مُعَاذًا»؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنِّي أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ قَاضِيًا، قَالَ: فَمَا تَكَرْهُ مِنْ ذَلِكَ، فَقَدْ كَانَ أَبُوكَ يَقْضِي؟
قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ كَانَ قَاضِيًا فَقَضَى بِجَوْرٍ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَمَنْ كَانَ قَاضِيًا فَقَضَى بِالْجَهْلِ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَمَنْ كَانَ قَاضِيًا عَالِمًا فَقَضَى بِالْعَدْلِ فَبِالْحَرِيِّ أَنْ يَنْقَلِبَ مِنْهُ كَفَافًا»، فَمَا أَرْجُو مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ؟
١٤٠ - سَمِعْتُ عَبْدَ الصَّمَدِ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ: سَمِعْتُ الْفُضَيْلَ يَقُولُ: لا تَغْبِطُوا الْقُضَاةَ، وَارْحَمُوا الرُّعَاةَ، وَمَنْ وَلِيَ الْقَضَاءَ فَقَدْ ذُبِحَ بِلا سِكِّينٍ، وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي إِذَا بُلِيَ بِالْقَضَاءِ أَنْ يَكُونَ يَوْمًا فِي الْقَضَاءِ، وَيَوْمًا فِي الْبُكَاءِ، فَإِنَّ لَهُ مَوْقِفًا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ﷿ غَدًا.
١٤١ - وَسَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ الْخَلِيلِ يَقُولُ: حَدَّثَنِي الْحَسَنُ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ ابْنِ شُبْرُمَةَ، قَالَ: لا يَتَقَدَّمُ رَجُلٌ عَلَى الْقَضَاءِ حَتَّى يَجْتَزِئَ عَلَى السَّيْفِ.
[ ١٠٦ ]
١٤٢ - وَسَمِعْتُ الْوَلِيدَ بْنَ شُجَاعٍ يَقُولُ: حَدَّثَنَا الأَشْجَعِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ الشَّعْبِيِّ إِذْ جَاءَهُ خَصْمَانِ، قَالَ: فَقَالَ لِي: قُلْ فِيهِمَا؟ قَالَ: فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَائِلٍ فِيهِمَا، قَالَ: فَقَضَى بَيْنَهُمَا، ثُمَّ قَالَ: مَا أَدْرِي أَصَبْتُ أَمْ أَخْطَأْتُ، وَلَكِنِّي لَمْ آلُ ثُمَّ، قَالَ: ثُمَّ لُعِنَ أَرْغَبُ النَّاسِ فِي هَذَا الْمَجْلِسِ، قَالَ: حَسِبْتُ لَعَلَّ مَا يُخْبِرُهُ.
١٤٣ - سَمِعْتُ أَبَا حَامِدٍ الْخُرَاسَانِيَّ يَقُولُ: نَزَلَ شَقِيقٌ فِي بَعْضِ هَذِهِ الْمُدُنِ الَّتِي فِي طَرِيقِ خُرَاسَانَ، فَإِذَا قَاضِيهَا قَدْ أَتَاهُ، فَقَالَ لَهُ شَقِيقٌ: تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَاقْرَأْ تَبَارَكَ، فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا﴾ [الملك: ٢]، فَتَلَبَّبَ بِهِ شَقِيقٌ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَيُّكُمْ أَحْسَنُ مَرْكَبًا، أَوْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ ثَوْبًا، أَوْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ وَجْهًا، أَوْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ دَارًا؟، قَالَ: فَقَالَ الْقَاضِي لِشَقِيقٍ: إِنِّي أُعَاهِدُ اللَّهُ، أَوْ قَالَ: أَعْطَيْتُ اللَّهَ عَهْدًا، إِنْ دَخَلْتُ فِي عَمَلٍ، حَتَّى أَلْقَى اللَّهَ ﷿.
[ ١٠٧ ]
١٤٤ - سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: طَلَبَ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ خَلادَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَسْتَعْمِلُهُ عَلَى الْيَمَنِ، فَذَهَبَ عَقْلَهُ، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَكَانَ مِنَ الأَبْنَاءِ.
١٤٥ - سَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ أَبِي عَوْنٍ يَقُولُ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحْرِزُ بْنُ يَسَارٍ الْيَشْكُرِيُّ، قَالَ: قَدِمَ أَبُو عَوْنٍ مِصْرَ، وَقَتَلَ بِهَا مَنْ قَتَلَ، وَاسْتَوْلَى عَلَى الْبَلَدِ، أَرْسَلَ إِلَى حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ: ائْتِنِي، قَالَ: فَجَاءَ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ، قَالَ: فَقَالَ: إِنَّا مَعْشَرَ الْمُلُوكِ لا نُعْصَى، فَمَنْ عَصَانَا قَتَلْنَاهُ، قَدْ وَلَّيْتُكَ الْقَضَاءَ، قَالَ: أَوَ آمُرُ أَهْلِي؟، قَالَ: اذْهَبْ.
قَالَ: فَجَاءَ حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ إِلَى أَهْلِهِ، فَغَسَلَ رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ، وَنَالَ شَيْئًا مِنْ طِيبٍ، وَلَبِسَ أَنْظَفَ مَا قَدِرَ عَلَيْهِ مِنَ الثِّيَابِ، قَالَ: ثُمَّ
[ ١٠٨ ]
جَاءَ فَدَخَلَ عَلَيْهِ، قَالَ: فَقَالَ: مَنْ جَعَلَ السَّحَرَةَ أَوْلَى بِمَا قَالُوا مِنَّا: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه: ٧٢] فَلَسْتُ أَتَوَلَّى لَكَ شَيْئًا، قَالَ: فَأَذِنَ لَهُ فَرَجَعَ.
١٤٦ - سَمِعْتُ الْوَلِيدَ بْنَ شُجَاعٍ يَقُولُ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَذَكَرَ رَجُلا دَخَلَ فِي الْقَضَاءِ، فَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: حَسْبُهُ يُكْشَفُ عَنْ أَمْرِهِ.
١٤٧ - سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الصَّبَّاحِ يَقُولُ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ أَبُو الشَّعْثَاءِ: كَتَبَ الْحَكَمُ بْنُ أَيُّوبَ نَفَرًا مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ لِلْقَضَاءِ كُنْتُ أَنَا أَحَدَهُمْ، فَلَوْ بُلِيتُ بِشَيْءٍ مِنْهُ لارْتَحَلْتُ رَاحِلَتِي، ثُمَّ ذَهَبْتُ فِي الأَرْضِ.
١٤٨ - سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الصَّبَّاحِ يَقُولُ: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً﴾ [النساء: ٩٧]، قَالَ: الْهَرَبُ.
[ ١٠٩ ]
١٤٩ - وَسَمِعْتُ عَبَّاسًا الْعَنْبَرِيَّ يَقُولُ: قَالَ لِي بِشْرُ بْنُ الْحَارِثِ: قَدْ فَعَلَ سُفْيَانُ أَمْرًا صَارَ فِيهِ قُدْوَةً، هَرَبَهُ مِنَ السُّلْطَانِ.
١٥٠ - سَمِعْتُ عَبَّاسًا الْعَنْبَرِيَّ يَقُولُ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَابِرٍ، قَالَ: قِيلَ لابْنِ الْمُبَارَكِ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، سُفْيَانُ لَمْ يَكُنْ يَأْمُرُهُمْ، فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، أَيُّ أَمْرٍ أَشَدُّ مِنَ الْفِرَارِ.
١٥١ - سَمِعْتُ بَعْضَ الْمَشْيَخَةِ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الْمُنْذِرِ إِسْمَاعِيلَ يَقُولُ: كُنْتُ أَنَا وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ صَاحِبُ شُعْبَةَ، قَدِمْنَا عَلَى سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَكَانَ قَدْ وَلِيَ شَرِيكٌ الْقَضَاءَ، فَسَمِعْنَا سُفْيَانَ يَقُولُ: رَحِمَ اللَّهُ مَنْصُورًا، قَدْ رَأَيْتُ مَنْصُورًا، وَدَخَلْتُ عَلَيْهِ السِّجْنَ، ثُمَّ يَسْكُتُ، ثُمَّ يَقُولُ: قَدْ رَأَيْتُ مَنْصُورًا، وَدَخَلْتُ عَلَيْهِ السِّجْنُ، وَإِنَّمَا عَرَّضَ بِشَرِيكٍ، يَقُولُ: كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَصْبِرَ حَتَّى يُحْبَسَ.
١٥٢ - سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ الْخَلِيلِ يَقُولُ: حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عِيسَى مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، قَالَ: حَبَسَ الْفَضْلُ بْنُ يَحْيَى - وَهُوَ وَالِي خُرَاسَانَ - خَالِدَ بْنَ صُبَيْحٍ، حِينَ أَرَادَهُ عَلَى قَضَاءِ خُرَاسَانَ، فَامْتَنَعَ، وَكَانَ أَعْلَمَ أَهْلِ خُرَاسَانَ بِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، وَأَحْفَظَهُمْ لَهُ، فَحَبَسَهُ الْفَضْلُ فِي السِّجْنِ.
[ ١١٠ ]
قَالَ الْحَسَنُ: فَكُنْتُ جَالِسًا مَعَ ابْنِ الْمُبَارَكِ إِذْ دَخَلَ عَلَيْنَا أَبُو يَحْيَى أَكْثَمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ: مِنْ أَيْنَ جِئْتَ يَا أَبَا يَحْيَى؟ قَالَ: مِنَ السِّجْنِ، دَخَلْتُ عَلَى خَالِدِ بْنِ صُبَيْحٍ، قَالَ: فَكَيْفَ رَأَيْتَهُ؟ قَالَ: رَأَيْتُ رَجُلا لَوْ قُرِضَ بِالْمَقَارِيضِ مَا قَبِلَ الْقَضَاءَ، وَذَلِكَ أَنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ: هَبْنِي أُعْلِمِ النَّاسَ بِهَذَا الْكَلامِ، كَيْفَ لِي بِاخْتِلافِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ وَمَا يُدْرِينِي مَا لَحِقَ مِنْهُ، حَتَّى آخُذَ مَالَ هَذَا، وَأَدْفَعَهُ إِلَى هَذَا، وَلا أَدْرِي أَحَقٌّ أَمْ لا، فَتَهَلَّلَ وَجْهُ ابْنِ الْمُبَارَكِ وَسَرَّهُ مَا سَمِعَ، وَقَالَ: جَزَاكَ اللَّهُ أَبَا الْهَيْثَمِ خَيْرًا.
١٥٣ - سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ الْخَلِيلِ يَقُولُ: حَدَّثَنِي الْحَسَنُ قَالَ: قِيلَ لابْنِ الْمُبَارَكِ: أَنَّهُ قَدْ سُمِّيَ لِلْوَالِي قَوْمٌ يَسْتَشِيرُهُمْ فِي قَاضٍ يُنَصِّبُهُ بِمَرْوَ، وَذَكَرُوا النَّضْرَ بْنَ مُحَمَّدٍ، وَخَالِدَ بْنَ صُبَيْحٍ، وَابْنَ الْمُبَارَكِ، وَنَاسًا مِنْ مَشَايِخِ أَهْلِ مَرْوَ، فَغَضِبَ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَقَالَ: تُرَاهُمْ طَمِعُوا فِي أَنْ أُشِيرَ عَلَيْهِمْ بِأَحَدٍ، لَوْ ذَكَرُوا لِي الْفُضَيْلَ بْنَ عِيَاضٍ مَا أَشَرْتُ بِهِ.
١٥٤ - سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ يَزِيدَ الرِّفَاعِيَّ يَقُولُ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ يَمَانٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَقِيتُ سُفْيَانَ، فَقُلْتُ لَهُ أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: حَمَّادَ بْنَ مُوسَى، قُلْتُ: أَنَا آتِيكَ بِهِ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ، وَمَضَيْتُ
[ ١١١ ]
إِلَى حَمَّادٍ، فَقُلْتُ: سُفْيَانُ يَدْعُوكَ، فَجَاءَ مَعِي، فَقَالَ لَهُ سُفْيَانُ: تَحْضُرُ، وَنَغِيبُ، وَنُذْكَرُ؟ ! فَإِنْ ذُكِرْتَ فَقُلْ: مُصَابٌ، يَعْنِي مُصَابٌ بِمُصِيبَةٍ
١٥٥ - سَمِعْتُ عَبْدَ الْوَهَّابِ بْنَ عَبْدِ الْحَكَمِ يَقُولُ: لَمَّا جِيءَ بِوَكِيعٍ، قَالَ: سَمِّعُوهُ، وَهُوَ يُرِيدُ الدُّخُولَ عَلَى هَارُونَ: تُرَاهُمْ يَكْرَهُونَنَا، تُرَاهُمْ يَضْرِبُونَنَا، إِنْ ضَرَبُونَا صَبَرْنَا.
١٥٦ - قَالَ: وَسَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ: لَمَّا عَزَلُوهُ - يَعْنِي ابْنَ شُبْرُمَةَ - شِيعَتُهُ، فَلَمَّا أَفْرَدَنِي وَإِيَّاهُ الْمَسِيرُ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَنَا أَحَدٌ، نَظَرَ إِلَيَّ فَقَالَ: يَا أَبَا عُرْوَةَ، أَحْمَدُ اللَّهَ إِلَيْكَ، أَمَّا إِنِّي لَمْ أَسْتَبْدِلْ بِقَمِيصِي هَذَا قَمِيصًا مُنْذُ دَخَلْتَهَا، قَالَ: ثُمَّ سَكَتَ سَاعَةً، فَقَالَ: يَا أَبَا عُرْوَةَ، إِنَّمَا أَقُولُ حَلالا، فَأَمَّا الْحَرَامُ فَلا يُسْعَى إِلَيْهِ
١٥٧ - وَسَمِعْتُ نُوحَ بْنَ حَبِيبٍ الْقُومِسِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ وَكِيعًا يَقُولُ: لَمَّا مَاتَ أَبُو يُوسُفَ الْقَاضِي بَعَثَ إِلَيْنَا هَارُونُ، قَالَ: فَجِئْتُ أَنَا وَابْنُ إِدْرِيسَ وَحَفْصٌ، فَقَعَدْنَا فِي سَفِينَةٍ إِلَى بَغْدَادَ، فَلَمَّا دَخَلْنَا عَلَى هَارُونَ كَانَ بِابْنِ إِدْرِيسَ ارْتِعَاشٌ، قَالَ: فَازْدَادَ ابْنُ إِدْرِيسَ عَلَى بَابِهِ، فَجَعَلَ يَنْفُضُ يَدَيْهِ، قَالَ: وَإِذَا هَارُونُ قَاعِدٌ عَلَى سَرِيرٍ وَمَعَهُ تُرْكِيٌّ عَرِيضُ الْوَجْهِ، عَظِيمُ الْبَطْنِ، أَوْ قَالَ: كَبِيرُ الْبَطْنِ.
[ ١١٢ ]
قَالَ: قُلْتُ: لَمْ يَجِدْ أَحَدًا يَقْعُدُ مَعَهُ إِلا هَذَا التُّرْكِيَّ، قَالَ: فَتَكَلَّمَ هَارُونُ، فَلَمَّا رَأَى مَا بِابْنِ إِدْرِيسَ، قَالَ: لَيْسَ فِي ابْنِ إِدْرِيسَ حِيلَةٌ، أَوْ لَيْسَ يُنْتَفَعُ بِهِ.
قَالَ: ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى حَفْصٍ فَأَرَادَ أَنْ يُصَيِّرَهُ قَاضِي الْقُضَاةِ، فَأَبَى عَلَيْهِ حَفْصٌ، وَجَعَلَ يُرَادُّهُ وَيُكَلِّمُهُ، وَحَفْصٌ يَأْبَى، قَالَ: فَأَرَادُونَا فَأَبَيْنَا عَلَيْهِ، وَجَهِدُوا فَأَبَيْنَا، فَتَكَلَّمَ التُّرْكِيُّ وَإِذَا هُوَ مِنْ أَفْصَحِ قُرَيْشٍ لِسَانًا، ثُمَّ قَالَ: لَوْ وَلَّى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْكُمْ مِثْلَ أَبِي السَّرَايَا، وَأَبِي الرَّعْدِ، وَحَمَّادٍ الْبَرْبَرِيِّ، وَذَكَرَ غَيْرَ وَاحِدٍ، لَقُلْتُمْ إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ظَالِمٌ، وَلَّى عَلَيْنَا مَنْ لا يَنْبَغِي، وَإِذَا دَعَاكُمْ إِلَى أَنْ يُصَيِّرَكُمْ أَبَيْتُمْ عَلَيْهِ، قَالَ: فَلَمْ يَزَلْ بِحَفْصٍ حَتَّى قَالَ لَهُ: إِنْ كَانَ وَلا بُدَّ فَكُنْ عَلَى الْكُوفَةِ وَاقْعُدْ فِي بَيْتِكَ.
قَالَ وَكِيعٌ: سَأَلْتُ عَنِ التُّرْكِيِّ، فَقَالُوا: ذَاكَ عِيسَى بْنُ جَعْفَرٍ.
١٥٨ - وَسَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: أُقْدِمَ وَكِيعٌ إِلَى هَاهُنَا فَأُرِيدَ عَلَى الْقَضَاءِ فَاسْتَعْفَى فَأُعْفِيَ.
[ ١١٣ ]
١٥٩ - وَسَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: لَمَّا قُدِمَ بِابْنِ إِدْرِيسَ إِلَى هَاهُنَا كَانَ بِهِ ارْتِعَاشٌ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى هَارُونَ جَعَلَ يَزْدَادُ ارْتِعَاشُهُ، فَأُعْفِيَ، يَعْنِي عَنِ الْقَضَاءِ.
١٦٠ - سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ الْخَلِيلِ يَقُولُ: حَدَّثَنِي الْحَسَنُ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ الْمُبَارَكِ يَقُولُ: بَعَثَ ابْنُ هُبَيْرَةَ إِلَى الْقَاسِمِ بْنِ الْوَلِيدِ، فَقَالَ لَهُ الْقَاسِمُ: مَا يُرِيدُ الأَمِيرُ مِنِّي؟ قَالَ: يُوَلِّيكَ قَضَاءَ الْكُوفَةِ، قَالَ: مَكَانَكَ، قَالَ: فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ، فَدَعَا بِجَارِيَةٍ لَهُ، فَقَالَ: خُذِي شَعْرِي جُزِّيهِ، فَفَعَلَتْ، ثُمَّ لَبِسَ خَلَقَانَ ثِيَابِهِ، فَخَرَجَ فَمَشَى مَعَهُ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى الأَمِيرِ فَنَظَرَ إِلَيْهِ، وَقَدْ شَوَّهَ خَلْقَهُ، قَالَ: فَعَلَ اللَّهُ بِمَنْ أَشَارَ عَلَيْنَا بِهَذَا وَفَعَلَ، اذْهَبْ، فَأَخْرَجَهُ، فَأَرْسَلَ إِلَى آخَرَ.
قَالَ الْحَسَنُ: وَذَكَرَ لِي غَيْرُ ابْنِ الْمُبَارَكِ: أَنَّهُ ابْنُ أَبِي لَيْلَى، فَدَعَاهُ، فَقَالَ لِلرَّسُولِ: مَا يُرِيدُ مِنِّي الأَمِيرُ؟ قَالَ: يُوَلِّيكَ الْقَضَاءَ، قَالَ: مَكَانَكَ، فَدَخَلَ فَلَبِسَ أَحْسَنَ كِسْوَتِهِ، وَتَعَمَّمَ بِعِمَامَةٍ حَسَنَةٍ، وَتَزَيَّنَ، ثُمَّ،
[ ١١٤ ]
خَرَجَ مَعَهُ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى الأَمِيرِ فَنَظَرَ إِلَيْهِ، قَالَ: فُلانُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: مِثْلُ هَذَا فَلْيُشَرْ بِهِ، قَدْ وَلَّيْنَاكَ قَضَاءَ الْكُوفَةِ، قَالَ: فَلَمْ يَزَلْ قَاضِيًا.
قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: اخْتَارَ ذَاكَ لِدِينِهِ، وَاخْتَارَ هَذَا لِدُنْيَاهُ
١٦١ - وَسَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ مِنْ فُتْيَا ابْنِ أَبِي لَيْلَى، فَأَبَى أَنْ يُجِيبَهُ لِئَلا يَجِيءَ بِهِ، وَذَاكَ أَنَّ ابْنَ أَبِي لَيْلَى كَانَ عَلَى الْقَضَاءِ.
١٦٢ - وَسَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ الْخَلِيلِ يَقُولُ: حَدَّثَنِي الْحَسَنُ، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ شُرَيْحًا اسْتَقْبَلَهُ رَجُلٌ عَلَى ظَهْرِ الطَّرِيقِ، فَقَالَ: يَا أَبَا أُمَيَّةَ، كَبِرَتْ سِنُّكَ، وَرَقَّ جِلْدُكَ، وَارْتَشَى أَهْلُكَ، قَالَ: أَوَ كَذَاكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: لا تَسْتَقْبِلْنِي أَنْتَ وَلا غَيْرُكَ بِهَذَا الْكَلامِ أَبَدًا.
قَالَ: فَمَضَى حَتَّى دَخَلَ عَلَى الْحَجَّاجِ فَاسْتَعْفَاهُ، وَشَكَى إِلَيْهِ ضَعْفَهُ، وَكِبَرَ سِنِّهِ، فَقَالَ: لَسْتُ أُعْفِيكَ حَتَّى تُشِيرَ عَلَيَّ بِرَجُلٍ أُصَيِّرُهُ مَكَانَكَ، قَالَ: أَفْعَلُ، قَالَ: مَنْ؟ قَالَ: أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى، فَاسْتَقْضَاهُ، وَأَعْفَى شُرَيْحًا، فَلَقِيَهُ الشَّعْبِيُّ بَعْدُ، فَقَالَ: أَلا أَشَرْتَ بِي، قَالَ: خَيْرٌ لَكَ إِذْ لَمْ أَفْعَلْ.
١٦٣ - سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ شَدَّادٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ حَسَنَ بْنَ زِيَادٍ بِطَرَسُوسَ يَقُولُ: لَمَّا مَاتَ أَبُو يُوسُفَ الْقَاضِي، قَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ: فِيكُمُ السَّاعَةَ أَحَدٌ يُغْبِطُهُ؟
[ ١١٥ ]
١٦٤ - قَرَأْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ: يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ - رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ - قَالَ: قَالَ مَكْحُولٌ: لأَنْ تُقْطَعَ يَدِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَكُونَ قَاضِيًا، وَلأَنْ تُضْرَبَ عُنُقِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَكُونَ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ.
قَالَ يَزِيدُ: سَمِعْتُهُ مِنْهُ مُنْذُ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ سَنَةً.
١٦٥ - وَسَمِعْتُ عَبْدَ الْوَهَّابِ بْنَ عَبْدِ الْحَكَمِ يَقُولُ: سَمِعْتُ مُوسَى بْنَ أَبَانٍ يَقُولُ: ذَاكَرْتُ يُوسُفَ بْنَ أَسْبَاطٍ بِأَمْرِ الشُّيُوخِ، حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى حَفْصٍ، فَقَالَ لِي: لا بُدَّ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ قَاضٍ.
١٦٦ - سَمِعْتُ الْوَلِيدَ بْنَ شُجَاعٍ يَقُولُ: قِيلَ لِحَفْصٍ: لَوْ تَمَنَّعْتَ فِي الْقَضَاءِ؟ فَقَالَ: كَرِهْتُ أَنْ يَعْلَمَ اللَّهُ مِنِّي أَنِّي أَتَكَلَّمُ بِكَلامٍ أَتَزَيَّنُ بِهِ.
١٦٧ - قُرِئَ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ: هَاشِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُبَارَكٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَيْزَارِ، قَالَ: كَانَ مُطَرِّفٌ يَقُولُ: وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أَقُولَ مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا أُرِيدُ بِهِ غَيْرَ وَجْهِكَ.
١٦٨ - سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: كَانَ حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَلَى الشَّرْقِيَّةِ، فَجَاءَهُ كِتَابُ هَارُونَ، يَعْنِي الْخَلِيفَةَ، وَكَانَ يَقْضِي الْقَضِيَّةَ، وَالرَّسُولُ وَاقِفٌ، فَلَمْ يَأْخُذِ الْكِتَابَ حَتَّى نَفَذَتِ الْقَضِيَّةُ، ثُمَّ أَخَذَ الْكِتَابَ، وَكَانَ فِيهِ: لا تَنْظُرْ فِيهَا، فَقَالَ: قَدْ نَفَذَتِ الْقَضِيَّةُ
[ ١١٦ ]
١٦٩ - سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ الْخَلِيلِ يَقُولُ: حَدَّثَنِي الْحَسَنُ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ ابْنِ الْمُبَارَكِ بِالْكُوفَةِ، فَأَتَاهُ شَيْخٌ فِي هَيْئَةٍ وَبَزَّةٍ وَكِسْوَةٍ عَلَى بِرْذَوْنٍ، وَرِدَاءٍ حَسَنٍ، فَوَقَفَ عَلَى ابْنِ الْمُبَارَكِ، وَجَعَلَ يُذَاكِرُهُ بِحَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ الأَسْوَدِ سَاعَةً، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ قَدْ كَانَ سَمِعَهَا مِنْ عُثْمَانَ، وَكَانَ بِسِنِّ ابْنِ الْمُبَارَكِ أَوْ أَكْبَرَ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، اللَّهُ يَعْلَمُ حُبِّي لَكَ لِمَا أَنْتَ عَلَيْهِ مِنْ حَالٍ، ثُمَّ قَالَ: وَلَوْ لَمْ أُحِبَّكَ إِلا لِمُجَانَبَتِكَ السُّلْطَانِ وَبُعْدِكَ مِنْهُمْ لأَحْبَبْتُكَ، أَوْ قَالَ: لَوَجَبَ عَلَيَّ حُبُّكَ.
فَقَالَ لَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ: مَا يَسُرُّنِي هَذَا الْبِرْذَوْنُ، وَأَرَادَ أَنْ يَقْطَعَ عَلَيْهِ حَدِيثَهُ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: جِئْتُ بِهِ السَّاعَةَ مِنْ عِنْدِ صَاحِبِ مَرَاكِبِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَعْطَانِي بِهِ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ، فَنَكَسَ ابْنُ الْمُبَارَكِ رَأْسَهُ وَسَكَتَ، فَمَا زَالَ سَاكِتًا حَتَّى مَضَى، فَقَالَ لِي: أَلا تَعَجْبُ مِنْ هَذَا، يَزْعُمُ أَنَّهُ يُحِبُّنِي لِمُجَانَبَتِي لَهُمْ، وَيَزْعُمُ أَنَّهُ جَاءَ السَّاعَةَ مِنْ عِنْدِهِمْ! فَلَقِيتُ الْحَسَنَ بْنَ عِيسَى، فَحَدَّثَنِي بِهِ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ.
١٧٠ - وَسَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ الْخَلِيلِ يَقُولُ: حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عِيسَى قَالَ: أَخْبَرَنِي عَتَّابُ بْنُ زِيَادٍ الْمَرْوَزِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ قَالَ:
[ ١١٧ ]
كَانَ قَاضٍ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ فَمَاتَ، فَجَمَعَ مَلِكُهُمْ خِيَارَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَقَالَ: اخْتَارُوا مِنْكُمْ مِائَةَ رَجُلٍ؟ فَاخْتَارُوا مِنْهُمْ مِائَةَ رَجُلٍ، فَقَالَ لِلْمِائَةِ: اخْتَارُوا مِنْكُمْ عَشَرَةً؟ فَاخْتَارُوا مِنْهُمْ عَشَرَةً، فَقَالَ لِلْعَشَرَةِ: اخْتَارُوا مِنْكُمْ ثَلاثَةَ رِجَالٍ؟ قَالَ: فَاخْتَارُوا مِنْهُمْ ثَلاثَةً، فَقَالَ لِلثَّلاثَةِ: اخْتَارُوا خَيْرَكُمْ؟ فَاخْتَارُوا مِنْهُمْ رَجُلا، فَأَرَادُوهُ عَلَى الْقَضَاءِ فَأَبَى وَامْتَنَعَ، فَأُوحِيَ إِلَيْهِ، لِمَ تَأْبَى أَنْ تَقْضِيَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ فَقَالَ: أَخَافُ أَنْ أَجُورَ فِي الْحُكْمِ وَلا أَشْعُرُ، فَقِيلَ لَهُ: فَإِنَّا نَجْعَلُ لَكَ عِلْمًا تَعْرِفُ بِهِ عَدْلَكَ مِنْ جَوْرِكَ، أَوْتِدْ فِي مَنْزِلِكَ وَتَدًا تَنَالُهُ يَدُكَ، فَإِنَّكَ إِذَا حَكَمْتَ بِعَدْلٍ نَالَتْهُ يَدُكَ، وَإِذَا حَكَمْتَ بِجَوْرٍ قَصُرَتْ عَنْهُ يَدُكَ، فَفَعَلَ وَجَلَسَ يَقْضِي بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَإِذَا فَرَغَ وَرَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ أَتَى فَمَدَّ يَدَهُ إِلَيْهِ، فَإِذَا نَالَتْهُ يَدُهُ حَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى.
قَالَ: ثُمَّ إِنَّهُ دَخَلَ يَوْمًا فَمَدَّ يَدَهُ إِلَى الْوَتَدِ فَقَصُرَتْ يَدُهُ عَنْهُ، فَجَلَسَ فِي بَيْتِهِ مَهْمُومًا، لَمْ يَعْرِفْ مِنْ أَيْنَ أُوتِيَ، فَأُوحِيَ إِلَيْهِ: إِنَّمَا قَصُرَتْ عَنْهُ يَدُكَ لأَنَّهُ تَقَدَّمَ إِلَيْكَ خَصْمَانِ، فَأَحْبَبْتَ أَنْ يُتَوَجَّهَ الْقَضَاءُ عَلَى أَحَدِهِمَا دُونَ الآخَرِ، فَقَالَ: يَا رَبِّ، هَذَا شَيْءٌ وَقَعَ فِي نَفْسِي وَلَمْ أَفْعَلْهُ، خَبُرْتُ، فَكَيْفَ إِذَا عَمِلْتَهُ؟ فَتَرَكَ الْقَضَاءَ.
١٧١ - وَسَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: كُنْتُ مَعَ حَسَنِ بْنِ الرَّبِيعِ، وَهُوَ يُرِيدُ الثَّغْرَ، فَشَيَّعْتُهُ إِلَى بَابِ الأَنْبَارِ، فَجَاءَنَا أَبُو الرَّبِيعِ النَّخَّاسُ، فَدَفَعَ إِلَيْهِ كِتَابًا، فَإِذَا عُنْوَانُه: إِلَى مُوسَى بْنِ دَاوُدَ قَاضِي
[ ١١٨ ]
طَرَسُوسَ، فَوَضَعَ الْحَسَنُ الْكِتَابَ عَلَى الأَرْضِ وَتَرَكَهُ.
١٧٢ - وَسَمِعْتُ هَارُونَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا الْمُعَلَّى بْنُ عِرْفَانَ، أَنَّ رَجُلا أَتَى أَبَا وَائِلٍ، فَقَالَ: إِنَّ ابْنَ أَخِيكَ اسْتَعْمَلَ عَلَى السُّوقِ، فَقَالَ: لَوْ جِئْتَنِي بِمَوْتِهِ كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مَا أُحِبُّ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتِي شَيْءٌ مِنْ لَحْمِي وَدَمِي فِي عَمَلِهِمْ.
١٧٣ - قَرَأْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ: حُسَيْنٌ الأَشْقَرُ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ عَاصِمٍ، قَالَ: لَمَّا وَلِيَ وَائِلٌ الْقَضَاءَ، قَالَ أَبُو وَائِلٍ: يَا بَرَكَةُ، إِنْ جَاءَ وَائِلٌ بِشَيْءٍ فَلا تُطْعِمْنِي مِنْهُ شَيْئًا يَجِيءُ بِهِ.
١٧٤ - سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْعَبْسِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا نُعَيْمٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ يَقُولُ: إِنِّي لأَعْرِفُ رَجُلا لَوْ نَكَسَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعُلِّقَ بِعُرْقُوبَيْهِ، أَوْ قَالَ: بِرِجْلِهِ، مَا دَخَّلَ السُّلْطَانَ فِي شَيْءٍ، قَالَ: فَكُنَّا نَرَى أَنَّهُ يَعْنِي نَفْسَهُ.
[ ١١٩ ]
١٧٥ - سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي شَيْبَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا دَاوُدَ الْحَفَرِيَّ، يَقُولُ: إِذَا أَصَبْتُ قُرْصَيْ شَعِيرٍ عِنْدَ فِطْرِي فَعَلَى مُلْكِ أَبِي جَعْفَرٍ الْعَفَا.
١٧٦ - وَسَمِعْتُ سُفْيَانَ بْنَ وَكِيعٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: قَالَتِ امْرَأَةُ مُحَمَّدِ بْنِ وَاسِعٍ لِمُحَمَّدٍ: لَوْ أَتَيْتَ السُّلْطَانَ: فَكَانَ يَعْرِفُ لَكَ شَرَفَكَ؟ فَقَالَ مَا دُمْتِ تَرَيْنَنِي أَصْبِرُ عَلَى الْخَلِّ وَالْبَقْلِ فَهَذَا شَيْءٌ لا تَرَيْنَهُ.
١٧٧ - حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا حِبَّانُ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، قَالَ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ: لأَكْلُ الْقَضْبِ وَسَفُّ التُّرَابِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنُوِّ مِنَ السُّلْطَانِ
[ ١٢٠ ]
١٧٨ - وَسَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: إِنَّمَا هُوَ طَعَامٌ دُونَ طَعَامٍ، وَلِبَاسٌ دُونَ لِبَاسٍ، وَإِنَّهَا أَيَّامٌ قَلائِلُ.
١٧٩ - سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الصَّبَّاحِ يَقُولُ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عُمَرَ قَالَ: لا يُؤْخَذُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ حُكُومَةِ الْمُسْلِمِينَ أَجْرٌ.
١٨٠ - سَمِعْتُ هَارُونَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: أَخْبَرَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ مَسْرُوقٌ لا يَأْخُذُ عَلَى الْقَضَاءِ أَجْرًا، وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، وَإِنَّ اللَّهَ أَعْطَاهُمُ الصَّفْقَتَيْنِ جَمِيعًا.
١٨١ - وَسَمِعْتُ هَارُونَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَبُو الرَّحَّالِ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: شَهِدْتُ الْحَسَنَ وَأُتِيَ بِرِزْقِهِ، وَهُوَ عَلَى الْقَضَاءِ، فَأَبَى أَنْ يَأْخُذَهُ، وَقَالَ: مَا كُنَّا لِنَأْخُذَ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ أَجْرًا.
[ ١٢١ ]
١٨٢ - سَمِعْتُ عَبَّاسًا الْعَنْبَرِيَّ يَقُولُ: حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَلْدَةَ - قَاضٍ كَانَ عَلَيْهِمْ، أَوْ أَمِيرًا - دَعَاهُ، فَقَالَ: إِنِّي أَرَاكَ تُفْتِي، فَإِذَا أَتَاكَ الرَّجُلُ يَسْتَفْتِيكَ، فَابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَافْتِهَا.
١٨٣ - وَسَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: أَنَّ قَاضِيًا جُمَحِيًّا كَانَ بِمَكَّةَ، وَكَانَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ يَطْعَنُ عَلَى الْقُضَاةِ، فَقَالَ لَهُ الْجُمَحِيُّ: أَنْتَ رَأَيْتَ هُوَ ذَا يَقْضِي، يَعْنِي هُوَ ذَا يُفْتِي.
١٨٤ - سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ خَتَنَ أَبِي نَصْرٍ التَّمَّارِ، قَالَ: كَتَبَ مَعِي بِشْرُ بْنُ الْحَارِثِ إِلَى الرِّفَاعِيِّ الْمَوْصِلِيِّ، قَالَ: فَقَرَأَ الْكِتَابَ عَلَيَّ، فَإِذَا فِيهِ: إِنَّ الَّذِي يَرَاكَ فِي السِّرِّ هُوَ الَّذِي يَرَاكَ فِي الْعَلانِيَةِ، وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّكَ دَخَلْتَ عَلَى الْقَاضِي، فَأَيُّ إِخْوَانٍ نَحْنُ لَكَ إِذَا كُنْتَ تَدْخُلُ عَلَى الْقَاضِي؟ ! قَالَ: وَمَا كَتَبَ إِلَيْهِ حَتَّى مَاتَ.
[ ١٢٢ ]
قَالَ الرِّفَاعِيُّ: وَإِنَّمَا كَانَ حُبِسَ ابْنِي، فَقَالُوا لِي: ادْخُلْ عَلَى الْقَاضِي لَيْلا، فَانْظُرْ مَنْ حَسَدَنِي حَتَّى كَتَبَ إِلَى بِشْرٍ بِهَذَا.
١٨٥ - سَمِعْتُ الأَنْصَارِيَّ يَذْكُرُ عَنِ الرِّفَاعِيِّ: أَنَّ كِتَابَ بِشْرٍ أَتَاهُ فَذَكَرَ نَحْوَهُ
[ ١٢٣ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْبُسْرِيِّ، قَالَ: أَجَازَ لَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْدَانَ بْنِ بَطَّةَ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ الْحُسَيْنِ الآجُرِّيَّ حَدَّثَهُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فِي صَفَرٍ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَثَلاثِ مِائَةٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ كُرْدِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَجَّاجِ الْمَرُّوذِيُّ، قَالَ:
١٨٦ - سَمِعْتُ عَبْدَ الْوَهَّابِ بْنَ عَبْدِ الْحَكَمِ يَقُولُ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ عَمْرٍو، يَقُولُ: كَانَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ قَيْسٌ، فَهَاجَتْ بِهِمْ رِيحٌ، فَقَالَ: تَخَافُونَ أَنْ تَغْرَقُوا، نَحْنُ شُرٌّ مِنْ ذَاكَ أَنْ نَغْرَقَ
١٨٧ - وَسَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ ابْنَ بِنْتِ أَبِي نَصْرٍ التَّمَّارِ يَذْكُرُ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْلَى، قَالَ: كَانَ مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ الرَّبَذِيُّ مَرِيضًا، وَكَانَ الْحَاجُّ يَمُرُّونَ بِهِ يَعُودُونَهُ، فَقَالُوا لِمُعَاذِ بْنِ
[ ١٢٧ ]
مُسْلِمٍ: لَوْ دَخَلْتَ عَلَيْهِ فَعُدْتَهُ، فَقَالَ: اذْهَبُوا بِنَا.
قَالَ: فَدَخَلَ عَلَيْهِ مُعَاذٌ، فَسَلَّمَ فَشَمَّ رِيحَ الطِّيبِ مِنْهُ، قَالَ: فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ مَنْ أَنْتَ عَافَاكَ اللَّهُ؟ قَالَ: أَنَا مُعَاذُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: أَنْتَ، فَلا حَيَّاكَ اللَّهُ، وَلا حَيَّا مَنْ أَدْخَلَكَ عَلَيَّ، قَالَ: قَدْ أَمَرْتُ لَكَ بِمِائَتَيْ دِينَارٍ.
قَالَ: فَوَلَّى وَجْهَهُ وَاللَّهِ عَنِّي، قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا نَظَرَ إِلَيَّ حَتَّى خَرَجْتُ عَنْهُ، وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ ذُلا أَذَلَّ مِنْ مَقَامِي بَيْنَ يَدَيْهِ، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.
١٨٨ - وَبَلَغَنِي عَنِ الْحَكَمِ بْنِ مُوسَى، قَالَ: سَمِعْتُ هِقْلَ بْنَ زِيَادٍ قَالَ: قَالَ الأَوْزَاعِيُّ: لَيْسَ شَيْءٌ أَبْغَضَ إِلَى اللَّهِ ﷿ مِنْ عَالِمٍ يَزُورُ عَامِلا.
١٨٩ - وَسَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ الْخُرَاسَانِيَّ يَقُولُ: حَدَّثَنِي أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: سَمِعْتُ يُوسُفَ بْنَ أَسْبَاطٍ، يَقُولُ: قَالَ لِي سُفْيَانُ: إِذَا رَأَيْتَ الْقَارِئَ يَلُوذُ بِالسُّلْطَانِ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لِصٌّ، فَإِذَا رَأَيْتَهُ يَلُوذُ بِالأَغْنِيَاءِ فَاعْلَمْ أَنَّهُ مُرَاءٍ.
[ ١٢٨ ]
١٩٠ - وَقَالَ لِي يُوسُفُ: قَالَ سُفْيَانُ: إِيَّاكَ أَنْ تُخْدَعَ، يَقُولُ: تَرُدُّ مَظْلَمَةً، أَوْ تَدْفَعُ عَنْ مَظْلُومٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ خَدْعَةُ إِبْلِيسَ، اتَّخَذَهَا فُجَّارُ الْقُرَّاءِ سُلَّمًا.
١٩١ - سَمِعْتُ إِسْحَاقَ بْنَ دَاوُدَ بْنِ صُبَيْحٍ يَقُولُ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ أَبِي غَنِيَّةَ يَقُولُ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَسَلَّمَ وَمَدَّ يَدَهُ إِلَى سُفْيَانَ، فَرَفَعَ سُفْيَانُ بَصَرَهُ إِلَيْهِ، ثُمَّ صَوَّبَ، وَلَمْ يَمُدَّ يَدَهُ إِلَى الرَّجُلِ، فَلَمَّا رَأَى الرَّجُلُ مَا فَعَلَ بِهِ سُفْيَانُ لَمْ يَجْلِسْ، وَانْصَرَفَ، فَقَالَ سُفْيَانُ: إِنْ هَذَا كَانَ جَالِسًا، فَبَلَغَنِي أَنَّهُ يُجَالِسُ هَؤُلاءِ، فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ بِالطَّرَفَيْنِ، فَإِذَا فَعَلَ أَحَدُهُمْ هَذَا، فَافْعَلُوا بِهِ مِثْلَ هَذَا.
١٩٢ - سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ شَقِيقٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمَ بْنَ الأَشْعَثِ يَقُولُ: سَمِعْتُ الْفُضَيْلَ يَقُولُ: الْمُؤْمِنُ قَلِيلُ الْكَلامِ، كَثِيرُ الْعَمَلِ، وَالْمُنَافِقُ كَثِيرُ الْكَلامِ، قَلِيلُ الْعَمَلِ.
[ ١٢٩ ]
١٩٣ - وَسَمِعْتُ ابْنَ عَلِيِّ بْنَ شَقِيقٍ يَقُولُ: أَخْبَرَنَا أَبِي، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ: يَنْبَغِي لِلْوَصْفِ الْقَلِيلِ الْعَمَلُ الْكَبِيرُ، حَتَّى مَتَى تَصِفُ الطَّرِيقَ لِلدَّالِجِينَ، وَأَنْتَ مُقِيمٌ فِي مَحِلَّةِ الْمُتَحَيِّرِينَ.
١٩٤ - وَسَمِعْتُ عَبَّاسًا الْعَنْبَرِيَّ يَقُولُ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ عُطَارِدَ الْفَزَارِيَّ، خَتَنَ ابْنِ يَحْيَى، وَكَانَ بَكَّاءً، قَالَ: قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﵇: إِلَى مَتَى تَصِفُونَ الطَّرِيقَ لِلدَّالِجِينَ، وَأَنْتُمْ مُقِيمُونَ مَعَ الْمُتَحَيِّرِينَ، إِنَّمَا يَنْبَغِي مِنَ الْقَوْلِ الْقَلِيلُ، وَمِنَ الْعَمَلِ الْكَثِيرُ.
١٩٥ - سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ السِّمْسَارَ يَذْكُرُ عَنْ بِشْرِ بْنِ الْحَارِثِ، أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: الرَّجُلُ تَكُونُ لَهُ الْجُثَّةُ، وَالطُّولُ، وَالْحُسْنُ، وَلا يَكُونُ عَلَى قَدْرِ ذَاكَ فِي الْعَمَلِ وَالْعَنَاءِ؟ قَالَ: فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: تَرَاهُمْ كَالنَّخْلِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الدَّخْلُ، فَقِيلَ لَهُ: فِي هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ.
[ ١٣٠ ]
١٩٦ - بَلَغَنِي عَنِ النُّفَيْلِيِّ، عَنْ خُلَيْدِ بْنِ دَعْلَجٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ وَاسِعٍ، قَالَ: لَقْمُ الْقَضْبِ، وَسَفُّ التُّرَابِ، أَهْوَنُ مِنَ الدُّنُوِّ مِنْهُمْ
١٩٧ - وَسَمِعْتُ مَيْمُونًا السِّجِسْتَانِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْفَرَجِ، يَقُولُ: كُلْ أَسْفَلَ جِزَرَةٍ، وَإِلا اسْتَفَّ التُّرَابَ
١٩٨ - سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الصَّبَّاحِ يَقُولُ: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عَنْبَسَةَ، قَالَ: قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: لا تَحْمِلْ لَهُمْ كِتَابًا حَتَّى تَعْلَمَ مَا هُوَ.
١٩٩ - وَسَمِعْتُ إِسْحَاقَ بْنَ دَاوُدَ بْنِ صُبَيْحٍ يَقُولُ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ، قَالَ: أَقَمْنَا عِنْدَ يُوسُفَ بْنِ أَسْبَاطٍ فَخَرَجْنَا إِلَى الْمِصِّيصَةِ، فَخَرَجَ يَمْشِي مَعَنَا فَوَدَّعَنَا وَرَجَعَ، فَإِذَا رَجُلٌ قَدْ عَرَضَ لَنَا بِكِتَابٍ، فَقَالَ: بَلِّغُوا هَذَا الْمِصِّيصَةِ، فَالْتَفَتَ يُوسُفُ فَرَآهُ، فَقَالَ: لا تَحْمِلُوا كِتَابَهُ، فَسَأَلْنَا، فَقِيلَ لَنَا: إِنَّهُ وَكِيلٌ لِعَبْدِ الْمَلِكِ.
٢٠٠ - وَسَمِعْتُ زُهَيْرَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ: أَنَا أَوَّلُ مَنْ تَلَقَّى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ فِي دَارِ إِسْحَاقَ، قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْحُرَاقَةِ، قَالَ: فَخَرَجَ،
[ ١٣١ ]
وَعَلَيْهِ الْكِسَاءُ الَّذِي خَلَعَ عَلَيْهِ، قَالَ: فَسَقَطَ، قَالَ: فَجَعَلَ يَجُرُّهُ وَمَا سِوَاهُ عَلَيْهِ.
٢٠١ - وَسَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، قَالَ: كَانَ طَاوُسٌ يُصَلِّي فِي غَدَاةٍ بَارِدَةٍ مُغَيَّمَةٍ، فَمَرَّ بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَوْ أَيُّوبُ بْنُ يَحْيَى فِي مَوْكِبِهِ، وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَمَرَ بِسَاجٍ، أَوْ طَيْلَسَانٍ مُرْتَفِعٍ فَطَرَحَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ حَتَّى فَرَغَ مِنْ حَاجَتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ نَظَرَ إِذَا السَّاجُ عَلَيْهِ، قَالَ: فَانْتَفَضَ وَلَمْ يَنْظُرْ إِلَيْهِ، وَمَضَى إِلَى مَنْزِلِهِ.
٢٠٢ - وَسَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سَهْلٍ الْبُخَارِيَّ يَقُولُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: حَدَّثَنَا نُعْمَانُ، قَالَ: كَانَ طَاوُسٌ يَخْرُجُ إِلَى الْبَرِيَّةِ فَيُصَلِّي مَا بَدَا لَهُ، قَالَ: فَخَرَجَ يَوْمًا فِي يَوْمٍ مُغَيَّمٍ، فَصَلَّى ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، فَمَرَّ بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ فِي مَوْكِبِهِ، فَرَآهُ يَضْطَرِبُ مِنَ الْبَرْدِ،
[ ١٣٢ ]
فَأَمَرَ بِسَاجٍ فَطُرِحَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ، فَلَمَّا جَازَ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ سَبَّحَ مَا بَدَا لَهُ ثُمَّ سَلَّمَ، فَنَظَرَ فَإِذَا عَلَيْهِ سَاجٌ، فَقَالَ فَانْتَفَضَ، ثُمَّ مَضَى وَتَرَكَهُ.
قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ مُحَمَّدَ بْنَ يُوسُفَ فَغَضِبَ عَلَيْهِ وَبَعَثَهُ يُصْدِقُ أَمْوَالَهُمْ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: أَيْنَ دِيوَانَكَ؟ قَالَ: أَيُّ دِيوَانِي، أَبَعَثْتَنِي جَابِيًا، أَوْ آخِذَ جِزْيَةٍ؟ ! كُنْتُ أَنْزِلُ الْقَرْيَةَ فَأَجْمَعُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ صَدَقَاتِهِمْ، ثُمَّ أَعُودُ بِهَا عَلَى فُقَرَائِهِمْ، لَيْسَ مَعِي دِيوَانٌ وَلا مَالٌ.
قَالَ: فَوَضَعَهُ فِي السِّجْنِ، ثُمَّ كَتَبَ إِلَى الْحَجَّاجِ يُخْبِرُهُ خَبَرَهُ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْحَجَّاجُ: يَا عَاجِزُ، أَوَ مَا عَرَفْتَ طَاوُسًا حَتَّى بَعَثْتَهُ، خَلِّ طَاوُسًا يَذْهُبُ إِلَى أَهْلِهِ، وَخُذِ الْقَوْمَ بِمَا كَانُوا يُؤْخَذُونَ بِهِ.
قَالَ نُعْمَانُ: فَبَلَغَنِي أَنَّهُ كَانَ يَنْزِلُ الْقَرْيَةَ فَيَجْمَعُ أَهْلَهَا فَيَقُولُ: تَصَدَّقُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ، قَالَ: ثُمَّ يَأْخُذُ لَوْحًا فَيَكْتُبُ فِيهِ مَا أَعْطَوْا، ثُمَّ يَدْعُو بِالْمَسَاكِينِ فَيَكْتُبُهُمْ فِي جَانِبِ اللَّوْحِ الآخَرِ، ثُمَّ يَأْخُذُ مِنْ ذَا وَيُعْطِي ذَا، فَإِذَا فَرَغَ مَحَى جَانِبَ اللَّوْحِ، ثُمَّ رَكِبَ.
٢٠٣ - سَمِعْتُ إِسْحَاقَ بْنَ دَاوُدَ بْنِ صُبَيْحٍ يَقُولُ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَارُونَ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ يُوسُفَ كَانَ وَالِيًا عَلَى الْيَمَنِ، فَأَرْسَلَ إِلَى طَاوُسٍ وَوَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، فَدَخَلا عَلَيْهِ، وَكَانَ يَوْمًا بَارِدًا، قَالَ: فَنَظَرَ إِلَى طَاوُسٍ فَرَآهُ مُقْشَعِرًّا، فَظَنَّ أَنَّهُ يَجِدُ الْبَرْدَ، فَأَمَرَ بِطَيْلَسَانِ خَزٍّ بِثَمَنِ أَلْفِ دِرْهَمٍ فَأَلْقَاهُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ طَاوُسٌ يُحَرِّكُ كَتِفَيْهِ حَتَّى سَقَطَ
[ ١٣٣ ]
الطَّيْلَسَانُ مِنْهُ، فَغَضِبَ مُحَمَّدٌ غَضَبًا شَدِيدًا، ثُمَّ خَرَجَا، فَقَالَ لَهُ وَهْبٌ: رَحِمَكَ اللَّهُ، مَا رَابَكَ أَنْ تَعَرَّضَ لِغَضَبِ هَذَا السُّلْطَانِ، فَلَوْ أَخَذْتَهُ وَتَصَدَّقْتَ بِهِ؟ ! فَقَالَ طَاوُسٌ: ذَلِكَ لَوْ عَلِمَ النَّاسُ مِنْهُ مَا أَعْلَمُ، تَقُولُ: يُقْتَدَى بِي فِي الأَخْذِ، وَلا يَعْلَمُونَ أَنِّي أَخَذْتُهُ فَتَصَدَّقْتُ بِهِ.
٢٠٤ - وَقَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: قَدْ جَاءَ يَحْيَى بْنُ خَاقَانَ وَمَعَهُ شَوِيٌّ، فَجَعَلَ يُقَلِّلُهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَيُقَلِّلُهُ، قُلْتُ لَهُ: قَالُوا إِنَّهَا أَلْفُ دِينَارٍ، قَالَ: هَكَذَا قَالَ: وَقَالَ: فَرَدَدْتُهَا عَلَيْهِ، فَبَلَغَ الْبَابَ، ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: إِنْ جَاءَكَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِكَ بِشَيْءٍ تَقْبَلُهُ؟ قُلْتُ: لا، قَالَ: إِنَّمَا أُرِيدُ أَنْ أُخْبِرَ الْخَلِيفَةَ بِهَذَا.
قُلْتُ لأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: أَيُّ شَيْءٍ كَانَ عَلَيْكَ لَوْ أَخَذْتَهَا فَقَسَمْتَهَا؟ فَكَلَحَ وَجْهُهُ، وَقَالَ: إِذَا أَنَا قَسَمْتُهَا، أَيَّ شَيْءٍ كُنْتُ أُرِيدُ؟ أَنْ أَكُونَ لَهُ قَهْرَمَانًا؟ !
[ ١٣٤ ]