وكان أبو عبد الله البخاريُّ نحيفًا، ليس بالطَّويل ولا بالقصير، وكان فيما ذكره غُنْجار في «تاريخ بخارى»، واللَّالَكَائيُّ في «شرح السُّنَّة» في «باب كرامات الأولياء»: قد ذهبت عيناه في صغره، فرأت أمُّه إبراهيم الخليل ﵊ في المنام، فقال لها: قد ردَّ الله على ابنك بصره بكثرة دعائك له، فأصبح وقد ردَّ الله عليه بصره.
وأمَّا بدء أمره فقد رُبِّيَ في حجر العلم حتَّى ربا، وارتضع ثدي الفضل، فكان فطامه على هذا اللِّبأ.
قوله: (غُنْجَار) بغين معجمة مضمومة فنون ساكنة بعدها جيم وبعد الألف راء، لقبُ التيمي البخاري صاحب «تاريخ بخارى» كما في «القاموس»، وفي «مختصر تاريخ ابن عساكر»: الغُنْجارُ معرَّفًا.
قوله: (اللَّالَكَائِي) بفتح اللام آخره همزة، نسبة إلى اللوالك، وهي نعال تلبس في الأرجل كان يبيعها، كذا في «اللب».
قوله: (واللَّأْلَكَائِي) بهمزة ساكنة بين اللامين المفتوحة (^١).
قوله: (فِيْ حِجْر العِلْمِ) فيهِ إما مجازيًا لحذفٍ أو مَكْنِيَّة.
قوله: (رُبِّيَ فِيْ حِجْرِ العِلْمِ)، يُقال: رَبَى الصغير يَرْبِي، من باب: تعب، وربا يربو من باب علا إذا نشأ، ويتعدى بالتضعيف فيقال رَبَّيْتُهُ فَتَرَبَّى.
وقوله: (حَتَّى رَبَا) هو كنَمَا وزنًا ومعنىً.
قوله: (وَارْتَضَعَ ثَدْيَ الفَضْلِ) فيهِ من المَكْنِيَّةِ ما لا يخفاكَ.
قوله: (عَلَى هَذَا اللِّبَأ) اللبأ مهموز بوزن عِنَب: أول اللبن عند الولادة، وأكثرُ ما يكون ثلاث حلباتٍ وأقلُّهُ حلبةٌ، ولبَّأْتُ زيدًا ألبؤُهُ أطعمته اللِّبَأ.
_________________
(١) كذا تكرر ضبط اللالكائي.
[ ٣٠٠ ]
وقال أبو جعفرٍ محمَّد بن أبي حاتمٍ ورَّاق البخاريِّ: قلت للبخاريِّ: كيف كان بدء أمرك؟ قال: أُلهِمتُ الحديث في المكتب ولي عشْر سنين أو أقلُّ، ثمَّ خرجت من المكتب بعد العشر، فجعلت أختلف إلى الدَّاخليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأ للنَّاس: سفيان عن أبي الزُّبير عن إبراهيم، فقلت له: إنَّ أبا الزُّبير لم يرو عن إبراهيم، فانتهرني، فقلت له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل فنظر فيه، ثمَّ خرج، فقال لي: كيف هو يا غلامُ؟ قلت: هو الزُّبير بن عديٍّ عن إبراهيم. فأخذ القلم منِّي وأصلح كتابه، وقال: صَدَقْتَ، فقال بعض أصحاب البخاريِّ له: ابن كم كنتَ؟ قال: ابن إحدى عشْرة سنةً، فلمَّا طعنت في ستَّ عشْرة سنةً حفظت كتب ابن المبارك ووكيعٍ، وعرفت كلام هؤلاء؛ يعني: أصحاب الرَّأي، ثمَّ خرجت مع أخي أحمد وأمِّي إلى مكَّةَ، فلمَّا حججت رجع أخي إلى بُخَارى، فمات بها، وكان أخوه أسنَّ منه، وأقام هو بمكَّة؛ لطلب الحديث. قال: ولمَّا طعنت في ثماني عشْرة سنةً صنَّفت كتاب «قضايا الصَّحابة والتَّابعين وأقاويلهم»، قال: وصنَّفت «التَّاريخ الكبير» إذ ذاك عند قبر النَّبيِّ ﷺ في اللَّيالي المقمرة، وقلَّ اسمٌ في «التَّاريخ» إلَّا وله عندي قصَّةٌ، إلَّا أنِّي كرهت تطويل الكتاب.
قوله: (ابْنِ المُبَارَكِ) هو عبد الله بن المبارك بن واضح المروزي، قال ابن خلكان: كان قد جمعَ بين العلمِ والعمل والزُّهد، وتفقه على سُفيان الثوري ومالك بن أنس، وروى عنه الموطأ، وكان شديدَ التَّوَرُّعِ، ومما أُثِرَ عنه أنَّه سُئل أيُّمَا أفضلُ معاوية بن أبي سفيان أم عمر بن عبد العزيز فقال: والله إن الغبارَ الذي دخل في أنفِ معاوية مع رسول الله ﷺ أفضل من عُمَرَ بألفِ مرةٍ، صَلَّى مُعَاوِيَةُ خَلْفَ رسول الله ﷺ فقال: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» إِذْ قَالَ معاوية: «رَبَّنَا ولَكَ الْحَمْدُ» فما بعدَ هذا؟!. انتهى.
ومن كلامه: تعلمنا العلم للدنيا فدلنا على ترك الدنيا.
وكتبه: وهي مصنفاته في الحديث والفقه.
قوله: (وَوَكِيْعٍ) هو شيخُ الإمام الشافعي المدفونِ بالقرافةِ الكبرى بطريقِ الذَّاهب إلى الإمام وهو الذي عناه بقوله:
شكوتُ إلى وكيعٍ سوءَ حفظي … فأرشدَنِي إلى تركِ المَعَاصِي
[ ٣٠١ ]