وإلَّا فيُجمَع بينهما، فإن لم يمكن يُوقَف عن العمل بأحدهما.
والمختلف: أن يوجد حديثان متضادَّان في المعنى بحسب الظَّاهر،
الشرع، أو القياس، أو عمل الأمة، أو الخلفاء الراشدين، أو معه مرسل آخر، أو منقطع، أو لم يشعر بنوع قدح في الصحابة، أو له نظير متفقٌ على حكمه، أو اتفق على إخراجه الشيخان، إلى غير ذلك ممَّا لا ينحصر، ومثاره غلبة الظن. انتهى. ملخصًا من «شرح التقريب».
أقول: ونظمت هذه الأقسام السبعة مجملة فقلت:
أقسامُ ترجيحهمْ عندَ التعارضِ … في الأخبارِ سبعٌ أتتْ كالدرِّ منتظما
حالُ الرواةِ كذا حالُ الروايةِ فِي … تَحَمُّلٍ وأداءٍ والوقتُ إذْ عُلما
اللفظُ والحكمُ أمرٌ خارجٌ كذا … كانَ البخاريُّ روى فاحفظْ وكُنْ فَهِما
فائدتان:
الأولى: منعَ بعضهم الترجيح في الأدلة قياسًا على البينات وقال: إذا تعارضا لزم التخيير أو الوقف، وأُجيب: بأنَّ مالكًا يرى ترجيح البينة على البينة، ومن لم يرَ ذلك يقول: البينة مستندة إلى توقيفات تَعَبُّدِيَة، ولهذا لا تقبلُ إلَّا بلفظ الشهادة.
الثانية: ما سَلِمَ مِنَ المُعارضة فهو محكمٌ، وقد عقد له الحاكم في «علوم الحديث» بابًا وعَدَّهُ من الأنواع، قال: ومن أمثلته حديث: «إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يوم الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُشَبِّهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ»، وحديث: «لَا يَقْبَلُ الله صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ، ولا صَدَقَةً من غُلُولٍ»، وحديث: «إِذَا وُضِعَ العَشَاءُ وَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ».
قوله: (يُوْقَفُ عَنْ العَمَلِ بَأَحَدِهِمَا)؛ أي: حتَّى يظهرَ مرجحٌ.
قوله: (وَالْمُخْتَلِف) قال في «التقريب»: هُوَ منْ أهمِّ الأنواعِ، ويضطر إلى معرفته جميع العلماء من الطوائف، وإنَّما يكملُ له الأئمةُ الجامعون بين الحديث والفقه، والأصوليون الغواصون على المعاني الدقيقة، وأول مَن تكلَّم فيه الإمام الشافعي، وكان ابن خزيمة من أحسن الناس كلامًا فيه حتى قال: لا أعرف حديثين متضادَّين، فمن كان عنده فليأتني بهما لأؤلف بينهما.
[ ١٦٠ ]
فيجمع بما ينفي التَّضادّ؛ كحديث: «لا عدوى ولا طِيَرَة» مع حديث: «فِرَّ من المجذوم» وقد جُمِعَ بينهما بأنَّ هذه الأمراض لا تُعدِي بطبعها، ولكن جعل الله تعالى مخالطة المريض للصَّحيح سببًا لإعدائه، وقد يتخلَّف.
قوله: (فَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا)؛ أي: إن أمكن الجمعُ بينهما بوجهٍ صحيح ولا يصارُ إلى التعارض، ويجبُ العمل بهما، فإن لم يمكن؛ فإن علمنا أحدهما ناسخًا بطريقٍ مما سبق قدَّمناه، وإلَّا رجحنا أحدهما بوجهٍ مما سبق.
قوله: (وَلَاْ طِيَرَة) بكسر الطاء وفتح الياء وقد تُسكن، مصدر تطيَّر بالشيء إذا تشاءم به، قال تعالى: ﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ [يس: ١٨] يقال: تَطَيَّرَ طِيْرَةً، كتَحَيَّرَ حِيْرَةً.
قوله: (بِأَنَّ هَذِهِ الأَمْرَاضَ …) إلى آخره، هذا ما اختاره ابن الصلاح، واختار شيخ الإسلام أن نفي العدوى باقٍ على عمومه، والأمر بالفِرار من باب سد الذرائع؛ لئلا يتفق للذي يخالطه شيء من ذلك بتقدير الله تعالى ابتداء لا بالعدوى، فيظن أنَّ ذلك بسبب مخالطته فيعتقد صحَّةَ العدوى فيقع في الحرج، فأمرَ بتجنبه حسمًا للمادة، وقال الباقِلاني: إثباتُ العدوى في الجُذام ونحوه مخصوص من عموم نفي العدوى، فيكون معنى قوله: «لا عدوى»؛ أي: إلَّا من الجذام ونحوه، فكأنَّه قال: لا يُعدي شيءٌ شيئًا إلَّا ما تقدم تبييني له أنَّه يُعدي، وقيل: الأمرُ بالفرار رعاية لخاطر المجذوم؛ لأنَّه إذا رأى الصحيح تعظمُ مُصيبته وتزدادُ حسرَتُهُ، ويُؤيده حديث: «لَا تُدِيمُوا النَّظَرَ إلى الْمَجْذُومِينَ» فإنَّهُ محمول على هذا المعنى.
[ ١٦١ ]