لا سيَّما مع الاستغناء بذكره في هذا الشَّرح -إن شاء الله تعالى بعونه-.
وإذا عُلِمَ هذا؛ فلْيُعلُم أنَّ شرط الرَّاوي للحديث
ومن هذا القسم أنس بن مالك عشرة، روى منهم الحديث خمسة:
الأول: خادم النبي ﷺ أنصاري يُكنَّى أبا حمزة.
والثاني: كعبي يُكنَّى أبا أمية ليس له عن النَّبيِّ ﷺ إلَّا حديث: «إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عن الْمُسَافِرِ الصِّيَامَ وَشَطْرَ الصَّلَاةِ».
والثالث: أبو مالك الفقيه.
والرابع: حمصي (^١).
والخامس: كوفي.
الثالث من الأقسام: مَن اتفقت أسماؤهم وأسماء آبائهم وأجدادهم: كأحمد بن جعفر بن حمدان أربعة، كلهم يروون (^٢) عمَّنْ يُسمى عبد الله، وكلهم في عصر واحد.
أحدهم: القطيفي البغدادي.
والثاني: السقطي البصري.
والثالث: الدِّيْنَوري بكسر الدال وسكون التحتية وفتح النون والواو نسبة لدِيْنَور.
والرابع: الطرسوسي.
الرابع من الأقسام: من اتفقت أسماؤهم وأسماء آبائهم وأنسابهم كمحمد بن عبد الله الأنصاري، وهما اثنان متقاربان في الطبقة أحدهما القاضي المشهور الذي روى عنه البخاري، والثاني أبو سلمة ضعيف.
إلى غير ذلك مما بَسَطَتْهُ المبسوطات، وقد ذكرتُ منه جملة محتاجًا؛ إليها كمن تسمى بمحمد بن إدريس وبعمر بن الخطاب ونحو ذلك في «سعود المطالع»، فإن رَغِبْتها فلا ترغب عنه فإنَّه نِعْمَ السَّمِير.
قوله: (شَرْطَ الرَّاوِي لِلْحَدِيْثِ)؛ أي: الذي تُقبل روايتُهُ ويحتجُّ بِهَا، ومن المُهم معرفة الفرق بين الرواية والشهادة لاختلافهما في كثيرٍ من الأحكام.
قال العراقي: أقمتُ مدةً أطلب الفرق بينهما حتى ظفرتُ به في كلام الماوردي، فالرواية هي الإخبار عن أمرٍ عامٍ لا ترافُعَ فيه إلى الحُكَّام، والشهادة الإخبار عن خاصٍّ فيه الترافعُ إليهم، وأما ما يختلفان فيه فكالعدد لا يُشترط في الرواية بخلاف الشهادة، وكذا الذكورية مُطلقًا بخلاف الشهادة في بعض المواضع، ولا الحرية بخلاف الشهادة مطلقًا وغير ذلك مما ضَبطتُّه في «الكواكب الدرية» ونظمته بقولي:
إنَّ الشهادةَ للروايةِ فارقتْ … بأمورٍ اذْ فيهَا التعددُ معتبرْ
_________________
(١) في المطبوع: حمضي.
(٢) في المطبوع: ايرون.
[ ١٩٠ ]
أن يكون مُكلَّفًا عدلًا
وتَقَدُّمُ الدعوى وحضرةُ حاكمٍ … مَعَ نفيِّ جرِّ النَّفعِ أوْ دفعِ الضررْ
حريةٌ وقبولُها منْ تائبٍ … منْ فِريةٍ قطعًا وفيْ البعضِ الذكرْ
وإذَا بدا التزويرُ فيها مرةً … لا نقضَ فيما قبلهَا منهُ صدرْ
والجرحُ والتعديلُ ممنوعٌ ولوْ … مِنْ عالمٍ إلَّا إذَا سببًا ذَكَرْ
والحكمُ بالعلمِ امنعنْ بهمَا لغيـ … ر الحدِّ لكنْ في الروايةِ يُعتبرْ
وعَلَى الشهادةِ ليسَ تؤخذُ أجرةٌ … وإذَا بهَا حكمُوا فتعديلٌ ظهرْ
واعملْ بهَا بعدَ الرجوعِ فقاصصِ … الشهادةَ أمَّا فيْ روايتهِم فذرْ
منْ دونِ أربعةٍ إذَا شهدوا الزِّنَا … فبِدونِ توبَتِهم شهادتُهم هدرْ
وارددْ شهادةَ أصلٍ أوْ فرعٍ وَمَا … كانتْ عَلَى أُخرَى إذَا أصلٌ حضرْ
وشهادةُ الدَّاعِي لبِدْعَتِهِ اقبلنْ … فِيْ غَيْرِ خَطَّابيةٍ إذْ هُمْ عجرْ
فيْ شاهدٍ شرطُوا البلوغَ وليسَ فِيْ … بابِ الروايةِ كلُّ ذلكَ معتبرْ
كالجرحِ والتعديلِ يثبتُهُ فتىً … فيهَا وفيْ بابِ الشهادةِ يحتظرْ
فاحفظْ لهاتيكِ الفُروق فإنَّها … أزهى وأبهى من تقاصيرِ الدررْ
وشرح هذه الأبيات في «الكواكب» أيضًا فانظرها.
قوله: (مُكَلَّفًا) بأن يكونَ مسلمًا بالغًا عاقلًا، فلا يقبلُ كافرٌ ومجنونٌ مُطْبِقٌ بالإجماعِ، ويقبل متقطع الجنون إن لم يُؤثِّر زمن إفاقته ولا صبيٌّ على الأصحِ، وقيل: يقبلُ المميزُ إن لم يجرَّبْ عليه الكذبُ.
قوله: (عَدْلًا) فُسِّرَ بسلامتهِ من الفسق وخوارم المروءة لحديث ابن عمر مرفوعًا: «كَانَ يَأْمُرُنَا أَنْ لَاْ نَأْخُذَ إِلَّا عَنْ ثِقَةٍ»، وروى الشافعي عن يحيى بن سعيد قال: سألت ابنًا لعبد الله بن عمر عن مسألة فلم يقل فيها شيئًا، فقيل له: إنَّا لنُعظِم أن يكون مثلك ابن إمامَيْ هُدَى تُسأل عن أمر ليس عندك فيه علم! فقال: أعظم والله من ذلك عند الله، وعند مَن عرف الله، وعند من عقل عن الله أن أقول بما ليس لي فيه علم أو أخبر عن غير ثقة.
وتثبت العدالة بتنصيص عالِمَين عليها، أو بالاستفاضة والشهرة؛ فمن اشتهرت عدالته من أهل
[ ١٩١ ]
مُتقِنًا، ويُعرَف إتقانه بموافقة الثِّقات، ولا تضرُّ مخالفته النَّادرة، ويُقبَل الجرح إنْ بَانَ سَبَبُه، للاختلاف فيما يوجب الجرح،
العلم وشاعَ الثناءُ عليه بها كفى، ولا يحتاجُ مع ذلك إلى معدِّلٍ ينصُّ عليها كمالك والشافعي والسُّفْيَانين وأحمد ابن حنبل، وهذا هو المعتمد.
وتوسعَ ابن عبد البر فقال: كلُّ حاملِ علمٍ معروفُ العناية به فهو عدل محمول في أمره أبدًا على العدالة حتى يتبين جرحه؛ لحديث: «يَحْمِلُ هَذَا العِلْم مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُه»، وقد تقدَّمَ الكلام على هذا الحديث في الفصل الأول.
قوله: (مُتْقِنًا)؛ أي: ضابطًا، بأن يكون متيقظًا غير مُغَفَّلٍ، حافظًا إن حدَّثَ من حفظه، ضابطًا لكتابه من التغيير والتبديل إن حدَّث منه، عالمًا بما يحيلُ المعنى إن روى به.
قوله: (لِمُوَافَقَتِهِ الثِّقَاتِ)؛ أي: الضابطين إذا اعتبرَ حديثه بحديثهم، فإن وافقهم في روايتهم غالبًا ولو من حيث المعنى فضابطٌ.
قوله: (النَّادِرَة) فإن كثرتْ مخالفته لهم، وندرتْ موافقته اختلَّ ضبطه ولم يحتجَّ به.
قوله: (وَيُقْبَلُ الجَرْحُ)؛ أي: الطعن في الراوي.
وقوله: (إِنْ بَانَ سَبَبُهُ)؛ أي: فلا يُقبل غير مبيَّن السببِ.
وقوله: (لِلْاِخْتِلَافِ فِيْمَا يُوْجِبُ الجَرْحَ)؛ أي: لأنَّ النَّاسَ يختلفونَ في أسبابِ الجرحِ فيُطلق
أحدهم الجرحَ بناءً على ما اعتقده جرحًا، وليس بجرحٍ في نفسِ الأمرِ، فلا بدَّ من بيان سببه ليُنظر هل هو قادحٌ أو لا؟.
قال ابن الصلاح: وهذا هُوَ المقررُ في الفقه والأصول، وذكرَ الخطيب أنَّه مذهبُ الأئمة من حفاظ الحديث كالشيخين، ولذلك احتجَّ البُخاري بجماعةٍ سبق من غيره الجرح لهم كعِكْرِمة وعمرو بن مرزوق، وكذا فعلَ مسلم وأبو داود، وذلك دالٌّ على أنَّهم يرونَ أن الجرحَ لا يثبت إلَّا إذا فُسِّرَ سببُهُ، فإنَّه ربما استُفْسِر الجارح فذكر ما ليس بجرحٍ، كما قيلَ لشُعبة: لِمَ تركتَ حديثَ فلان، قال: رَأَيْتُهُ يركضُ على برذون فتركت حديثه، وقال هو: أتيتُ منزل المِنهال بن عمرو فسمعت صوت الطُنْبُور فرجعتُ، فقيل له: فهلَّا سألتَ عنهُ، إذ لا يعلم هو؟!.
[ ١٩٢ ]
بخلاف التَّعديل فلا يُشتَرط، ورواية العدل عمَّن سمَّاه لا تكون تعديلًا،
قال الصيرفي: وكذا إذا قالوا: (فلان كذَّاب) لا بدَّ من بيانه؛ لأنَّ الكذبَ يحتملُ الغلط كقوله: (كذب فلان).
قوله: (بِخِلَاْفِ التَّعْدِيْلِ)؛ أي: فلا يشترطُ ذكرُ سببه؛ لأنَّ أسبابهُ كثيرةٌ فيَشق ذكرها، إذ ذلك يُحوج المعدِّل إلى أن يقول: لم يفعل كذا، لم يرتكب كذا، فعل كذا وكذا، فيُعددُ جميعَ ما يُفَسَّقُ بفعلهِ أو تركه، وذلك شاقٌّ، بخلافِ الجرحِ فإنَّهُ يحصلُ بأمرٍ واحدٍ، وما ذكر في الجرح والتعديل هو الصحيح.
وقيل: يُقبل الجرحُ غير مفسَّرٍ ولا يُقبل التعديل إلَّا مُفَسَّرًا؛ لأنَّ أسباب العدالة يكثرُ التَّصَنُّعُ فيها، وقيل: لا يُقبلان إلَّا مفسَّرَين؛ لأنَّه كما يجرحُ الجارح بما لا يقدح كذلك يوثق المعدِّل بما لا يقتضي العدالة، كما قال إنسان لأحمد بن يونس: عبد الله العمري ضعيفٌ، فقال: إنَّما يضعفُهُ رافضيٌّ مبغضٌ لو رأيت لحيته وهيئته لعرفت أنَّه ثقةٌ، فاستدلَّ على ثقته بما ليس بحجة فإنَّ حسن الهيئة يَشترك به العدل وغيره.
وقيل: لا يجب ذكرُ السبب في واحد منهما إذا كان الجارحُ والمعدِّل عالمًا بأسباب الجرح والتعديل، وصحَّحَهُ العراقي والبُلقيني.
وقال شيخ الإسلام: إن كانَ وثَّقه أحد من أئمةِ هذا الشأن لم يُقبل الجرح فيه من أحدٍ إلَّا مُفسرًا؛ لأنَّه قد ثبتت له رتبةُ الثقةِ فلا يزحزحُ عنها إلَّا بأمرٍ صريح، وإن خلا عن التعديل قُبِلَ الجرحُ غيرَ مُفَسَّرٍ إذا صدرَ من عارفٍ؛ لأنَّه إذا لم يُعدَّل فهو في حيز المجهول وإعمال قول الجارح فيه أولى من إهماله، والصحيح أنَّ الجرح والتعديل يثبتان بواحد، وقيل: لا بدَّ من اثنين كالشهادة، وإذا اجتمع جرح وتعديل فالجرحُ مقدمٌ، ولو زادَ عددُ المعدِّل على الأصح عند الفقهاء والأصوليين؛ لأنَّ مع الجارح زيادةُ علمٍ لم يطلعْ عليها المُعَدِّلُ.
وقَيَّدَ الفقهاءُ ذلك بما إذا لم يقل المعدِّل: عرفتُ السبب الذي ذكره الجارح، ولكنه تابَ وحسُنَت حالتهُ فإنَّهُ حينئذٍ يقدمُ، قال البُلقيني: ويأتي ذلك أيضًا هنا إلَّا في الكذب.
قوله: (وَرِوَايَةُ العَدْلِ عَمَّنْ سَمَّاهُ)؛ أي: عن شخص يُسمِّيه في روايته.
وقوله: (لَاْ تَكُوْنُ (^١) تَعْدِيْلًا)؛ أي: حُكمًا منه بتعديله نظرًا إلى أنَّه لم يذكر فيه جرحًا؛ وذلك لجواز
_________________
(١) في المطبوع: «يكون».
[ ١٩٣ ]
وقيل: إن كانت عادته ألَّا يروي إلَّا عن عدلٍ كالشَّيخين فتعديلٌ، وإلَّا فلا، ولا يُقبَل مجهول العدالة، وكذا مجهول العين الذي لم تعرفه العلماء، وتَرفع الجهالةَ عنه روايةُ اثنين مشهورين بالعلم،
رواية العدل عن غير العدل فلم تتضمن روايَتُهُ عنهُ تعديله، وما ذكره الشارح هو الصحيح الذي عليه الأكثرون من أهل الحديث وغيرهم، وقيل: هو تعديل إذ لو علمَ فيه جرحًا لذكرَهُ وإلَّا كان غشًّا في الدِّين.
وأُجيب: بأنَّه قد لا يعرفُ عدالته ولا جرحه.
قوله: (وَقِيْلَ: إِنْ كَانَتْ عَادَتُهُ …) إلى آخره، اختارَ ذلك الأصوليونَ كابنِ الحاجبِ والآمدي وغيرهما، والصحيح أنَّه إذا قال: (حدَّثني الثقة أو مَنْ لا أتهم) لم يُكْتَفَ به في التعديل؛ لأنَّه ربما لو سماه كان ممَّن جرحه غيره، وقيل: إن كان القائل مُجتهدًا كفى في حقِّ موافقيه في المذهب، واختاره إمام الحرمين ورجَّحه الرافعي.
قوله: (مَجْهُوْلُ العَدَالَةِ)؛ أي: مع كَوْنِهِ معروفَ العين برواية عدلين عنه وهذا ما عليه الجمهور.
وقيل: تُقْبَلُ مُطْلَقًا.
وقيل: إن كان مَن روى عنه فيهم مَن لا يروي عن غير عدلٍ قُبِلَ وإِلَّا فَلا.
قوله: (الَّذِيْ لَمْ تَعْرِفُهُ العُلَمَاءُ)؛ أي: ولم يشتهرْ بطلبِ العلمِ في نفسه، ولا يُعرف حديثه إلَّا من جهة راوٍ واحدٍ كما في «شرح التقريب» وما ذكره الشارح هو الصحيح.
وقيل: يُقبل مطلقًا.
وقيل: إن كان مشهورًا بالزهد والصلاح.
وقيل: إن زَكَّاهُ أحدٌ من أئمةِ الجرحِ والتَّعديلِ مع رواية واحد عنه، وصَحَّحَهُ شيخُ الإسلام.
وقيل: إن تَفَرَّدَ بالروايةِ عنه مَن لا يروي إلَّا عن عدلٍ.
قوله: (وَتَرْفَعُ الجَهَالَةُ عَنْهُ …) إلى آخره؛ أي: وإن لم يثبتْ لهُ بذلكَ حكمُ العدالةِ.
تنبيه: يُقبلُ تعديلُ العبد والمرأة العارِفَين لقبول خبرهما، كما جزم به الخطيب في «الكفاية» والرازي والقاضي أبو بكر بعد أن حكى عن أكثر الفقهاء أنَّه لا يُقبَلُ في التعديل النساءُ لا في الرواية ولا الشهادة، واستدلَّ على القبول بسؤال النَّبيِّ ﷺ بريرة عن عائشة في قِصَّةِ الإِفْكِ.
وأما الصَّبي المُراهق فلا يُقبل تعديله إجماعًا.
[ ١٩٤ ]
والصَّحابةُ
قوله: (وَالصَّحَابَةُ …) إلى آخره، اختلفَ في الصحابي:
فقيل: هو مَن لقي النَّبيَّ ﷺ مُسلمًا ومات على إسلامه، ولا يُشترط فيه البلوغ على الصحيح، ويشترط رؤيته في عالم الشهادة ليَخرج من رآه من الملائكة والنبيين.
واستشكل ابن الأثير ذكرَ مؤمني الجن في الصحابة دون مَن رآه من الملائكة وهم أولى بالذكر!!
وأُجيب: بأنَّ الجنَّ مِن جُمْلَةِ المكلفين الذين شملتهم الرسالة فكان ذِكْرُ من عُرِفَ اسمه ممَّن رآه حسنًا بخلاف الملائكة.
واستظهرَ العِراقي أنَّ عيسى ﵇ إذا نزل وحَكَمَ بِشَرْعِهِ أُطلق عليه اسم الصحبة؛ لأنَّه ثبت أنَّه رآه في الأرض.
وقيل: الصَّحابي مَن طالتْ مجالسته له على طريق التِّبع.
وقيل: مَن أقام معه سنة أو سنتين وغزا معه غزوة أو غزوتين؛ لأنَّ لصحبته ﷺ شرفًا عظيمًا فلا تنالُ إلَّا باجتماع طويلٍ يظهرُ فيه الخُلق المطبوع عليه الشخص، كالغزو المشتمل على السفر، والسَّنة المشتملة على الفصول الأربعة التي يختلف بها المزاج، وهو ضعيف.
وقيل: من طالت صحبته وروى عنه.
وقيل: من رآه بالغار، وهو شاذٌ.
وقيل: من أدرك زمنه ﷺ وهو مسلم.
وشَرَطَ الماوردي في الصحابي أن يتخصصَ بالرسول، ويتخصصَ به الرسول.
وتُعرف الصحبة بالتواتر كأبي بكر وعمر.
أو الاستفاضة والشهرة القاصرة عن التواتر كضِمَام بن ثعلبة.
أو قول صحابي عنه إنَّه صحابي.
قال شيخ الإسلام: أو يُخْبِرُ أحدُ التَّابِعِين أنَّه صحابي، أو يقول هو: أنا صحابي، إذا كان عدلًا وأمكن ذلك؛ فإن ادَّعاهُ بعد مئة سنة من وفاته ﷺ فإنَّه لا يُقبل لحديث: «فَإِنَّهُ عَلَى رَأْسِ مِئَةِ سَنَةٍ لَمْ يَبْقَ عَلَى ظَهْرِ الأرض أَحَدٌ» يريد انخرام ذلك القرن، قال ذلك سنة وفاته ﷺ.
[ ١٩٥ ]
كلُّهم عدولٌ،
قوله: (كُلُّهُم)؛ أي: مَن لابسَ الفتنَ منهم وغيرهم لحديث: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي»، ولا يجبُ البحثُ عن عَدَالَتِهِم.
قال إمام الحرمين: لأنَّهم حملةُ الشريعة فلو ثبت توقُّفٌ في روايتهم لانحصرت الشريعة في عصره ﷺ ولما استرسلت على سائر الأعصار.
وما ذكره الشارح من التعميم هو المعتمد، وقالت المعتزلة: إلَّا من قاتل عليًّا، وقيل: إلَّا المُقَاتِلُ والمُقَاتَلُ.
فوائد:
الأولى: أكثرُ الصحابةِ حديثًا أبو هريرة ﵁، روى خمسة آلاف وثلاثمئة وأربعة وسبعين حديثًا، اتفق الشيخان منها على ثلاثمئة وخمسة وعشرين، وانفرد البخاري بثلاثة وتسعين، ومسلم بمئة وتسعة وثمانين، وروى عنه أكثر من ثمانمئة رجل، وهو أحفظ الصحابة.
ثم عبد الله بن عمر، روى ألفي حديث وستمئة وثلاثين حديثًا.
وابن عباس روى ألفًا وستمئة وستين.
وجابر بن عبد الله روى ألفًا وخمسمئة وأربعين حديثًا.
وأنس بن مالك روى ألفين ومئتين وستًّا وثمانين.
وعائشة أم المؤمنين روت ألفين ومئتين وعشرة.
وأبو سعيد الخدري روى ألفًا ومئة وسبعين.
وليس في الصحابة بعد ذلك من يزيدُ حديثه على ألف، وجملةُ ما روي لأبي بكر ﵁ مئة واثنان وأربعون حديثًا، والسببُ في قِلَّةِ ما روي عنه مع تقدُّمه وسبقه وملازمته له ﷺ أنَّه تُوفي قبل اعتناء الناس بسماع الحديث وتحصيله وحفظه، كذا ذكر النووي في «التهذيب».
الثانية: قال أبو زُرعة الرازي: قُبِضَ رسولُ الله ﷺ عن مئة ألف وأربعة عشر ألفًا من الصحابة ممن روى عنه وسمع منه، فقيل له: هؤلاء أين كانوا وأين جمعوا؟ قال: أهل المدينة ومكة ومن بينهما والأعراب ومَن شهد معه حجة الوداع.
[ ١٩٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال العراقي: كيف يمكنُ الاطلاع على تحرير ذلك مع تفرق الصحابة في البلدان والبوادي والقرى، وروى السَّاجي في «المناقب» بسندٍ جيدٍ عن الشافعي (^١) قال: قبض رسول الله ﷺ والمسلمون ستون ألفًا؛ ثلاثون ألفًا بالمدينة وثلاثون ألفًا في قبائل العرب وغير ذلك.
الثالثة: آخرُ الصحابة موتًا مطلقًا أبو الطفيل عامر بن واثلة الليثي، مات سنة مئة من الهجرة، قاله مسلم في «صحيحه» والحاكم في «المستدرك»، وقيل: سنة اثنتين ومئة، وقيل: سنة سبع ومئة، وقيل: سنة عشر ومئة.
آخرهم قبله أنس بن مالك مات بالبصرة سنة ثلاث وتسعين.
وآخرهم موتًا بالمدينة سهل بن سعد الأنصاري سنة ثمان وثمانين، وقيل غير ذلك، وعليه حُمل إطلاق من أطلق أنَّه آخر الصحابة موتًا.
وآخر الصحابة موتًا بالكوفة عبد الله بن أبي أوفى، مات سنة ست أو سبع أو ثمان وثمانين.
وبالشام عبد الله بن بسر (^٢) المازني سنة ثمان وثمانين وهو آخر من مات ممن صلى للقبلتين.
وبفلسطين أبو [أُبي] (^٣) عبد الله بن حَرام، ربيب عُبادة بن الصامت.
وبمصرَ عبد الله بن الحارث بن جَزْءٍ الزُّبَيْدي سنة ست أو سبع أو ثمان أو تسع وثمانين، وكانت وفاته بسفطِ أبي تراب.
وباليمامة الهِرْمَاس بن زياد سنة اثنين ومئة.
وبالبادية سَلَمَةُ بن الأَكْوَع سنة أربع وستين أو وسبعين على ما قاله ابن منده، لكن الصحيح أنَّه مات بالمدينة.
وبخُرَاسان بُرَيْدَة بن الحصيب (^٤).
وبالطائف ابن عباس.
_________________
(١) في المطبوع: الرافعي.
(٢) في المطبوع: بن بشر.
(٣) زيادة لا بدَّ منها.
(٤) في المطبوع: بن الخطيب.
[ ١٩٧ ]
وقَبِلَ المستورَ قومٌ، ورجَّحه ابن الصَّلاح، ولا يُقبَل حديثُ مُبْهَمٍ ما لم يُسمَّ؛ إذ شرطُ قبول الخبر عدالةُ ناقله، ومن أُبهِم اسمه؛ لا تُعرَف عينه، فكيف تُعرَف عدالته؟
وبأصبهان النَّابِغَة الجَعْدِي.
وبسَمَرْقَنْد الفضل بن العباس. انتهى مُلخصًا في «شرح التقريب».
قوله: (المَسْتُوْرَ) هو العدلُ في الظاهرِ، الخفي العدالة في الباطن؛ أي: المجهولها.
وقوله: (قوم) منهم: سُلَيم الرازي، قال: لأنَّ الإِخبار مبنيٌّ على حسنِ الظنِّ بالراوي، ولأنَّ رواية الأخبار تكونُ عند من يتعذر عليه معرفةُ العدالة في الباطن، فاقتصر فيها على معرفة ذلك في الظاهر، بخلاف الشهادة فإنَّها تكون عند الحكام فلا يتعذرُ عليهم ذلك.
قوله: (وَرَجَّحَهُ ابْنُ الَّصلَاحِ)؛ أي: حيثُ قال: يُشبه أن يكونَ العمل على هذا الرأي في كثيرٍ من كتب الحديث في جماعة من الرواة تقادم العهد بهم وتعذَّرت خبرتهم باطنًا. انتهى.
وكذا صحَّحه النووي في «شرح المهذب».
قوله: (وَلَاْ يُقْبَلُ حَدِيْثُ مُبْهَمٍ)؛ أي: راوٍ غيرِ معروفٍ، ولو قيل عنه: حدَّثني الثقة، أو مَن لا أتهمه، إلَّا إنْ كانَ من إمامٍ راو عنه، ومحل ذلك إنْ لم يكن ذلك الراوي صحابيًّا، وإلَّا فلا يضر إبهامه كما سبق؛ لأنَّ الصحابة كلهم عدولٌ كما سبق.
قوله: (وَمَنْ أُبْهِمَ اسْمُهُ لَاْ يُعْرَفُ اسْمُهُ لَا يُعْرَف)، فيه: من الرِّكَّة ما لا يخفى، وفي نسخة: (ومَن أبهم اسمه لا يعرف فكيف …) إلى آخره، وعبارة «النخبة وشرحها»: ولا يقبلُ حديثٌ مُبهَم ما لم يسمَّ؛ لأنَّ مِن شرطِ قبول الخبر عدالة راويه، ومَن أُبهم اسمه لا تُعْرف عينه فكيف عدالته. انتهى.
ومقتضاهُ أنَّه لو كانت عدالته وعينه معروفتين، وإنَّما جُهِلَ اسمهُ فلا يضرُّ، وبه صرَّحَ في «التدريب» و«شرحه» (^١).
قال: ومَن عُرفت عينه وعدالته وجُهل اسمه ونسبه احتُجَّ به، وفي الصحيحين من ذلك كثير كقولهم: ابن فلان أو والد فلان، وقد جزمَ بذلك الخطيب في «الكفاية»، ونقله عن القاضي أبي بكر
_________________
(١) صوابه: في «التقريب وشرحه».
[ ١٩٨ ]
ولا يُقبَل مَنْ به بدعةُ كفرٍ، أو يدعو إلى بدعةٍ، وإلَّا قُبِلَ؛ لاحتجاج البخاريِّ وغيره بكثيرٍ من المبتدعين غير الدُّعاة،
الباقلاني، وعلَّله بأنَّ الجهل باسمه لا يخلُّ بالعلم بعدالته، ومَثَّلَهُ بحديثِ ثُمَامَة: «سَأَلْتُ عَائِشَةَ عن النَّبِيذِ؟ فَقَالَتْ: هَذِهِ خَادِمُ رَسُوْلِ الله ﷺ -لَجَارِيَةٍ حَبَشِيَّةٍ- فَسَلْهَا …» الحديث. انتهى.
قوله: (وَلَاْ يُقْبَلُ مَنْ بِهِ بِدْعَةُ كُفْرٍ)؛ أي: لا يحتجُّ بحديثه، وهو كما في «شرح المهذب» المُجَسِّم، ومن يُنكر العلمَ بالجزئيات، قيل: وقائل خلق (^١) القرآن كما نصَّ عليه الشافعي واختاره البُلقيني، وظاهرُ إطلاق الشارح أنَّ كلَّ كافرٍ ببدعةٍ يُرَدُّ، قال شيخ الإسلام: والتحقيقُ أنَّهُ لا يردُّ كُلُّ مُكَفَّر ببدعته؛ لأنَّ كلَّ طائفة تدَّعِي أن مُخالفتها مُبتدِعة، وقد تُبالغ فتُكَفِّرُ، فلو أُخِذَ ذلكَ على الإطلاق لاستلزمَ تكفيرَ جميعِ الطَّوَائف، قال: والمعتمدُ أن الذي تُرَدُّ روايته مَن أنكر أمرًا متواترًا من الشرع، معلومًا من الدين بالضرورة أو اعتقد عكسه، أمَّا من لم يكن كذلك وكان ضابطًا لما يرويه مع ورعه وتقواه فلا مانع من قبوله.
قوله: (أَوْ يَدْعُو إِلَى بِدْعَةٍ)؛ أي: أو لم تكن بدعته بدعة كفرٍ لكنه يدعو إلى بدعته فلا يحتجُّ به أيضًا؛ لأنَّ تزيين بدعته قد يحمله على تحريف الروايات وتسويتها على ما يقتضيه مذهبه.
قوله: (وَإِلَّا)؛ أي: بأنْ لم تكن بدعته بدعة كفر ولم يدعُ إلى بدعته.
وقوله: (قُبِلَ)؛ أي: على الراجح الذي عليهِ أكثرُ العلماء، وقيل: غيرُ الكافر ببدعته لا يحتج به مطلقًا أيضًا؛ لأنَّه فاسق ببدعته وإن كان متأوِّلًا كما يستوي الكافر المتأول وغيره.
وقيل: يحتجُّ به إن لم يكن ممَّن ينتحل الكذب في نُصرة مذهبه أو لأهلِ مذهبه سواءٌ كان داعيةً أم لا، وحُكِيَ هذا القولُ عن الشافعي؛ لأنَّه قال: أقبل شهادة أهل الأهواء إلَّا الخطَّابية؛ لأنَّهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم.
وقيَّد جماعة قبوله بما إذا لم يرو ما يقوي بدعته، وبه جزم شيخ الإسلام في «النخبة».
والصحيح أنَّه لا تُقبل رواية الروافض وسابِّ السلف كما ذكره النووي في «الروضة»؛ لأنَّ سُباب المسلم فسوق، والصحابة والسلف أولى، وقد صرَّحَ بذلك الذهبي في «الميزان» فقال: البدعةُ على ضربين: صغرى كالتشيُّع بلا غلوٍّ، أو بغلوٍّ كَمَّنْ تكلمَ في حقِّ مَنْ حاربَ عليًّا، فهذا كثير في التابعين
_________________
(١) في المطبوع: خلف.
[ ١٩٩ ]
ويُقبَل التَّائب
وتابعيهم مع الدين والورع والصدق، فلو رُدَّ هؤلاء لذهب جملة من الآثار، ثم بدعة كبرى كالرفض الكامل والغلو فيه والحطِّ على أبي بكر وعمر والدعاء إلى ذلك فهذا النوع لا يحتجُّ بهم ولا كرامة. انتهى.
قال الجلال السيوطي: وهذا هو الصواب الذي لا يحلُّ لمسلمٍ أن يعتقد خلافه.
تنبيه: من المُلحقِ بالمُبْتَدِعَة مَنْ دأبه الاشتغال بعلوم الفلسفة والمنطق والطبيعة ونحوها، فإن اعتقدَ ما فيها من قِدَم العالم ونحوه فكافرٌ، أو ما ورد الشرع بخلافه وأقام الدليل الفاسد على طريقتهم خُشي عليه أن تَغْلِبَ تلكَ العقائدُ على قلبِهِ فيكون ممن رانَ على قُلوبهم ما كانوا يكسبون، وقد صَرَّحَ بالحطِّ على مَن ذكر وعدم قبول روايتهم وأقوالهم ابن الصلاح والنووي وغيره من الشافعية، وابن عبد البر وغيره من المالكية، والحافظ سراج الدين القزويني وغيره من الحنفية، وابن تيمية وغيره من الحنابلة.
فائدة: حكى النووي أنَّ الناقلين للحديث سبع طبقات، ثلاثٌ مقبولة وثلاثٌ مردودة، والسابعة مختلف فيها.
فالأولى من المقبولة: أئمة الحديث وحفاظهم؛ يُقبل تفرُّدهم، وهم الحجَّة على من خالفهم.
والثانية: دونهم في الحفظ والضبط لحقهم بعضُ وَهَمٍ.
والثالثة: قوم ثبت صدقهم ومعرفتهم لكن جنحوا إلى مذهب الأهواء من غير أن يكونوا غلاة ولا دعاة، فهذه الطبقات تَحَمَّلَ أهلُ الحديث الروايةَ عنهم، وعليهم يدور نقل الحديث.
والأولى من المردودة: مَنْ وُسِمَ بالكذب ووَضْعِ الحديث.
والثانية: مَن غلب عليه الوَهَمُ والغلط.
والثالثة: قوم تغالَوا في البدعة ودعوا إليها فحرَّفوا الروايات ليحتجوا بها.
وأما السابعة المختلف فيها: فقوم مجهولون انفردوا بروايات، فقَبِلَهم قوم وردهم آخرون. انتهى.
قوله: (ويقبل التائب)؛ أي: من الفسق والكذب كالشهادة لكن في غير الكذب في الحديث النبوي، أما هو فلا تُقبل رواية التائب منه أبدًا وإن حسُنت طريقته على ما قاله الحميدي والصيرفي من
[ ٢٠٠ ]
وينبغي أن يُعرَف من اختلط من الثِّقات في آخر عمره لفساد عقله وخرفه؛ ليتميَّز من سمع منه قبل ذلك، فيُقبَل حديثه، أو بعده فيُرَدُّ، ومن رُوِيَ عنه منهم في الصَّحيحين (^١)
الشافعية وهو مذهب الإمام أحمد، وصادمه النووي وقال: إنه مخالف لقواعد المذاهب، فردَّه الجلال في «شرح التقريب» وقال: ليس بمخالف، والحق ما قاله الإمام أحمد؛ لأنَّ الظاهرَ تَكَرُّرُ ذلك منه حتى ظهر لنا، ولم يتعين لنا ذلك فيما روى من حديثه فوجب إسقاط الكل. انتهى.
قوله: (وينبغي أن يُعرَف من اختلط)؛ أي: اختلَّ ضبطُهُ، قال النَّووي: وهذا مهمٌّ لا يُعْرَف فيه تصنيفٌ مفردٌ، وهو حقيقٌ به. انتهى.
وقد صنَّفَ فيه الحافظ العلائي وغيره.
قوله: (وخُرْقِهِ) قال في «القاموس»: الخُرق بالضم وبالتحريك ضد الرفق، وأن لا يُحسن الرجل العمل والتصرف في الأمور والحُمق، ثم قال: خَرِقَ كفرح وكرم. انتهى.
وربما اختلطَ لذهاب بصره أو تلف كتبه، والاعتماد على حفظه.
قوله: (أو بعده)؛ أي: أو شكَّ فيه، ويُعرف ما ذكر باعتبار الرواة عنهم، فمنهم عطاء بن السائب اختلط في آخر عمره فاحتجوا برواية الأكابر عنه كالثوري وشعبة وابن عيينة، رُوي عنه أنَّه قال: سمعت من عطاء قديمًا، ثمَّ قَدِم علينا قَدمةً فسمعته يُحدث ببعضِ ما كنت سمعتُ فخلط فيه فاتقيته واعتزلته، وسَمِعَ منه قبل الاختلاط أيضًا: هشام الدَّسْتوَائي ويحيى بن سعيد وحماد بن زيد، وجميع مَن سمع منه غير أولئك فبعدَ الاختلاط.
ومنهم: أبو إسحاق السَّبِيْعِي، وممَّن سمعَ منه بعد الاختلاط سُفيان بن عُيينة، ولذا لم يخرج له الشيخان من روايته عنه شيئًا، وقَبْلَهُ جرير بن حازم وإسماعيل بن أبي خالد والأعمش.
ومنهم: ابن أبي عَرُوْبَة، وممَّن سمع منه قبل الاختلاط يزيد بن هارون وعَبْدَة بن سليمان وعبد الله ابن المبارك، وأخرج له الشيخان عن: روح بن عبادة، وعبد الأعلى، ويزيد بن زُريع، وغيرهم، وبعد الاختلاط: المُعافى بن عِمران، ووكيع، والفضل بن دُكين.
ومنهم: سُفيان بن عُيينة اختلط قبل موته بسنتين، قال الذهبي: ويغلبُ على ظني أنَّ سائر شيوخ الأئمة الستة سمعوا منه قبل ذلك. انتهى.
وممن سمعَ منه في التَّغَيُّرِ: محمد بن عاصم.
_________________
(١) في (د) و(ص) و(م): «الصحيح».
[ ٢٠١ ]
محمولٌ على السَّلامة، وقد أعرضوا عن اعتبار هذه الشُّروط في زماننا؛ لإبقاء سلسلة الإسناد، فيُعتبَر البلوغ والعقل والسَّتر والإتقان ونحوه. ولألفاظ التَّعديل مراتبُ:
ومنهم: عارمٌ محمد بن الفضل السَّدُوسي، قال البخاري: تغيَّرَ في أواخر عمره، وقال أبو حاتم: مَن سمع منه سنة عشرين ومئتين فسماعه جيد. انتهى.
وممَّن سمع منه قبل الاختلاط عبد الله المسندي وأبو حاتم وأبو علي محمد بن أحمد، وبعده علي بن عبد العزيز والبغوي وأبو زُرعة.
ومنهم: أبو قلابة الرَّقَاشي قال ابن خُزيمة: حدثنا أبو قِلابة بالبصرة قبل أن يختلطَ ويخرج إلى بغداد. فظاهره أن من سمع منه بالبصرة فسماعه صحيحٌ، وذلك كأبي داود السجستاني، وابنه أبي بكر وابن ماجه وأبي عَرُوْبَة، وممَّنْ سمعَ منه ببغداد أحمد بن كامل القاضي، وأبو سُهيل بن زياد، وعُثمان بن أحمد السماك، وأبو العبَّاس الأَصَمُّ.
ومنهم: أبو بكر القَطِيْعِي راوي «مسند أحمد» و«الزهد» عن ابنه عبد الله، قال ابن الصلاح: اختلَّ في آخرِ عُمُرِهِ وخرق حتى كان لا يعرف شيئًا مما يقرأ عليه، وَرُدَّ بأنَّه لم يثبتْ ذلك، ولو ثبت فممنْ سَمِعَ منه حال صحته الحاكم والدَّارقطني وأبو نُعيم وأبو علي التميمي راوي «المسند» عنه؛ فإنَّه سمعه عليه.
قوله: (عَلَى السَّلَامَةِ)؛ أي: من الاختلاطِ.
قوله: (وَقَدْ أَعْرَضُوْا)؛ أي: المتأخرون.
وقوله: (لِابْقَاءِ السِّلْسِلَةِ)؛ أي: لكونِ المقصود الآن هو إبقاء سلسلة الإسناد، عبارة «التقريب» و«شرحه»: أعرض الناس في هذه الأزمان المتأخرة عن اعتبار مجموع هذه الشروط المذكورة في رواية الحديث ومشايخه لتعذُّرِ الوفاءِ بها على ما شُرط، ولكون المقصود الآن صار إبقاء سلسلة الإسناد المختص بهذه الأمة المحمدية، والمحاذرة من انقطاع سلسلتها فليُعتبر من الشروط ما يليقُ بالمقصود وهو كون الشيخ مسلمًا. انتهى.
قوله: (السَّتْرُ)؛ أي: بأنْ لا يكونَ مُتظاهرًا بفسقٍ أو سُخف يُخِلُّ بِمُرُوءَتِهِ.
قوله: (والإِتْقَانُ) قال النووي: ويُكتفى في ضبطه بوجودِ سماعه مُثبتًا بخطِّ ثقةٍ غيرِ مُتَّهَمٍ، وبروايته من أصل صحيح موافق لأصل شيخه. انتهى.
قوله: (وَلِأَلْفَاظِ التَعْدِيْلِ مَرَاتِبٌ) جعلها النووي وابن الصلاح أربعًا فتَبِعهم الشارح، وجعلها الذهبي والعراقي خمسة، وشيخ الإسلام ستة، وتُقبل الشهادة بما ذكر من واحد كالشافعي وأحمد والبخاري كما سبقت الإشارة إليه.
[ ٢٠٢ ]
أعلاها: ثقةٌ أو متقنٌ أو ضابطٌ أو حجَّةٌ. ثانيها: خَيِّرٌ، صدوقٌ، مأمونٌ، لا بأسَ به، وهؤلاء يُكتَب حديثهم. ثالثها: شيخٌ، وهذا يُكتَب حديثه للاعتبار
قوله: (أَعْلَاهَا)؛ أي: بِحَسب ما ذكره.
وأما المرتبة التي زادها الذهبي والعراقي فإنها أعلى من هذه، وهي ما كُرِّرَ فيهِ أحدُ هذه الألفاظ المذكورة أعني: (ثقة أو متقن …) إلى آخره، إمَّا بعينه (كثقة ثقة) أو لا (كثقة ثبت) أو (ثقة حجة) أو (ثقة حافظ)، والرتبة التي زادها شيخ الإسلام أعلى من مرتبة التكرير: وهي الوصف بأفعل (كأوثق الناس) و(أثبت الناس) أو نحوه كـ (إليه المنتهى في الثَّبْتِ).
قال الجلال: ومنه: (لا أحدَ أثبتُ منه) و(مَنْ مثل فلان) و(فلان يُسأل عنه؟!) على تقدير همزة الاستفهام الإنكاري، وهذه الثلاثة في ألفاظهم. انتهى.
فالمرتبةُ التي ذكرها الشارحُ أعلى؛ وهي ثالثةٌ في الحقيقة.
قوله: (أَوْ ضَابِطٌ أَوْ حُجَّةٌ)؛ أي: أو ثبتٌ أو عدلٌ حافظ.
قوله: (ثَانِيْهَا)؛ أي: المراتب، وهي رابعةٌ بحسب ما ذكرناه.
قوله: (خَيِّرٌ)؛ أي: أو (خيار) أو (محله الصدق) على ما ذكره النووي، وجعلَ الذهبي قولهم: (محله الصدق) مؤخَّرًا عن قولهم: (صدوق) إلى المرتبة التي تليها، وتبعه العراقي؛ لأنَّ صدوقًا مبالغةٌ في الصدق بخلاف محله الصدق، فإنَّه دالٌّ على أنَّ صاحبه محلُّهُ ومرتبتُه مطلقُ الصدقِ.
قوله: (وَهَؤُلَاءِ)؛ أي: أصحاب هذه المرتبة الثانية في كلامه.
وقوله: (يُكْتَبُ حَدِيْثُهُم) كانَ عليه أن يزيدَ: وينظر فيه، كما قاله ابن أبي حاتم ونقله النووي وابن الصلاح؛ فإنَّ هذا هو محل الفائدة، وإلَّا فما قبل هذه المرتبة يُكتب حديثهم أيضًا لكن من غير نظرٍ كما أطلقه ابن الصلاح والنووي والجلال وغيرهم، وإنَّما ينظر في حديث هؤلاء.
قال ابن الصلاح: لأنَّ هذه العبارة لا تُشعر بالضبط فيُعتبر حديثهم بموافقة الضابطين، ولو أَخَّرَ هذه العبارة عن قوله: (ثَالِثُهَا: شَيْخٌ) وقالها مع قوله: (للاعْتِبَارِ) ليُفيدَ أنَّ أهلَ هاتين المرتبتين يُكتب حديثُهُم للاعتبار كان أوفق، بل لو أخَّرها عن الرابعة كان أولى وأخصر.
قوله: (ثَالِثُهَا) هي الخامسةُ بحسبِ ما ذكرنا.
قوله: (شَيْخٌ) زادَ العراقي في هذه المرتبة قولهم: (إلى الصدق ما هو)، وقولهم: (شيخ وسط)
[ ٢٠٣ ]
رابعها: صالح الحديث، فيُكتَب ويُنظَر فيه. ولألفاظ التَّجريح مراتب أيضًا، أدناها: ليِّن الحديث،
و(جيد الحديث) و(حسن الحديث)، وزادَ شيخ الإسلام: (صدوق سيئ الحفظ) و(صدوق له أوهام) و(صدوق مخطئ) و(صدوق تغير بآخرة). انتهى.
وقالوا: معنى (إلى الصدق ما هو)؛ أي: هو قريب إلى الصدق، فما زائدة والجار والمجرور متعلقٌ بـ (قريب) مقدرًا.
قال شيخ الإسلام: وفي هذه المرتبة مَن رُمي بنوع بدعةٍ كالتَّشيع والقدر والإرجاء فيُكتب حديث جميع هؤلاء للاعتبار؛ أي: النظر فيه.
قوله: (صَالِحُ الْحَدِيْثِ) زاد العراقي في هذه أيضًا: (صدوق إن شاء الله) (أرجو أن لا بأس به) (صويلح) وزاد شيخ الإسلام: (مقبول).
قوله: (وَيُنْظَرُ فِيْهِ) الحاصلُ حسبما يظهرُ من صنيعهم أنَّ الثلاث مراتب الأولى من السِّت التي ذكرناها يُكتب حديثهم من غير نظرٍ، والثلاث الأخر يكتب حديثهم للنظر، وإن كان بعضها في كلٍّ أعلى من بعض.
قوله: (وَلِأَلْفَاظِ التَّجْرِيْحِ) بالجيم قبل الراء وبالمهملة آخره.
وقوله: (مَرَاتِبُ) عَدَّهَا أربعةً وهي أكثرُ كما سترى.
قوله: (أَدْنَاهَا)؛ أي: أَقَلُّها بحيث يقرب من التعديل.
قوله: (لَيِّنُ الحَدِيْثِ) قال حمزة بن يوسف السَّهمي: قلت للدَّارَقُطْنِي إذا قلت: (فلان لين الحديث) أي شيء تريد؟ فقال: إذا قلت: لينُ الحديث، لم يكن ساقطًا متروك الحديث، ولكن مجروحًا بشيء لا يسقط عن العدالة.
قال العراقي: ومن هذه المرتبة قولهم: (فيه مقال) و(ليس بالمتين) و(ليس بحجة) و(ليس بعمدة) و(ليس بمرضي) و(فيه خُلْفٌ)، و(تكلموا فيه) و(طعنوا فيه) و(سيِّئ الحفظ) و(مطعون فيه) و(تَعْرِفُ وتُنْكِر) و(للضعف ما هو). انتهى.
ومعنى: (تَعْرِفُ وتُنْكِر)؛ أي: يأتي مرةً بالمشاهير المعروفة ومرة بالمناكير، ومعنى: (للضعف ما هو)؛ أي: هو قريبٌ للضعف كما سبق في (للصدق ما هو).
[ ٢٠٤ ]
يُكتَب ويُنظَر فيه اعتبارًا. ثانيها: ليس بقويٍّ، وليس بذاك. ثالثها: مقارب الحديث، أي: رديئه رابعها: متروك الحديث لا يُكتَب، وكذَّابٌ، ووضَّاعٌ، ودجَّالٌ، وواهٍ، وواهٍ بِمَرَّةٍ؛ بموحَّدةٍ مكسورةٍ فميمٍ مفتوحةٍ وراءٍ مُشَدَّدةٍ، أي: قولًا واحدًا لا تردُّد فيه،
قوله: (وَيُنْظَرُ)؛ أي: فيه.
قوله: (ثَانِيْهَا: لَيْسَ بِقَوِيٍّ)؛ أي: فهي أشدُّ في الضعف من الأولى، ويكتب حديثها للاعتبار أيضًا، لكن عدَّ الشارح (ليس بذاك) و(ليس بذلك) منها، بلْ هي من المرتبة الأولى أعني (لين الحديث) كما في «التقريب» و«شرحه» وعبارته: (ليس بذلك) (ليس بذاك) أو (في حديثه ضعفٌ) هذه من مرتبةِ لينِ الحديث وهي الأولى. انتهى.
قوله: (ثَالِثُهَا: مُقَاربُ الحَدِيْثِ)؛ أي: رديئه، ما جرى عليه الشارح من أنَّ ذلك جرحٌ، تبع فيه ابن السيد، لكنه ذكر أنَّه إنَّما يكون جرحًا إذا كان بفتح الراء، أما بكسرها فهو تعديل.
قال العراقي: وليس ذلك بصحيح بل الفتح والكسر معروفان حكاهما ابن العربي في «شرح الترمذي»، قال: وهما على كل حالٍ من ألفاظ التعديل، وممَّن ذكر ذلك الذهبي قال: وكأنَّ قائل ذلك فَهِمَ من فتح الراء أنَّ الشيء المقارَب هو الرديء، وهذا من كلام العوام وليس معروفًا في اللغة، وإنَّما هو على الوجهين من قوله ﷺ: «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا» فَمَنْ كَسَرَ قال: إنَّ معناه حديثه مقارِبٌ لحديث غيره، ومن فَتَحَ قال معناه: أنَّ حديثه يقاربه حديث غيره، ومادة (فاعل) تقتضي المشاركة. انتهى.
والظاهر أنَّها في رتبة (للصدق ما هو) وبه تعلم ما في كلام الشارح لو أبدل ذلك بقوله: (ضعيف الحديث) كما جعلها غيره مرتبة ثالثة كان أولى، قال في «التقريب»: وإذا قالوا: ضعيف الحديث فدون (ليس بقوي)، ولا يُطرح بل يُعتبر به أيضًا، قال القسطلاني: وهذه مرتبة ثالثةٌ، ومن هذه المرتبة فيما ذكره العراقي (ضعيفٌ) فقط، (منكر الحديث)، (حديثه منكر)، (واه)، (ضعَّفوه). انتهى.
ومن هذه المرتبة أيضًا: (مجهول الحديث)، (مضطربه)، (لا يحتج به).
قوله: (رَابِعُهَا: مَتْرُوْكُ الحَدِيْثِ) قال أحمد بن صالح: لا يقال: فلان متروك الحديث إلَّا أن يُجمع الجميع على تركه. انتهى.
[ ٢٠٥ ]
فهؤلاء ساقطون لا يُكتَب عنهم.
وفي عَدِّ الشارح هذه مرتبة رابعة نظرٌ، بل هي خامسة، وقبلها مرتبة هي الرابعة حقيقة كما في «شرح التقريب» وغيره وهي قولهم: (رُدَّ حديثه) أو (رَدُّوا حديثه) أو (مردودُ الحديث) أو (ضعيفٌ جدًّا) أو (طرحوا حديثه) أو (مطروح الحديث) أو (ارم به) أو (ليس بشيء) أو (لا يساوي شيئًا)، ومنها ما ذكره الشارح من قولهم: (واهٍ) و(واهٍ بمرةٍ)، وما عَدَّهُ في أول هذه المرتبة؛ أعني: ما جعلها رابعة من قوله: (متروك الحديث) ليس منها، بل هو من مرتبة أنزل منها وهي الخامسة.
ومن ألفاظها؛ -أي: تلك الخامسة- قولهم: (متروك) و(تركوه) و(ذاهب) أو (ذاهب الحديث) و(ساقط) و(هالك) و(فيه نظرٌ) و(سكتوا عنه) و(لا يعتبر به) و(لا يعتبر بحديثه) و(ليس بالثقة) و(غير ثقة) و(ليس بمأمون) و(مُتهم بالكذب أو بالوضع).
وقول الشارح أيضًا: (كذَّاب) و(وضَّاع) مرتبة سادسة لا من الرابعة، ومن ألفاظها أيضًا: (مثله يكذب) فجملة المراتب ستُّ مراتبٍ على الوجه الذي سُقناه كما يؤخذ من «شرح التقريب» والملخص، ففيما ذكره الشارح من ترتيبها وسرد كلماتها نظر.
قوله: (وَهَؤُلَاْءِ … لَاْ يُكْتَبُ عَنْهُم)؛ أي: ولا يُعتبر بهم ولا يُستشهد، وظاهرُ صنيع الشارح أنَّ اسم الإشارة راجعٌ لما عدا المرتبة الأولى، وليس كذلك، بل للمرتبة الرابعة على ما فيها مما وضحَ لك من أنَّه رَكَّبَ هذه المرتبة من ثلاث مراتبٍ فلا تغترَّ به.
تنبيه: ما ذُكِرَ من المراتبِ صريحٌ في أنَّ العَدَالة تتجزأُ لكنه باعتبار الضبط.
قال الجلال السيوطي: وهل تتجزأ باعتبار الدِّين؟ وجهان في الفقه، ونظيره الخلاف في تجزُّؤِ الاجتهاد وهو الأصح فيه، وقياسُهُ يتجزأُ الحفظُ في الحديث فيكون حافظًا في نوعٍ دونَ نوع من الحديث، وفيه نظر. انتهى.
قلت: لعلَّ وجه النظر أنَّ الحفظ بمعنى الضبط وعدم التساهل يكون سَجِيَّةً لا تتخلف، فلا يتفاوت في نوعٍ من المسموع دون آخر، ولك أن تقول بل يتفاوت في الأنواع بسبب الالتفات والاعتناء ببعضها لحاجته إليه دون بعض؛ كأن يجعل همته في أحاديث الأحكام مثلًا أزيد منها في أحاديث الترغيب والترهيب، فيتفاوت حينئذٍ ضبطه وحفظه.
[ ٢٠٦ ]