في المسائل التي فيها الخلاف بين الأئمَّة، فحينئذٍ ينبغي أن يُقال: جميع ما يورده فيه: إمَّا أن يكون ممَّا ترجم به، أو ممَّا تُرجِم له، فالمقصود في هذا التَّأليف بالذَّات هو الأحاديث الصَّحيحة، وهي التي تُرجِم لها، والمذكور بالعرض والتَّبع الآثار الموقوفة والآثار المعلَّقة، نعم، والآيات المكرَّمة، فجميع ذلك مترجمٌ به، إلَّا أنَّه إذا اعتُبِرت بعضها مع بعض، واعتُبِرت أيضًا بالنِّسبة إلى الحديث، يكون بعضها مع بعضٍ منها مفسِّرٌ ومفسَّرٌ (^١)، ويكون بعضها كالمُترجَم له باعتبارٍ، ولكن المقصود بالذَّات هو الأصل، فقد ظهر أنَّ موضوعه إنَّما هو للمسندات، والمعلَّق ليس بمسندٍ؛ ولذا لم يتعرَّض الدَّارقطنيُّ فيما تتبَّعه على «الصَّحيحين» إلى الأحاديث المعلَّقات؛ لعلمه بأنَّها ليست من موضوع الكتاب، وإنَّما ذكرت استئناسًا واستشهادًا. انتهى. من «مقدِّمة فتح الباري» بحروفه، وبالله تعالى التَّوفيق والمستعان.
وأمَّا عدد أحاديث «الجامع»؛ فقال ابن الصَّلاح: سبعة آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعون -بتأخير الموحَّدة عن السين فيهما- بالأحاديث المكرَّرة، وتبعه النَّوويُّ وذكرها مُفصَّلةً، وساقها ناقلًا لها من كتاب «جواب المتعنِّت» لأبي الفضل بن طاهرٍ، وتعقَّب ذلك الحافظ أبو
وَحَيْدٌ عن الصوابِ، قال: وقد اعتنى البخاري باعتبار هاتين الصيغتين فأعطاهما حكمهما في صحيحه؛ فيقول في الترجمة الواحدة بعض كلامه بتمريضٍ وبعضه بجزم مُراعيًا ما ذكرنا، وهذا مُشعر بتحرِّيهِ وورعه، وعلى هذا فيحمل قوله: (ما أدخلت في الجامع إلَّا ما صح)؛ أي: مما سُقت إسناده. انتهى كلامه.
قال: وقد تبيَّنَ ممَّا فصلنا به أقسام تعاليقه أنَّه لا يفتقرُ إلى هذا الحمل، وأن جميع ما فيه صحيحٌ باعتبار أنَّه كله مقبولٌ ليس فيه ما يردُّ مُطلقًا. انتهى.
قوله: (بِحُرُوْفِهِ)؛ أي: في الغالبِ.
قوله: (وَأَمَّا عَدَدُ أَحادِيْثِ الجامِعِ)؛ أي: الذي هو «صحيح البخاري»، والمراد من الأحاديث المُسندة، كما ذكره النووي.
قوله: (بِالأَحَادِيْثِ المُكَرَّرَةِ) وأما بدونها فأربعة آلاف، كما في «شرح التقريب».
وفيه قال العراقي: هذا مُسَلَّمٌ في رواية الفرَبْريِّ، وأما رواية حمَّاد بن شاكر فهي دونَ رواية الفرَبْريِّ بمئتي حديث، ورواية إبراهيم بن معقل دونها بثلاثمئة.
_________________
(١) في (م): «مفسِّرًا ومفسَّرًا».
[ ٢٨٢ ]
الفضل ابن حجرٍ رحمه الله تعالى بابًا بابًا محرِّرًا ذلك، وحاصله أنَّه قال: جميع أحاديثه بالمكرَّر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حرَّرته وأتقنته سبعة آلافٍ -بالموحَّدة بعد السِّين- وثلاث مئةٍ وسبعةٌ وتسعون حديثًا، فقد زاد على ما ذكروه مئةَ حديثٍ واثنين وعشرين حديثًا، والخالص من ذلك بلا تكرارٍ ألفا حديثٍ وستُّ مئةٍ وحديثان، وإذا ضمَّ له المتون المعلَّقة المرفوعة التي لم يوصلها في موضعٍ آخر منه، وهي مئةٌ وتسعةٌ وخمسون؛ صار مجموع الخالص ألفي حديثٍ وسبع مئةٍ وإحدى وستِّين حديثًا. وجملة ما فيه من التَّعاليق ألفٌ وثلاثة مئةٍ وأحدٌ وأربعون حديثًا، وأكثرها مكرَّرٌ مخرَّجٌ في الكتاب أصول متونه، وليس فيه من المتون التي لم تخرَّج في الكتاب -ولو من طريقٍ أخرى- إلَّا مئةٌ وستُّون حديثًا، وجملة ما فيه من المتابعات والتَّنبيه على اختلاف الرِّوايات ثلاث مئةٍ وأربعةٌ وأربعون حديثًا، فجملة ما في الكتاب على هذا بالمكرَّر تسعة آلافٍ واثنان وثمانون حديثًا، خارجًا عن الموقوفات على الصَّحابة، والمقطوعات على التَّابعين، فمن بعدهم.
قال شيخ الإسلام: وهذا قالوه تقليد للحمُّويي، فإنَّه كتب البخاري عنه، وعدَّ كلَّ بابٍ منهُ ثم جمعَ الجُمْلَةَ، وقَلَّدَهُ كلُّ من جاءَ بعده؛ نظرًا إلى أنَّه راوي الكتاب وله به العنايةُ التامة.
قال: ولقد عَدَدْتُهَا وحَرَّرْتُهَا فبلغتْ بالمكررة سوى المُعلقات والمتابعات سبعةَ آلاف وثلاثمئة وسبعة وتسعين حديثًا، وبدون المكررة ألفين وخمسمئة وثلاثة عشر حديثًا، وفيه من التعاليق ألف وثلاثمئة وأحد وأربعون، وأكثرها مُخرَّج في أصول متونه، والذي لم يُخرجه مئة وستون.
وفيه من المتابعات والتنبيه على اختلاف الروايات ثلاثمئة وأربعة وثمانون، هكذا وقع في شرح
[ ٢٨٣ ]
وأمَّا عدد كتبه فقال في «الكواكب»: إنَّها مئةٌ وشيءٌ، وأبوابه ثلاثة آلافٍ وأربع مئةٍ وخمسون بابًا، مع اختلافٍ قليلٍ في نسخ الأصول.
وعدد مشايخه الذين خرَّج (^١) عنهم فيه مئتان وتسعةٌ وثمانون، وعدد من تفرَّد بالرِّواية عنهم دون مسلمٍ مئةٌ وأربعةٌ وثلاثون، وتفرَّد أيضًا بمشايخَ لم تقع الرِّواية عنهم لبقية (^٢) أصحاب الكتب الخمسة إلَّا بالواسطة، ووقع له اثنان وعشرون حديثًا ثلاثيَّات الإسناد، والله سبحانه الموفِّق والمعين.
وأمَّا فضيلة «الجامع الصَّحيح»: فهو -كما سبق- أصحُّ الكتب المؤلَّفة في هذا الشَّأن، والمُتلقَّى بالقبول من العلماء في كلِّ أوانٍ، قد فاق أمثاله في جميع الفنون والأقسام، وخُصَّ بمزايا من بين دواوين الإسلام، شهد له بالبراعة والتَّقدُّم الصَّناديد العِظَام، والأفاضل الكرام،
البخاري، ونُقل عنه ما يخالف هذا يسيرًا. انتهى.
وفيه مخالفةٌ لما ذكره الشارح عن تحرير الحافظ ابن حجر في عدِّ غيرِ المُكرر، وقد اشتملَ كتابه وكتاب مسلم على ألف ومئتي حديث من الأحكام؛ روت عائشة من جملتها مئتين ونيفًا وسبعين فحُمِل عنها ربع الشريعة.
ومن الغرائب ما نقل عن البخاري أنَّه صَنَّفَ كتابًا أورد فيه مئة ألف حديثٍ صحيح. ذكره العيني.
فائدة: ذكر مَنْلَا عَلِي القَاري في «شرحه للشفاء» أنَّ الحَمُّويي بفتح المهملة وضم الميم المشددة وكسر الواو آخره ياء، نسبةً إلى جده حَمُّوِيه: وهو عبد الله بن محمد بن حمويه السَّرَخْسِي، قال: توفي سنة إحدى وثمانين وثلاثمئة.
قوله: (فِيْ الكَوَاكِبِ)؛ أي: الدراري، اسم شرح على الكتاب للكرماني.
قوله: (وَأَبْوَابُهُ ثَلَاثَةُ آلَافٍ …) إلى آخره، فصَّلها الشيخ العيني في مقدمة شرحه، وسيأتي للشارح سردها في القصيدة الآتية.
_________________
(١) في (ب) و(س): «صرَّح».
(٢) في (ص): «كبقيَّة».
[ ٢٨٤ ]
ففوائده أكثر من أن تُحصَى، وأعزُّ من أن تُستقصَى، وقد أنبأني غير واحدٍ عن المسندة الكبيرة عائشة بنت محمَّد بن عبد الهادي: أنَّ أحمد بن أبي طالبٍ أخبرهم: عن عبد الله بن عمر بن عليٍّ: أن أبا الوقت أخبرهم عنه سماعًا قال: أخبرنا أحمد بن محمَّد بن إسماعيل الهروِيُّ شيخ الإسلام، سمعت خالد بن عبد الله المروزيَّ يقول: سمعت أبا سهلٍ محمَّد بن أحمد المروزيَّ يقول: سمعت أبا زيدٍ المروزيَّ يقول: «كنت نائمًا بين الرُّكن والمقام، فرأيت النَّبيَّ ﷺ في المنام، فقال لي: يا أبا زيدٍ؛ إلى متى تدرس كتاب الشَّافعيِّ وما تدرس كتابي؟ فقلت: يا رسول الله؛ وما كتابك؟ قال: جامع محمَّد بن إسماعيل».
وقال الذَّهبيُّ في «تاريخ الإسلام»: وأمَّا «جامع البخاريِّ الصَّحيح»؛ فَأَجَلُّ كتب الإسلام وأفضلها بعد كتاب الله تعالى، قال: وهو أعلى في وقتنا هذا إسنادًا للنَّاس، ومن ثلاثين سنةً يفرحون بعلوِّ سماعه، فكيف اليوم؟! فلو رحل الشَّخص لسماعه من ألف فرسخٍ؛ لَمَا ضاعت رحلته. انتهى.
وهذا قاله الذَّهبيُّ ﵀ في سنة ثلاثَ عَشْرَةَ وسبعِ مئةٍ.
ورُوِيَ بالإسناد الثَّابت عن البخاريِّ أنَّه قال: رأيت النَّبيَّ ﷺ وكأنَّني واقفٌ بين يديه، وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المعبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب،
قوله: (تَدْرُسُ كِتَابَ الشَّافِعِيِّ) في «القاموس»: درس الكتاب يَدْرُسُهُ ويَدْرِسُهُ؛ أي: بضمِّ الراء وكسرها دَرْسًا ودِرَاسَةً، قرأهُ، كأَدْرَسَهُ ودَرَّسَهُ. انتهى.
قوله: (لَما ضَاعَتْ رِحْلَتُهُ) الرِّحْلَةُ بالكسر والضم لغة: اسم من الارتحال، وقال أبو زيد: الرّحلة بالكسر اسم من الارتحال، وبالضمِّ الشيء يُرتحل إليه، فيُقالُ: قَرُبَتْ رِحلتنا بالكسر، وأنت رُحْلَتُنَا بالضم: أي المقصد الذي نقصده. انتهى.
قوله: (وَبِيَدِي مِرْوَحَةٌ) بكسر الميم آلة يروَّح بها؛ أي: يجلب بها الهواء.
وقوله: (أَذُبُّ عَنْهُ) من باب: قتلَ؛ أي: أَدْفَعُ، كما في «المصباح».
[ ٢٨٥ ]
فهو الذي حملني على إخراج «الجامع الصَّحيح»، وقال: ما كتبت في «الجامع (^١) الصَّحيح» حديثًا إلَّا اغتسلت قبل ذلك وصلَّيت ركعتين، وقال: خرَّجته من نحو ستِّ مئة ألف حديثٍ، وصنَّفته في ستَّ عشْرةَ سنةً، وجعلته حجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى، وقال: ما أدخلت فيه إلَّا صحيحًا، وما تركت من الصَّحيح أكثرُ حتَّى لا يطولَ، وقال: صنَّفت كتابي «الجامع» في المسجد الحرام، وما أدخلت فيه حديثًا حتَّى استخرت الله تعالى وصلَّيت ركعتين، وتيقَّنت صحَّته.
قال الحافظ ابن حجرٍ رحمه الله تعالى: والجمع بين هذا وبين ما رُوِيَ: أنَّه كان يصنِّفه في البلاد: أنَّه ابتدأ تصنيفه وترتيب أبوابه في المسجد الحرام، ثمَّ كان يخرِّج الأحاديث بعد ذلك في بلده (^٢) وغيرها، ويدلُّ عليه قوله: إنَّه أقام فيه ستَّ عشْرةَ سنةً، فإنَّه لم يجاور بمكَّة هذه المدَّة كلَّها.
وقد روى ابن عديٍّ عن جماعةٍ من المشايخ: أنَّ البخاريَّ حوَّل تراجم «جامعه» بين قبر النَّبيِّ ﷺ ومنبره، وكان يصلِّي لكلِّ ترجمةٍ ركعتين، ولا ينافي هذا أيضًا ما تقدَّم؛ لأنَّه يحمل على أنَّه في الأوَّل كتبه في المُسودَّة،
قوله: (فَهُوَ الَّذِي حَمَلَنِي …) إلى آخره، قد يُقال هذا يُعارض ما أسلفناهُ عنه أنَّه قال: كنا عند إسحاق ابن رَاهُوْيَه فقال: لو جمعتم كتابًا مختصرًا لصحيح سنة النَّبيِّ ﷺ، قال: فوقع ذلك في قلبي، فأخذتُ في جمع الجامع الصحيح، قلتُ: يُمكنُ الجمع بحصولِ كلٍّ ولا مانع من تعددِ السببِ.
قوله: (مَا أَدْخَلْتُ فِيْهِ إِلَّا صَحِيْحًا) تقدَّمَ أنَّ المرادَ: ما ذكرتَ فيهِ مُسندًا إلَّا ما صحَّ.
وقال القُرطبي: وكذلك لا يُعَلِّقُ في كتابه إلَّا ما كان صحيحًا في نفسه مُسندًا كذلك لكنه ليس على شرطه، فلم يسنده ليفرِّقَ بين ما كان على شرطه في أصل كتابه وما كان ليس كذلك.
قوله: (ثُمَّ كَانَ يُخَرِّجُ الأَحَادِيْثَ بَعْدَ ذَلِكَ …) إلى آخره، يظهُر لي عكسُ ذلك، وأنَّه خَرَّجَ الأحاديث أولًا في تلك المدة وجمعها في مُسوداتها، ثم ترجم لها وبيضها في المسجد الحرام، وبين قبر ومنبر النَّبيِّ ﵊.
_________________
(١) في غير (د): «كتاب».
(٢) في (د): «بلد أهله».
[ ٢٨٦ ]
وهنا حوَّله من المُسوَّدة إلى المُبيضَّة.
وقال الفَِرَبْريِّ: قال لي محمَّد بن إسماعيلَ: ما وضعت في الصَّحيح حديثًا إلَّا اغتسلت قبل ذلك وصلَّيت ركعتين، وأرجو أن يبارك الله تعالى في هذه المصنَّفات.
وقال الشَّيخ أبو محمَّدٍ عبد الله بن أبي جَمْرَة: قال لي مَن لقيت من العارفين عمَّن لقيه من السَّادة المُقَرِّ لهم بالفضل: إنَّ «صحيح البخاريِّ» ما قُرِئَ في شدَّةٍ إِلَّا فُرِجَت، ولا رُكِبَ به في مركبٍ فغرق. قال: وكان مُجابَ الدُّعاء، وقد دعا لقارئه رحمه الله تعالى.
وقال الحافظ عماد الدِّين ابن كثيرٍ: وكتاب البخاريِّ «الصَّحيح» يُستسقَى بقراءته الغمامُ، وأجمع على قبوله وصحَّة ما فيه أهلُ الإسلام. وما أحسن قول البرهان القيراطيِّ ﵀:
حدِّث وشنِّف بالحديث مسامعي … فحديثُ مَنْ أهوى حليُّ مسامعي
قوله: (الغَمَام)؛ أي: المطر.
قوله: (وشَنِّفَ) بالشين المعجمة والنون، آخره فاء؛ أي: زيِّنْ مسامعي بالحديث الشبيه بالشَّنف، وهو ما يُعلق في رأسِ الأذنِ.
والقُرْط بضم القاف ما يعلق في أدناها، وفي الكلام تصريحية أو مكنية.
قوله: (فَحَدِيْثُ مَنْ أَهْوَاهُ …) إلى آخره، في نسخٍ ثبوتُ الضمير في أهواه، وفي أخرى حذفه، فعلى
[ ٢٨٧ ]
لله ما أحلى مكرَّره الذي … يحلو ويعذب في مذاق السَّامع
بسماعه نلتُ الذي أمَّلتُه … وبلغتُ كلَّ مطالبي ومطامعي
وطلعتُ في أفق السَّعادة صاعدًا … في خير أوقاتٍ وأسعدِ طالعِ
ولقد هُديتُ لغاية القصد التي (^١) … صحَّت أدلَّته بغير ممانعِ
وسمعت نصًّا للحديث معرَّفًا … ممَّا تضمَّنه كتاب «الجامع»
وهو الذي يُتلَى إذا خَطْبٌ عَرا … فتراه للمحذور (^٢) أعظَم دافعِ
كم من يدٍ بَيْضَا حواها طِرْسُه … تُومي إلى طُرُق العلا بأصابعِ
وإذا بدا باللَّيل أسودُ نقشه … يجلو علينا كلَّ بدرٍ ساطعِ
ثبوته يتعين في (حلي) أن يكون بفتح الحاء المهملة وسكون اللام، وهو: ما تتحلى به المرأة، وعلى حذفه يكون بضم الحاء وكسر اللام، جمع حلي المذكور، وأصله على فعول مثل فَلْس وفُلُوس، كما في «المصباح» وعلى كلٍّ ففي (المَسامع) مكنيَّةٌ لا تخفى.
قوله: (فِيْ مَذَاقِ السَّامِعِ)؛ أي: في ذوقه.
قوله: (إِذَا خَطْبٌ) بفتح الخاء المعجمة وإسكان الطاء آخره موحدة: الأمر العظيم الهائل الذي يستحق أن يُخطب له.
قوله: (طِرْسُه) بكسر الطاء المهملة: الصحيفة، أو التي مُحيت ثم كتبت، وجمعه أطراس وطروس.
قوله: (أَسْوَدُ نِقْشِهِ) بكسر النون وبالقاف والسين المهملة؛ أي: خطُّه الأسود.
وقوله: (يَجْلُو …) إلى آخره، بالجيم المعجمة؛ أي: يُوضح ويكشف، يقال: جَلا الخبر للناس جلاءً بالفتح والمدِّ: وضحَ وانكشف فهو جليٌّ، وجَلَوْتُهُ: أوضحته يتعدى ولا يتعدى. انتهى «مصباح».
وقوله: (كُلَّ بَدْرٍ سَاطِعٍ) إما مُستعارٌ للأحاديث أو رجالها، والأول هو الظاهر.
_________________
(١) في (د): «الذي».
(٢) في (ص): «للمخدور».
[ ٢٨٨ ]
مَلَكَ القلوبَ به حديثٌ نافعٌ … ممَّا رواه مالكٌ عن نافعِ
في سادةٍ ما إن سمعتَ بِمثلهم … من مُسمِعٍ عالي السَّماعِ وسامعِ
وقراءة القاري له ألفاظه … تغريدها يزري بسجْع السَّاجعِ
(وقول الآخر):
وفتى بُخارى عند كلِّ محدِّثٍ … هو في الحديث جُهينةُ الأخبارِ
لكتابه الفضلُ المبينُ (^١) لأنَّه … أسفاره في الصُّبح كالإسفار
قوله: (حَدِيْثٌ نَافِع) بتنوين لفظِ «حديثٍ» رفعًا على الفاعلية لـ «مَلَكَ» ونافع صفةٌ له؛ أي: ينفع المُتَمَسِّك به في دينه ونحو ذلك، وأمَّا نافع القافية فشيخُ مالكٍ، وبينه وبين الأول تمامُ الجِنَاسِ.
قوله: (مِنْ مُسْمِعٍ) بضم الميم الأولى وكسر الثانية.
قوله: (أَلْفَاظُهُ تَغْرِيْدُهَا …) إلى آخره، مبتدآن أخبر عنهما بقوله (يُزْرِي …) إلى آخره، والكلامُ على تقديرِ مُضافٍ: أي صوتُ ألفاظه؛ -أي: القارئ- يُزْرِي تَغْرِيْدُهُ؛ -أي: تطريبه في صوته- من غَرَّدَ يغردُ كتَعِبَ إذا طَرِبَ في صوته وغنائه كالطائر، وغرد تغريدًا مثله، كما في «المصباح»، والإزراء بالشيء: تعييبه، يُقال أزرى عليه، وازدرى به عابه، و(السَّاجِع) الحمام يسجعُ؛ -أي: يهدرُ ويصوت- وفي «المصباح»: سَجَعَتْ الحمامةُ سَجْعًا من باب نفع: هدرت وصوتت، والسَّجْعُ في الكلام مشبه بذلك لتفاوت فواصله، وسَجَعَ الرجلُ كلامه كما يقال نَظَمَهُ إذا جَعلَ لكلامه فواصلَ كقوافي الشعر ولم يكن موزونًا. انتهى.
قوله: (جُهَيْنَةُ الأَخْبَارِ) جُهَيْنَة بجيم مضمومة فهاء مفتوحة فياء ساكنة: رجلٌ يُضرب به المثل في الإحاطة بالأخبار، في الحديث الشريف: «آخِرُ مَنْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ رَجُلٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَالُ لَهُ: جُهَيْنَةَ، فَيَقُوْلُ أَهْلُ الجَنَّةِ: عِنْدَ جُهَيْنَةَ الخبرُ اليقينُ»، وذكرَ بعضهم أنَّه بالفاء بدلَ الهاء، والكلام من باب التشبيه كما لا يخفى.
قوله: (لِكِتَابِهِ)؛ أي: الجامع الصحيح.
وقوله: (أَسْفَارُهُ) بفتح الهمزة جمع سِفْر بكسر فسكون، بمعنى الكتاب، والإسفار الثاني بكسر
_________________
(١) في (ص): «الكبير».
[ ٢٨٩ ]
كم أزهرت بحديثه أوراقُه … مثل الرِّياض لصاحب الأذكارِ
أَلِفَاتُه مثلُ الغصونِ إذا بدت … من فوقها الهمزاتُ كالأطيارِ
بجوامعِ الكَلِمِ التي اجتمعت به … متفرِّقاتُ الزُّهرِ والأزهارِ
وقول الشَّيخ أبي الحسن عليِّ بن عبيد الله (^١) بن عمر الشَّقِّيع -بالشِّين المُعجمَة، والقاف المكسورة المُشدَّدة، وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة عينٌ مُهملَةٌ- النَّابلسيِّ، المُتوفَّى بالقاهرة سنة ستَّ عشْرةَ وتسع مئةٍ:
خُتِم الصَّحيحُ بِحمْدِ ربِّي وانتهى … وأرى به الجاني تقهقر وانتهى
فسقى البخاري جُودُ جَوْدِ سحائبٍ … ما غابت الشِّعرى وما طلعَ السُّهى
الحافظُ الثِّقةُ الإمامُ المُرتضَى … مَنْ سار في طلبِ الحديث وما وهى
الهمزة مصدر أَسْفَرَ الصبحُ أضاءَ وأشرقَ، والتَّشْبِيْهُ من حيثُ إيضاح طريق الحق كفَلق الصبح.
قوله: (أَلِفَاتُهُ مِثْلُ الغُصُوْنِ) الألفات جمع ألف، والتشبيه من حيثُ ميلُ النفوس إليها من باب قوله:
قلبِي عَلَى قَدِّكَ المَمْشُوقِ بالهيفِ … طيرٌ على الغصن ِأوْ همزٌ على الألفِ
قوله: (مُتَفَرِّقَاتُ الزُهْرِ) بضم الزاي جمع أزهر وزهراء، وهو صفة لمحذوف؛ أي: المائل الزهر؛ أي: المشرقة، والأزهار جمع زهر؛ أي: ومتفرقات الأزهار؛ أي: الأحكام والأحاديث الشبيهة بالأزهار.
قوله: (تَقَهْقَرَ)؛ أي: رجعَ على عقبهِ خائبًا، وانتهى عن جنايته ببركته، وما احتوى عليه من الأسرار الحديثية والنفحات النبوية.
قوله: (جُوْدُ جَوْدِ) الجود بفتح الجيم المطر، وبضمها الكرم، والأول بالرفع فاعل سقى،
والثاني مضاف إليه، والكلام من باب المَكْنِيَّةِ، و(الشِّعْرَى) بكسر الشين المعجمة، و(السُّهَى) بضم المهملة نجمان معروفان.
قوله: (وَمَا وَهَى)؛ أي: ما ضَعُفَ.
_________________
(١) في (ص): «عبد الله».
[ ٢٩٠ ]
طَلَبَ الحديثَ بكلِّ قطرٍ شاسعٍ … وروى عن الجمِّ الغفير أُولي النُّهى
ورواه خلقٌ عنه وانتفعوا به … وبفضله اعترف البريةُ كلُّها
بحرٌ بجامعه الصَّحيح جواهرٌ … قد غاصها فاجهد وغُصْ إن رُمْتَها
واروي (^١) أحاديثًا معنعنةً زهتْ … تحلو لذائقِها (^٢) إذا كرَّرتها
وللإمام أبي الفتوح العجلي:
صحيحُ البخاريِّ يا ذا الأدبْ … قويُّ المتون عَلِيُّ الرُّتبْ
قويمُ النِّظام بهيجُ الرُّواء … خطيرٌ يروجُ كنقد الذَّهبْ
قوله: (بِكُلِّ قُطْرٍ) بضم القاف: الناحية، والشاسع بمعجمة فمهملتين: البعيد.
قوله: (عَنْ الجَمِّ الغَفِيْرِ) الجمُّ بالجيم، والغفير بالغين المعجمة والفاء؛ أي: الجمع الكثير.
وقوله: (أُوْلِي النُّهَى) جمع نهية: وهي العقل.
قوله: (قَدْ غَاصَهَا)؛ أي: غاصَ لها؛ أي: غاصَ بحار العلوم الحديثية للفوز باستخراجها.
وقوله: (فَاجْهَدْ وَغُصْ)؛ أي: أجهد نفسك وغص تلك البحار أنت كذلك إن رُمت الظفر بها.
قوله: (قَوِيُّ المُتُوْنِ)؛ أي: صحيحُ الأحاديث.
قوله: (بَهِيْجُ الرُّوَاءِ) بضم الراء، ممدودًا: المنظر، والبهيج: الحسن؛ أي: حسن المنظر.
وقوله: (خَطِير) بالخاء المعجمة والطاء المهملة؛ أي: شريف، يقال: خطر الرجل يخطر كشرف وزنًا ومعنى.
وقوله: (يَرُوْجُ) بالجيم من الرَّواج.
_________________
(١) في (ب) و(س): «وروى».
(٢) في (ب) و(س): «لسامعها».
[ ٢٩١ ]
فتبيانُه مُوضِحُ المعضِلاتِ … وألفاظه نخبةٌ للنُّخبْ
مفيدُ المعاني شريفُ المعالي … رشيقٌ أنيقٌ كثيرُ الشُّعبْ
سما عزُّه فوق نجم السَّماء … فكلُّ جميلٍ به يُجتلَبْ
سناءٌ منيرٌ كضوء الضُّحى … ومتنٌ مزيحٌ لشوب الرِّيَبْ
كأنَّ البخاريَّ في جمعه … تلقَّى من المُصطفَى ما اكتتبْ
قوله: (فتبيانه)؛ أي: بيانه.
وقوله: (المُعْضِلَاتِ) بكسر الضاد المعجمة، من أَعْضَلَ الأمر اشتد، ومنه داء عضال.
وقوله: (نُخْبَة)؛ أي: خيار.
وقوله: (لِلْنُّخَبْ) جمع نُخبة، واللام إما بمعنى (من)؛ أي: نُخبة من النخب، أو زائدة، والمراد: نخبة النُّخَب؛ أي: خيار الخيار.
قوله: (رَشِيْقٌ) من رشُقَ الشخص بالضم رَشَاقة: خفَّ في عمله، ومَن كان كذلك كان لطيفًا مألوفًا، وهذا هو المعنى المراد بطريق التشبيه أو التصريحية.
وقوله: (أَنِيْقٌ) بالهمزة والنون كعَجيب وزنًا ومعنى، كما في «المصباح».
وقوله: (كَثِيْرُ الشُّعَبْ) بضم الشين المعجمة، جمع شُعبة، وهي من الشجرة؛ الغصن المتفرع منها، ففيه تشبيه بالشجرة وأغصانها بجامعِ التفرع والانتفاع.
قوله: (سَمَا عِزُّهُ)؛ أي: ارتفع.
وقوله: (فكلُّ جميلٍ)؛ أي: من أمور الدين والدنيا و(يُجْتَلَبْ) بالجيم؛ أي: يُجْلَب.
قوله: (سِنَادٌ) بكسر السين، آخره دال مهملة؛ أي: سند منير … إلى آخره.
وقوله: (وَمَتْنٌ مُزِيْحٌ)؛ أي: مزيلٌ، و(الشَّوْبُ) بالمعجمة: الاختلاط، و(الرِّيَبْ) جمع ريبةٍ: وهي الشك والشُبهة.
[ ٢٩٢ ]
فللَّه خاطره إذ وعى … وساق فرائده وانتخبْ
جزاه الإله بما يرتضي … وبلَّغه عالياتِ القربْ (^١)
ولأبي (^٢) عامرٍ الفضل بن إسماعيل الجرجانيِّ الأديب رحمه الله تعالى:
صحيح البخاريِّ لو أنصفوهُ … لمَا خُطَّ إلَّا بماء الذَّهبْ
هو الفرق بين الهدى والعمى (^٣) … هو السَّدُّ دون العنا والعطبْ
أسانيدُ مثلُ نجومِ السَّماءِ … أمامَ متونٍ كمثل الشُّهُبْ
بهِ قام ميزانُ دينِ النَّبي … ودان له (^٤) العُجْمُ بعد العربْ
قوله: (خَاطِرُهُ)؛ أي: عَقْلُهُ.
وقوله: (إِذْ وَعَى)؛ أي: حفظ.
قوله: (عَالِيَاتِ القُرَبِ) بالضم جمع قُربة، وإضافة عاليات إليه توصيفية.
قوله: (وَالعَمَى)؛ أي: الضلالُ الشبيه بالعمى في عدم الاهتداء إلى المقصود.
وقوله: (هُوَ السَّدُ بَيْنَ العَنَاءِ) بالعين المهملة؛ أي: التعب.
وقوله: (وَالعَطَب) بالمهملة أيضًا محرَّكًا: الهلاك، والمعنى هو الحاجز بين هذين، وضدهما من الراحة والنجاة.
قوله: (كَمِثْلِ الشُّهُب) فيه من عيوبِ القافية: سِنَادُ التَّوجيه؛ وهو اختلاف حركة ما قبل الروي المُقيد وهو كثيرٌ في هذه الأبيات، وليس بممتنع للمولدين.
قوله: (وَدَانَ لَهُ)؛ أي: انقادَ، و(العُجْمُ) بضم العين وسكون الجيم كالعَجَم بفتحتين مقابلُ العرب.
_________________
(١) في (د): «الرُّتب».
(٢) في غير (س): «لابن»، وهو تحريفٌ.
(٣) في (د): «بين العمى»، وفي (ص): «هو السر بين».
(٤) في (د): «وزان به».
[ ٢٩٣ ]
حجابٌ من النَّار لا شكَّ فيه … يميِّز بين الرِّضا والغضبْ
وخير رفيق (^١) إلى المُصطفَى … ونورٌ مبينٌ لكشف الرِّيَبْ
فيا عالمًا أجمع العالمون … على فضل رتبته في الرُّتبْ
سبقْتَ الأئمَّة فيما جمعتَ … وفزت على رغمهم (^٢) بالقَصَبْ
نفيتَ السَّقيم من (^٣) الغافلينَ … ومن كان مُتَّهمًا بالكذبْ
وأثبتَّ من عدّلتْه الرواةُ … وصحّتْ روايته في الكتبْ
وأبرزتَ في حسن ترتيبه … وتبويبه عجبًا للعجبْ
فأعطاك ربُّك ما تشتهيه … وأجزل حظَّك فيما يَهَبْ
وخصَّك في عَرَصات الجنان … بخيرٍ يدوم ولا يقتضبْ (^٤)
قوله: (يُمَيِّزُ بَيْنَ الرِّضَا وَالغَضَب)؛ أي: بينَ ما ينبغي فيه كل منهما شرعًا.
قوله: (بِالقَصَب) بفتح القاف والصاد، أصله الذي يتخذ منه الأقلام، وكان العرب ينصبون في حلبة السباق؛ أي: الميدان الذي يتسابقون فيه قَصَبَةً فمن سبق اقتلعها وأخذها ليعلم أنَّه السابق من غير نزاعٍ، فلذا يقال: فلان أحرزَ؛ أي: حازَ قَصَبَ السَّبْقِ، ثم كثر حتى أطلق على المُبرِّز والمشمِّر، كما في «المصباح».
قوله: (نَفَيْتَ السَّقِيْمَ …) إلى آخره؛ أي: ميزتَ السَّقيم من الأحاديث ونفيته وأبعدته عمَّن ينقل الأحاديث وانتقيت له الصحيح، أو نفيتَ الشخص السقيم من الناقلين للحديث ولم ترو عنه شيئًا، وأثبتَّ العدول الثقاة الذين عَدَّلَهُم الحفاظُ … إلى آخره.
قوله: (عَجَبًا لِلْعَجَب) بمعنى أنَّه لو كان العجبُ شخصًا لعُجِبَ من ذلكَ.
قوله: (عَرَصَاتِ) بالتحريك جمع عَرَصَة، وهي: البقعة الواسعة التي ليس فيها بناء، وفي «التهذيب»: سُميت ساحةُ الدارِ عَرَصَةً؛ لأنَّ الصبيان يَعْرِصُون فيها، أي: يلعبون ويمرحون.
_________________
(١) في (د) و(ص): «وسير رقيق».
(٢) في (ص) و(م): «جمعهم».
(٣) في (ص): «عن».
(٤) البيت سقط من (م)، وفي (د) و(ص): «ينغصب».
[ ٢٩٤ ]
فلله دَرُّه من تأليفٍ رفع عَلَم علمه بمعارف معرفته، وتسلسل حديثه بهذا الجامع، فَأَكْرِمْ بسنده العالي ورفعته، انتصب لرفع بيوتٍ أذن الله أن تُرفَع، فيا له من تصنيفٍ تسجد له جباه التَّصانيف -إذا تُلِيَتْ آياته- وتركع، هَتَكَ بأنوار مصابيحه المشرقة من المشكلات كلَّ مظلمٍ، واستمدَّت جداول العلماء من ينابيع أحاديثه التي ما شكَّ في صحَّتها مسلمٌ، فهو قطب سماء الجوامع، ومطالع الأنوار اللَّوامع، فالله تعالى يبوِّئ مؤلِّفه في الجنان منازلَ مرفوعةً، ويكرمه بصِلَاتٍ عائدةٍ غير مقطوعةٍ ولا ممنوعةٍ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢٩٥ ]