والموقوف: ما قُصِرَ على الصَّحابيِّ قولًا أو فعلًا ولو منقطعًا،
ومثال المرفوع صريحًا من الفعل قول الصحابي: فَعَلَ النَّبيُّ كذا ورأيته يفعل كذا.
ومثاله حكمًا أن يفعل الصحابي ما لا مجال للرأي فيه، فَيُنَزَّل على أن ذلك عنده عن النَّبيِّ ﷺ كالقَصْر والفِطر الواقعين من ابن عمر وابن عباس في أربعة بُرُدٍ.
ومثال المرفوع صريحًا من التقرير أن يقول الصحابي: فَعَلْتُ، أو: فُعِلَ بحضرة النَّبيِّ ﷺ كذا، ويذكر عدم إنكاره لذلك.
ومثاله حكمًا حديث المغيرة بن شعبة: «كَانَ أَصْحَابُ النَّبيِّ ﷺ يَقْرَعُوْنَ بابه بِالأَظَافِيْرِ» فإنَّه مستلزم لاطِّلاعه ﷺ على ذلك وإقرارهم عليه.
ومثال المرفوع صريحًا من الصفة أن يقال: «كَانَ النبي ﷺ أَبْيَضَ اللَّوْنِ رَبْعَةً» مثلًا.
ومثالها حكمًا قول الصحابي: أُمِرْنا بكذا، أو نُهِيْنا عن كذا، أو من السُنَّة كذا؛ لظهور أنَّ النَّبيَّ ﷺ فَعلَ ما ذُكر، والفعلُ صفةٌ لفاعله.
قوله: (عَلَى الصَّحابي) سيأتي تعريفه وما تثبت به الصحبة، والتقييد بالصحابي إنَّما هو بالنظر للإطلاق، وإلَّا فيستعمل في غيره مقيدًا، فيُقال: موقوف على عطاء أو على الزهري، أو وقفه فلان على مجاهد أو الثوري أو غيرهما من التابعين.
قوله: (قَوْلًا أَوْ فِعْلًا)؛ أي: له كما في بعض النسخ، وكان الأولى التعبير بالواو بدل (أو) في قوله: (أو فعلًا) فيه وفيما قبله؛ لأنَّها تُفيد الجمع، ولا شكَّ أنَّ كلًّا من القول والفعل مجتمع فيما أُضيف لمن ذكر، وكلمةُ (أو) تقتضي خلاف ذلك؛ لأنَّها لأحد الشيئين أو الأشياء، وهذا مُطَّرِدٌ في كلِّ ما كان من تقسيم الكلي إلى جزئياته كالكلمة اسم وفعل وحرف، أما ما كان من تقسيم الكل إلى أجزائه نحو: (الحصير: خَيْطٌ وسَمُرٌ) فتتعين الواو، فاحفظه.
ومحل كون ما قُصر على الصحابي موقوفًا إذا خلا عن قرينة الرفع، أما لو وجدت فيه قرينة الرفع بأن لم يكن للرأي فيه مجالٌ فهو في حكم المرفوع، وإن احتمل أخذ الصحابيِّ له عن أهل الكتاب تحسينًا للظن به، كما سبق من الإخبار بالأمور الماضية والآتية، وكما في قول البخاري: «كان ابن عمر وابن عباس يُفطران ويقصران في أربعة بُرُدٍ»؛ لأنَّ مثل ذلك لا يُفعل من قبل الرأي، ثم مثل القول والفعل التقريرُ كما أفادهُ الحافظ ابن حجر.
[ ٧٧ ]
وهل يُسمَّى أثرًا؟ نعم؛ ومنه قول الصّحابيِّ: «كنا نفعل» ما لم يُضفه إلى النَّبيِّ ﷺ، فإن أضافه إليه نحو قول جابرٍ: «كنَّا نعزل على عهد رسول الله ﷺ» فمن قَبِيلِ المرفوع، وإن كان لفظه موقوفًا؛ لأنَّ غرضَ الرَّاوي بيانُ الشَّرع
قوله: (نَعَم)؛ أي: عند فقهاء خراسان، فيسمُّون الموقوف بالأثر، والمرفوع بالخبر لما سبق، وفي «شرح النخبة»: يُقال للموقوف والمقطوع: الأثر، قال النووي: وعند المحدثين كل هذا يُسمى أثرًا؛ لأنَّه مأخوذ من أَثَرْتُ الحديثَ؛ أي: رويته. قوله: (وَمِنْهُ قوْلُ الصَّحَابِيِّ …) إلى آخره؛ أي: سواءٌ قاله في حياته ﷺ أو بعدها.
وقوله: (كُنَّا نَفْعَلُ كَذَا)؛ أي: أو نقول، أو نرى كذا.
وقوله: (ما لم يضفه إلى النَّبيِّ ﷺ؛ أي: إلى زمنه، كأنْ يقول: كنا نفعل كذا في زمن النَّبيِّ ﷺ، وما ذهب إليه الشارح مِن أنَّ ما لم يُضف له ﷺ من الموقوف، هو ما حكاه النووي في «شرح مسلم» عن الجمهور من المحدثين والفقهاء والأصوليين، وأطلق الحاكم والرازي والآمدي أنَّه مرفوع، وقال ابن الصبَّاغ: إنَّه الظاهر، ومثَّله بقول عائشة «كَانَتْ اليَدُ لَا تُقْطَعُ فِيْ شَيءٍ مِنَ التَّافِهِ»، وحكاه النووي في «شرح المهذب» أيضًا عن كثير من الفقهاء، ثم قال: وهو قوي من حيث المعنى. وصحَّحه العراقي وشيخ الإسلام.
قوله: (لِأَنَّ غَرَضَ الرَّاوِي …) إلى آخره؛ أي: ولأنَّ ظاهرَ ذلك مُشْعِرٌ بأنَّ رسول الله ﷺ اطلع على ذلك وأَقَرَّهُم عليه؛ لتوفر دواعيهم على سؤالهم عن أمور دينهم، وتقريرهُ ﷺ أحد وجوه السنن المرفوعة.
قوله: (بَيَانُ الشَّرْعِ)؛ أي: لا اللغة ولا العادة، والشرعُ يُتلقى من الكتاب والسنة والإجماع والقياس، فمراد جابر بقوله: (كنا نعزل …) إلى آخره، أنَّ العزل جائز شرعًا لفعلهم إياه في زمنه ﷺ مع إقراره إياهم عليه، وإقْرَارُه ﷺ حكمٌ شرعيٌّ، وكذا قول الصحابي: أُمِرْنَا بكذا، إذ لا يصحُّ أن يُريد بقوله: (أُمرنا)؛ أي: أمرنا الكتابُ؛ لكون ما في الكتاب مشهورًا يعرفه الناس، ولا الإجماع؛ لأنَّ المتكلم بذلك من أهل الإجماع ويستحيل أمره نفسه، ولا القياس؛ إذ لا أمر فيه، فتعيَّن كون المراد أَمْرُ الرسول ﷺ؛ ولأنَّ مطلق ذلك ينصرف بظاهره إلى مَن له الأمر والنهي، ويجب اتباع أمره، وذلك هو الرسول ﷺ.
[ ٧٨ ]