وأخرج البخاريُّ حديث منصورٍ على إسقاطه «طاوسًا». انتهى. وهذا الحديث أخرجه البخاريُّ في «الطَّهارة» [خ¦٢١٨] عن عثمان ابن أبي شيبة عن جريرٍ، وفي «الأدب» [خ¦٦٠٥٢] عن محمَّد بن سلَامٍ عن عَبِيْدة بن حميدٍ، كلاهما عن منصورٍ به، ورواه من طرقٍ أخرى من حديث الأعمش، وأخرجه باقي الأئمَّة السِّتَّة من حديث الأعمش أيضًا، وأخرجه أبو داود أيضًا والنَّسائيُّ وابن ماجه وابن خزيمة في «صحيحه» من حديث منصورٍ أيضًا، وقال التِّرمذيُّ بعد أن أخرجه: رواه منصورٌ عن مجاهدٍ عن ابن عبَّاسٍ، وحديث الأعمش أصحُّ؛ يعني: المتضمِّن للزِّيادة، قال الحافظ ابن حجرٍ: وهذا في التَّحقيق ليس بعلَّةٍ؛ لأنَّ مجاهدًا لم يُوصَف بالتَّدليس، وسماعه من ابن عبَّاسٍ صحيحٌ في جملة الأحاديث، ومنصورٌ عندهم أتقنُ من الأعمش، مع أنَّ الأعمش أيضًا من الحفَّاظ، فالحديث كيفما دار دارَ على ثقةٍ، والإسناد كيفما دار كان متَّصلًا، فمثل هذا لا يقدح في صحَّة الحديث إذا لم يكن راويه مدلِّسًا، وقد أكثر الشَّيخان من تخريج مثل هذا، ولم يستوعب الدَّارقطنيُّ انتقاده.
ثانيها: ما تختلف الرُّواة فيه بتغيير بعض الإسناد، فإن أمكن الجمع بأن يكون الحديث عند ذلك الرَّاوي على الوجهين جميعًا، فأخرجهما المصنِّف ولم يقتصر على أحدهما، حيث يكون المختلفون متعادلين في الحفظ والعدد، كما في «البخاريِّ» في «بدء الخلق» من حديث إسرائيل عن الأعمش ومنصورٍ جميعًا عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله، قال: «كنَّا مع النَّبيِّ ﷺ في غارٍ فنزلت ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾» [خ¦٣٣١٧]، قال الدَّارقطنيُّ: لم يتابع إسرائيل عن الأعمش عن علقمة، أمَّا عن منصورٍ فتابعه شيبان عنه، وكذا رواه مغيرة عن إبراهيم عنه.
قوله: (عَنْ عَبِيْدَةَ) بفتح المهملة وكسر الموحدة، فإنَّ عُبَيْدَةَ كُلُّهُ بالضم إلَّا أربعةٌ ذكرناهم في «رضاب المرتشف» منهم ابن حميد هذا.
قوله: (فَإِنْ أَمْكَنَ …) إلى آخره، شرعَ في الجوابِ عن ذلكَ.
[ ٢٥٥ ]
انتهى. وقد حكى البخاريُّ الخلاف فيه، وهو تعليلٌ لا يضرُّ، وإن امتنع الجمع بأن يكون المختلفون غير متعادلين، بل متفاوتين في الحفظ والعدد، فيخرِّج المصنِّف الطَّريق الرَّاجحة، ويُعرِض عن الطَّريق المرجوحة أو يشير إليها، والتَّعليل بجميع ذلك من أجل مجرَّد الاختلاف غير قادحٍ؛ إذ لا يلزم من مجرَّد الاختلاف اضطرابٌ يوجب الضَّعف، وحينئذٍ فينتفي الاعتراض عمَّا هذا سبيله، وفي «البخاريِّ» في «الجنائز» من هذا الثَّاني: حديث اللَّيث عن الزُّهريِّ عن عبد الرَّحمن بن كعبٍ عن جابرٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يَجمعُ بين قتلى أُحُدٍ ويُقدِّم أقرأهم» [خ¦١٣٤٣]. قال الدَّارقطنيُّ: رواه ابن المبارك عن الأوزاعيِّ عن الزُّهريِّ مُرسَلًا، ورواه معمر عن الزُّهريِّ عن ابن أبي صُعَيرةَ (^١) عن جابرٍ، ورواه سليمان بن كثيرٍ عن الزُّهريِّ، حدَّثني مَنْ سمع جابرًا، وهو حديثٌ مضطربٌ. انتهى. قال الحافظ ابن حجرٍ: أطلق الدَّارقطنيُّ القول بأنَّه مضطربٌ مع إمكان نفي الاضطراب عنه؛ بأن يفسَّر المبهم بالذي في رواية اللَّيث، وتُحمَل رواية معمر على أنَّ الزُّهريَّ سمعه من شيخين، وأمَّا رواية الأوزاعيِّ المُرسَلة فقصَّر
قوله: (وَهُوَ تَعْلِيْلٌ لَا يَضُرُّ)؛ أي: لأنَّ الغرض أنَّهُمَا مُتعادلان في الحفظ مع ذكر المصنف كلًا منهما.
قوله: (فَيُخَرِّجُ …) إلى آخره، هو جوابُ هذا النوع.
قوله: (وَيُقَدِّمُ أَقْرَأُهُم)؛ أي: للصلاة عليه. قوله: (عَنْ ابْنِ أَبِي صُعَيْرَ) في «التقريب» أنَّه بمهملتين مُصَغَّرًا بهاءٍ ودونها، واسمه عبد الله بن ثعلبة، ويُقال: ثعلبة بن عبد الله.
قوله: (بِأَنْ يُفَسَّرَ المُبْهَمَ)؛ أي: الذي في رواية سليمان وهو قوله: (مَنْ سَمِعَ جَابِرًا)، وقوله: (بِالَّذِيْ فِيْ رِوَايَةِ اللَّيْثِ) هو عبد الرحمن بن كعب؛ أي: فيكونُ المراد بقوله (مَنْ سَمِعَ جَابِرًا) في رواية سليمان. انتهى عبد الرحمن المذكور.
قوله: (مِنْ شَيْخَيْنِ)؛ أي: وهُما ابن أبي صُعَيْرَ وعبد الرحمن بن كعب.
_________________
(١) هكذا في (ج) و(ص) و(م): وكذا في الموضع اللاحق.
[ ٢٥٦ ]
فيها بحذف الوساطة، فهذه طريقة من ينفي الاضطراب عنه، وقد ساق البخاريُّ ذكر الخلاف فيه، وإنَّما أخرج رواية الأوزاعيِّ مع انقطاعها؛ لأنَّ الحديث عنده عن عبد الله بن المبارك عن اللَّيث والأوزاعيِّ جميعًا عن الزُّهريِّ، فأسقط الأوزاعيُّ عبد الرَّحمن بن كعبٍ، وأثبته اللَّيث، وهما في الزُّهريِّ سواءٌ، وقد صرَّحا بسماعهما له منه، فقبل زيادة الليث؛ لثقته، ثمَّ قال بعد ذلك: ورواه سليمان بن كثيرٍ عن الزُّهريِّ عمَّن سمع جابرًا، وأراد بذلك إثباتَ الواسطة بين الزُّهريِّ وبين جابرٍ فيه في الجملة، وتأكيدَ رواية اللَّيث بذلك، ولم يرها علَّةً توجب اضطرابًا. وأمَّا رواية معمرٍ فقد وافقه عليها سفيان بن عُيَيْنَة، فرواه عن الزُّهريِّ عن ابن أبي صُعيرٍ (^١)، وقال: ثبَّتني فيه معمرٌ، فرجعت روايته إلى رواية معمرٍ.
قوله: (بِحَذْفِ الوَاسِطَةِ) هو أحدُ الشَّيخين المذكورين للزُّهري، وبهذا لا يكونُ اضطرابٌ أصلًا.
قوله: (وَهُمَا فِيْ الزُّهْرِي سَوَاءٌ)؛ أي: في الروايةِ عنه بلا واسطة.
قوله: (وَقَدْ صَرَّحَا)؛ أي: الأوزاعي والليث.
قوله: (ثُمَّ قَالَ)؛ أي: البُخَاري.
قوله: (وَأَرَادَ)؛ أي: البُخاري؛ أي: قَصَدَ بقوله: وَرَوَاهُ سُلَيْمَانُ.
قوله: (وَبَيْنَ جَابِرٍ فِيْهِ)؛ أي: في السَّنَدِ المَذْكُور.
قوله: (وَتَأْكِيْدَ) عَطْفٌ على إثبات.
قوله: (بِذَلِكَ)؛ أي: رواية سليمان.
قوله: (ثَبَّتَنِي فِيْهِ)؛ أي: في هذا الحديث؛ أي: جعلني ثابتًا بموافقتهِ لي في روايتهِ، كذلك بعد أن كُنت بالانفرادِ قلقًا.
قوله: (فَرَجَعَتْ رِوَايَتُهُ)؛ أي: روايةُ سُفيان، قال في «المقدمة الفتحية»: وعن الزُّهْرِي فيهِ اختلافٌ آخرُ، رواهُ البيهقيُّ من طريق عبد الرحمن بن عبد العزيز الأنصاري، عن الزُّهري، عن
_________________
(١) في (ل): «صُعيرة».
[ ٢٥٧ ]