أحدها: أن يُسقط اسمَ شيخِه ويرتقي إلى شيخ شيخه أو مَنْ فوقه، فيسند (^١) عنه ذلك بلفظٍ
قوله: (وَسَبَقَ وَيَأْتِي حُكْمُهُ) ما سبق هو قوله عند الكلام على الصحيح: (وهو في صحيح البخاري، ويكون مرفوعًا، أو موقوفًا، يأتي البحث فيه إن شاء الله في الفصل التالي).
وحُكمه حكم الصحيح إذا وقع في كتاب التزمتْ صحتُه، ورُوي: بصيغة الجزم كقال وفعل وأمر ونهى وذكر وحُكيَ بصيغة اسم الفاعل، لا بصيغة التمريض كرُوِيَ أو يُقْالُ أو يُحْكَى أو نحو ذلك بصيغة المبني للمفعول.
قوله: (وَالمُدَلَّس) بفتح اللام المشددة مشتقٌ من الدَّلَس بالتحريك، وهو اختلاط الظلام، ويُطلق أيضًا على الظلمة، سُمي الحديث المذكور بذلك لاشتراكهما في الخفاء؛ لأنَّ الظُلمة تغطي الأشياء عن البصر وتخفيها عنه، ومن أسقط من السند شيئًا فقد غطى ذلك الذي أسقطه؛ أي: أخفاه وستره، وكذا تدليس الشيوخ على ما سيأتي، فإنَّ الراوي يُغطي الوصف الذي يُعرف به الشيخ ويغطي الشيخ بوصفه بغير ما اشتهر به. قوله: (ثَلَاْثَة) فيه نظرٌ، بل إن نظرنا إلى الأنواع فخمسة: تدليس شيوخ، وتدليس إسناد، وتدليس قطع، وتدليس عطف، وتدليس تسوية، وإن نظرنا إلى الأقسام فقسمان فقط، تدليس الإسناد، وتدليس الشيوخ، وكلها من تدليس الإسناد إلَّا الثالث في كلام الشارح فهو تدليس الشيوخ.
قوله: (أَحَدُهَا: أَنْ يُسْقِطَ اسْمَ شَيْخِهِ)؛ أي: لِصغره أو ضَعْفِهِ ولو عند غيره فقط، ويسمى هذا تدليس الإسناد وكان الأنسب أن يقول: أحدها تدليس الإسناد وهو أن يُسقط … إلى آخره؛ لتَحْسُن مقابلته بقوله فيما يأتي: وثانيها تدليس التسوية، وثالثها تدليس الشيوخ: ثم تسميته النوع المذكور تدليس إسناد هو المذكور في كلامهم، ولم يميزوه من بقية أنواع تدليس الإسناد باسم يخصه كما فعلوا بالبقية ولو سموه تدليس الإسقاط لكان له وجه، قال النووي: من تدليس الإسناد أن يسقط الراوي أداة الرواية مقتصرًا على اسم الشيخ فيقول: فلان، كما رُوِيَ عن علي بن خشرم
_________________
(١) في (س): «فبسند».
[ ٩٩ ]
لا يقتضي الاتِّصال، بل بلفظٍ موهمٍ له، فلا يقول: أخبرنا، وما في معناها، بل يقول: عن فلانٍ، أو قال فلانٌ، أو أنَّ فلانًا، موهمًا بذلك أنَّه سمعه ممَّن رواه عنه، وإنَّما يكون تدليسًا إذا كان المدلِّس قد عاصر الذي روى عنه، أو لقيه ولم يسمع منه، أو سمع منه ولم يسمع ذلك الذي دلَّسه عنه،
قال: كنا عند ابن عيينة فقال: الزهري، فقيل له: حدَّثكم الزهري؟ فسكت، ثم قال: الزهري، فقيل له: سمِعْتَه من الزهريُّ؟ فقال: لا، ولا ممَّن سمِعَه من الزهريُّ، حدَّثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري، وسماه شيخ الإسلام: تدليس القطع.
قُلْتُ: الظاهرُ أن تدليسَ القطع هو ما مثَّل له ابن حجر بما كان يفعله عُمَر (^١) بن عبيد فكان يقول: حدَّثنا، ثم يسكت وينوي القطع، ثم يقول: هشام بن عروة، عن عائشة، وهذا هو الرابع، ومن تدليس الإسناد أيضًا تدليس العطف، وهو الخامس، وهو أن يُصَرِّحَ بالحديث عن شيخٍ له ويعطف عليه شيخًا آخر لم يسمع ذلك المروي عنه.
كما ذكره الحاكم في «علوم الحديث»، قال: اجتمع أصحاب هُشيم فقالوا: لا نكتب عنه اليوم شيئًا مما يُدَلِّسُهُ. ففطنَ لذلك، فلما جلسَ قال: حدَّثنا حُصين ومُغيرة، عن إبراهيم، وساق عدة أحاديث، فلما فَرَغ منها قال: هل دَلَّسْتُ لكم شيئًا، قالوا: لا، فقال: بل كلَّما حدَّثتكم عن حُصين فهو سماعي ولم أسمع من غيره من ذلك شيئًا، فهو محمول على أنَّه نوى العطف، فقوله: (وفلان)؛ أي: وحدَّث فلان.
قوله: (لَاْ يَقْتَضِي الْاتِّصَالَ)؛ أي: لئلا يكون كذبًا محضًا.
قوله: (قَدْ عَاصَرَ الْذِي رَوَى عَنْهُ) جعلَ هذا شيخُ الإسلامِ إرسالًا خفيًّا وخصّ التدليسَ بقسم اللُّقي وخرج بالمعاصرة على ما ذكره الشارح وما بعدها ما إذا روى عمَّن لم يدركه رأسًا بلفظٍ مُوهم فليس بتدليسٍ على المشهور وهو الصحيح، وقال قوم: إنه تدليس، فحدُّوْهُ بأنْ يحدِّث الرجل عن الرجل بما لم يسمعه منه بلفظٍ لا يقتضي تصريحًا بالسماع، قال ابن عبد البر: وعليه فما سَلِم من التدليس أحد!.
وتركَ الشارح شرطًا ثانيًا لهذا النوع: وهو أن لا يكون الراوي صحابيًّا فإن كان صحابيًّا وروى حديثًا
_________________
(١) في المطبوع تصحيفًا: «معمر».
[ ١٠٠ ]
فلا يُقبَل ممَّن عُرِف بذلك إلَّا ما صَرَّح فيه بالاتِّصال، كـ «سمعت»، وفي «الصَّحيحين» من حديث أهل هذا القِسم المصرَّح فيه بالسَّماع كثيرٌ؛ كالأعمش وقَتادة والثَّوريِّ، وما فيهما من حديثهم بالعنعنة ونحوها محمولٌ على ثبوت السَّماع عند المخرِّج من وجهٍ آخر، ولو لم نطَّلع عليه؛ تحسينًا للظَّنِّ بصاحبي الصَّحيح.
لم يسمعه من النَّبيِّ ﷺ بل من صحابي آخر فيسمى مرسل صحابي، ولا يسمى تدليسًا؛ تأدُّبًا في حق الصحابة، فجُملة شروط هذا النوع أعني تدليس الإسناد شرطان: المعاصرة على غير مذهبِ شيخ الإسلام أو اللُّقي مع عدم السماع رأسًا أو سماع غير هذا الحديث، وكونه غير صحابي كما ذكره شيخ الإسلام، قلت: ومقتضاه أنَّه لو كان تابعيًا يسمى تدليسًا، وعليه فيكون المرسِلُ مُدَلِّسًا؛ فليُنظر.
قوله: (مِمَّنْ عُرِفَ بِذَلِكَ)؛ أي: التَّدْليس؛ لأنَّه قادحٌ في حقِّ من فعله، قال شيخ الإسلام: لا شكَّ أنَّه جرحٌ وإن وُصِفَ به الثوريُّ والأعمشُ فإنهما إنَّما كانا يفعلانه في حقِّ من يكون ثقة عندهما ضعيفًا عند غيرهما، وهو مكروه جدًا، لا حرام؛ لأنَّه ليس كذبًا، وإنَّما هو تحسين لظاهر الإسناد، وضرب من الإبهام بلفظٍ محتمل.
قوله: (إِلَّاْ مَا صَرَّحَ فِيْهِ بِالاتِّصَالِ)؛ أي: بأن قال راويه: حدَّثني فلان أو سمعت أو نحو ذلك فهو
مقبولٌ يُحتج به، وإن كان راويه مشهورًا بالتدليس؛ لأنَّه صرح بالسماع في هذا المروي بخصوصه فعلم أنَّه لم يدلس فيه، والغرض أنَّه ثقة، وإذا قيل ذلك ممن اشتهر بالتدليس فممَّن لم يشتهر به أولى، كما رَوَى مالكٌ، عن ثور، عن ابن عباس. فإنَّ مالكًا لم يَلْق ثورًا وإنَّما روى عن عكرمة، فإذا روى عنه بالسماع قُبِلَ وكان محتجًا به وحُمل على سماعه منه وإن لم نطَّلِعْ عليه، وإذا روى بالعنعنة ونحوها لم يُقبل إلَّا ممَّن التزم تخريج الصحيح كالبخاري ونحوه، وحُمل أيضًا على ثبوت السماع من طريق أخرى عند ذلك المخرِّج، ولذا وقع في الصحيحين من ذلك كثير كما ذكره الشارح، وإنَّما آثرا هذه الطريق على طريق التصريح بالسماع لكونها على شرطهما دون تلك، والتفصيل الذي جرى عليه الشارح هو مذهب أكثر الفقهاء والمحدثين والأصوليين، وهو قول الشافعي ويحيى بن معين وابن المديني، وصححه الخطيب وابن الصلاح.
وقيل: مردودٌ مطلقًا بَيَّنَ الاتصالَ أم لا، كان التدليس عن ثقة أو عن غيره، ندر أم لا، حكاه ابن الصلاح عن فريق من الفقهاء والمحدِّثين؛ إذ التدليس في ذاته جَرْحٌ لما فيه من التُّهمةِ والغشِّ، وقيل: مقبول مُطلقًا كالمرسل عند مَن يحتج به.
[ ١٠١ ]
ثانيها: تدليس التَّسوية؛ بأن يُسقط ضعيفًا بين شيخيهما الثقتين، فيستوي الإسناد كلُّه ثقاتٌ، وهو شرُّ التَّدليس، وكان بقيَّةُ بن الوليد أفعلَ النَّاس له.
ثالثها: تدليس الشُّيوخ؛ بأن يسمِّيَ شيخَه الذي سمع منه بغير اسمه المعروف، أو ينسبه أو
ونَقْلُ النوويِّ في «شرح المهذب» الاتفاقَ على ردِّ المعنعن منه محمول على اتفاق مَن لا يَحتجُّ بالمرسل، وقيل: إن لم يُدلس إلَّا عن الثقات كسفيان بن عيينة، وقيل: إن نَدَرَ تدليسه.
قوله: (ثَانِيْهَا: تَدْلِيْسُ التَّسْوِيَةِ) تَبِعَ الشَّارح في جعله قسمًا مستقلًا العراقي، وجعله ابن حجر من تدليس الإسناد، وسُمِّي تدليس تسوية؛ لأنَّه يُسوىَ فيه بين الثقة وغيره، وسمَّاهُ ابن القطان تسويةً بدون لفظ تدليس، فيقول سوَّاه فلان وهذه تسويةٌ.
قال العراقي: والقدماء يسمونه تجويدًا، فيقولون: جوَّدَهُ فلان؛ أي: ذكر مَن فيه من الأجواد وحذف غيرهم، والتحقيقُ أن يُقال: متى قيل تدليس تسوية فلا بدَّ أن يكون كل من الثقات الذين حذفت بينهم الوسائط في ذلك الإسناد قد اجتمعَ الشخصُ منهم بشيخِ شيخهِ في ذلك الحديث، وإن قيلَ تسوية بدون تدليس لم نحتجْ إلى اجتماع أحدٍ منهم بمن فوقه كما فعل مالك؛ فإنَّه لم يقع في التدليس أصلًا ووقع في هذا إذ روى عن ثور عن ابن عباس كما سلفَ، وعلى هذا فيفارق المُنقطع بأنَّ شرط الساقط هنا أن يكون ضعيفًا بخلاف المنقطع فأعمُّ، فهذا منقطع خاص.
قوله: (بَيْنَ شَيْخَيْهِ) هكذا فيما بأيدينا من النسخ، تثنية لفظ الشيخ وضمير التثنية، ولعله بَيَّنَ شيخيه بتثنية لفظِ شيخ فقط والضمير عائد على الراوي، كما يؤخذ مما قررناه قبلُ، ويكونُ المراد شيخًا مباشرة وبالواسطة، ويُحتمل أن المراد شيخه وشيخ ذلك الضعيف الذي أسقطه، وعلى كلٍّ فهو مع كونه تكلفًا قاصرٌ على بعض الصور، إذ لا يتقيد هذا النوع بذلك.
قوله: (وَهُوَ شَرُّ الْتَدْلِيْسِ)؛ أي: لأنَّ الثقة الأول قد لا يكون معروفًا بالتدليس ويجده الواقف على الحديث قد رواه عن ثقة آخر فيحكم له بالصحة، وفيه غَرَرٌ شديد.
[ ١٠٢ ]
يصفه بما لم يشتهر به تعميةً؛ كي لا يُعرَف، وهو جائزٌ؛ لقصد تيقُّظ الطَّالب واختبارِه؛ ليبحث عن الرُّواة.
قوله: (بِمَا لَمْ يَشْتَهِرْ بِهِ)؛ أي: من كُنية أو لقب أو نسبة إلى قبيلة أو بلد أو صنعة أو نحو ذلك، كقول أبي بكر بن مجاهد المقري: حدَّثنا عبد الله بن أبي عبد الله -يريد به عبد الله بن أبي داود السِّجستاني- قال ابن الصلاح: وفيه تضييع للمروي عنه، قال العراقي: وللمروي أيضًا؛ لأنَّه قد لا يفطن له فيحكم عليه بالجهالة.
وكراهةُ هذا القسم أخفُّ مما قبله ويختلف الحال في كراهته باختلاف الغرض الحامل عليه؛ فإن كان لضعفِ المروي عنه فيُدلسه حتى لا تظهر روايته عن الضعفاء حَرُمَ.
واختلفوا في قبول المدلِّس وعدمه وأن التدليس جرحٌ أو لا، فالأصحُّ أنَّه ليس بجرحٍ مطلقًا فيُقبل، وقيل: جرحٌ وإن كان يعتقد هو أنَّه ثقةٌ لجواز أن يَعرِفَ غيرُه من جَرْحِهُ ما لا يعرفه هو، وقيل: إن فعله لضعفه عنده فجرحٌ، أو لاختلافهم في قبول روايته فلا، وإن كان لصغر سنه عن المدلَّس أو كبره عنه يسيرًا أو كثيرًا وتأخر موته حتى شاركه في الأخذ عنه من هو دونه فالأمر سَهْلٌ، وكذا إن كان لغرض إيهام كثرة الشيوخ بأن يروي عن الشيخ الواحد في موضعٍ بصفة وفي آخر بأخرى يُوهم أنَّه غيره.
ومن التدليس ما هو عكس هذا وهو إعطاء شخص اسم آخر تشبيهًا ذكره ابن السبكي في «جمع الجوامع» قال: كقولنا: أخبرنا [أبو] (^١) عبد الله الحافظ؛ -يعني: الذهبي- تشبيهًا بالبيهقي حيث يقول ذلك يعني به الحاكم، وكذا إيهام اللُّقي والرحلة: كحدثنا مَن وراء النهر، يُوهم أنَّه جيحون ويريد نهر بغداد أو نهر الجيزة بمصر، وليس ذلك بجرحٍ قطعًا؛ لأنَّ ذلك من المعاريض، قاله الآمدي وابن دقيق العيد، وما عدا ذلك من أنواع التدليس فمكروهٌ وذَمَّ التدليسَ بأنواعه أكثرُ العلماء حتى بالغ شُعبة في ذمِّه فقال: التدليس أخو الكذب، ولأَنْ أزني أحبُّ إلي من أن أُدلِّس.
قال ابن الصلاح: وهذا منه محمول على المبالغة في الزجر عنه. انتهى.
(قلت): ولا مانع من أن يكون أراد أن ضررَ الزنا قاصرٌ على نفسه، والتدليس يتعدى ضرره للأمة؛ لما فيه من الغش وإيهام الحق باطلًا وعكسه، وربما ترتب على ذلك رفض سُنة وترويج بدعةٍ.
_________________
(١) زيادة لا بدَّ منها فالذهبي محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز أبو عبد الله.
[ ١٠٣ ]