وأمَّا ثناء النَّاس عليه بالحفظ والورع والزُّهد وغير ذلك؛ فقد وصفه غير واحدٍ بأنَّه كان أحفظ أهل زمانه، وفارس ميدانه، كلمةٌ شهد له بها الموافقُ والمخالف، وأقرَّ بحقيقتها المعادي والمحالف.
قال الشَّيخ تاج الدِّين السُّبكيُّ في «طبقاته»: كان البخاريُّ إمامَ المسلمين، وقدوةَ المؤمنين، وشيخَ الموحِّدين، والمُعوَّلَ عليه في أحاديث سيِّد المُرسَلين، قال: وقد ذكره أبو عاصمٍ في طبقات أصحابنا الشَّافعية، وقال: سمع من الزَّعفرانيِّ وأبي ثورٍ والكرابيسيِّ، قال: ولم يرو عن الشَّافعيِّ في «الصَّحيح»؛ لأنَّه أدرك أقرانه، والشَّافعيُّ مات مكتهلًا، فلا يرويه (^١) نازلًا. انتهى. نعم؛ ذكر البخاريُّ الشَّافعيَّ ﵁ في «صحيحه» في موضعين في «الزكاة» [خ¦٢٤/ ٦٦ - ٢٣٦٠]، وفي «تفسير العرايا» [خ¦٣٤/ ٨٤ - ٣٤١٨]، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وقال الحافظ عماد الدِّين ابن كثيرٍ في تاريخه «البداية والنِّهاية»: كان إمامَ الحديث في زمانه، والمُقتَدى به في أوانه، والمُقدَّم على سائر أضرابه وأقرانه.
وقال قتيبة بن سعيدٍ: جالست الفقهاء والعبَّاد والزُّهَّاد، فما رأيت منذ عقلت مثل محمَّد بن إسماعيل، وهو في زمانه كعمرَ في الصَّحابة، وقال أيضًا: لو كان في الصَّحابة لكان آيةً.
وقال أحمد ابن حنبل فيما رواه الخطيب بسندٍ صحيحٍ: ما أخرجت خراسانُ مثلَ محمَّد بن إسماعيل.
وقال الحافظ عماد الدِّين ابن كثيرٍ: إنَّه دخل بغداد ثمانِ مرَّاتٍ، وفي كلِّ مرَّةٍ منها يجتمع بالإمام أحمد ابن حنبل، فيحثُّه على الإقامة ببغداد، ويلومه على الإقامة بخراسان.
حقيقتهِ بل مُرَادًا منهُ التَّرَحُم، أو الضد، كتربت يداك، وقاتله الله ما أشعره، ونحو ذلك، ولفظ (أَفْجَعُ) خبرٌ عن قوله (وَبَقَاءُ نَفْسِكَ).
قوله: (وَالمُخَالِفُ) هي في الأولى بالخاءِ المعجمة من المُخَالَفَةِ، وفي الثانية بالمُهملة من التَّحَالف؛ أي: التَّعَاهُدُ على المودةِ والنُّصْرَة ونحو ذلك.
قوله: (نَعَمْ ذَكَرَ البُخَارِيُّ الشَّافِعِيَّ)؛ أي: ناقلًا لكلامه لا رَاويًا لحديثه.
_________________
(١) في (ص): «يرونه».
[ ٣١٧ ]
قال يعقوب بن إبراهيم الدَّورقيُّ ونُعيمٌ الخزاعيُّ: محمَّد بن إسماعيل فقيه هذه الأمَّة.
وقال بندار بن بشَّار: هو أفقه خلق الله في زماننا.
وقال نُعيم بن حمَّادٍ: هو فقيه هذه الأمَّة.
وقال إسحاق بن رَاهُوْيَه: يا معشر أصحاب الحديث، انظروا إلى هذا الشَّابِّ واكتبوا عنه؛ فإنَّه لو كان في زمن الحسن البصريِّ لاحتاج النَّاس إليه؛ لمعرفته بالحديث وفقهه.
وقد فضَّله بعضهم في الفقه والحديث على الإمام أحمد ابن حنبل وإسحاق بن رَاهُوْيَه.
وقال رجاء بن مُرَجَّى: فضل محمَّد بن إسماعيل -يعني في زمانه- على العلماء؛ كفضل الرِّجال على النِّساء، وهو آيةٌ من آيات الله تعالى تمشي على الأرض.
وقال الفلَّاس: كلُّ حديثٍ لا يعرفه البخاريُّ فليس بحديثٍ.
وقال يحيى بن جعفر البيكنديُّ: لو قدرت أن أزيد من عمري في عمر محمَّد بن إسماعيل؛ لفعلت؛ فإنَّ موتي يكون موت رجلٍ واحدٍ، وموت محمَّد بن إسماعيل فيه ذهابُ العلمِ.
وقال عبد الله بن عبد الرَّحمن الدَّارميُّ: رأيت العلماء بالحرمين والحجاز والشَّام والعراق، فما رأيت فيهم أجمع من محمَّد بن إسماعيل.
وقال أبو سهلٍ محمود بن النَّضر الفقيه: سمعت أكثر من ثلاثين عالمًا من علماء مصرَ يقولون: حاجتنا في الدُّنيا النَّظر إلى محمَّد بن إسماعيل، وقال أيضًا: كنت أستملي له ببغداد، فبلغ من حضر المجلس عشرين ألفًا؛ وقال إمام الأئمَّة أبو بكرٍ محمَّد بن إسحاق بن خزيمة: ما تحت أديم السَّماء أعلم بالحديث من محمَّد بن إسماعيل البخاريِّ.
وقال عبد الله بن حمَّادٍ الآمليُّ: لوددت أنِّي كنت شعرةً في جسد محمَّد بن إسماعيل.
قوله: (رَجَاء بنُ مُرَجَّا) بضم الميم من مُرَجَّا وفتح الراء والجيم المشددة.
قوله: (فَلَيْسَ بِحَدِيْثٍ)؛ أي: معتدٍّ بِهِ. قوله: (البِيْكَنْدِي) بكسر الموحدة وسكون التحتية كما سلف آنفًا.
قوله: (أَدِيْمِ السَّمَاءِ)؛ أي: وجهها.
قوله: (الآمُلِي) تقدم أنَّه بمد الهمزة وتخفيف الميم المضمومة.
[ ٣١٨ ]