وعلامات ما وافقت أبا ذَرٍّ: (٥)، والأَصيليَّ: (ص)، والدِّمشقيَّ: (ش)، وأبا الوقت: (ظ)، فيعلم (^١) ذلك.
وقد ذكرت ذلك في أوَّل الكتاب في فرخةٍ لتعلم الرُّموز، كتبه عليُّ بن محمَّدٍ الهاشميُّ اليونينيُّ، عفا الله تعالى عنه. انتهى.
ثمَّ وُجِدَ الجزء الأوَّل من أصل اليونينيِّ المذكور يُنادَى عليه للبيع بسوق الكتب، فعُرِفَ وأُحضر إليَّ بعد فقده أزيدَ من خمسين سنةً، فقابلت عليه متن شرحي هذا، فكمَّلت مقابلته عليه جميعه حسب الطَّاقة، ولله الحمد.
وقد اعتنى الأئمَّة بشرح هذا «الجامع»، فشرحه الإمام أبو سليمان حمد بن محمَّد بن إبراهيم الخطَّابيُّ بشرحٍ لطيفٍ، فيه نكتٌ لطيفةٌ ولطائف شريفةٌ.
واعتنى الإمام محمَّدٌ التَّيميُّ بشرح ما لم يذكره الخطَّابيُّ مع التَّنبيه على أوهامه.
وكذا أبو جعفرٍ أحمد بن سعيدٍ الدَّاوديُّ، وهو ممَّن ينقل عنه ابن التِّين الآتي ذكره.
ومنهم المهلَّب بن أبي صفرة، وهو ممَّن اختصر «الصَّحيح»، ومنهم أبو الزِّناد سراجٌ، واختصر «شرح المهلَّب» تلميذه أبو عبد الله محمَّد بن خلف بن المرابط، وزاد عليه فوائد، وهو ممَّن نقل عنه ابن رُشَيد، وشرحه أيضًا الإمام أبو الحسن عليُّ بن خلفٍ المالكيُّ،
قوله: (وَأَبَا الوَقْتِ ظ) لم يظهرْ لي ما وجهُ الرمز له بذلك، وإن أمكن أنَّه أراد به الحافظ.
قوله: (فِيْ فَرْخَةٍ) في النُّسخ التي بأيدينا فرخة بالفاء وبعد الراء خاء معجمة، فإنْ لم يكن تحريفًا عن فُرْجَةٍ بالجيم بمعنى فُسْحَة في أول الكتاب كما يكونُ في أولِّ بعضِ الكتب صيانةً لها فيكون تأنيث: فرخ من الورق، وهو الصحيفة المعهودة عُرْفًا لا لُغَةً.
قوله: (الخَطَّابِي) بفتح الخاء المعجمة والطاء المشددة ثم الموحدة.
قوله: (ابْن التِّيْن) بمثناة فوقية مكسورة فتحتية ساكنة.
_________________
(١) في (ص): «ليعلم».
[ ٣٣١ ]
المغربيُّ المشهور بابن بطَّال، وغالبه في فقه الإمام مالكٍ، من غير تعرُّضٍ لموضوع الكتاب غالبًا، وقد طالعته. وشرحه أيضًا الإمام أبو حفصٍ عمر بن الحسن بن عمر الهوزنيُّ (^١) الإشبيليُّ.
وكذا أبو القاسم أحمد بن محمَّد بن عمر (^٢) بن فردٍ التَّيميُّ، وهو واسعٌ جدًّا.
والإمام عبد الواحد ابن التِّين -بفوقيَّةٍ بعدها تحتيَّةٌ ثمَّ نونٌ- السَّفاقسيُّ، وقد طالعته.
والزَّين بن المُنَيِّر في نحو عشر مجلَّداتٍ، وأبو الأصبغ عيسى بن سهل بن عبد الله الأسديُّ، والإمام قطب الدِّين عبد الكريم الحلبيُّ الحنفيُّ، والإمام مغلطاي التُّركيُّ، قال صاحب «الكواكب»: وشرحُه بتتميم «الأطراف» أشبه، وبصحف تصحيح التَّعليقات أمثل، وكأنَّه من إخلائه من مقاصد الكتاب على ضمان، ومن شرح ألفاظه وتوضيح معانيه على أمان،
قوله: (الفَوْزَنِي) (^٣) بالفاء ثم الزاي.
قوله: (الصَّفَاقُسِي) بفتح الصاد المهملة وبعد الألف قاف مضمومة، كما في «القاموس» وبعدها سين مهملة نسبةً إلى صَفَاقُس، بلدٌ بإفريقية على البحر، شُرْبُهم من الآبار.
قوله: (ابْنُ المُنَيِّر) بنونٍ بعد الميم فتحتية.
قوله: (مِغْلَطَاي) (^٤)؛ أي: بميم مكسورة فغين معجمة ساكنة آخره تحتية ساكنة.
_________________
(١) في (م): «العزرمي»، وفي سائر النُّسخ: «الغورانيُّ»، وهو تحريفٌ، والمثبت من المصادر، انظر «الصلة» لابن بشكوال (١/ ٢٧٠).
(٢) في (د): «ابن عمرو».
(٣) الصواب «الهوزني»، وهو المتوفى ٤٦٠ هـ.
(٤) هكذا ضبطه الشارح، والمشهور مُغْلَطاي.
[ ٣٣٢ ]
واختصره الجلال التَّبانيُّ (^١) وقد رأيته، والعلَّامة شمس الدِّين محمَّد بن يوسف بن عليِّ بن محمَّد بن سعيدٍ الكرمانيُّ، فشرحه بشرحٍ مفيدٍ، جامعٍ لفرائد الفوائد، وزوائد العوائد، وسمَّاه «الكواكب الدَّراري»، لكن قال الحافظ ابن حجرٍ في «الدُّرر الكامنة»: وهو شرحٌ مفيدٌ، على أوهامٍ فيه في النَّقل؛ لأنَّه لم يأخذه إلَّا من الصُّحف. انتهى. وكذا شرحه ولده التقيُّ يحيى، مستمدًّا من «شرح أبيه» و«شرح ابن الملقِّن»، وأضاف إليه من «شرح الزَّركشيِّ» وغيره من الكتب، وما سنح له من «حواشي الدِّمياطيِّ» و«فتح الباري» و«البدر العنتابيِّ»، وسماه: «مجمع البحرين وجواهر الحبرين»، وقد رأيته وهو في ثمانية أجزاءٍ كبارٍ بخطِّه مُسودَّةً.
وكذا شرحه العلَّامة السِّراج ابن الملقِّن، وقد طالعت الكثير منه.
وكذا شرحه العلَّامة شمس الدِّين البرماويُّ وهو في أربعة أجزاءٍ، أخذه من «شرح الكرمانيِّ» وغيره، كما قال في أوَّله، ومن أصوله أيضًا: «مقدِّمة فتح الباري»، وسمَّاه: «اللامع الصَّبيح»، ولم يُبيَّض إلَّا بعد موته، وقد استوفيت مطالعته كـ «الكرمانيِّ».
قوله: (الكِرْمَانِي) بكسرِ الكاف.
قوله: (إِلَّا مِنَ الصُّحُفِ)؛ أي: الكتب لا أفواه المشايخ.
قوله: (العَنْتَابي) بفتح العين المهملة وسكون النون بعدها فوقية وقبل آخره موحدة، نسبةً إلى عَنْتَاب، قلعةٌ بين حلب وأنطاكية من الشام.
_________________
(١) في (ص): «التياني»، وهو تصحيفٌ.
[ ٣٣٣ ]
وكذا شرحه الشَّيخ برهان الدِّين الحلبيُّ، وسمَّاه «التَّلقيح لفهم قارئ الصَّحيح»، وهو بخطِّه في مجلَّدين، وبخطِّ غيره في أربعةٍ، وفيه فوائد حسنةٌ.
وقد التقط منه الحافظ ابن حجرٍ حين (^١) كان بحلب ما ظنَّ أنَّه ليس عنده؛ لكونه لم يكن معه إلَّا كراريسُ يسيرةٌ من «الفتح».
وشرحه أيضًا شيخ الإسلام والحافظ (^٢) أبو الفضل ابن حجرٍ، وسمَّاه «فتح الباري»، وهو في عشرة أجزاءٍ، ومقدِّمته في جزءٍ، وشهرته وانفراده بما اشتمل عليه من الفوائد (^٣) الحديثيَّة، والنُّكات الأدبيَّة، والفوائد الفقهيَّة، تغني عن وصفه، لاسيَّما وقد امتاز كما نبَّه عليه شيخنا بجمع طرق الحديث التي ربَّما يتبيَّن من بعضها ترجيح أحد الاحتمالات شرحًا وإعرابًا، وطريقته في الأحاديث المكرَّرة: أنَّه يشرح في كلِّ موضعٍ ما يتعلَّق بمقصد البخاريِّ بذكره فيه، ويحيل بباقي شرحه على المكان المشروح فيه.
قال شيخنا: وكثيرًا ما كان - رحمه الله تعالى - يقول: أودُّ لو تتبَّعت الحوالات التي تقع لي فيه، فإن لم يكن المُحال به مذكورًا، أو ذُكِرَ في مكانٍ آخرَ غير المُحال عليه؛ ليقع (^٤) إصلاحه؛ فما (^٥) فعل ذلك، فاعلمه.
وكذا ربَّما يقع له ترجيح أحد الأوجه في الإعراب أو غيره من الاحتمالات أو الأقوال في موضعٍ، ثمَّ يرجِّح في موضعٍ آخرَ غيره، إلى غير ذلك ممَّا لا طعن عليه بسببه، بل هذا أمرٌ لا ينفكُّ عنه كثيرٌ من الأئمَّة المعتمدين، وكان ابتداء تأليفه في أوائل سنة سبع عشرة وثمان مئةٍ على طريق الإملاء،
قوله: (بِبَاقِي شَرْحِهِ)؛ أي: شرحُ ما في هذا الموضع المكرر من غريب لفظٍ أو زيادةٍ أو نقصانٍ في الروايات أو نحو ذلك.
_________________
(١) في غير (ب): «حيث».
(٢) في غير (س) و(ص): «والحفَّاظ».
(٣) في (س): «الفرائد».
(٤) في (ب): «يقع».
(٥) في (ص): «ممَّا».
[ ٣٣٤ ]
ثمَّ صار يكتب بخطِّه شيئًا فشيئًا، فيكتب الكرَّاس، ثمَّ يكتبه جماعةٌ من الأئمَّة المعتبرين، ويعارض بالأصل مع المباحثة في يومٍ من الأسبوع، وذلك بقراءة العلَّامة ابن خضر، فصار السِّفر لا يكمل منه شيءٌ إلَّا وقد قُوبِل وحُرِّر، إلى أن انتهى في أوَّل يومٍ من رجب سنة اثنتين وأربعين وثمان مئةٍ، سوى ما ألحق فيه بعد ذلك، فلم ينتهِ إلَّا قُبيل وفاة المؤلِّف بيسيرٍ.
ولمَّا تمَّ؛ عَمِلَ مصنِّفُه وليمةً بالمكان المسمَّى بالتَّاج والسَّبع وجوه، في يوم السَّبت ثاني شعبان سنة اثنتين وأربعين، وقُرِئَ المجلس الأخير هناك بحضرة الأئمَّة، كالقايانيِّ والمناويِّ والونائيِّ والسَّعد الدِّيريِّ، وكان المصروف على الوليمة المذكورة نحو خمس مئة دينارٍ، وكملت مقدِّمته وهي في مجلَّدٍ ضخمٍ في سنة ثلاث عشرة وثمان مئةٍ، وقد استوفيت بحمد الله تعالى مطالعتهما.
وقد اختصر «فتح الباري» شيخُ مشايخنا الشَّيخ أبو الفتح محمَّد ابن الشَّيخ زين الدِّين بن الحسين المراغي، وقد رأيته بمكَّة وكتبت كثيرًا منه.
وشرحه العلَّامة بدر الدِّين العينيُّ الحنفيُّ في عشرة أجزاءٍ وأزيد، وسمَّاه «عمدة القاري»، وهو بخطِّه في أحدٍ وعشرين جزءًا مجلَّدًا، بمدرسته التي أنشأها بحارة كتامة بالقرب من الجامع الأزهر، وشرع في تأليفه في أواخر شهر (^١) رجب سنة إحدى وعشرين وثمان مئةٍ، وفرغ منه في آخر الثُّلث الأوَّل من ليلة السَّبت خامس شهر جمادى الأولى سنة سبعٍ (^٢)
قوله: (المُسَمَّى بِالتَّاجِ) هو موضعٌ بناهُ خارجَ القاهرة السلطان المؤيد، بين كوم الريش ومُنية السيرج.
قوله: (كَالقَايَانِي) بالقاف ثم التحتية وبعد الألف نون، و(الوَنَّائِي) بنون ممدودة فهمزة كذلك.
قوله: (وَكَمُلَتْ مُقَدِّمَتُهُ …) إلى آخره، لا يُنافي ما قدَّمه من أنَّه ابتدأ الشرح سنة سبع عشرة؛ لأنَّ المرادَ به ما بعدَ المقدمة فيكون عمل المقدمة أولًا، وشرع في الشرح بعد تمامها.
_________________
(١) «شهر»: مثبت من (م).
(٢) في (د): «أربعٍ»، والمثبت موافقٌ لما في «عمدة القاري» (٢٠/ ٤٠٢)، و«كشف الظنون» (١/ ٥٤١).
[ ٣٣٥ ]
وأربعين وثمان مئةٍ، واستمدَّ فيه من «فتح الباري»، كان -فيما قِيلَ- يستعيره (^١) من البرهان ابن خضرٍ بإذن مصنِّفه له، وتعقَّبه في مواضعَ، وطوَّله بما تعمَّد الحافظ ابن حجرٍ في «الفتح» حذفه من سياق الحديث بتمامه، وإفراد كلٍّ من تراجم الرُّواة بالكلام، وبيان الأنساب واللُّغات والإعراب والمعاني والبيان، واستنباط الفرائد من الحديث والأسئلة والأجوبة وغير ذلك.
وقد حُكِيَ: أنَّ بعض الفضلاء ذكر للحافظ ابن حجرٍ ترجيح «شرح العينيِّ»؛ بما اشتمل عليه من البديع وغيره، فقال بديهة: هذا شيءٌ نقله من شرحٍ لركن الدِّين، وكنت قد وقفت عليه قبله، ولكن قد تركت النَّقل منه؛ لكونه لم يتمَّ، إنَّما كتب منه قطعةً، وخشيت من تعبي بعد فراغها في الاسترسال في هذا المَهْيَع، ولذا لم يتكلَّم البدر العينيُّ بعد تلك القطعة بشيءٍ من ذلك. انتهى.
وبالجملة؛ فإنَّ شرحه حافلٌ كاملٌ في معناه، لكنَّه لم ينتشر كانتشار «فتح الباري» من حياة مؤلِّفه وهلمَّ جرًّا.
وكذا شرح مواضع من «البخاريِّ» الشَّيخ بدر الدِّين الزَّركشيُّ في «التَّنقيح»، وللحافظ ابن حجرٍ نكتٌ عليه لم تكْمل (^٢).
وكذا شرح العلَّامة بدر الدِّين الدَّمامينيّ، وسمَّاه «مصابيح الجامع»، وقد استوفيت مطالعتها؛ كشرح العينيِّ وابن حجرٍ والبرماويِّ.
وكذا شرح الحافظ الجلال السُّيوطيّ -فيما بلغني- في تعليقٍ لطيفٍ، قريبٍ من «تنقيح» الزَّركشيِّ، سمَّاه: «التَّوشيح على الجامع الصَّحيح».
قوله: (المَهْيَع) بفتح الميم وسكون الهاء وبعد المثناة التحتية المفتوحة، عينٌ مهملةُ: الطريق الواسع الواضح استُعير للأسلوب والطريقة.
_________________
(١) في (م): «يستعين».
(٢) في (ب) و(ص): «يكمل».
[ ٣٣٦ ]
وكذا شرح منه شيخ الإسلام أبو زكريَّا يحيى النَّوويُّ قطعةً، من أوَّله إلى آخر «كتاب الإيمان»، طالعتها وانتفعت ببركتها.
وكذا الحافظ ابن كثيرٍ قطعةً من أوَّله، والزَّين بن رجبٍ الدِّمشقيُّ، ورأيت منه مجلَّدةً، والعلَّامة السِّراج البُلقينيُّ، رأيت منه مجلَّدةً أيضًا، والبدر الزَّركشيُّ في غير «التَّنقيح» مطوَّلًا، رأيت منه قطعةً بخطِّه، والمجد الشِّيرازيُّ اللُّغويُّ مؤلِّف «القاموس»، سمَّاه: «منح الباري بالسَّيح الفسيح المجاري في شرح البخاري»، كمَّل ربع «العبادات» منه في عشرين مجلَّدًا، وقدر تمامه في أربعين مجلَّدًا.
قال التَّقيُّ الفاسيُّ: لكنَّه قد ملأه بغرائب (^١) المنقولات، لاسيَّما لما اشتُهِر باليمن مقالة ابن عربيٍّ، وغلب ذلك على علماء تلك البلاد، وصار يدخل في شرحه من فتوحاته الكثير ما كان سببًا لِشَيْن شرحه عند الطَّاعنين فيه.
وقال الحافظ ابن حجرٍ: إنَّه رأى القطعة التي كملت في حياة مؤلِّفه قد أكلتها الأَرَضَة (^٢) بكمالها، بحيث لا يقدر على قراءة شيءٍ منها. انتهى.
وكذا بلغني أنَّ الإمام أبا الفضل النُّويريَّ خطيب مكَّة شرح مواضع من «البخاريِّ».
وكذا العلَّامة محمَّد بن أحمد بن مرزوق شارح «بردة البوصيريِّ»،
قوله: (بِالسَّيْحِ) بتحتية بعد السين المهملة آخره حاء متعلقٌ بمنح، والسَّيح المطر، و(المجاري) بفتح الجيم جمعُ مجرى؛ أي: الفسيحةُ مجاريه؛ أي: ذلك السيح.
_________________
(١) في (ص): «بغريب».
(٢) في (م): «الأرض».
[ ٣٣٧ ]
وسمَّاه: «المتجر الرَّبيح والمسعى الرَّجيح في شرح الجامع الصَّحيح»، ولم يكمل أيضًا.
وشرح العارف القدوة عبد الله بن أبي جمرة ما اختصره منه، وسمَّاه: «بهجة النفوس»، وقد طالعته، والبرهان النعمانيّ إلى أثناء الصَّلاة، ولم يفِ بما التزمه، رحمه الله تعالى وإيَّانا.
وشيخ المذهب وفقيهه شيخ الإسلام أبو يحيى زكريَّا الأنصاريُّ السُّنَيكيُّ (^١)، والشَّمس الكورانيُّ مؤدِّب السُّلطان المظفَّر أبي الفتح محمَّد بن عثمان فاتح القسطنطينيَّة، سمَّاه: «الكوثر الجاري إلى رياض صحيح البخاري»، وهو في مجلَّدتين، والعلَّامة شيخ الإسلام أبو البقاء جلال الدِّين البلقينيُّ بيَّن ما فيه من الإبهام (^٢)، وهو في مجلَّدةٍ.
وصاحبنا (^٣) الشَّيخ أبو البقاء الأحمديُّ، أعانه الله تعالى على الإكمال.
وشيخنا فقيه المذهب الجلال البكريُّ، وأظنُّه لم يكمل.
وكذا صاحبنا الشَّيخ شمس الدِّين الدُّلجيُّ، كتب منه قطعةً لطيفةً.
ولابن عبد البرِّ: «الأجوبة على المسائل المستغربة من البخاري»، سأله عنها المهلَّب بن أبي صفرة.
وكذا لأبي محمَّد ابن حزم عدَّة أجوبةٍ عليه، ولابن المُنَيِّر حواشٍ على ابن بطَّالٍ، وله أيضًا كلامٌ على التَّراجم سمَّاه: «المتواري».
قوله: (المَتْجَرُ) بفوقية ساكنة فجيم؛ أي: محل التجارة، (الرَّبِيْحُ)؛ أي: الكثير الربح.
قوله: (السُنَيْكِي) بضم السين وفتح النون وسكون التحتية، نسبةً إلى سُنيك بلدٌ بالشرق منها شيخ الإسلام ﵁.
_________________
(١) في (ص): «السبكي»، وهو تحريفٌ.
(٢) في (ص): «الإيهام».
(٣) سقط من (م) قوله: «وشيخ المذهب وهو في مجلَّدةٍ. وصاحبنا».
[ ٣٣٨ ]
وكذا لأبي عبد الله بن رُشَيدٍ: «ترجمان التَّراجم»، وللفقيه أبي عبد الله محمَّد بن منصور بن حمامة المغراويِّ السِّجِلْماسيِّ: «حلُّ أغراض البخاري المُبهَمة في الجمع بين الحديث والتَّرجمة»، وهي مئة ترجمةٍ.
ولشيخ الإسلام الحافظ ابن حجرٍ: «انتقاض الاعتراض»، يجيب فيه عمَّا اعترضه عليه العينيُّ في «شرحه»، طالعته لكنَّه لم يجب عن أكثرها، ولعلَّه كان يكتب الاعتراضات، ويبيِّض لها ليجيب عنها، فاخترمته المنيَّة.
وله أيضًا: «الاستنصار (^١) على الطَّاعن المِعْثار»، وهو صورة فُتيا عمَّا وقع في خطبة شرح البخاريِّ للعلَّامة العينيِّ.
وله أيضًا «أحوال الرِّجال المذكورين في البخاريِّ زيادةً على ما في تهذيب الكمال»، وسمَّاه: «الإعلام بمن ذُكِرَ في البخاري من الأعلام».
وله أيضًا: «تغليق التَّعليق»، ذكر فيه تعاليق أحاديث «الجامع» المرفوعة، وآثاره الموقوفة والمتابعات، ومن وصلها بأسانيده إلى الموضع المعلَّق؛ وهو كتابٌ حافلٌ
قوله: (الفَرَاوِي) بفتح الفاء والراء مخففًا، و(السِلْجَماسِي) بسين مهملة مكسورة فلام ساكنة فجيم ثم سين مهملة أيضًا، نسبةً إلى سِلْجَماسَة: قريةٌ بالمغرب.
وقوله: (حَلُّ أَغْرَاضَ …) إلى آخره؛ أي: كتابٌ مسمى بذلك خاصٌّ ببيانِ المناسبات بين التراجم وما فيها.
قوله: (انْتِقَاضُ الاعْتِرَاضِ) اسمٌ للكتاب المذكور الذي جعله فيما اعترضَ به عليه العيني.
قوله: (المِعْثَار) بكسر الميم وبالمثلثة: الكثير العثور والسَّقط.
قوله: (الإِعْلَامُ) بكسر الهمزة في الأول وفتحها في الثاني، صفةً لمحذوفٍ؛ أي: الرجال الأعلام.
قوله: (تَغْلِيْقُ التَّعْلِيْقِ) بالغين المعجمة في الأول مصدرُ غَلَّقْتُ الباب بالتشديد مبالغةً في غَلَقْتُهُ
_________________
(١) في (ص) و(م): «الاستبصار»، وهو تصحيفٌ.
[ ٣٣٩ ]
عظيمٌ في بابه، لم يسبقه إليه أحدٌ فيما أعلم، وقرَّظ له عليه العلَّامة اللُّغويُّ المجد صاحب «القاموس»، كما رأيته بخطِّه على نسخةٍ بخطِّ مؤلِّفه، ولخَّصه في «مقدِّمة الفتح»، فحذف الأسانيد ذاكرًا من خرَّجه موصولًا.
وكذا شرح «البخاريَّ» العلَّامة المفنِّن (^١) الأوحد، الزَّين (^٢) عبد الرَّحيم بن عبد الرَّحمن بن أحمد، العباسيُّ الشَّافعيُّ، شرحًا رتَّبه على ترتيبٍ عجيبٍ، وأسلوبٍ غريبٍ، فوضعه -كما قال- في ديباجته على منوال «مصنَّف ابن الأثير»، وبناه على مثال «جامعه» المنير، وجرَّده من الأسانيد، راقمًا على هامشه بإزاء كلِّ حديثٍ حرفًا أو حروفًا، يُعلَم بها من وافق البخاريَّ على إخراج ذلك الحديث من أصحاب الكتب الخمسة، جاعلًا إثر كلِّ كتابٍ جامعٍ منه بابًا لشرح غريبه، واضعًا الكلمات الغريبة بهيئتها على هامش الكتاب، موازيًا لشرحها؛ ليكون أسرع في الكشف وأقرب إلى التَّناول، وقرَّظ له عليه شيخنا شيخ الإسلام البرهان بن أبي شريفٍ، والزَّين عبد البرِّ ابن الشِّحنة (^٣)، والعلَّامة الرَّضيُّ الغزِّيُّ.
ونَظَم شيخ الإسلام البلقينيُّ مناسبات ترتيب تراجم البخاريِّ، فقال:
أتى في البخاري حكمةٌ في التَّراجمِ … مناسبةٌ في الكُتْبِ مثل البراجمِ
مُخففًا بمعنى أوثقته، استعير لذكرِ الأسانيد التي تركها المؤلفُ في تلك التعاليق والموقوفات والمتابعات كأنَّه أوثقها بهذه الأسانيد بعد أن كانت كالسائبة.
قوله: (وَقَرَّظ لَهُ) التَّقْرِيظ بالظاء المشالة والضاد المعجمة: مدحُ الإنسان، وهو حيٌّ وغلبَ استعماله في مدح التآليف وأربابها.
قوله: (ابْن الشَّحْنَةِ) بفتح الشين المعجمة وسكون الحاء المهملة.
قوله: (فِيْ التَّرَاجِمِ) بالفوقية والجيم المكسورة جمعُ ترجمةٍ، والمرادُ بها الكتب والأبواب التي فيه؛ أي: جاء في ترتيبها -على النَّسق الذي نَسقه الظاهر منه التنافر بين معظمها- حكمةٌ جليلةٌ،
_________________
(١) في (ص): «المتقن».
(٢) في (ب) و(د) و(س): «الزَّيني».
(٣) بكسر الشين المعجمة، لا كما قال الشارح ﵀.
[ ٣٤٠ ]
فمبدأ وحي الله جاء نبيُّه … وإيمانُ يتلوه بعقد المعالم
وإنَّ كتاب العلم يُذكَر بعده … فبالوحي إيمانٌ وعلم العوالم
وما بعد إعلامٍ سوى العمل الذي … به يَرِدُ الإنسان وِرْدَ الأكارم
ومبدؤه طهرٌ أتى لصلاتنا … وأبوابه فيها بيان الملائم
وبعد صلاةٍ فالزَّكاة تبيعها … وحجٌّ وصومٌ فيهما خُلْفُ عالَم
وهي مناسبة في الكتب؛ أي: تَنَاسب وارتباط بين الكتب المترجم بها كائنةٌ مثلَ البراجم، تظهرُ بحسن التأمل ودقةِ النظر.
قوله: (البَرَاجِمِ) بالموحدة والجيم، جمع بُرْجُمَة بضم الموحدة والجيم، البَنَان، ويُقالُ لظهورها وبطونها: الرواجب كما في «الكفاية»، والمراد مثلها في التناسب.
قوله: (فَمَبْدَأُ وَحْيِ الله) خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ؛ أي: فأولها مبدأ إلى آخره، ويتلوه «كتاب الإيمان».
وقوله: (بِعَقْدِ المَعَالِمِ)؛ أي: حالَ كونه بعقدِ المعالم؛ أي: النيات، والمناسبةُ في الابتداءِ بالوحي وإيلائه (^١) الإيمان، ثم بقية التراجم ظاهرة، وهي أنَّ الاعتماد على جميع ما سيذكره في الصحيح يتوقف على كونه ﷺ نبيًّا أوحي إليه، والإيمان به إنَّما يجب لذلك، ثم يتبعه بقية التكاليف والأحكام ولذا قال: فبالوحي إيمانٌ، وعلم العوالم؛ أي: علم النفوس العوالم، ولفظ إيمان في الأول غير مُنون للضرورة.
قوله: (وَمَا بَعْدَ إِعْلَامٍ …) إلى آخره؛ أي: ليسَ بعدَ الإعلام بالشيءِ الواجبِ إلَّا العمل به الذي يرد الإنسان به (وِرد الأكارم) بكسر الواو: النصيب من الماء، مستعارٌ لما به تحيا النفوس من القيام بالتكاليف، والأكارم جمع كريم كمَثيل وأماثل؛ أي: فلذا أعقب كتاب العلم بكتاب الوضوء وهكذا إلى آخر الأعمال.
وقوله: (وَمَبْدَؤُهُ طُهْرٌ)؛ أي: مبدأُ العمل طهر … إلى آخره.
وقوله: (وَأَبْوَابُهُ) مَبْتَدَأ، و(بيانُ الملائمِ) مبتدأ ثان وفيها خبره وهو وخبره خبر الأول؛ أي: أبواب الطهر فيها بيانُ المناسبِ له من وضوءٍ وغسلٍ وغيرهما.
وقوله: (وَبَعْدَ صَلَاةٍ) إما أن يُقْرَأ بالإضافة أو عدمها، على أن المراد وبعد الطهارة وما يتعلق بها صلاة … إلى آخره.
وقوله: (فِيْهِمَا خُلْفُ عَالَم) بفتح اللام: جماعة من الناس؛ أي: في تقديم كل منهما على الآخر.
_________________
(١) أي: وإتباعه.
[ ٣٤١ ]
روايته جاءت بخلْفٍ بصحَّةٍ … كذا جاء في التَّصنيف (^١) طبق الدَّعائم
وفي الحجِّ أبوابٌ كذاك بعمرةٍ … لِطَيْبَةَ جاء الفضل من طيب خاتم (^٢)
معاملة الإنسان في طوع ربِّه … يليها ابتغاء الفضل سوق المواسم
وأنواعها في كلِّ بابٍ تميَّزت … وفي الرَّهن والإعتاق فكُّ الملازم
فجاء كتاب الرَّهن والعتق بعده … مناسبةٌ تخفى على فهم صارم
وقوله: (رِوَايَتُهُ)؛ أي: الخُلف.
وقوله: (بِخلف)؛ أي: مصحوبة بخلف.
وقوله: (الدَعَائِمِ) جمع دِعَامة بكسر الدال عماد البيت، مستعارٌ هنا للأصول المروية عن الشيخ والنُسخ المسموعة منه.
وقوله: (لِطَيْبَةَ …) إلى آخره، مرادُهُ أنَّه جاء ذكرُ فضلِ طيبةَ -وهي المدينة- إثرَ فضل مكة التي بها شعار الحج للمناسبة الظاهرة، والمراد بالخاتم خاتم الأنبياء ﷺ. وقوله: (مُعَامَلَةُ الإِنْسَانِ فِيْ طَوْعِ رَبِّهِ)؛ أي: كائنةٌ في جملة (طوع …) إلى آخره؛ أي: فهي من جملة العبادات فإردافها بها لتلك المناسبة.
وقوله: (يَلِيْهَا ابْتِغَاءُ الفَضْلِ)؛ أي: الرزق؛ أي: باب ابتغاء الفضل.
وقوله: (سُوْقَ المَوَاسِمِ)؛ أي: وسوق المواسم؛ أي: المجامع التي كانت في العرب كسوق عكاظ، ولا يخفى أنَّه يكون في الأسواق طلب الأرزاق بالبيع والشراء ونحوهما.
وقوله: (وَأَنْوَاعُهَا)؛ أي: المعاملات، و(تميَّزَت) تفصَّلت وعلمت.
وقوله: (فِيْ الرَّهْنِ والإعتاقِ فكُّ الملازم)؛ أي: الأمر الملازم لصاحبه، وهو سلطنة الرِّق في العبد وسلطنة الراهن في الرهن، فبينهما مناسبة من هذا الوجه، فلذا أعقب الرهن بالعتق فقوله (مُنَاسَبَةٌ تَخْفَى)؛ أي: هذه المناسبةُ مناسبةٌ تخفى (على فهمِ صارمِ)، بالصاد المهملة والراء؛ أي: شُجاع ماض كالسيف القاطع، وذلك لدقتها فلا تُدرك إلَّا بدقة التأمل.
_________________
(١) في (ص): «التضعيف».
(٢) في (ص) و(م): «حاتم».
[ ٣٤٢ ]
كتابة عبدٍ ثمَّ فيها تبرُّعٌ … كذا هبةٌ فيها شهود التَّحاكم
كتاب شهاداتٍ تلي هبةً جرت … وللشُّهدا في الوصف أمرٌ لحاكم
وكان حديث الإفك فيه افتراؤهم … فويلٌ لأفَّاكٍ وتبًّا لآثم
وكم فيه تعديلٌ لعائشة التي … يبرِّئها المولى بدفع العظائم
كذا الصُّلح بين النَّاس يُذكَر بعده … فبالصُّلح إصلاحٌ ورفع (^١) المظالم
وصلحٌ وشرطٌ جائزان لشرعه … فذكر شروطٍ في كتابٍ لعالم
كتاب الوصايا والوقوف لشارطٍ … بها عمل الأعمال تمَّ (^٢) لقائم
وقوله: (كِتَابَةُ عَبْدٍ) مبتدأ وخبره محذوف؛ أي: بعدها أو العكس، وتعقيبه بها ظاهرٌ؛ لأنَّها من أنواعه.
وقوله: (ثُمَّ فِيْهَا تَبَرُّعٌ)؛ أي: من المكاتِب للمكاتَب بشيء من مال الكتابة.
وقوله: (كَذَا هِبَةٌ …) إلى آخره؛ أي: فذِكْرُها بعد التبرع المذكور؛ لأنها -أي: الهبة- تبرعٌ أيضًا، ثم لكونه قد يفضي الحال في الهبة إلى التداعي وطلب الشهود أعقبها؛ -أي: الهبة- بـ «كتاب الشهادات» فلذا قال: (كذا هبة فيها …) إلى آخره.
وقوله: (وَلِلْشُهَدَا فِيْ الوَصْفِ …) إلى آخره؛ أي: إنَّ الشُّهود يثبتُ لهم من الأوصاف ما للحاكم من العدالة والعقل ونحو ذلك.
وقوله: (وَكَانَ حَدِيْثُ الإِفْكِ …) إلى آخره؛ أي: إنَّه أعقبَ «كتاب الشهادة» بحديث الإفك لما فيه من مناسبات أحوال الشهود إذ ظهر فيه إفكُ من جاء به، وتعديل السيدة الصديقة بنت الصديق ﵂، وبراءة ساحتها القدسية من قبل هذه الجرائم العظيمة وغيرها.
وقوله: (يُذْكَرُ بَعْدَهُ)؛ أي: بعدَ الإفكِ، وقد بَيَّنَ وجهَ المناسبة بقوله (فَبِالصُلْحِ …) إلى آخره، ولعلَّ أصل التناسب إنَّما هو بينه وبين الشهادات التي تحصل في الدعاوى، وذَكَرَ بينهما الإفكَ استطرادًا لِمَا ذُكِرَ من المناسبة، ثم لما كان الصلح يكون على شروط وذَكَرهَا، ناسبَ أن يذكرَ عقبه بقية أحكام الشروط الداخلة في بقية الأحكام؛ فذَكَرَ «كتابَ الشروط» في الإسلام والأحكام وغير ذلك مما يُعقد على شروط.
وقوله: (كِتَابُ الوَصَايَا)؛ أي: بعد «كتاب الشروط» «كتاب الوصايا والوقف» لما فيهما من العمل
_________________
(١) في (ص): «ودفع».
(٢) في (ص) و(م): «ثم».
[ ٣٤٣ ]
معاملتا ربٍّ وخلقٍ كما مضى … وثالثها جمعٌ غريبٌ لفاهم
كتاب الجهاد اجهد لإعلاء كلِمةٍ … وفيه اكتساب المال إلَّا لظالم
فيملك مال الحرب قهرًا غنيمةً … كذا الفيء يأتينا بعزِّ المغانم
وجزيتهم بالعقد فيه كتابها … موادعةٌ معها أتت في التَّراجم
بشرط الموصي والواقف من الوصي والناظر، والضمير في (بها) إمَّا للشروط المفهومة من (شارط) والجار والمجرور خبر مقدَّم، و(عمل) مبتدأ مؤخر، و(ثَمَّ) بمثلثة مفتوحة؛ أي: هناك؛ أي: في الوصايا والوقوف، و(لِقَائِمِ) متعلق بعمل؛ أي: لمن يقوم بذلك مِن وصيٍّ وناظر، أو بفوقية: فعلٌ ماضٍ من التمام و(لقائم) متعلق به؛ أي: إنَّه متى كان على حسب تلك الشروط كان نافذًا غير منقوض، ويحتمل أن يكون (لشارط) خبرًا مقدَّمًا و(عمل) مبتدأ مؤخر، و(بها) بمعنى فيها، متعلق بشارط.
وقوله: (مُعَامَلَتَا رَبٍّ …) إلى آخره؛ أي: ما تقدَّمَ من أول الكتاب إلى هنا هو معاملتا الخلق والخالق؛ أي: قسم يختص بالعبادة التي هي معاملة الخالق، وقسم بالخَلْق وهو معاملة المخلوق، ثم أردف ذلك بما يشمل كُلًّا منهما وهو معنى قوله: (وَثَالِثُهَا جَمْعٌ …) إلى آخره؛ أي: وثالث الأقسام جمع بين هذين القسمين (غَرِيبٌ لِفَاهِم)؛ أي: عظيمٌ لمن يفهمه وهو الجهاد، فإنَّه من حيث بذلُ الإنسان نفسه لإعلاء كلمة الله معاملة للخالق، ومن حيث ما فيه من الغنائم وأخذها بدون رضا أربابها وقسمتها بين المجاهدين معاملة للمخلوق، وقد أشار لذلك بقوله: (اجْهَدْ لإِعْلَاءِ كَلِمَةٍ) وقوله: (وَفِيْهِ اكْتِسَابُ المَالِ) و(كتاب) خبر مبتدأ محذوف؛ أي: وهو؛ أي: الثالث كتاب إلى آخره، وفرَّع عليه قوله:
(فَيُمْلَكُ …) إلى آخره، إما بالبناء للمجهول و(مال) نائب فاعل، أو للفاعل، وفيه ضمير يعود على المجاهد المفهوم من المقام.
وقوله: (وَجِزْيَتُهُم بِالْعَقْدِ)؛ أي: المُلتبسة بعقدها (فيه)؛ أي: مذكورة؛ أي: بابها فيه (كتابها)؛ أي: في «كتاب الجهاد»: «كتاب الجزية»، والترجمة للجزية، ثم بـ (باب) لا (كتاب) فلعلَّ الناظمَ تجوَّزَ به عنه لاستقامة النَّظْمِ، أو أرادَ بالكتاب المصدر، بمعنى اسم المفعول على تقدير مضافين؛ أي: دالٌّ أحكامها.
وقوله: (مُوَادَعَةٌ مَعَهَا)؛ أي: وذكرَ معها؛ أي: بعدها «بابَ: المُوادعة»؛ أي: موادعة الإمام ملك
[ ٣٤٤ ]
كتابٌ لبدء الخلق بعد تمامه … مقابلة الإنسان بَيْدَ المقاسم
وللأنبيا فيه كتابٌ يخصُّهم … تراجمُ فيها رتبةٌ للأكارم
فضائل تتلو ثمَّ غزو نبيِّنا … وما قد جرى حتى الوفاة لخاتم
القرية هل يكون ذلك لبقيتهم؟ والموادعة والمصالحة مع المشركين بالمال وغيره، والمناسبة بين الجهاد والجزية، وبينها وبين الموادعة ظاهرة.
وقوله: (كِتَابٌ لِبَدْءِ الخَلْقِ)؛ أي: وبعد هذا كتاب «بدء الخلق».
وقوله: (بَعْدَ تَمَامِهِ …) إلى آخره؛ أي: بعدَ إتمامه (مقابلة) بالموحدة النَّصب على المفعولية لـ (تمام) الذي هو اسم مصدرٍ بمعنى المصدر، ويحتملُ أن كتابَ مبتدأ والظَّرف خبره و(بَيْدَ) بموحدة فتحتية ساكنة؛ أي: لأجلِ (المقاسم) متعلقٌ بـ (مقابلة)؛ أي: بعد مقابلة الإنسان العدو ومقاتلته لأجل المقاسم؛ أي: الأموال التي تُقسم، وهي الغنائم والشأن في الحروب أن تكون لذلك، وأيًّا ما كانَ ففي الكلام نوعُ قلاقةٍ ليس لها من دون التطويل علاقة.
وقوله: (لِلْأَنْبِيَا فِيْهِ)؛ أي: في «كتاب بدء الخلق».
وقوله: (كِتَابٌ يَخُصُّهُم) سيأتي أن رواية غير اليُونينية: «باب: خلق آدم وذريته» ورواية اليونينية: «كتاب الأنبياء» وعليها فقوله (وللأنبيا فيه) إِمَّا أنْ يكونَ ضميرُهُ للبدءِ وهو ظاهرٌ، أو للكتاب، ففي بمعنى بعد، ثمَّ على رواية اليونينية لا احتياج إلى تأويل (في باب) وعلى رواية غيرها (ففي) على ظاهرها، و(باب) مراد منه الجنس، إذ المذكور للأنبياء أبواب متعددة لا بابٌ واحد.
وقوله: (فَضَائِلُ تَتْلُو)؛ أي: إنَّه يذكرُ بعد ذلك كتاب الفضائل، يعني: فضائل قريش والصحابة والمهاجرين والأنصار وما يتعلق بذلك.
وقوله: (ثُمَّ غَزْوُ نَبِيِّنَا) ثم بعدَ ذلك «كتابُ المغازي»، وذكر غزواته ﷺ وبعوثه (وما جرى) له ومنه في حياته ﷺ في الدعاء إلى الإسلام، وكمكاتبة الملوك وغير ذلك (حتى الوفاة)؛ أي: إلى وفاته ﵊.
وقوله: (لِخَاتَمِ)؛ أي: لخاتم الرسل متعلق بـ (جرى).
[ ٣٤٥ ]
وإنَّ نبيَّ الله وصَّى وصيَّةً … تخصُّ كتاب الله يا طيب عازم (^١)
كتابٌ لتفسيرٍ تعقَّبَه بهِ … وإنَّ أولي التَّفسير أهل العزائم
وفي ذاك إعجازٌ لنا ودليلنا … وإحياؤه أرواح أهل الكرائم (^٢)
كتاب النِّكاح انْظُرْهُ منه (^٣) تناسلٌ … حياةٌ أتت منه لطفلٍ محالم
وأحكامه حتَّى الوليمة تلوها … ومن بعدها حسن العشير الملائم
وقوله: (وَإِنَّ نَبِيَّ اللهِ …) إلى آخره؛ أي: وبعد ذلك وصية النبي ﷺ والكتاب الذي هَمَّ بِكِتَابَتِهِ فِيْ مَرَضِ مَوْتِهِ بِالعَمَلِ بِالقُرْآنِ الشَّرِيْفِ والتمسك به، و(عازم) بالعين المهملة والزاي المعجمة من العَزْم، والمراد منه النَّبيَّ ﷺ في عزمه على كتابة ذلك.
وقوله: (تَعَقَّبَهُ)؛ أي: تعقب «كتاب وصية النَّبيِّ ﷺ»؛ أي: ذكره عقبه.
وقوله: (وَإِنَّ أُوْلِي التَّفْسِيْرِ) بالكسر، استئناف؛ أي: إنَّ أصحاب تفسير القرآن؛ أي: العالمون به (أهل العزائم)؛ أي: أرباب الهمم العلية والمقاصد السنية، قال تعالى: ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] على ما قيلَ: إنها معرفةُ تفسير القرآن.
وقوله: (وَفِيْ ذَاكَ إِعْجَازٌ لَنَا)؛ أي: في معرفة التفسير معرفة إعجاز القرآن؛ أي: كونه مُعجزًا للبشر.
وقوله: (وَدَلِيْلُنَا)؛ أي: معرفةُ أدلتنا في العقائد والأحكام الشرعية، وفيه أيضًا: إحياء لأرواح أهل الكرائم؛ أي: النفوس الكريمة بما فيه من العلوم والمعارف التي بها تحيا الأرواح الحياة الأبدية.
وقوله: (كِتَابُ النِّكَاحِ)؛ أي: وبعد ذلك؛ أي: «كتاب التفسير» «كتاب النكاح»، وأشار إلى مناسبته للتفسير بالسابق واللاحق من قوله: (وَإِحْيَاؤُهُ أَرْوَاحُ أَهْلِ الكَرَائِمِ).
وقوله: (انْظُرْهُ فِيْهِ تَنَاسُلٌ حَيَاةٌ …) إلى آخره؛ أي: فذلكَ حياةُ الأرواح وهذا حياة الأجسام.
وقوله: (مُحَالِمِ) بالحاء المهملة؛ أي: صائر إلى أن يبلغ الحلم.
وقوله: (وَمِنْ بَعْدها حُسْنُ العَشِيْرِ)؛ أي: من بعد النكاح وتعلقاته حسن العشير؛ -أي: المعاشر؛
_________________
(١) في (م): «عارم».
(٢) في غير (د) و(س): «الأكارم».
(٣) في (د): «فيه».
[ ٣٤٦ ]
كتاب طلاقٍ فيه أبوابُ فرقةٍ … وفي النَّفقات افرق ليسرٍ وعادم
وأطعمةٌ حلَّت وأخرى فحرِّمت … ليجتنب الإنسان إثم المحارم
وعقٌّ عن المولود يتلو مطاعمًا … كذا الذَّبح معْ صيدٍ بيان الملائم
وأضحيةٌ فيها ضيافة ربِّنا … ومن بعدها المشروب يأتي لطاعم
وغالب أمراض بأكلٍ وشربةِ … كتابٌ لمرضانا برفع المآثم
أي: باب حسن المعاشرة مع الأهل- و(الملائم) صفة العشير، وفيه: تلميح إلى التناسب بينه وبين النكاح.
وقوله: (كِتَابُ طَلَاقٍ …) إلى آخره، على نسق ما قبله.
وقوله: (وَفِيْ النَّفَقَاتِ …) إلى آخره؛ أي: وفي «أبواب النفقات» أبواب نفقة المُوسر والمُعدَم؛ -أي: المعسر- يُشيرُ إلى «باب: نفقة المعسر على أهله».
وقوله: (وَأَطْعِمَةٌ …) إلى آخره؛ أي: ويتلو ذلك أطعمة؛ أي: «كتاب الأطعمة» وأبواب ما يحل منها وما يحرم، ومناسبتها للنفقات حتى ذكرت عقبها ظاهرة.
وقوله: (وَعَقٌّ …) إلى آخره، بالعين المهملة المفتوحة والقاف مبتدأ ويتلو خبره، وهو على تقدير مضاف، وباب العقِّ عن المولود؛ أي: طلب ذبح عقيقته.
وقوله: (كَذَا الذَّبْحُ …) إلى آخره؛ أي: كذلك يتلو الذبحَ؛ -أي: «كتاب الذبائح والصيد» - لأنَّ كُلًّا طعام وذبح، والظاهرُ أنَّ قوله: (بيانَ الملائم) بالنصب مفعول لمحذوف؛ أي: افهم بيان الملائم؛ أي: انضمام الملائم بعضه لبعض. وقوله: (وَأُضْحِيَةٌ)؛ أي: و«كتاب الأضحية» على نسق ما قبله.
وقوله: (فِيْهَا ضِيَافَةُ رَبِّنَا) استطرادٌ ببيان حكمتها، وأنَّها ضيافة من الله للناس أيام العيد.
وقوله: (وَمِنْ بَعْدِهَا المَشْرُوْب)؛ أي: «كتاب الأشربة» أو أحكام المشروبات لقوله تعالى: ﴿كُلُواْ وَاشْرَبُواْ﴾ [البقرة: ٦٠].
وقوله: (وَغَالِبُ أَمْرَاضٍ بِأَكْلٍ وَشُرْبِهِ)؛ أي: حاصلٌ بسببِ أكلِ الإنسان وشُربه، فهو مُتولد عنهما، فلذا ذكر «كتاب المرضى والطب» عقبهما.
وقوله: (بِرَفْعِ المَآثِمِ) يظهرُ أنَّه تحريفٌ، والصواب (برفعِ المآلم) باللام بعد الهمزة الممدودة، جمع مألم مصدرٌ ميمي من الألم؛ أي: مصحوبًا هو؛ -أي: «كتاب المرضى» - بالطب الذي يرفع المآلم، ثم ذكرَ فيهِ؛ أي: في «الطب» «بابَ: الرُّقى»؛ لأنها من جُملة الطبِّ كما قال: (فَبِالطِّبِ يُسْتَشْفَى
[ ٣٤٧ ]
فبالطِّبِّ يُستشفَى من الدَّا برُقْيَةٍ … بفاتحة القرآن ثمَّ الخواتم
لباسٌ به التَّزيين فانظره (^١) بعدهُ … كذا أدبٌ يُؤتَى به بالكرائم
وإنَّ بالاستئذان جلب (^٢) مصالح … به تفتح الأبواب وجه المسالم
وبالدَّعْوات الفتح من كلِّ مغلقٍ … وتيسير أحوالٍ لأهل المعازم
رقاقٌ بها (^٣) بعد الدُّعاء تَذكُّرٌ … وللقدر اذكره لأصل (^٤) الدَّعائم
مِنَ الدَّا) بالقصرِ للضرورة … إلى آخره، ومن المعلوم أنَّ الإنسان كما يحتاج إلى الطعام والشراب يحتاج إلى اللباس ليتزين به، فلذا ذكر «كتاب اللباس» بعد «الطب» الذي هو من تعلقات الأكل والشرب، وإذا استوفى الإنسان ما به يتربى جسمه ويتحسن، التفت إلى ما به تتربى روحه وتتكمل، وذلك بالأخلاق المرضية والآداب السنية، فذكر بعد ذلك «كتابَ الآداب»، والكرائمُ هي الأفعال الكريمة، و(به) بمعنى فيه؛ أي: يذكرُ فيه الأفعال الجليلة، ثم من جملة الآداب الاستئذان في دخول بيت الغير و(به تُفتح الأبواب) المغلقة في (وجه المُسالم)؛ أي: المُستأذن الذي ليسَ بينه وبين المستأذن عليه عداوةٌ إذا أراد دخوله فهو سبب فتحِ الأبواب الحسية، والدعاء سببٌ في فتح الأبواب المعنويةِ للمطالبِ الإنسانية، فناسب أن يذكر «كتاب الدعاء» عقبَ «كتب الاستئذان»، وفَصْلُهُمَا بترجمةٍ مع دخولهما في الآداب لعله لجلالتهما وعِظَمِ الأحكام والأغراض المترتبة عليهما، كما أشار لذلك الناظم بقوله:
وَبِالدَّعَوَاتِ الفَتْحُ مِنْ كُلِّ مُغْلَقٍ … وَتَيْسِيْرُ أَحْوَالٍ لِأَهْلِ المَعَازِمِ
بالعين المهملة ثم الزاي جمع (معزم) بمعنى العزم والقصد.
وقوله: (رِقَاق) بكسر الراء يعني «كتاب الرقاق» (بعد) «كتاب الدعاء»، وهو جمع رقيقة؛ أي: مُرققة؛ يعني: الأمور التي ترققُ القلب ويحصل بها التذكر؛ أي: الاتعاظ.
وقوله: (وَلِلْقَدَرِ اذْكُرْهُ)؛ أي: اذكرْ القَدَرَ بالتحريك؛ أي: «كتاب القدر» بعد «كتاب الرقائق»
_________________
(١) في (د): «وانظره».
(٢) في (ب): «جلت»، وفي (س) و(م): «حلَّت».
(٣) في (ص) و(م): «لها».
(٤) في (س): «لأهل»، وهو موافق لشرح الأبياري.
[ ٣٤٨ ]
ولا قَدَرَ إلَّا من الله وحده … تبرُّرنا بالنَّذر شوقًا (^١) لحاتم (^٢)
وأيمانٌ من كتبٍ وكفَّارةٌ لها … كذا النَّذر في لُجٍّ بدا من ملاحم
وأحوال أحياءٍ تتمُّ وبعدها … مواريث أمواتٍ أتت للمقاسم
فرائضهم فيها (^٣) كتابٌ يخصُّها (^٤) … وقد تمَّت الأحوالُ حالات سالم
(لأهل الدعائم) جمع دِعامة، ما يُعتمد عليه؛ يعني: لأهل الاعتماد والتوكل عليه تعالى.
وقوله: (وَلَاْ قَدَرٌ …) إلى آخره، استطراد.
وقوله: (تَبَرُّرنَا بِالنَّذْرِ)؛ أي: وتبررنا بالنذر؛ أي: وبعد القدر «أبوابُ نذرُ التَّبرر» الذي يحمل عليه الشوق إلى حسن ختام الأمر المطلوب.
وقوله: (وَأَيْمَانٌ مِنْ كُتُبٍ) مبتدأ وخبر، وأيمان بفتح الهمزة على تقدير مضاف؛ أي: و«كتاب الأيمان» من جملة الكتب، يريد بهذه الجملة التي هي كالسماء فوقنا أنَّ الأيمان بعد نذر التبرر.
وقوله: (وَكَفَّارَةٌ لَهَا كَذَا النَّذْرُ …) إلى آخره؛ أي: وبابُ «كفارةِ اليمينِ ونذر اللجاج»، وظاهره أنَّ النذر المذكور بعد الكفارة، وليس كذلك، بل هو والأيمان في ترجمة واحدةٍ، وباب كفارة الأيمان بعد النذور.
وقوله: (بَدَا)؛ أي: ظهر ضميره للنذرِ المذكور، و(المَلَاحِم) بفتح الميم وبالحاء المهملة: الشدائد من التحمَ الحربَ: اشتدَّ.
وقوله: (وَأَحْوَالُ أَحياءٍ) (^٥) ثم تمهيدٌ لوجه ذكرِ «كتاب الفرائض» بعد ذلك؛ أي: إنَّه بمضمون التراجم المتقدمة تتم أحوال الأحياء، ثم يعقبها أحوال الأموات، فلذا أعقب ذلك «كتاب الفرائض».
وقوله: (حَالَاتُ سَالِمِ) بدل من الأحوال، وسالم؛ أي: من القاذورات المعنوية التي هي المعاصي، وبقي ما يتعلق بحالِ من يأتي تلك القاذورات فذكرَ «كتاب الحدود»، فظهرت المناسبة بين السابق واللاحق.
_________________
(١) في (ص): «سوقًا».
(٢) في (ب) و(س): «لخاتم».
(٣) في (د): «فيه».
(٤) في (د): «تخصُّها»، وفي (س): «يخصُّهم».
(٥) في المطبوع: «وأحوال أموات» والمثبت موافق لما في الإرشاد.
[ ٣٤٩ ]
ومن يأت قاذورًا تَبيَّن حدُّه … محاربهم فيها أتت حتم حاتم
وفي غرَّةٍ فاذكر دياتٍ لأنفسٍ … وفيه قصاصٌ جاء لأهل الجرائم
وردَّة مرتدٍّ ففيه استتابةٌ … بردَّته زالت عقود العواصم
ولكنَّما الإكراه رافعُ حكمه … كذا حِيَلٌ (^١) جاءت لفكِّ التَّلازم
وقوله: (مَحَارِبُهُم فِيْهَا أَتَتْ)؛ أي: حِرَاباتهم؛ يعني: المحاربين من أهل القاذورات فيها؛ أي: في الحدود؛ أي: بعدها أو في القاذورات؛ أي: داخلة فيها، فلذا ذكرت بعد الحدود ومراده «كتاب المحاربين» من أهل الكفر والردة.
وقوله: (حَتْمُ حَاتِم) بحاء مهملة ثم فوقية فيهما؛ أي: حتم ذلك، وجزم به حتمًا من حاتم، وهو الله تعالى، أو النَّبيُّ ﷺ.
وقوله: (وَفِيْ غُرَّةٍ …) إلى آخره، هو بضم الغين المعجمة وتشديد الراء؛ أي: في ذكر الغُرَّةِ الواجبة في الجناية على الجنين.
وقوله: (فَاذْكُرْ دِيَّاتٍ …) إلى آخره، الفاء زائدة، وصريحُ كلامه أنَّ ترجمة الدِيات مذكورةٌ في تراجم الغُرة، فالغُرة سابقة والديات لاحقة، وليس كذلك بل الأمرُ بالعكس، فكتاب الديات عقب «كتاب المحاربين»، وفي ضمن أبوابه: «باب: جنين المرأة»، وكذا قوله: (وَفِيْهِ قِصَاصٌ) فإنَّ «بابَ: القِصَاصِ» في «كتاب الديات» قبل «باب: الجنين»، ترجمَ له بقوله: «باب قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨]» بعد الديات بباب واحد، وقبل «باب: الجنين» بأبواب شتى.
وقوله: (وَرِدَّةُ مُرْتَدٍّ)؛ أي: وبعد ذلك (رِدَّةٌ …) إلى آخره، أي: «كتاب المرتدين»، وفي قوله: (وَفِيْهِ اسْتِتَابَةٌ …) إلى آخره، أن أصلَّ التَّرجمة بكتابِ المُرْتَدِّيْنَ، وفيها باب استتابتهم مثلًا، وليس كذلك بل المذكور «كتاب استتابة المرتدين وقتالهم»، وبعد ذلك «باب: حكم المرتد والمرتدة»، و«باب: قتل مَن نسب إلى الردة».
وقوله: (بِرِدَّتِهِ …) إلى آخره، استطرادٌ ببيانِ وجهِ قتلِ المُرتد، و(العواصم) الأمور التي عصمت دمه وماله؛ من الإيمان وأعماله.
وقوله: (وَلَكِنَّمَا الإِكْراهُ رَافِعُ حُكْمِهِ)؛ أي: حكم ذلك الارتداد الذي يحصل به فله به أتم مناسبة، فلذا ذكر عقبه، وترجمه المصنف بلفظ: «كتاب الإكراه»، وذكر بعده «باب: من اختار الضرب والقتل
_________________
(١) في (ص): «قيل».
[ ٣٥٠ ]
وفي باطن الرُّؤيا لتعبير أمرها … وفتنتها قامت فما من مقاوم
وإحكامها خلفًا (^١) يزيل تنازعًا … كتاب التَّمنِّي جاء رمزًا لراقم
ولا تتمنَّوا جاء (^٢) فيه تواترٌ … وأخبار آحادٍ حِجَاجٍ لعالم
والهوان على الكفر»، ثم أبوابُ الإكراهِ في البيع والنكاح وغيرهما، لكون ذلك من أفراد مطلق الإكراه.
وقوله: (كَذَا حِيَلٌ …) إلى آخره؛ أي: إنَّه ترجمَ بعدَ «أبوابِ الإكراه» للحيل، فقال: «باب: الحيلة في النكاح» «باب: ما يُكره من الاحتيال في البيوع …» إلى آخره، ولعلَّ مُنَاسَبته للإكراهِ أنَّ في الارتدادِ بالإكراه تخلصًا من القتلِ وتحيُّلًا على خلاصِ النفسِ، فناسبَ أن يذكرَ معهُ التَّحيل في باقي الأحكام، فإنَّ به ينفكُ التلازمُ فيها كما ينفكُّ به فيه، ثم انظرْ ما معنى قوله: (وَفِيْ بَاطِنِ الرُّؤْيَا …) إلى آخره، فإن كانَ المرادُ أنَّ «أبوابَ الرؤيا وتعبيرها» بعد أبواب الحيل فصحيحٌ، لكن لا يؤديهَ هذا التعبير، بل لم أفهم له معنى أصلًا.
وقوله: (وَفِتْنَتُهَا قَامَتْ …) إلى آخره، كأنه يُشير إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] ويرمزُ إلى أن «كتاب الفتن» بعد الرؤيا لذلك، ولكنْ لا وربك ما تفيد هذه العبارة ذلك.
وقوله: (وَإِحْكَامُهَا …) إلى آخره، لعلَّ مُراده أنَّ إحكامها؛ -أي: إتقانها- من جهة الخُلف؛ أي: الاختلاف الواقع بين علماء التعبير فيها يُزيلُ التنازع في أمرها، وأنها تقع بحسب ما تعبر، وأيًّا ما كان فالله أعلم بما أراد.
وقوله: (كِتَابُ التَّمَنِّي …) إلى آخره، لعلَّ الشارحَ تركَ هنا أبياتًا تضمنت ذكر الأحكام، وإلَّا فبعد الفتن «كتاب الأحكام»، وفيه تراجم الحكام وأعمالهم وبيعتهم، ثم «كتاب التمني»، ولعل قوله: (وَلَاْ تَتَمَنَّوا …) إلى آخره، إشارةٌ لنكتةِ ذكره عقب الأحكام، وأن أمر الحكام مما تشتهيه النفوس وتتمناه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٢] وقوله: (جَاءَ فِيْهِ)؛ أي: في هذا الأمر وهو التمني (تواتر)؛ أي: إخبار ذو تواترٍ.
وقوله: (وَأَخْبَارُ آحَادٍ)؛ أي: وجاء في هذا الكتاب أخبار الآحاد، ومراده: «باب: ما جاء في إجازة خبر الواحد»، وفيه من الإبهام ما لا يخفى.
وقوله: (حِجَاجٌ …) إلى آخره؛ أي: إنَّ في أحاديثه ما يحتجُّ به على مَن لم يقبله على ما سبقَ تفصيله.
_________________
(١) في غير (ب) و(س): «وأحكام خليفا».
(٢) في (د): «كان».
[ ٣٥١ ]
كتاب اعتصامٍ فاعتصم بكتابه … وسُنَّة خير الخلق عصمة عاصم
وخاتمة التَّوحيد طاب ختامها … بمبدئها (^١) عطرٌ ومسكٌ لخاتم
فجاء كتابٌ جامعٌ من صحاحنا (^٢) … لحافظ عصرٍ قد مضى في التَّقادم
أتى في البخاري مدْحةٌ (^٣) لصحيحه … وحسبك بالإجماع في مدح حازم
أصحُّ كتابٍ بعد تنزيل ربِّنا … وناهيك بالتَّفضيل فاجأر لراحم (^٤)
وقل رحم الرَّحمن عبدًا موحِّدًا … تحرَّى صحيحَ القصد سُبْل العلائم
وفي سُنَّة المختار يبدي صحيحها … بإسناد أهل الصِّدق من كلِّ حازم
وإنَّا توخَّينا كتابًا نخصُّه (^٥) … على أوجهٍ تأتي عجابًا لغانم
عسى الله يهدينا جميعًا بفضله … إلى سُنَّة المختار رأس الأكارم
وصلَّى على المختار أللهُ ربُّنا … يقارنها التَّسليم في حالِ دائم
وآلٍ له والصَّحب معْ تبعٍ لهم … يقفُّون آثارًا أتت بدعائم
بتكرير ما يبدو وتضعيف عدِّه (^٦) … وفي بدئها والختم مسك الخواتم (^٧)
وقد آنَ أَنْ أشرع في الشَّرح حسبما قصدته، على النَّحو الذي في الخطبة ذكرته، مستعينًا بالله تعالى، ومتوكِّلًا عليه، ومفوّضًا جميع أموري إليه، ولا حول ولا قوَّة إلَّا بالله (^٨).
وقوله: (كِتَابُ اعْتِصَامٍ)؛ أي: وبعد «كتاب التمني» «كتاب الاعتصام»، ثم «كتاب التوحيد»، وهو آخر تراجم كُتُب الكِتَاب.
نسألُ الله تعالى بحق النَّبيِّ ﷺ وآله، وبالبخاري ورجاله أن يختمَ لنا ولإخواننا
_________________
(١) في (د): «يميد بها».
(٢) في غير (د) و(س): «صحاحها».
(٣) في (س) و(ص): «مدحه».
(٤) في غير (ب) و(س): «براحم».
(٥) في (ب) و(س): «يخصُّه»، وفي (م): «تخصُّه».
(٦) في (م): «عدة».
(٧) قال الحافظ أبي العز العجمي: بلغ مقابلة على خطه ﵀.
(٨) ليس في (م) قوله: «ومتوكِّلًا عليه، ومفوّضًا جميع أموري إليه، ولا حول ولا قوَّة إلَّا بالله».
[ ٣٥٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالحُسنى، ولا يحرمنا بحرمةِ وجهه الكريم من رِضاه الأسنى، وأن يوفقنا جميعًا إلى طاعته بجاه وجه النَّبيِّ ﷺ، وعلى آله وصحبه وعِتْرَتِهِ، والحمد لله رب العالمين.
تَمَّتْ على يدِّ مُؤلفها الفقير عبد الهادي نجا الأبْيَارِي في غُرة جمادى الأولى سنة ١٢٨٣ وعلى الله حسن القبول بجاه كل نبي ورسول.
(يقول راجي غُفْرانَ المَسَاوي … مصحِّحُه محمدُ الزهري الغمراوي)
أما بعد حمد الله الذي حديث الكائنات يشهد بربوبيته وأحوال البريات تنطق ألسنتها بوحدانيته، والصلاة والسلام على رسوله سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين، فقدْ تمَّ طبع حاشية العلامة الشيخ عبد الهادي نَجَا الأبياري المسماة: «نيل الأماني في إيضاح مقدمة شرح العلامة القسطلاني» لصحيحِ الإمام البخاري، رحم الله الجميع وأسكنهم المكان الرفيع.
[ ٣٥٣ ]