أوَّلها: ما تختلف الرُّواة فيه بالزِّيادة والنَّقص من رجال الإسناد، فإن أخرج صاحب الحديث الصَّحيح الطَّريق المزيدة، وعلَّله النَّاقد بالطَّريق النَّاقصة؛ فهو تعليلٌ مردودٌ؛ لأنَّ الرَّاوي إن كان سمعه من الطريق النَّاقصة؛ فهو منقطعٌ، والمنقطع من قسم الضَّعيف، والضَّعيف لا يُعِلُّ الصَّحيحَ، وإن أخرج صاحب الصَّحيح الطَّريق النَّاقصة، وعلَّله النَّاقد بالطَّريق المزيدة؛ تضمَّن اعتراضه دعوى انقطاعٍ فيما صحَّحه المصنِّف، فينظر إن كان مدلِّسًا من طريقٍ أخرى،
قوله: (مَا تَخْتَلِفُ فِيْهِ الرِّوَايَةُ) عبارةُ «مقدمة الفتح»: (الرواة) بدون ياء، وهي أظهرُ.
قوله: (صَاحِبُ الحَدِيْثِ الصَّحِيْحِ) الذي في المقدمة المذكورة: (صاحب الصحيح) بحذف لفظ (الحديث) وهو أولى، والمرادُ بصاحب الصحيح أحدُ الشيخين لدلالةِ السِّيَاقِ.
قوله: (وَعَلَّلَهُ النَّاقِض …) إلى آخره؛ أي: كما في حديث ابن جريج، إذ أخرجاه عن الزُّهري، عن عبد الرحمن بن عبد الله، عن أبيه وعمهِ عُبيد الله بن كعب، عن كعب: «أَنَّ النَّبِي ﷺ كان إِذَا قَدِمَ من سَفَرٍ ضُحَىً بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ …» الحديث.
قال الدَّارقطني: خالفَ فيه ابنُ جُريج مَعْمَرًا، فقال: عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب، عن أبيه قال: ورواية ابن جُرَيْجٍ أصحُّ ولا يضرهُ من خالفه. انتهى.
قال ابن حجر: قول مَعْمَر وغيره: (عبد الرحمن بن كعب) يُحمل على أنَّه منسوب إلى جده فتكونُ روايتهم منقطعةً، وهذا الجوابُ صحيحٌ من الدَّارَقُطْني في أنَّ الاختلافَ في مثلِ هذا لا يضرُّ.
قوله: (إِنْ كَانَ سَمِعَهُ من الطَّرِيْقِ النَّاقِصَةِ …) إلى آخره، في العبارةِ تصرفٌ بنقصٍ مُخِلٍّ، وأصلها: (لأنَّ الراوي إن كان سمعه) فالزيادةُ لا تضر؛ لأنَّه قد يكون سمعهُ بواسطةٍ عن شيخه ثم لقيه فسمعه منه، وإن كانَ لم يسمعه في الطريق الناقصة فهو منقطعٌ … إلى آخره، ثم مَثَّلَ لهذا؛ -أعني: لما لم يسمعه- بحديث الأعمش، عن مُجَاهد، عن طاوس، عن ابن عباس في قصة القبرينِ عندهم.
قوله: (إِنْ كَانَ مُدَلِّسًا)؛ أي: هذا الراوي.
وقوله: (مِنْ طَرِيْقٍ أُخْرَى)؛ أي: غيرِ هذه، مع كونه صرَّحَ في هذه بالسماع، وقد اختصر الشارح
[ ٢٥٣ ]
فإن وجد ذلك اندفع الاعتراض به، وإن لم يوجد وكان الانقطاع فيه ظاهرًا؛ فمُحصَّل الجواب عن صاحب الصَّحيح أنَّه إنَّما أخرج مثل ذلك في باب ما له متابعٌ وعاضدٌ، وما حفَّته قرينةٌ في الجملة تقوِّيه، ويكون التَّصحيح وقع من حيث المجموع، وفي «البخاريِّ» و«مسلمٍ» من ذلك حديث الأعمش عن مجاهدٍ عن طاوسٍ عن ابن عبَّاسٍ في قصَّة القبرين: «وأنَّ أحدهما كان لا يستبرئ من بوله»، قال الدَّارقطنيُّ: خالف منصورٌ، فقال: عن مجاهدٍ عن ابن عبَّاسٍ،
عبارة المقدمة فأوهم لولا ما قررناه، وأصلُ العبارة: فينظر إن كان ذلك الراوي صحابيًا أو ثقة غير مدلس قد أدرك مَن روى عنه إدراكًا بينًا أو صرح بالسماع إن كان مُدلسًا من طريق أخرى، فَإِنْ وُجِدَ ذَلِكَ … إلى آخره.
قوله: (وَإِنْ لَمْ يُوْجَدْ)؛ أي: كونُ الراوي غيرَ مدلِّس أو مدلِّسًا صرح بالسماع بأن كان مدلِّسًا لم يصرحْ بالسماع فيكونُ الانقطاع حينئذٍ ظاهرًا كما قال، وقد مَثَّلَ لذلك الدَّارَقُطْنِي بحديث أبي مروان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أم سلمة أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لها: «إِذَا صَلَّيْتِ الصُّبْحَ فَطُوفِي عَلَى بَعِيرِكِ وَالنَّاسُ يُصَلُّوْنَ …» الحديث، فهذا منقطعٌ، وقد وصلهُ حفص بن غياث، عن هشام، عن أبيه، عن زينب، عن أمِّ سَلَمَةَ، ووصله مالك، عن أبي الأسود، عن عروة كذلك في «الموطأ»، وهو عند المصنف في هذا المكان مقرونٌ بحديث أبي مروان، وقد وقع في بعض النُّسخ -وهي رواية الأَصيلي- في هذا عن هشام، عن أبيه، عن زينب، عن أم سلمة موصولًا، لكن معظم الروايات على إسقاط زينب، وهو الصحيح المحفوظُ من حديث هشام، وإنَّما اعتمد البخاريُّ فيه رواية مالك التي أثبتَ فيها ذكرَ زينب، ثم ساقَ معها رواية هشام التي سقطتْ منها حاكيًا للخلاف فيهِ على عروةَ كعادتِهِ، مع أنَّ سماعَ عُروة من أم سَلَمَةَ ليسَ بِمُسْتَبْعَدٍ.
قوله: (مِنْ ذَلِكَ)؛ أي: ممَّا اختلفت فيه الرواة بالزيادة والنقص.
قوله: (خَالَفَ مَنْصُوْرٌ …) إلى آخره؛ أي: فأسقطَ طَاوِسًا.
[ ٢٥٤ ]