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا؟ قال: بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ».
واستدلَّ البيهقيُّ أيضًا برِحلة موسى إلى الخَضِر.
وروي أيضًا من طريق عيَّاش عن واهب بن عبد الله المعافريِّ قال: قَدِم رجل من أصحاب النَّبيِّ ﷺ من الأنصار على مَسْلمة بن مَخْلد فألفاه نائمًا، فقال: أيقظوه. فأيقظوه، فرحَّب به وقال: انزل، قال: لا حتَّى تُرسل إلى عقبة بن عامر لحاجة لي، فأرسل إلى عقبةَ فأتاه فقال: هل سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من وَجَدَ مُسْلِمًا على عَوْرَةٍ فَسَتَرَه فَكَأَنَّمَا أَحْيَا مَوْؤُودَةً من قَبْرِهَا»، فقال عُقبة: قد سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك (^١).
وسأل عبد الله بن أحمد أباه عمَّن طلب العلم: ترى له أن يلزم رجلًا عنده علمٌ فيكتب عنه؟ أو ترى له أن يرحل إلى المواضع الَّتي فيها العلم فيسمع منهم؟ قال: يرحل يكتب عن الكوفيِّين والبصريِّين وأهل المدينة ومكَّة.
قال إبراهيم بن أدهم: إنَّ الله يدفع البلاء عن هذه الأمة برحلة أصحاب الحديث.
قال الخطيب: والمقصود بالرِّحلة أمران:
أحدهما: تحصيل علوِّ الإسناد وقِدَم السَّماع.
والثَّاني: لقاء الحفَّاظ والمذاكرة لهم والاستفادة منهم، فإذا كان الأمران موجودين في بلدةٍ ومعدومين في غيره فلا فائدة في الرِّحلة أو موجودين في كلٍّ منهما فليُحَصِّل حديثَ بلده ثمَّ يرحلُ.
_________________
(١) انظر: الرحلة في طلب الحديث للخطيب ح/ ٣٤/ وما بعده.
[ ٣٣ ]
وكان اعتمادُهم أوَّلًا على الحفظ والضَّبط في القلوب والخواطر، غير مُلْتفتين إلى ما يكتبونه، ولا معوِّلين على ما يَسْطُرونه، وذلك لسرعة حفظهم وسيلان أذهانهم، فلمَّا انتشر الإسلام واتَّسعت الأمصار، وتفرَّقت الصَّحابة في الأقطار، وكثُرت الفتوحات، ومات معظم الصَّحابة، وتفرّق أصحابهم وأتباعهم، وقلَّ الضَّبط واتَّسع الخَرْق، وكاد الباطل أن يلتبس بالحقِّ؛ احتاج العلماء إلى تدوين الحديث وتقييده بالكتابة، فمارسوا الدَّفاتر،
قوله: (وَكَانَ اعتِمَادَهُم)؛ أي: السَّلف والخلف (^١).
وقوله: (أوَّلًا)؛ أي: في أوَّلِّ الأمر قبل انتشار الإسلام وتَفَرُّقُ الصَّحابةِ في الأمصار فكانت كتابة الحديث إذ ذاك قليلة؛ لما ذكره الشَّارح من سرعة حفظهم، ولأنَّ أكثرهم كان لا يحسن الكتابة، ولوقوع الخلاف بين السَّلف في كتابة الحديث؛ فقد كَرِهَهَا طائفةٌ منهم؛ لما رواه مسلم عن أبي سعيد الخُدريِّ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَا تَكْتُبُوا عنِّي شَيْئًا إِلَّا الْقُرْآنَ، فَمَنْ كَتَبَ عنِّي شَيْئًا غير الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ»، وأباحها آخرون؛ لحديث ابن عمرو قال: قلت: يا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَسْمَعُ مِنْكَ الشَّيءَ أَفَأَكْتُبُهُ؟ قال: «نعم». قلت: في الْغَضَبِ وَالرِّضَى؟ قال: «نعم؛ فإنِّي لَا أَقُولُ فِيهِمَا إلَّا حَقًّا».
وحديث رافع بن خَدِيج قال: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَسْمَعُ مِنْكَ أَشْيَاءَ أَفَنَكْتُبُهَا؟ فقال: «اكْتُبُوا وَلا حَرَجَ».
وأسند الدَّيلميُّ عن عليٍّ مرفوعًا: «إِذَا كَتَبْتُم الْحَدِيْثَ فَاكْتُبُوْهُ بِسَنَدِهِ».
ثمَّ أجمعوا بعد ذلك على جوازها وزال الخلاف وجمعوا بين هذه الأحاديث؛ بأنَّ الإذن لمن خافَ نسيانه، والنَّهي لِمَن أمن ووَثِقَ بحفظه، أو النَّهي خاصٌّ بوقت نزول القرآن؛ خشية التباسه، والإذن في غيره.
قوله: (فَمَارَسُوا الدَّفَاتِرَ) جمعُ دفتر -بفتح الدَّال وقد تُكسر، كما في «القاموس» - وهو جماعة
_________________
(١) كذا قال ﵀، وقوله: (والخلف) لا يتوافق مع قوله: (أولًا).
[ ٣٤ ]
وسامروا المحابر، وأجالوا في نظم قلائده أفكارَهم، وأنفقوا في تحصيله أعمارَهم، واستغرقوا لتقييده ليلَهم ونهارَهم، فأبرزوا تصانيفَ كَثُرَت صنوفُها، ودوَّنوا دواوين ظهرت شفوفها، فاتَّخذها العالَمُون قدوةً،
الصُّحف المضمومة.
وفي «المصباح»: الدَّفتر: جريدة الحساب، وكَسْرُ الدَّال لغةٌ حكاها الفرَّاء وهو عربيٌّ، قال ابن دُريد: ولا يُعرف له اشتقاق، وبعض العرب يقول تفتر. انتهى.
وفي «شفاء الغليل»: الدَّفتر: عربيٌّ صحيح وإن لم يُعْرف اشتقاقه، وجعله الجوهريُّ واحد الدَّفاتر، وهي الكراريس. انتهى.
قوله: (وسَامَرُوا المَحَابِرَ) من المُسَامرة، وهي الحديث ليلًا، كُنِّيَ به عن الملازمة، والمحابر: بالمهملة -جمع محبَرة بفتح الباء- موضع الحبر، قال في «القاموس»: وحُكي فيها مَحْبَرَة كمقبرة، وتُشدَّد الراء.
وفي نسخةٍ: (وسابر) بالموحدة بدل الميم من المسابرة؛ وهي اختبار الشَّيء، كُنِّي به عن الملازمة والمصاحبة.
قوله: (ظَهَرَت شُفُوفُهَا) الشُّفُوف بضمِّ الشِّين المعجمة والفاء جمع شفّ بالفتح وبكسر؛ الثَّوب الرَّقيق، فَتَجَوَّزَ بِهِ عن الثَّوب الَّذي يُتزيَّن به، فيكون المعنى ظهرت زينتها وبهجتها، أو عن الأوراق أو الجلود ثمَّ تجوَّز بها عمَّا تضمَّنته من الأحاديث والأحكام، فيكون المعنى: ظهر وانتشر في الأقطار ما فيها.
قوله: (العَالَمُونَ) بفتح اللَّام جمع عَالَم بالفتح أيضًا، وما بعده بالكسر جمع عالم ولا مانع من العكس، و(القُدْوَةُ) بضمِّ القاف: الاقتداء.
[ ٣٥ ]
ونصبها العاملون قبلةً، فجزاهم الله ﷾ عن سعيهم الحميد أحسن ما جزى (^١) به علماءَ أمَّةٍ وأحبارَ ملَّةٍ.
وكان أوَّل من أمر بتدوين الحديث وجمعه بالكتابة عمر بن عبد العزيز رحمة الله تعالى عليه خوفَ اندراسه، كما في «الموطَّأ» رواية محمَّد بن الحسن: أخبرنا يحيى بن سعيدٍ: أنَّ عمر بن عبد العزيز كتب إلى أبي بكر بن محمَّد بن عَمرو بن حزمٍ: أنِ انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ أو سننه فاكتبه؛ فإنِّي خِفتُ دُروسَ العلم
قوله: (قِبْلَة)؛ أي: كالقِبلة يتوجَّهون إليها ويفزعون لها في أحوالهم وأحكامهم كما يتوجَّه المصلُّون إلى قبلتهم.
قوله: (وأَحْبَار مِلَّةٍ) جمع حبر -بفتح الحاء وكسرها- العالم.
قوله: (عُمَر بن عبد العزيز) على رأس المئة الأولى، كما في «شرح التَّقريب» ولولاه لضاع الحديث، ولذا دخل فيه الضَّعيف والشَّاذُّ ونحوهما ولو كتب في حياته ﷺ لكان مضبوطًا كالقرآن.
قوله: (إِلَى أَبِي بَكْرٍ)؛ أي: الأنصاريِّ المدنيِّ المتوفَّى سنة اثنتين ومئة في خلافة هشام بن عبد الملك، وكان أبو بكر نائب عمر بن عبد العزيز في الإمارة والقضاء على المدينة الشَّريفة.
قوله: (انْظُرْ مَا كَانَ) زاد الكُشميهَني: «عندك»؛ أي: في بلدك، فـ «كان» على الرِّواية الأولى تامَّة وعلى الثَّانية ناقصة و«عندَك» الخبر.
قوله: (دُرُوْس) بضمِّ الدَّال مصدر دَرَسَ، كفَتَرَ؛ أي: ذَهَبَ.
_________________
(١) في (ص): «يجازي»، وفي (م): «ما جازى».
[ ٣٦ ]
وذهابَ العلماء، وأخرج أبو نُعيم في «تاريخ أصبهان» عن عمر بن عبد العزيز: أنَّه كتب إلى أهل الآفاق: انظروا إلى حديث رسول الله ﷺ فاجمعوه. وعلَّقه البخاريُّ في «صحيحه» [خ¦٣/ ٣٤ - ١٧٩]. فيُستفاد منه كما قال الحافظ ابن حجرٍ ابتداءَ تدوين الحديث النَّبويِّ. وقال الهرويُّ في «ذمِّ الكلام»: ولم تكن الصَّحابة ولا التَّابعون يكتبون الأحاديث، إنَّما كانوا يؤدُّونها حفظًا ويأخذونها لفظًا، إلَّا «كتاب الصَّدقات»، والشَّيء اليسير الذي يقف عليه الباحث بعد الاستقصاء، حتَّى إذا خِيف عليه الدُّروس، وأسرع في العلماء الموتُ؛ أَمَرَ عمرُ بنُ عبد العزيز أبا بكر بن محمَّدٍ فيما كتب إليه: أن انظر ما كان من سنَّةٍ أو حديثٍ فاكتبه. وقال في «مقدَّمة الفتح»: وأوَّل من جمع في ذلك الرَّبيع
وقوله: (وَذَهَابَ العُلَمَاءِ)؛ أي: موتهم، وقد كان الاعتماد إنَّما هو على الحفظ فخاف أن يموت العلماء الحافظون له فيذهب ويفنى فأَمر بكتابته.
قوله: (وَعَلَّقَهُ البُخَارِيُّ)؛ أي: أتى به محذوف السَّند، وسيأتي تعريف المعلَّق وذلك أنَّه قال: باب كيف يقبض العلم، وكتب عمر بن عبد العزيز … إلى آخره، ما هنا بلفظه.
قوله: (ابْتِدَاءُ تَدْوِيْنِ الحَدِيْثِ النَّبَوِي) قال ابن حجر أيضًا: وأوَّلُ مَن دوَّنه بأمر عمر بن عبد العزيز ابنُ شهاب الزهري. انتهى.
قوله: (إِلَّا كِتَابَ الصَّدَقَاتِ) هو ما كتبه النَّبيُّ ﷺ لمعاذ بن جبل لمَّا وجَّهه إلى اليمن؛ لجلب صدقاته، وبيَّن له فيه ما يأخذه من أنواع النَّعم، وهو مبسوط في كتبنا الفقهيَّة، وسيأتي للمصنِّف تخريجه.
قوله: (وَأَوَّلُ مَنْ جَمَعَ فِي ذلك الرَّبيع …) إلى آخره، قال في «شرح التَّقريب»: فأَوَّلُ مَن جمعَ ذلك ابن جُريج بمكة، وابن إسحاق أو مالك بالمدينة، والرَّبيع بن صَبيح أو سعيد بن أبي عَروبة أو حمَّاد
[ ٣٧ ]
بن صَبيح وسعيد بن أبي عَروبة وغيرهما، وكانوا يصنِّفون كلَّ بابٍ على حِدَةٍ، إلى أن انتهى الأمر إلى كبار الطَّبقة الثَّالثة، وصنَّف الإمام مالك بن أنس «الموطَّأ» بالمدينة، وعبد الملك بن جريجٍ بمكَّة، وعبد الرَّحمن الأوزاعيُّ بالشَّام، وسفيان الثَّوريُّ بالكوفة، وحمَّاد بن سلمة بن دينارٍ بالبصرة، ثمَّ تلاهم كثيرٌ من الأئمَّة في التَّصنيف، كلٌّ على حسب ما سَنَحَ له،
بن سلمة بالبصرة، وسفيان الثَّوريُّ بالكوفة، والأوزاعيُّ بالشَّام، وهُشيم بواسط، ومَعْمَر باليمن، وجرير بن عبد الحميد بالرّيِّ، وابن المبارك بخراسان. قال العراقيُّ وابن حجر: وكان هؤلاء في عصر واحد فلا يُدرى أيُّهُم سبق. ثمَّ تلا المذكورين كثير من أهل عصرهم إلى أن رأى بعض الأئمَّة أن تُفرد أحاديث النَّبيِّ ﷺ خاصَّة وذلك على رأس المئتين؛ فصنَّف عُبيد الله بن موسى الكوفيُّ مسندًا، وصنَّف مُسَدَّد البصريُّ مسندًا، وأسد بن موسى مسندًا، ونُعيم بن حمَّاد الخزاعيُّ المصريُّ مسندًا، ثمَّ اقتفى الأئمَّة آثارهم، فقلَّ إمام إلَّا وصنَّف حديثه على المسانيد كأحمد ابن حنبل وإسحاق بن رَاهُوْيَه وابن أبي شيبة وغيرهم.
قال: قلت: وهؤلاء المذكورون في أوَّل مَن جَمَعَ كُلُّهُم في أثناء المئة الثَّانية، وأما ابتداء تدوين الحديث فإنَّه وقعَ على رأس المئة في خلافة عُمر بأمره. انتهى ملخصًا. ثم قال بعد ذلك بأسطر: قال في فتح الباري: يُستفاد من ذلك ابتداء تدوين الحديث النَّبويِّ، ثمَّ أفاد أنَّ أوَّل من دوَّنه بأمر عمر ابن عبد العزيز ابنُ شهاب الزُّهريُّ. انتهى.
أقول: فلعلَّ ابن شهاب أوَّلُ مَن جمع على الإطلاق، ثمَّ تبعه هؤلاء أو أنَّه جَمع جمعًا مطلقًا من غير ترتيب على أبواب، وهؤلاء جمعوا مع التَّبويب فيكون هو أوَّلُ من جمع مطلقًا وأولئك أوَّل من جمع مبوَّبًا.
قوله: (مَا سَنَحَ لَهُ) بمهملتين؛ أي: عَرَضَ.
[ ٣٨ ]
وانتهى إليه علمه، فمنهم من رتَّب على المسانيد (^١)، كالإمام أحمد ابن حنبل، وإسحاق بن رَاهُوْيَه، وأبي بكر ابن أبي شيبة، وأحمد بن منيعٍ، وأبي خيثمة، والحسن بن سفيان، وأبي بكرٍ البزَّار وغيرهم، ومنهم من رتَّب على العلل؛ بأن يجمع في كلِّ متنٍ طرقَه واختلافَ الرُّواة فيه، بحيث يتَّضح إرسال ما يكون متَّصلًا، أو وقف ما يكون مرفوعًا أو غير ذلك، ومنهم من رتَّب على الأبواب الفقهيَّة وغيرها، ونوَّعه أنواعًا، وجمع ما ورد في كلِّ نوعٍ وفي كلِّ حكمٍ إثباتًا ونفيًا في بابٍ فبابٍ، بحيث يتميَّز ما يدخل في الصَّوم مثلًا عمَّا يتعلَّق بالصَّلاة، وأهل هذه الطَّريقة منهم من تقيَّد بالصَّحيح كالشَّيخين وغيرهما، ومنهم من لم يتقيَّد بذلك كباقي الكتب
قوله: (على المسانيد) جمع مُسند، وهو لغةً اسم مفعول من السَّند، واصطلاحًا: ما اتَّصل إسناده من راويه إليه ﷺ. يُطلق على الكتاب الَّذي جمع فيه ما أسنده الصَّحابيُّ؛ -أي: رواه- والمعنى أنَّ منهم من جَعل كتابه مرتَّبًا بحسب ما يذكره من أسانيد الصحابة كـ «مسند الإمام أحمد» فإنَّه كتاب ذَكر فيه مسانيد الصحابة كذلك فيقول فيه: مسند أبي بكر؛ أي: ما رواه أبو بكر عن النَّبيِّ ﷺ، ويذكر أحاديثه في محلٍّ واحد، فإذا فرغ منها يقول: مسند عمر، وهكذا فيذكر جميع الأحاديث المسندة إلى مثل الصِّدِّيق ولا يفصل بينها بحديث مسند إلى صحابيٍّ آخر.
قوله: (بِحَيْثُ يَتَّضِحُ إِرْسَالُ مَا يَكُوْنُ مُتَّصِلًا)؛ أي: بحسب الظَّاهر، وكذا يُقال فيما بعده وذلك كأن يقول: حدَّثنا فلان عن فلان عن فلان التَّابعيِّ عن النَّبيِّ ﷺ بكذا، ويُسقط الصَّحابيَّ ويسوق طرقًا لهذا الحديث كلَّها مُسقطةٌ للصَّحابيِّ، ثمَّ يسوق طريقًا واحدًا فيه الوصل فيُعلَم بذلك وبقرائن أخر تقوم عندهم أنَّ وصله غلطٌ وأنَّه مرسل، وكذا يُقال في وقف المرفوع ونحو ذلك.
قوله: (وغيرها)؛ أي: كـ «الموطأ» و«صحيح سعيد بن السَّكن» و«المنتقى» لابن الجارود.
وقوله: (وَمِنْهُم مَنْ لَمْ يَتَقيّدْ بِذَلِكَ)؛ أي: بالصَّحيح، بل ذكر معه الحسن.
وقوله: (كَبَاقِي الكُتُب السِّتَّةِ) هي «سنن: أبي داود والتِّرمذيِّ والنَّسائيِّ وابن ماجه» وهم على
_________________
(١) في (ص): «الأسانيد».
[ ٣٩ ]
السِّتَّة، وكان أوَّلَ من صنَّف في الصَّحيح: محمَّدُ بن إسماعيلَ البخاريُّ،
هذا التَّرتيب في الصِّحة. و(ماجه) ونحوه كسَنْدَه ومَنْدَه ومَرْدَوَيْه وابن رَاهُوْيَه أعلامٌ أعجميةٌ وُضعت على السكون وصلًا ووقفًا، وتُعرب بحركات مقدَّرة على آخرها مَنَعَ من ظهورها اشتغال المحل؛ لسكون الحكاية، لكن حركة الجرِّ فتحة نائبة عن الكسرة؛ لمنعها من الصَّرف للعلمية والعُجمة، والمراد بالحكاية حكاية حال وضعها.
واعلم أنَّ المراد بـ «سنن النَّسائيِّ» (^١) المعدودة في الكتب السِّتَّة الصَّحيحة هي الصُّغرى؛ فإنَّ له اثنتين كما صرَّح بذلك التَّاج ابن السُّبكيُّ: ولمَّا صنَّف الكبرى أهداها لأمير الرَّملة فقال له: كلُّ ما فيها صحيح؟ فقال: لا، فقال: ميِّز لي الصَّحيح من غيره، فصنَّف له الصُّغرى.
تنبيه: المراد بكون نحو «الموطَّأ» مُتقيِّدًا بالصَّحيح على ما قرَّرنا به كلام الشَّارح أنَّه لا يُخرج إلَّا الصَّحيح عنده وعند من يُقلِّده على ما يقتضيه نظره من الاحتجاج بالمُرسل والمنقطع وغيرهما لا على الشَّرط الَّذي ذكره في تعريف الصَّحيح، كما قاله شيخ الإسلام فلا ينافي ما قاله العراقيُّ مِن أنَّ مالكًا لم يُفْرِد الصَّحيح بل أدخل فيه المرسل والمنقطع والبلاغات، ومن بلاغاته أحاديث لا تُعرف كما ذكره ابن عبد البرِّ. انتهى.
والبخاريّ: وإن وجد مثل ذلك في كتابه في مواضع إلَّا أنَّها مُتَّصلة في مواضع أخر منه.
قوله: (أَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ فِي الصَّحِيْحِ …) إلى آخره، اعترضَ بأنَّ مالكًا أوَّل من صنَّف الصَّحيح، وتلاه أحمد ابن حنبل، وتلاه الدَّارميُّ، وأُجيب بأنَّ المراد الصَّحيح المجرَّد؛ أي: الَّذي لم يُذكر معه غيره، أو الصَّحيح المُجمع على صحَّته.
والسَّبب في تصنيف البخاريِّ صحيحَه ما رواه عنه إبراهيم بن معقل النَّسفيُّ قال: كنَّا عند إسحاق ابن رَاهُوْيَه فقال: لو جمعتم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّة النَّبيِّ ﷺ، قال: فوقع ذلك في قلبي فأخذت في جمع الجامع الصَّحيح. وعنه أيضًا قال: رأيتُ النَّبيَّ ﷺ وكأنَّني واقفٌ بين يديه
_________________
(١) في الأصلين الخطِّيَّين والمطبوع: سنن أبي داود، وهو سبق قلم.
[ ٤٠ ]
أسكننا الله تعالى معه في بحبوحة جِنانه بفضله السَّاري، ومنهم المقتصر على الأحاديث المتضمِّنة للتَّرغيب والتَّرهيب، ومنهم من حذف الإسناد واقتصر على المتن فقط؛ كالبغويِّ في «مصابيحه»، واللُّؤلؤيِّ في «مشكاته».
وبالجملة: فقد كَثُرت في هذا الشَّأن التَّصانيف، وانتشرت في أنواعه وفنونه التَّآليف، واتَّسعت دائرة الرِّواية في المشارق والمغارب، واستنارت مناهج السُّنَّة لكلِّ طالب.
وبيدي مروحة أذبُّ عنه، فسألت بعض المعبِّرين فقال لي: أنت تذُبُّ عنه الكذبَ، فهو الَّذي حملني على إخراج الجامع الصَّحيح، قال: وألَّفته في بضعَ عشرة سنة.
قوله: (بَحْبُوحَةِ جِنَانِه) في «القاموس» وبحبوحة المكان: وسطه. انتهى.
قوله: (لِلتَّرْغِيب)؛ أي: الحمل على الرَّغبة فيما عند الله تعالى بذكر فضائل الأعمال، وما يتضمَّن سعة رحمته تعالى وعفوه ونحو ذلك (والتَّرهيب) التَّخويف من عِقَابِهِ بذكر ما هو بضدِّ ذلك من موجبات نقمته وغضبه.
قوله: (مَنَاهِج) جمع منهاج، وهو كالمنهج: الطَّريق الواضح.
[ ٤١ ]