وأقول: قد وقع التدليس أيضًا للمداراة والخوف كما رُوِيَ عن يونس بن عبيد قال: سألت الحسن البصري قلت: يا أبا سعيد إنك تقول: قال رسول الله ﷺ وإنك لم تدركه، فقال: يا ابن أخي سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد قبلك، ولولا منزلتك مني ما أخبرتك، إني في زمان كما ترى -وكان في زمن الحَجَّاج- كل شيء سمعتني أقوله قال رسول الله ﷺ فهو عن علي بن أبي طالب غير أني في زمان لا أستطيع أن أذكر عليًا، والظاهر أن هذا لا حُرمة فيه وإن كان فيه كراهةٌ فخفيفة جدًا، سيَّما من مثل الحسن ممَّن لا يَروي إلَّا حسنًا ولا يفعل إلَّا حسنًا.
فائدتان:
الأولى: يثبتُ التدليس بمرةٍ واحدة كما جزمَ به الشافعي إذ قال: من عُرِفَ بالتدليسِ مرةً لا يقبل منه ما يُقبل من أهل النصيحة في الصدق حتَّى يقول: حدَّثني أو سمعت.
الثانية: استدلَّ على أنَّ التدليسَ غير حرامٍ بما أخرجه ابن عديٍّ عن البراء قال: لم يكن فينا فارسٌ يوم بدر إلَّا المقداد، قال ابن عساكر: قوله: (فينا)؛ يعني: المسلمين؛ لأنَّ البراء لم يشهد بدرًا أفاده في «شرح التقريب».
أقول: ويستدل له أيضًا بقول أبي بكر لمن سأله عن النَّبيِّ ﷺ في طريق هجرتهما إلى المدينة وهو راكب معه: (هَذَا رَجُلٌ يَهْدِيْنِي الطَّرِيْقَ)، ويُستأنس له بقول إبراهيم ﵇ في سارة: هذه أختي، وغير ذلك.
قوله: (وَالْمُدْرَجُ) من الإدراج وهو الإدخال، سُمِّيَ بذلك لما فيه من إدخال كلام آخر فيه، والإدراج قسمان؛ لأنَّه إمَّا أن يكون في السند أو في المتن، والمُدرج في المتن ثلاثة أنواع، والمُدرج في السند أربعة، فالجملة سبعة كما ستعرفه.
قوله: (كَلَاْمٌ يُذْكَرُ)؛ أي: يذكرُهُ الرَّاوي للحديث سواء كان صحابيًا أو غيره وسواء كان ذلك الكلام لنفسه أو غيره لأجل تفسيرِ غريبٍ في الحديث كخبر الزهري عن عائشة: «كَانَ ﷺ يَتَحَنَّثُ فِيْ غَارِ حِرَاءٍ -وهو التعبد- الليالي ذوات العدد»، فقوله: وهو التعبد … إلى آخره، مدرجٌ؛ تفسيرٌ للتحنث، أو لاستنباط ما فهمه بعض رواته كما في حديث بُسرة الآتي فإنَّ عروة فهم منه أنَّ
_________________
(١) في (م): «يدرج».
[ ١٠٤ ]
عقب الحديث متَّصلًا يوهم أنَّه منه، أو يكون عنده متنان بإسنادَين، فيرويهما بأحدهما،
سببَ النقض مظنَّة الشهوة فجعل حكم ما قَرُب من الذَكَر كذلك؛ لأنَّ ما قرب من الشيء يُعْطَى حكمه فقال: (أو أنثييه أو رُفْغَيْه).
قوله: (عَقِبَ الْحَدِيْثِ) كان الأولى أن يقول: يُذكر مع الحديث؛ ليعمَّ ما يُذكر في أوله أو وسطه أو آخره، كما سيذكر ذلك بقوله: (وَيَكُوْنُ فِيْ المَتْنِ تَارَةً فِيْ أَوَّلِهِ …) إلى آخره، ولعله أراد الأغلب.
وقوله: (مُتَّصِلًا)؛ أي: بالحديث من غير فصلٍ بين الحديث وذلك الكلام بذكر قائله مثلًا.
وقوله: (يُوْهِمُ أَنَّهُ مِنْهُ)؛ أي: يُوهم مَن لم يعرفْ حقيقةَ الحال أنَّه من الحديث وأنَّ الجميع مرفوعٌ.
وهذا تعريف للإدراج في المتن وهو ثلاثةُ أنواع كما أشرنا إليه، وأشار إلى الإدراج في السند بقوله: (أَوْ يَكُوْنُ عِنْدَهُ مَتْنَانِ …) إلى آخره، وتقدم أنَّه أربعة أنواع:
الأول: أن يكون متنان مُختلفي الإسناد عند راوٍ فيرويهما عنه راوٍ فيجعلهما جميعًا متنًا واحدًا، مقتصرًا على أحد السندين.
الثاني: أن يروي جماعةٌ الحديثَ بأسانيد مختلفة فيرويه عنهم راو ويجعل الكلَّ إسنادًا واحدًا.
الثالث: أن يسوقَ المحدِّث الإسناد إلى منتهاه فيقطعه قاطعٌ عن ذكر متنه ويذكر كلامًا أجنبيًّا، فيظنُّ بعضُ من سمعه أن ذلك الكلامَ متنُ ذلك الإسناد، فيرويه عنه كذلك.
الرابع: أن يكون متن عند راوٍ بإسنادٍ إلَّا طرفًا منه فإنَّه عنده بإسناد آخر فيرويه عنه راوٍ تامًّا بالإسناد الأول ولا يذكر إسناد طرفه الثاني الذي فيه الزيادة.
وقد ذكر الشارح الأول بقوله: (أو يكون عنده متنان …) إلى آخره، والثاني بقوله: (أو يسمع حديثًا من جماعة …) إلى آخره، والثالث بقوله: (أو يسوق الإسناد …) إلى آخره، وترك الرابع وكأنَّه لدخوله في الأول لما سنذكره من أنَّه يصدقُ على ذلك الطرف أنَّه متن آخر كما يصدق على جميع الأول أنَّه متن كذلك.
قوله: (أَوْ يَكُوْنُ عِنْدَهُ مَتْنَانِ)؛ أي: مختلفين بإسنادين مختلفين كما هو ظاهرٌ.
وقوله: (فَيَرْوِيْهِمَا)؛ أي: جميعهما أو جميع أحدهما وبعض الآخر، فيدخل الرابع حينئذ في كلامه أيضًا.
قوله: (بِأَحَدِهِمَا)؛ أي: أحد السندين.
[ ١٠٥ ]
كرواية سعيد ابن أبي مريم: «لا تَباغضوا ولا تَحاسدوا ولا تَدَابروا ولا تَنافسوا»، أَدرج ابن أبي مريم: «ولا تنافسوا» من متنٍ آخر، أو يسمع حديثًا من جماعةٍ مختلِفين في إسناده أو متنه، فيرويه عنهم على الاتِّفاق،
وقوله: (كَرِوَايَةِ سَعِيْد بن أَبِي مَرْيَم)؛ أي: عن مالك، عن الزهري، عن أنس أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لَاْ تَبَاغَضُوْا …» إلى آخره، فأدرجَ ابن أبي مريم، قوله: «وَلَاْ تَنَافَسُوْا» من متنٍ آخر، وهو ما رواه مالك أيضًا، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ ولفظه: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ؛ فإن الظَّنَّ أَكْذَبُ الحديث، ولَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَنَافَسُوا وَلَاْ تَحَاسَدُوْا» وكلا الحديثين متفقٌ عليه من طريق مالك، وليس في الأول «ولا تنافسوا» فهي مدرجةٌ من ابن أبي مريم.
وهذا المثالُ صالح للنوع الذي ذكره الشارح والرابع الذي زدناه؛ إذ كل من الحديثين متنٌ له إسناد خاص روى أحدهما كاملًا مع بعض الآخر ابنُ أبي مريم وصَيَّرَهُمَا بإسنادٍ واحدٍ وَهَمًا كما جزم به الخطيب، ويَصدق على تلك الزيادة أنَّها متن كما يصدق على جميع الحديث الأول أنَّه متن كذلك كما أفاده في «شرح التقريب».
قلت: يؤخذُ منه أنهم اعتبروا في الإدراج أن يكون ذلك الكلام المُدرج ليسَ من كلام النبوة وإلَّا فالمُتبادر أن يكون هذا من الإدراج في المتن مع أنهم عَدُّوْهُ من إدراجِ السند؛ نظرًا إلى ما فعله الراوي من عنده في الإسناد لا لما زادَ من كلام النبوَّة بذكره الحديث الثاني كلًّا أو بعضًا عقب الأول الذي هذا السند سندٌ له خاصة، كان كأنَّه أدرج سند الثاني في سند الأول فيكون إدراجًا ضمنيًا كذا ظهر، فتأمل.
قوله: (فِيْ إِسْنَادِهِ)؛ أي: كحديث عبد الله بن مسعود: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قال: أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا …» الحديثَ. فإنَّ الأعمش ومنصور بن المعتمر روياه عن شقيق، عن عمرو بن شُرحبيل، عن ابن مسعود، ورواه واصل الأسدي، عن شقيق، عن ابن مسعود وأسقط عَمْرًا فجاء الثوري، ورواه عن واصل ومنصور والأعمش، عن شقيق، عن عمرو، عن ابن مسعود، فأدرج رواية واصل في رواية منصور والأعمش؛ لأنَّ واصلًا لم يذكر فيه عَمْرًا بل يجعله عن شقيق، عن ابن مسعود.
قوله: (أَوْ مَتْنِهِ) لفظُ المتن مُستدرك هنا وكأنَّه أشار به إلى القسم الرابع الذي ذكرنا أنَّه تركه إن لم يكن اعتمد على دخوله في الأول كما أومأنا إليه؛ وهو أن يكون المتن عنده بإسنادٍ إلَّا طرفًا منه فبآخر إلى آخر ما سبق، وقد تقدَّم ما يصلح مثالًا له.
وقوله: (بِاتِّفَاقٍ)؛ أي: في المتن أو السند ولا يبينُ ما اختلف فيه.
[ ١٠٦ ]
أو يسوق الإسناد، فيعرض له عارضٌ، فيقول كلامًا من قِبَل نفسه، فيظنُّ بعضُ مَن سمعه أنَّ ذلك الكلام من متن الحديث، فيرويه عنه كذلك.
ويكون في المتن؛ تارةً في أوَّله كحديث أبي هريرة: «أسبِغوا الوضوء، فإنَّ أبا القاسم ﷺ قال: ويلٌ للأعقاب من النَّار» [خ¦١٦٥]، فـ «أسبغوا» من قول أبي هريرة، والباقي
قوله: (مِنْ مَتْنِ الْحَدِيْثِ) الظاهرُ أن (من) زائدة وإلَّا كان من الإدراج في المتن الآتي.
قوله: (وَيَكُوْنُ فِيْ الْمَتْنِ) الضمير راجعٌ للأصل الذي هو الإدراج، وتقدم أنَّ أنواع إدراج المتن ثلاثةٌ وقد ذكرها الشارح بقوله (تَارَةً فِيْ أَوَّلِهِ …) إلى آخره.
قوله: (كَحَدِيْثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَسْبِغُوْا …) إلى آخره، الأولى بل الصواب التمثيل بما رواه شَبَابةُ وغيره، عن شُعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ، وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ من النَّارِ»، فإنَّ هذه الرواية فيها رفعُ الجملتين مع أنَّ الأولى من كلام أبي هريرة كما بيَّنه جمهور الرواة عن شعبة، كما في رواية البخاري، عن آدم، عن شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة قال: (أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ؛ فإن أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ قال …) إلى آخره، ما ذكره الشارح، فرواية الشارح مبيِّنَةٌ للرواية التي ذكرناها، وهي التي فيها الإدراج، وهذه لا إدراج فيها؛ لتصريح محمد بأنَّ الجملة الأولى من كلام أبي هريرة، بل أفادَ أبو هريرة نفسه أنَّها من كلامه إذ علَّلَها بقوله: (فإنَّ أبا القاسم …) إلى آخره، وشرط المدرج الإيهام، ولا إيهام مع التصريح، على أنَّ قول أبي هريرة: (أَسْبِغُوا …) إلى آخره، قد ثبت في الصحيحين مرفوعًا من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وعليه فلا يكون من الإدراج في شيء، ولذا مثَّلَ في «شرح التقريب» لذلك بما رواه الدَّارقطني في «السنن» من رواية هشام، عن عروة، عن بُسرة بنت صفوان قالت: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ مَسَّ رفْغَيْهِ أو أُنْثَيَيْهِ أو ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ»، والرّفغان بفتح الراء وضمها: تثنية رفغ بالغين المعجمة أصل الفخذة، قال: قال الدارقطني: كذا رواه عبد الحميد، عن هشام، وَوَهَمَ في ذِكر الأنثيين والرفغ، وإدراجه لذلك في حديث بُسرة، والمحفوظ أنَّ ذلك قول عروة، وكذا رواه الثقات عن هشام كحماد
[ ١٠٧ ]
مرفوعٌ، ويكون أيضًا في أثنائه، وفي آخره، وهو الأكثر؛ إلى آخره كحديث ابن مسعودٍ: «أنَّه ﷺ علَّمه التَّشهُّدَ في الصَّلاة، فقال: التَّحيَّات لله …» [خ¦٨٣١] أدرج فيه
ابن زيد بلفظ «من مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ»، قال: وكان عروة يقول: «إذا مسَّ رفْغيه أو أنثييه أو ذكره فليتوضأ»، فعُروة فَهِم من لفظ الخبر أن سبب نقض الوضوء مظنَّةُ الشهوةِ فجعل حُكم ما قرب من الذَكَر كذلك فقال ذلك، فظنَّ بعضُ الرواة أنَّه مِن وَصْلِ الخبر فنقله مُدرجًا فيه، وفَهِم الآخرون حقيقة الحال ففَصَلوه. انتهى.
قوله: (وَيَكُوْنُ أَيْضًا فِيْ أَثْنَائِهِ) تركَ التمثيل له، ومن أمثلته حديث عائشة في بدء الوحي وهو قول الزهري فيه: (وهو التعبد الليالي …) إلى آخره، وقد قدمناه لك آنفًا.
قوله: (وَهُوَ الْأَكْثَرُ)؛ أي: من وقوعه أوله أو أثناءه، وفي الأثناء قليلٌ بالنسبة للمدرج في الآخر، كثيرٌ بالنسبة للمدرج في الأول، فإنَّه في الأول نادر جدًا حتى قال الحافظ ابن حجر: لم يوجد منه غير خبر «أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ، وَيْلٌ …» إلى آخره إلَّا ما وقع في بعضِ طُرقِ خبر بُسرة المارِّ عندَ الطبراني بلفظ «مَنْ مَسَّ رُفْغَيْهِ …» إلى آخره.
تنبيهان:
الأول: يُعرف الإدراجُ بورودهِ مُفَصَّلًا في رواية أخرى، أو بالتنصيص على ذلك من الراوي وبعض الأئمة المطَّلعين كما يُعلم مما سبق، أو باستحالة كونه ﷺ يقول ذلك كما في الصحيحين عن أبي هريرة مرفوعًا: «لِلْعَبْدِ الْمَمْلُوكِ أَجْرَانِ، وَالَّذِي نَفْسيْ بِيَدِهِ لَوْلَا الْجِهَادُ في سَبِيلِ اللَّهِ وَالْحَجُّ وَبِرُّ أُمِّي لَأَحْبَبْتُ أَنْ أَمُوتَ وأنا مَمْلُوكٌ»، فقوله: (والذي نفسي بيده …) إلى آخره، مُدْرَجٌ من كلام أبي هريرة؛ لأنَّه يمتنع منه ﷺ أن يتمنى الرِّقَّ، ولأنَّ أمه لم تكن إذ ذاك موجودةً حتى يَبَرَّهَا.
الثاني: لا يجوزُ تعمد الإدراج في متن أو سند لتضمنه عزو القول لغير قائله إلَّا ما كان لتفسير غريبٍ كما فعله الزهري وغيره من الأئمة، كذا ذكره أئمة الحديث، قلت: استثناء تفسير الغريب يقتضي أنَّه إذا كان الإدراج لفائدةٍ لا يضرُّ وحينئذ فيظهرُ قياس ما يُدرجه الراوي المجتهد قياسًا على المذكور؛ كما تقدَّم في حديث: «مَنْ مَسَّ أُنْثَيَيْهِ …» إلى آخره، فإنَّه وإن لم يصادف الحق ففضلًا عن كونه لا يُعاقب به، له فيه أجرٌ، فلينظر.
[ ١٠٨ ]
أبو خَيْثَمَة زهير بن معاوية أحدُ رواته عن الحسن بن الحرِّ هنا كلامًا لابن مسعود، وهو: «فإذا قلت هذا فقد قضيت صلاتك، إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد».
والعالي خمسةٌ:
قوله: (أَبُوْ خَيْثَمَةَ) بفتح الخاء المعجمة وسكون المثناة التحتية وفتح المثلثة، وقوله: (زُهَيْر) بدلٌ منه.
قوله: (ابْنُ الحُرِّ) بضم الحاء المهملة آخره راء مشددة.
قوله: (وَالْعَالِي)؛ أي: الحديث العالي، وعُلو الحديث بعلو سنده، وطلب العلو في السند؛ قال الإمام أحمد: سُنَّةٌ عَمَّن سلف؛ لأنَّ أصحاب عبد الله كانوا يرحلون من الكوفة إلى المدينة فيتعلمون
من عمر ويسمعون منه، قال الطوسي: قُرب الإسناد قربةٌ إلى الله تعالى، فأصلُ الإسناد سنة مؤكدة والعلو فيه سنةٌ أخرى، ولولا الإسناد لقال مَن شاء ما شاء، كما قال ابن المبارك، وهو سلاحُ المؤمن، كما قاله الثوري.
فائدة: قال ابن حزم: نقلُ الثقة عن الثقة يبلغُ به النَّبيَّ ﷺ مع الاتصال فضيلة خصَّ الله بها هذه الأمة دون سائر الملل، وأما مع الإرسال والإعضال فيوجد في كثير من اليهود، ولكن لا يقربون من موسى قُربنا من محمد ﷺ، بل يقفون بحيث يكون بينهم وبين موسى أكثر من ثلاثين عصرًا، وأما النصارى فليس عندهم من صفة هذا النقل إلَّا تحريم الطلاق فقط، أما النقل بالطريق المشتملة على كذاب أو مجهول العين فكثير في نقل اليهود والنصارى، قال: وأما أقوال الصحابة والتابعين فلا يمكن اليهود أن يبلغوا إلى صاحب نبي أصلًا ولا تابع له، ولا يمكن النصارى أن يصلوا إلى أعلى من شمعون وبولص.
وقال أبو علي الجبائي: خصَّ الله هذه الأمة بثلاثة أشياء لم يُعطها مَنْ قَبْلها: الإسناد والانتساب والإعراب، ومن أدلة ذلك ما رواه الحاكم في قوله تعالى: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الأحقاف: ٤] قال: إِسْنَادُ الْحَدِيْثِ. انتهى.
[ ١٠٩ ]
المطلق؛ وهو القرب من رسول الله ﷺ بعددٍ قليلٍ، بالنِّسبة إلى سندٍ آخرَ يَرِدُ بذلك الحديث بعينه بعددٍ كثيرٍ، أو بالنِّسبة لمطلق الأسانيد.
والقرب من إمامٍ من أئمَّة الحديث ذي صفةٍ عاليةٍ؛ كالحفظ والضَّبط، كمالكٍ والشَّافعيِّ،
قوله: (المُطْلَق)؛ أي: الذي لم يُقيدْ بإمامٍ أو كتابٍ، وهو أجلُّ الأنواعِ.
قوله: (بِعَدَدٍ قَلِيْلٍ)؛ أي: مع كونه نظيفًا صحيحًا، أما إذا كان مع ضعفٍ فلا التفات إلى عُلوه سيما إن كان فيه بعض الكذابين المتأخرين ممَّن ادعى سماعًا من الصحابة، مثل خِراش ونُعيم بن سالم.
قلت: وقد وقع لي من هذا النوع الحديث المسلسل بالمُصافحة، فكان بيني وبين الرسول ﷺ فيه أربعة فقط، فحدَّثني به الشيخ الأجل السيد عمر بن سودة المهدي التاودي المغربي وهو مصافحٌ لي بملاصقة إبهام يده اليمنى لإبهام يدي وجعل السبابة والوسطى من يده بجانب إبهام يدي والخنصر والبنصر منه عند خنصري وبنصري والمعصم بين ذلك، قال: حدثني سيدي محمد السنوسي وهو مصافحٌ لي كذلك: حدَّثني سيدي محمد بن إدريس وهو مصافحٌ لي: حدَّثني الإمام الأكبر محيي الدين بن العربي وهو مصافح لي: حدثني رسول الله ﷺ وهو مصافح لي قال: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِيْ وَلِأَخِيْ هَذَا وَأَدْخِلْنَا فِيْ رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِيْنَ».
قال شيخنا المذكور: وكلا روايتي ابن إدريس عن ابن العربي وابن العربي عنه ﷺ بلا واسطة بطريق خَرْقِ العَادَةِ إذ لم يلتق ابن إدريس مع ابن العربي، ولا ابن العربي مع رسول الله ﷺ، قال: ولا ضير في مثل ما يُؤخذ من ذلك بهذه الطرق للتَّبرك سيما من مقام الصديقية، وبهذا تجوز رواية الحديث عند أهل الصديقية من باب قوله ﷺ لَمَّا أَخْبَرَ بِتَكَلُّم البَقَرَةِ وَالذِّئْبِ وحديثهما في الصحيح، «وقال الناس: سُبْحَانَ اللَّهِ بَقَرَةٌ وذِئْبٌ يَتَكَلَّمَانِ، قال: آمَنْتُ بِذَلِكَ أَنَا وَأَبُوْ بَكْرٍ وَعُمَرُ». انتهى (^١).
قوله: (يَرِدُ)؛ أي: يُرْوَى.
وقوله: (بِذَلِكَ الْحَدِيْثِ)؛ أي: لهُ.
قوله: (كَالْحِفْظِ وَالضَّبْطِ)؛ أي: ونحوهما من الصفات المقتضيات للترجيح.
قوله: (كَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ)؛ أي: والبخاري ومسلم ونحوهم مع الصحة أيضًا، وإن كَثُرَ العددُ إلى
_________________
(١) قال عمر ﵁: «.. وإنما نأخذكم الآن بما ظهر من أعمالكم» [خ¦ ٢٤٩٨] هذه أسانيد ظاهرها الانقطاع ولا معاصرة بيقين بعض رواتها، ولا يفرح بمثل هذا العلو عند أهل الحديث.
[ ١١٠ ]
والقرب بالنِّسبة لرواية الشَّيخين وأصحاب السنن.
والعلوُّ بتقدُّم وفاة الرَّاوي، سواء كان سماعه مع (^١) متأخِّر (^٢) الوفاة في آنٍ واحدٍ أو قبله.
والعلوُّ بتقدُّم السَّماع، فَمَنْ تقدَّم سماعه من شيخٍ أعلى ممَّن سمع من ذلك الشَّيخ نفسه بعده.
والنَّازل؛ كالعالي بالنِّسبة إلى ضدِّ الأقسام العالية.
رسول الله ﷺ فهو علوٌّ نسبي مُقيَّد بإمامٍ ممَّن ذكر.
قوله: (لِرِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ)؛ أي: ونحوهما، والمرادُ رواية كتب أولئك المعتمدة وهي الكتب الستة، وهو علوٌّ نسبي أيضًا، إذ الراوي لو روى حديثًا من غير طريق كتاب منها كـ «جزء ابن عرفة» وقعَ أنزل ممَّا رواه من طريقِ كتابٍ منها كالترمذي.
قوله: (بِتَقَدُّمِ وَفَاةِ الرَّاوِي)؛ أي: وإن تساويا في العدد فما يُروى عن ثلاثة، عن البيهقي مثلًا، عن الحاكم أعلى مما يُروى عن ثلاثة، عن أبي بكر بن خلف، عن الحاكم لتقدم وفاة البيهقي على ابن خلف، قال النووي: وأما عُلوه بتقدم وفاة شيخك لا مع التفاتٍ لشيخٍ آخر أو أمرٍ آخرَ فحدَّهُ ابن عُمير بِمُضي خمسينَ سنة تمضي من وفاة الشيخ وحدَّهُ ابنُ منده بمضيِّ ثلاثينَ.
قوله: (بِتَقَدُّمِ السَّمَاعِ) يدخلُ من هذا القسم كثيرٌ فيما قبله ومثاله أن (^٣) يسمعَ شخصان من شيخٍ وسماعُ أحدهما من ستينَ سنةً مثلًا والآخر من أربعين، وتساوى العدد إليهما، فالأول أعلى من الثاني، ويتأكد ذلك في حقِّ من اختلط شيخه أو خَرِفَ وربما كان المتأخر أرجح بأن يكون تحديثه للأول قبل أن يبلغ درجة الإتقان والضبط ثم حصلَ له ذلك بعد.
قوله: (بِالْنِّسْبَةِ إِلَى ضِدِّ الْأَقْسَامِ …) إلى آخره؛ أي: فهو خمسة أقسام أيضًا فإنَّ كل قسمٍ من أقسام العلو يُقابله قسمٌ من أقسام النزول كما قاله ابن الصلاح.
وهو بأقسامه مفضولٌ (^٤) مرغوب عنه عند الجمهور وهو الصواب.
قال ابن المديني: النزولُ شُؤمٌ.
_________________
(١) في (ص): «من»، وهو تحريفٌ.
(٢) في (ص) و(م): «المتأخِّر». وكذا في نسخة العجمي.
(٣) في المطبوع تصحيفًا: ويمتاز عنه بأن.
(٤) في المطبوع: مفصول.
[ ١١١ ]